قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦].
استدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية، واجب على الكل ويسقط ببعضٍ (^١).
مأخذ الحكم: لأنّ ضمير الجمع في قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يعم الجميع، ومثله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾.
واستدل بها من قال: إن الجهاد في عهده ﷺ كان فرض عين (^٢).
ولعل مأخذ الحكم: بضميمة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، أو بفعله ﵇ حيث كان يستنفرهم، ومن استنفره تعين عليه.
لكن ثبت أنّه ﷺ كان ينفر وقد يتخلف عنه بعض أصحابه.
أو يكون مأخذه من الآية ﴿عَلَيْكُمُ﴾ فهو خطاب لهم، وفي حال وظروف معينة، فيبقى على الأصل عمومه على الجميع عينًا.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٧٢)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٢).
[ ٥٩٢ ]
استدل بالآية على منع القتال في الشهر الحرام (^١).
المقصود منع ابتداء القتال في الشهر الحرام، وأمّا الدفاع فيجوز بلا خلاف.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿كَبِيرٌ﴾ أي: عظيم، ووصف الفعل بذلك في مقام الذم يدل على التحريم، والمنع عن المبادأة، ويؤيد تحريم القتال، وكونه محكمًا غير منسوخ، قوله في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن.
تنبيه: ادعي نسخ الآية. وهو قول الأكثر والأشهر، وجعلوا الناسخ قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي زمان أو مكان.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ الأنفال
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب مصابرة الضعف من العدو، وعدم جواز الفرار.
قال السيوطي: «فيها مصابرة الضعف من العدو، وتحريم الفرار ما لم يزد عدد الكفار» (^٢).
وقال الموزعي: «وعلى مصابرة أهل الضعف أجمع أهل العلم» (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٢) الإكليل (٢/ ٧٩٥).
(٣) تيسير البيان (٣/ ٢٩٦).
[ ٥٩٣ ]
مأخذ الحكم: تعليق الحكم وخروجه مخرج الشرط، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فعلق عليه الغلبة والنصرة؛ للدلالة على كونه في قدرة العبد ولا عذر له في الفرار.
ومفهوم العدد يدل على أن عدد العدو إن زاد على الضعف جاز الفرار.
• الحكم الثاني: المعتبر بالضعف العدد لا القوة.
قال السيوطي: «وفيها الرد على من اعتبر الكثرة في السلاح دون العدد» (^١).
قال الموزعي: «فاعتبر الشافعية بالعدد كما هو ظاهر القرآن، واعتبر المالكية بالقوة، فجوَّزوا للمسلم أن يفِرَّ من الكافر الواحد إذا كان أقوى بطشًا، وأشكى سلاحًا، وأعنف جوادًا» (^٢).
مأخذ الحكم: ظاهر القرآن، حيث إن الظاهر النظر إلى عدد المقاتلين، لا إلى صفاتهم.
قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز الأسر بدل القتل، والتخيير بينهما، قاله السيوطي (^٣).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٧٩٥).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٧).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٨).
[ ٥٩٤ ]
وقال ابن الفرس في الآية: «معناه: وخذوهم أسرى للقتل أو للمن أو للفداء»، ثم بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] (^١).
مأخذ الحكم: تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى وجوه البيان.
• الحكم الثاني: جوزا حصارهم والإغارة عليهم وبياتهم (^٢).
مأخذ الحكم: الأوامر الواردة في الآية. وهو مقتضى قوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
• الحكم الثالث: جوزا قتلهم بأي وجه كان.
قال ابن الفرس: «دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة» (^٣).
مأخذ الحكم: إطلاق الآية صفة القتل. فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وإذا وردت في سياق الإثبات تكون مطلقة، وعليه يكون القتل على أي صفة.
قال ابن الفرس: «ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق ﵁ حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة، والرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية» (^٤).
• الحكم الرابع: يقتل أهل الكتاب كغيرهم من المشركين.
قال الموزعي: «يحتمل أن تكون هذه الآية متناولة لأهل الكتاب بلفظها؛ لأنهم
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ١٢١).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٣١٣).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ١٢٣).
(٤) المصدر السابق (٣/ ١٢٣).
[ ٥٩٥ ]
مشركون بقولهم: عزيز: ابن الله، والمسيح: ابن الله …، ويحتمل أن تكون غير متناولة لهم؛ لاختصاصهم باسم يخصهم، فلا يحتاج إلى دليل يخرجهم من عموم هذه الآية» (^١).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بكونه جمع معرف، مع التوجيه المذكور في كلام الموزعي.
• الحكم الخامس: وجوب الكف عن قتل المشرك إذا تاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة.
قال الموزعي: «وأما حكم الكف عنهم، فإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة شرط فيه، لا خلاف في ذلك علمته بين أهل العلم» (^٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، أنهم إذا فعلوا ذلك خُليَّ سبيلهم.
• الحكم السادس: دلت الآية على قتل المشرك في أي مكان.
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ و«حيث» عامة في أفراد الأمكنة.
قال الموزعي: «هذه عامة في الأمكنة، ويجوز تخصيصها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]» (^٣).
تنبيه: ويخصص من أفراد المشركين في الآية: النساء والصبيان، وغير المقاتلة كما في سورة البقرة.
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٣١١).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣١٣).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٣١١).
[ ٥٩٦ ]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
استدل بالآيتين على وجوب النفرة للجهاد عند الاستنفار.
مأخذ الحكم من الآية الأولى: العتاب في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ وترتب العقاب في قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ على من تخلف.
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر في قوله: ﴿انْفِرُوا﴾.
من العلماء من خصَّ الوجوب على كافة المؤمنين إذا نفر النبي ﷺ، وجعل واجب على بعضهم إذا لم ينفر رسول الله ﷺ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قاله الموزعي (^١).
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
_________________
(١) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٣٤٧).
[ ٥٩٧ ]
استدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية (^١).
مأخذ الحكم: لم يجعل النفر للقتال واجبًا على الجميع، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فدلَّ أنه على طائفة، ولو كان فرض عين لكان على الجميع.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
استدل بالآية على وجوب الابتداء في القتال بالأقرب فالأقرب إلى بلد المقاتلين (^٢).
قال ابن الفرس: «فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى» (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر بمقاتلة الذين يلونهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ﴾، حيث قيَّد سبحانه المقاتلة بالذين يلونهم وهم الأقرب فالأقرب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: بيان كيفية القتال، وأنه لا يجوز الأسر قبل الإثخان.
قال السيوطي: «فيها بيان كيفية الجهاد، فعند اللقاء تضرب الرقاب، وعند الإثخان وإزالة الامتناع بشد الوثاق بالأسر، ثم يتخير فيهم الإمام إما منًّا أو فداء
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٣٧).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٣٨).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٠٢).
[ ٥٩٨ ]
بمال أو أسرى من المسلمين» (^١).
وقال الموزعي: «ثم يحتمل أن تكون هذه الآية واردة لبيان صفة النكاية في العدو، ولحصر ما يُفعل بالأسير، وإنهاء القتل حتى يكون الإثخان، ثم الأسر، ولا يجوز الأسر قبل الإثخان، ثم المنُّ والفداء» (^٢).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وبحسب ما ذكره السيوطي والموزعي.
• الحكم الثاني: عدم جواز قتل الأسير (^٣).
قال السيوطي: «وظاهر الآية امتناع القتل بعد الأسر» (^٤).
مأخذ الحكم: الحصر في صفة العمل به: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].
استدل بالآية على وجوب استئذان النبي ﷺ في الغزو قبل الانصراف عنه.
لا خلاف بين العلماء في دخول الغزو في الأمر الجامع الوارد في الآية (^٥).
وذكر السيوطي عن أبي مليكة في معنى الأمر الجامع، قال: «هي في الجهاد والجمعة والعيدين» (^٦).
_________________
(١) الإكليل (٣/ ١١٨٥).
(٢) تيسير البيان (٤/ ١٤٨).
(٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ١٤٨).
(٤) الإكليل (٣/ ١١٨٥).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٩).
(٦) الإكليل (٣/ ١٠٤٨).
[ ٥٩٩ ]
وقال ابن الفرس: والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه المصلحة» (^١).
مأخذ الحكم: مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومفهومه أنه ليس على طريقة المؤمنين من ينصرف عنه دون حاجة، كما يفعل المنافقون.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
استدل بالآيتين على تحريم الفرار يوم الزحف والتقاء الجمعين (^٢).
مأخذ الحكم من الآية الأولى: النهي المقتضي للتحريم بقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. والوعيد والذم بكونه قد: ﴿بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾،
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر بالثبات، وهذا يقتضي عدم جوا الفرار.
تتمة: تكلم كثير من العلماء في الخلاف في تخصيص الآية الأولى بيوم بدر؛ لأن الله أشار إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وأجيب: بأن الإشارة تعود إلى يوم الزحف (^٣).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٣٩٣).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٢).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٨٢)، وتيسير البيان (٣/ ٢٧٥)، أحكام القرآن لابن القرآن (٣/ ٧٩).
[ ٦٠٠ ]
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
استدل بالآيتين على رفع الجهاد عن الضعيف والمريض، ومن لا يجد نفقته ولا أهبة للجهاد ولا محملًا (^١).
وجعل الموزعي الآية الثانية، مبينة لصفة الضعيف في الآية الأولى، ثم قال: «وبيَّن النبي ﷺ أن النساء والصبيان من الضعفاء» (^٢).
مأخذ الحكم: رفع الحرج في الآية وهو من الأساليب الشرعية الدالة على رفع التكليف.
فائدة: اختلف المفسرون في الحرج المرفوع في الآية الثانية، قيل: المراد به: ترك الغزو، وقيل: في الأكل مع غيرهم، وقيل: غير ذلك (^٣).
وقال ابن الفرس: «والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها عن الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر، فكلُّ تكليفٍ يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله، سقط عنه تكليفه» (^٤).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٢٦).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٣٧٠).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٤٣).
(٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٧).
[ ٦٠١ ]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب إجارة المشرك، والكف عنه إذا دخل دار الإسلام؛ ليسمع كلامه (^١).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾، وهو على ظاهره يقتضي الوجوب.
قال الموزعي: «وهذا الحكم متفق عليه، والأمر في هذا للوجوب؛ إذ يجب إقامة حجة الله وإزالة الشبهة عن عباده، وإعانة طالب الحق» (^٢).
وقال السيوطي: «ولا تجب الإجارة لغير ذلك» (^٣).
• الحكم الثاني: يجب أن يكون مع المجاهدين عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة.
قال ابن الفرس: «لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب» (^٤).
مأخذ الحكم: أن إجابة المشرك، وإجارته تجب لأجل إزالة الشبهة كما سبق في الحكم الأول، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود عالم قادر على المناظرة، فوجب وجوده؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٩).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٣١٦).
(٣) الإكليل (٢/ ٧٩٩).
(٤) أحكام القرآن (٣/ ١٢٥).
[ ٦٠٢ ]
• الحكم الثالث: يجوز لآحاد المسلمين إجارة المشرك للغرض المذكور.
مأخذ الحكم: أن الخطاب، وإن كان موجهًا للنبي ﷺ، فإن أمته تدخل معه؛ فيما لاختصاص فيه.
قال الموزعي: «الخطاب مع النبي ﷺ، والمراد به جميع الأمة، فيجوز لآحادهم أن يجيروا آحاد المشركين» (^١).
• الحكم الرابع: وجوب الدعوة قبل القتال (^٢).
مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ المقصود إزالة الشبهة عن عباده؛ إذ إن إجازة إجارة آحاد المشركين لذلك ودعوتهم للإسلام لأجل ذلك.
قال السيوطي: «وفي الآية إشارة إلى وجوب الدعوة قبل القتال» (^٣).
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تفضيل المجاهدين على غيرهم، وأن المعذورين في درجة المجاهدين (^٤).
مأخذ الحكم: نفي المساواة يقتضي وجود التفاضل، ثم استثناء أولي الضرر،
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٣١٦).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٩).
(٣) الإكليل (٢/ ٧٩٩).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٨٤).
[ ٦٠٣ ]
من نفي التفاضل بدل على إثبات المساواة لهم، والاستثناء من النفي إثبات (^١).
• الحكم الثاني: تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه.
مأخذ الحكم: تخصيص ذكر المال -مع الاستواء في تقديم النفس- له فائدة وفضل، وليس من جاء بنفسه وماله، كمن جاء بنفسه فقط.
• الحكم الثالث: فرض الجهاد على الكفاية.
قال الموزعي: «وفيها دليل على أن الجهاد لا يجب على جميع أعيان المسلمين؛ إذ قد وعد الله القاعدين بالحسنى، كما وعد المجاهدين» (^٢).
مأخذ الحكم: ما ذكره الموزعي وزاد عليه الرازي بقوله: «ولو كان الجهاد واجبًا على التعيين، لما كان القاعد أهلًا لوعد الله تعالى إياه بالحسنى» (^٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
دلت الآية على فضل الجهاد.
مأخذ الحكم: سياق الآية وما ورد فيه من وعد.
قال الرازي في تفسيره: «واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات:
_________________
(١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٩٣).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٤٧٨).
(٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٩٤).
[ ٦٠٤ ]
فأولها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد. وثالثها: قوله: ﴿وَعْدًا﴾ ووعد الله حق. ورابعها: قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ وكلمة: «على» للوجوب. وخامسها: قوله: ﴿حَقًّا﴾ وهو التأكيد للتحقيق. وسادسها: قوله: ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة. وسابعها: قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو غاية في التأكيد. وثامنها: قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ وهو أيضا مبالغة في التأكيد. وتاسعها: قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ﴾. وعاشرها: قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة، في التأكيد والتقرير والتحقيق» (^١).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
يطلق النفل ويراد به معنيان:
أحدهما: جملة الغنيمة؛ لأنها زيادة على ما بأيدي الغانمين من المال.
الثاني: ما يرغب به الإمام بعض الغزاة على فعل يفعله زيادة على السهم المقسوم له، وهذا الذي عليه عرف الفقهاء، قاله الموزعي (^٢).
وقال ابن الفرس بعد أن ساق المعنيين السابقين: «ولكن المفسرين ساقوه على
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ١٥٢).
(٢) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٧).
[ ٦٠٥ ]
أن المراد بالأنفال: الغنائم» (^١).
واستدل بالآية على جواز تنفيل الإمام شيئا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك.
مأخذ الحكم: بناء على تفسير الأنفال بالمعنى الثاني، وهو ما ينفله الإمام (^٢).
وقال ابن الفرس: «والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة، وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك، وأن الله تعالى لم يرد قصرها - على ذلك التأويل - على الرسول خاصة، بل ذلك لرسول الله ﷺ ولكل إمام» (^٣).
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
ذكر ابن الفرس أن المولى ذكر حكم أموال الكفار المأخوذة منهم باسم الغنيمة في سورة الأنفال، وباسم الفيء في سورة الحشر، وذكر أن أقوال المفسرين قد اضطربت في تعريفهما (^٤).
وذكر الموزعي أن الجمهور ذهبوا إلى أن الغنيمة هي المأخوذ من الكفار قهرًا أو قسرًا سواء كان منقولًا أو غير منقول.
والفيء: ما أخذ بغير قتال ولا إيجاف خيل وركاب.
وقيل: هما بمعنى واحد (^٥).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٧٥).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٧٦).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٧٦ - ٧٧).
(٤) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٨٦).
(٥) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
[ ٦٠٦ ]
واستدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب تقسيم الغنيمة أخماسًا: أربعة منها للغانمين، والخمس الباقي يقسم خمسة أسهم: لرسول الله ﷺ، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم.
مأخذ الحكم: الأمر بالإيجاب المقدّر. وبيانه كما يقول الرازي: «﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه»، وبيَّن أن ذلك آكد وأثبت للإيجاب؛ «لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهًا كثيرة من المقدرات، كقولك ثابت: واجب، حق، لازم، كان أقوى لإيجابه» (^١).
ومما يدل على الإيجاب كذلك قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ «يعني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله»، والإيمان بالله واجب، ولا يتم إلا بهذه القسمة، فتكون واجبة.
• الحكم الثاني: تقسيم جميع الغنائم بين الغانمين.
قال السيوطي: «واستدل بعموم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من قال: بقسمة الأرض المغنومة وأموال الرهبان والسلب وما أخذ سرقة، وما غنمته طائفة خرجت بغير إذن الإمام، والنساء والصبيان والعبيد وأهل الذمة» (^٢).
مأخذ الحكم: عموم «ما» في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، فهي موصولة تفيد العموم.
ثم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنى: أي شيء كان حتى الخيط والمخيط،
_________________
(١) تفسير الرازاي (٥/ ٤٨٤).
(٢) الإكليل (٢/ ٧٨٩).
[ ٦٠٧ ]
قاله الرازي (^١).
وقال الموزعي: «وفي عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مع الحصر في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا﴾ دلالة ظاهرة تقارب النص، (أي: في قوته) في أن للغانمين أربعة الأخماس في كل شيء من ذهب، أو فضة، أو عقار» (^٢).
تنبيه: قال صاحب اللباب في علوم الكتاب: «أجمع العلماء على أن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه مخصوص باتفاقهم على أن سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخير، وكذلك الأراضي المغنومة» (^٣).
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩].
استدل بالآية على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة (^٤).
وقد أحل الله ﷿ بهذه الآية لأمة محمد ﷺ، وما كان محظورًا على غيرهم من الغنائم (^٥).
مأخذ الحكم: إطلاق المولى ﷾ إباحة الأكل من غير تقييد بالقسمة.
وكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي في سياق إثبات.
_________________
(١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٥/ ٤٨٤).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٢).
(٣) اللباب (٩/ ٥٢١).
(٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٠٩ - ١١٠)، والإكليل (٢/ ٧٩٥).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٠٩).
[ ٦٠٨ ]
قال ابن الفرس: «وفي الآية دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة؛ لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها» (^١).
قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].
استدل بالآية على جواز قطع شجر المشركين وتخريب بيوتهم (^٢).
مأخذ الحكم: إقرار المولى ورسوله لتخريب نخلهم، ومدح الفعل وتعليله بكونه يخزي الفاسقين ويغيضهم.
قال ابن الفرس: «والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية، وإقرار النبي ﷺ على تحريق نخل بني النضير» (^٣).
وقال الموزعي: «لبيان النبي ﷺ ذلك بفعله» (^٤).
قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧].
قال السيوطي: «استدل به على أن الفيء: ما أخذ من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، ومنه ما جلوا عنه خوفًا. والغنيمة: ما أخذ منهم بقتال كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ خلافًا لمن زعم أنهما بمعنى واحد،
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ١١٠).
(٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢١٣)، والإكليل (٣/ ١٢٤١).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٤٠).
(٤) تيسير البيان (٤/ ٢١٣).
[ ٦٠٩ ]
أو فرق بينهما بغير ذلك» (^١).
وقال الموزعي: «وأن منهم من زعم أن الفيء والغنيمة سواء، وبه قال قتادة، حتى زعم أن هذه الآية ناسخة لآية الأنفال، والذي عليه عامة أهل العلم أن الآيتين محكمتان، وأن الفيء غير الغنيمة، فالفيء ما أصابه المسلمون بغير قتال؛ كما إليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾» (^٢).
وذكر أن «الغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما الخمس في جميعهما، لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معًا، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس، كما بيَّن الله تعالى على لسان نبيه ﷺ، وفي فعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي الموجف عليه بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير.
والفيء: هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة رسول الله ﷺ في القرى التي أفاء الله عليه أن أربعة أخماسها لرسول الله دون المسلمين، يضعها رسول الله ﷺ حيث أراد الله ﷿» (^٣).
ثم بيَّن أن هذا الاستنباط لا يدل عليه لفظ القرآن، وإنما الذي يدل أنه ﷺ كان يملك لكل؛ وذلك بتسليط الله ﷿ ذلك لرسوله ﷺ، كما في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، وذكر ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل معه في الذكر لبيان المصرف لا حقيقة التملك والتشريك، وإنما خصَّهم الله بالذكر؛ ليقطع طمع المقاتلين، هكذا ذكر الموزعي (^٤)، والله أعلم.
_________________
(١) الإكليل (٨/ ١٢٤٢).
(٢) تيسير البيان (٤/ ٢١٥).
(٣) تيسير البيان (٤/ ٢١٥).
(٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٦١٠ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].
استدل بالآية على تحريم الغلول.
والغلول: هي الخيانة في المغنم أو السرقة منها.
قال ابن قتيبة: «وسُمي بذلك؛ لأن آخذه يغُلُه في متاعه، أي: يخفيه فيه» (^١).
مأخذ الحكم: التهديد وترتيب العقوبة عليه في الآخرة، بأن يأت بما غل، يدل على تحريم هذا الفعل.