الجنايات: جمع جناية.
قال ابن قدامة: «والجناية: كل فعل عُدوان على نفس أو مال، لكنها في العُرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمَّوا الجنايات على الأموال غصبًا، ونهبًا، وسرقة، وخيانة، وإتلافًا» (^١).
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية ووجوب القصاص (^٢).
مأخذ الحكم: الوجوب بلفظ ﴿كُتِبَ﴾، وهي خبر عن الحكم بالوجوب، و﴿كُتِبَ﴾، بمعنى فرض.
• الحكم الثاني: لا يقتص من الرجل في قتل المرأة (^٣).
مأخذ الحكم: دلالة مفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال الموزعي: «فدلَّ الخطاب بفحواه على أن العبد يقتل بالحر، وأن الأنثى تقتل بالأنثى بالذكر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فأولى أن يُقتل به العبد، وإذا قُتلت الأنثى
_________________
(١) المغني (١١/ ٤٤٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٣).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٤)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٥).
[ ٥٤٠ ]
بالأنثى فأولى أن تُقتل بالذكر، ولكن تخصيص هذه الأفراد الثلاثة، وهي الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى يدلُّ بطريق المفهوم على أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن الذكر لا يقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والأصول والترجيحات عند التعارض» (^١)، ثمَّ خاض فيها خوض المجتهدين.
نوقش: بأن هذا المفهوم متروك.
قال الطوفي: «لضعفه، ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع» (^٢).
• الحكم الثالث: الحر لا يقتل بالعبد (^٣).
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
قال الطوفي: «مفهومه أنّه لا يقتل حر بعبد، وهو خاص (أي: المفهوم) فيخصص عموم: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ … إلخ.
وأبو حنيفة ليس المفهوم حجة عنده، وأخذ بعموم آية المائدة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فقال يقتل الحر بالعبد، ولحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (^٤) (^٥).
• الحكم الرابع: أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه (^٦).
_________________
(١) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٦).
(٢) الإشارات (١/ ٣١٣).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٣٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٩)، وتيسير البيان (١/ ٢٠٥).
(٤) أخرجه أبوداود (٢٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٣)، وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٦٥).
(٥) الإشارات (١/ ٣١٣)
(٦) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٧٣).
[ ٥٤١ ]
قال السيوطي: «فيه أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه، وأخذ جماعة من الآية تحتم قتله وأنه لا يصح العفو عنه» (^١).
مأخذ الحكم: توعد الله له بعذاب أليم، على القول بأن العذاب الأليم هو القتل.
قال السيوطي: «وورد في الحديث المرسل عن قتادة (لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدية)، وهو يعتبر جانيًا عمدًا أو أشبه الجاني ابتداءًا» (^٢).
• الحكم الخامس: سقوط القصاص بالعفو عن بعضه (^٣).
قال الموزعي: «وفي الآية دليل على أنه إذا عُفي عن بعض الدم سقط القصاص» (^٤)
مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة.
بيَّن الموزعي المأخذ فقال: «بطريق الإشارة، فقال في آخر الآية ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، يعني: القصاص، وشريعة بني إسرائيل لا تصدق فيها بالدم، ولا عفو، بل القصاص عليهم متحتم» (^٥)
وقال السيوطي: «وفي تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ إشارة إلى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه» (^٦).
قلت: لأنَّ ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق شرط، فيعمّ العفو عن الشيء القليل والكثير،
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٤٠).
(٢) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٤٠)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٢١٦).
(٤) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢١٦).
(٥) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٦) الإكليل (١/ ٣٤٠).
[ ٥٤٢ ]
كما أن القصاص لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، وإسقاط بعضه إسقاط لكله، كالطلاق.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
استدل بالآية على اعتبار المماثلة في القصاص (^١).
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح» (^٢).
مأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة.
تنبيه: الاعتداء بالمثل تفسير لما أجمل في الآية نفسها في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم قتل المؤمن بغير الحق.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٥)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٠٠).
(٢) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
[ ٥٤٣ ]
قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير الحق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع» (^١). ثم ذكر آيتي النساء، وهذه منها.
وقال الموزعي: «وقد أجمعت الأمة على تعظيم شأن القتل؛ كما عظمه الله تعالى، ورسوله ﷺ فهو أكبر الكبائر بعد الشرك» (^٢).
مأخذ الحكم: من الآية الأولى: نفي ايقاع هذا الفعل من المؤمن، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وقيل: في تأويلها: «معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنًا. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه: ما كان له فيما سلف كما ليس له الآن» (^٣).
قال الرازي بعد أن ذكر شيئًا من التأويل السابق: «والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف» (^٤).
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الوعيد بالخلود في النار مع غضب الله، ولعنة الله على فاعله، وتهديده بما أُعدَّ له من العذاب.
قال الموزعي: «فحرم الله سبحانه قتل المؤمن تحريما مغللظًا لا يوجد في سائر المحرمات» (^٥).
تنبيهان:
الأول: تقييد الحكم بقتل المؤمن بغير الحق، لماسيأتي في آيتي الأنعام والإسراء من التقييد بذلك.
_________________
(١) المغني (١١/ ٤٤٣).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٤٥٧).
(٣) أحكام القرآن (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٤) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٧٥).
(٥) تيسير البيان (٢/ ٤٤٤).
[ ٥٤٤ ]
الثاني: تذكر كتب الفقه وأحكام القرآن الخلاف في قبول توبة القاتل عمدًا، وخلوده في النار.
قال ابن قدامة: «وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم. وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل؛ للآية التي ذكرناها، وهي من آخر ما نزل. قال ابن عباس: ولم ينسخها شيءٌ؛ ولأن لفظ الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير؛ لأن خبر الله تعالى لا يكون إلَّا صدقًا. ولنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعله داخلًا في المشيئة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]» (^١).
• الحكم الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى نفي ما يسمى بقتل شبه العمد.
قال السيوطي: «فاستدل به من قال لا واسطة بينهما، ونفي القتل المسمى شبه العمد» (^٢).
ومأخذ الحكم: سكوت الشارع، حيث إنه سبحانه ذكر الخطأ المحض في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وذكر العمد المحض، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، ولم يذكر قسمًا ثالثًا (^٣).
قال ابن قدامة: «وأنكر مالك شبه العمد، وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد»، ثمَّ قال: «وهو الصواب؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن دية
_________________
(١) المغني (١١/ ٤٤٣ - ٤٤٤). وينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٤٧) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٨٣).
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٠).
[ ٥٤٥ ]
الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود (^١)، وفي لفظ: (قتيل خطأ العمد) (^٢) أ. هـ» (^٣).
وقال أيضا: «شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبًا؛ إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالبًا إذا قتل، فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطإ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل، فهذا لا قود فيه. والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم. وجعله مالك عمدًا موجبًا للقصاص؛ لأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسمًا ثالثًا، زاد على النص، ولأنه بفعل عمده، فكان عمدًا، كما لو غرزه بإبرة فقتله» (^٤).
وضابط شبه العمد مختلف فيه يرجع فيه إلى كتب الفقه والخلاف (^٥).
• الحكم الثالث: لا قصاص في قتل الخطأ (^٦).
مأخذ الحكم: عدم ذكر الله ذلك في مقام البيان، بل ذكر الواجب في حقِّه، وهو الدية.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في سننه، في كتاب الديات، باب دية الخطأ شبه العمد، برقم (٤٥٨٨)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٣٥٥ - ٢٥٧)، برقم (٢١٩٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند، (٢٤/ ١٠٨)، برقم (١٥٣٨٨)، والنسائي في السنن، في كتاب القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط، برقم (٤٧٩٦)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٢٦٢)، برقم (٢٢٠٤).
(٣) لمغني (١١/ ٤٤٥).
(٤) المصدر السابق (١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٢)، وتيسير البيان (٢/ ٤٧٢).
(٦) ينظر: المغني (١١/ ٤١٤)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٣٢)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٧٢).
[ ٥٤٦ ]
• الحكم الرابع: لا قصاص في الجروح في الخطأ (^١).
مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولوي؛ إذ إنه سبحانه أوجب الكفارة والدية دون القصاص في النفس، فما دون النفس من الجراحات أولى، قاله ابن الفرس، وقال: «فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم» (^٢).
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القصاص في النفس والأعضاء.
قال السيوطي: «فيها مشروعية القصاص في النفس والأعضاء والجروح بتقرير شرعنا كما قال ﷺ في حديث: السِّن (كتاب الله القصاص) (^٣)» (^٤).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بالكتب، وكونه شرعًا لمن قبلنا، وأقرَّه شرعُنا، فهو شرع لنا بالاتفاق (^٥). والتحذير من مخالفة حكمه سبحانه بذم الفاعل بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
_________________
(١) ينظر: المغني (١١/ ٤١٤).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٣٦).
(٣) أخرجه البخاري في سورة البقرة، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، برقم (٤٤٩٩)
(٤) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٢)، والمغني (١١/ ٣٦).
(٥) ينظر: المغني (١١/ ٣٦)، والإكليل (٢/ ٦٢٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٢).
[ ٥٤٧ ]
• الحكم الثاني: مشروعية القصاص في الجروح.
قال ابن الفرس: «عامٌّ في كلِّ جرح في الرأس أو في الجسد» (^١).
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ خبرًا بمعنى الأمر، أو يكون عطفًا على قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
تنبيهان:
الأول: أن العلماء خصَّصوا من عموم (الجراح) جراحات، منها:
ما يخاف التلف منه بقصاصه، وكذا مما لا يمكن القصاص منه، مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل … إلخ (^٢).
قال ابن قدامة: «وإذا جرحه جرحًا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف، اقتص منه، وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح، إذا أمكن» (^٣).
وقال الموزعي: «وضابطه: أن كل جرح أمكن فيه القصاص والمماثلة، ولم يخش منه الموت، فقد وجب فيه القصاص» (^٤).
الثاني: مفهوم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، أن ما ليس بجرح لا قصاص فيه، مثل: نتف شعر من رأس الرجل أو لحيته، أو حاجبيه، أو أشفار عينيه (^٥).
• الحكم الثالث: يقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة (^٦).
_________________
(١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٥).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٦).
(٣) المغني (١١/ ٥٣٠).
(٤) يتيسير البيان (٣/ ١٥٢).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٣٩)، والإكليل (٢/ ٦٤١).
(٦) ينظر: المغني (١١/ ٥٣٠).
[ ٥٤٨ ]
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
نوقش بما سبق في آية البقرة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
قال ابن الفرس عند هذه الآية: «فأما ما في النفس فالجمهور على أنَّ القصاص بينهما واجب؛ لعموم هذه الآية، وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها» (^١).
وقد ذكر في آية البقرة أنها وردت لما ورد في التعدي في القصاص في الجاهلية، حتى «كانوا إذا قَتل حرٌّ من القبيلة العزيزة حُرًا من القبيلة المعزوزة، لم يُسلِّموه للقصاص، وبذلوا موضعه عبدًا أو امرأةً …» (^٢)، فنزلت الآية؛ لإبطال ما كانوا عليه.
قال الموزعي في آية البقرة: «يدل بطريق المفهوم على أن الحر لا يُقتل بالعبد، وأن الذكر لا يُقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والقياس والأصول والترجيحات عند التعارض» (^٣)، ثم خاض فيها خوض المجتهدين وفصَّل أحكامها.
• الحكم الرابع: استحباب العفو عن القصاص (^٤).
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل،
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٤٣٢)، وينظر: المغني (١١/ ٥٠٠)، والإكليل (٢/ ٦٤٠).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٣) تيسير البيان (١/ ٢٠٦).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٤٢).
[ ٥٤٩ ]
والأصل فيه الكتاب والسنة» (^١)، ثم ذكر آية البقرة وهذه الآية.
مأخذ الحكم هنا: قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا عنه.
قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ شرط، وجوابه، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح، فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة …» (^٢).
• الحكم الخامس: أن الجماعة لا تقتل بالواحد.
مأخذ الحكم: أن الله ﷿ قابل النفس القاتلة بالنفس المقتولة.
قال في المغني: «فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة» (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
استدل بها العلماء على وجوب المماثلة في القصاص والجروح.
قال السيوطي: «قال ابن العربي: فيه جواز المماثلة في القصاص خلافًا لمن قال: (لا قود إلا بالسيف) (^٤)» (^٥).
وقال ابن قدامة فيما إذا قطع يديه ورجليه، ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل
_________________
(١) المغني (١١/ ٥٨٠).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٩٦)، وينظر: المغني (١١/ ٥٨٠).
(٣) المغني (١١/ ٤٩٠).
(٤) أخرجه ابن ماجة في أبواب الديات، باب لا قود إلا بالسيف، برقم (٢٦٦٧)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٢٨٥)، برقم (٢٢٢٩).
(٥) الإكليل (٢/ ٩١٠).
[ ٥٥٠ ]
جراحه، قال: «والرواية الثانية عن أحمد قال: إنه لأهله أن يفعل به كما فعل، يعني أن للمستوفي أن يقطع أطرافه، ثم يقتله» (^١)، واستدل بآيتي البقرة والنحل.
وقال في الجروح أن من شروط وجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: «الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم قتل النفس إلا بالحق.
وورد هذا الحكم كذلك في آية الأنعام في الوصايا العشر، في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وورد في آية الفرقان في قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، في صفات المؤمنين.
وسبق الحديث عن الحكم، وبيان تشديد الشارع وتغليظه، وتعظيم حق النفس المعصومة.
ومأخذ الحكم في الآيات السابقة:
أولًا: النهي الصريح بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ في آيتي الإسراء والأنعام، ولعله خبر بمعنى النهي في آية الفرقان، والنهي يقتضي التحريم.
_________________
(١) المغني (١١/ ٥٠٨).
(٢) المصدر السابق (١١/ ٥٣١).
[ ٥٥١ ]
ثانيًا: وصف الله للفعل، وإخباره بالتحريم في قوله: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
ثالثًا: وجوب الحد عليه؛ للدلالة على كونه ذنبًا كبيرًا.
قال السيوطي في آية الأنعام: «فيها من الكبائر … وقتل النفس إلا بحقِّها … وفُسِّر في الحديث … أو قتل نفس بغير نفس» (^١).
• الحكم الثاني: للمرأة مدخل في القصاص.
قال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ على أن للمرأة مدخلًا في القصاص؛ إِذِ المراد بالولي الوارث» (^٢).
مأخذ الحكم: جعل الله ﷿ لها ذلك، مع بيان وجه اندراجها في الولاية بما ذكره السيوطي، باعتبار أن الولي هنا هو الوارث.
قال القرطبي: «وقال المخالف إن المراد ها هنا بالولي: الوارث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة» (^٣).
ومن قال: إنها لا مدخل لها، استدل بأن لفظ (الولي) في الآية مذكر (^٤).
قال القرطبي: «وأما ما ذكروه من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٧٢٨).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٩١٨).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).
(٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٦٠)، والإكليل (٢/ ٩١٨).
[ ٥٥٢ ]
الخلاف» (^١).
• الحكم الثالث: تحريم الإسراف في القتل.
قال الموزعي: «وحرم الله الإسراف في القتل، وهو: أن يأخذ أكثر مما له؛ بأن يقتل غير القاتل، أو يعذب القاتل في القتل، أو يقتله بما هو أغلظ في القتل، أي: في الآلة التي قتل بها» (^٢).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغة: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، وهو يقتضي التحريم.
• الحكم الرابع: للولي أن يقتل بنفسه في القصاص.
قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن للولي أن يقتل بنفسه؛ لأن ذلك يتصور النهي عن الإسراف، ويتم به السلطان، وقد اتفق الناس على ذلك في القتل، وأما في الجروح، ففيه خلاف» (^٣).
قلت: وقد عرَّف من قبل السلطان بقوله: «فُسِّر السلطان بالحجة والبرهان على قتل القاتل»؛ وعليه إن باشر ذلك فقد حصل له هذا بلا ريب.
أما الخلاف في الجروح فقد سبق أن منها: ما يمكن الاستيفاء بالمثل، ومنه: ما لا يمكن، عند قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
مأخذ الحكم: عود الضمير في قوله: ﴿يُسْرِفْ﴾ على الولي، وما فُسِّر به الاسراف في الحكم السابق (^٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٢٦٠).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٤١٠).
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٢٣).
[ ٥٥٣ ]
• الحكم الخامس: لا يستوفى في القصاص إذا كان الولي صغيرا حتى يبلغ.
قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أنه لا يستوفى القصاص إذا كان الولي صغيرًا أو مجنونًا حتى يبلغ هذا، ويفيق هذا» (^١) ثم بيَّن المأخذ.
مأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه هو الولي، والسلطان ثابت له، فلا يجعل لغيره، سواء كان منفردًا بالولاية، أو مشاركًا» (^٢).