قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
وقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
والآيتان مرتبطتان ببعضهما حكمًا؛ لذا أحال القرطبي أحكام الأولى إلى الآية الثانية.
وقد ثبت في الصّحيحين (أنّه لما توفي عبد الله بن أبيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنّما خيرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيده على السبعين.
قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، برقم (٤٣٩٣)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب، برقم (٢٧٧٤).
[ ٢٠١ ]
وقد استنبط العلماء من الآيتين أحكامًا:
• الحكم الأول: عدم جواز الصّلاة على الكافر.
مأخذ الحكم: النهي بقوله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ والنهي يقتضي التّحريم، وفساد العبادة، وعدم جواز الصلاة عليهم حكم مجمع عليه.
تنبيه: يؤخذ من مفهوم النهي عن الصلاة على الكافر، جواز الصّلاة على المؤمن فتكون مشروعية صلاة الجنازة ثابتة بالقرآن، وذلك عند من يقول بحجية مفهوم المخالفة.
ولا خلاف بين العلماء في مشروعية الصّلاة على المؤمن، وهي ثابتة بالسّنة والإجماع.
• الحكم الثاني: أن صلاة الجنائز صلاة شرعية كسائر الصلوات؛ وهو مذهب الشافعية والحنابلة، بخلاف من قال: إنّها ليست صلاة شرعية، وإنّما هي الدعاء؛ وهو مذهب الحنفية والمالكية.
ومأخذ القائلين بأنّها صلاة شرعيّة: هو ورود المصطلح (صلاة) في سياق النهي، وما كان كذلك، فإنّه ينصرف إلى العبادة الشّرعية، بخلاف ورودها في سياق الإثبات، فيحتمل إرادة المعنى اللغوي وهو: الدعاء والاستغفار.
فصلاة الجنازة داخلة في عموم الصّلاة الشّرعية، فتكون كذلك.
ويترتب على هذا الخلاف مسائل: منها: اشتراط قراءة الفاتحة فيها.
قال ابن قدامة: «ثم هو داخل في عموم قوله ﵇: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن) (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، وقد سبق.
(٢) المغني (٢/ ٣٦٢).
[ ٢٠٢ ]
ويترتب على الخلاف كذلك مشروعية التّسليم لها، سواء تسليمتان أو واحدة، وكذلك النهي عن صلاتها في أوقات النّهي، وأنّ المسبوق يُكبِّر حين يحضر ويكون مدركًا للتكبيرة التي أدركها الإمام عليها، ويصلي عليها في المسجد، وهل يشترط لها الطهارة الحقيقية والحكمية، واستقبال القبلة وستر العورة أو لا، كل ذلك قياسًا على سائر الصلوات.
[ ٢٠٣ ]