قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع (^١).
مأخذ الحكم: قول الصحابي ابن عبَّاس، حيث استنبط الحكم المذكور من الآية (^٢).
قال السيوطي: «وقال بعضهم أول الآية وآخرها خاص، وذلك أن أولها عام في كل مطلَّقة، وآخرها خاص بالرجعية» (^٣).
• الحكم الثاني: يستقل الزوج بالرجعة في العدة، من غير ولي ولا رضا المرأة، وأنه بعد العدة بخلاف ذلك (^٤).
مأخذ الحكم: ظاهر قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٧).
(٣) الإكليل (١/ ٤١٧)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٢).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).
[ ٤٩٧ ]
ومفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في مدة التربص ثلاثة قروء، ومفهومه: أنّه بعد ذلك لا بدّ من رضاها وولي وعقد، وكونه أحق بنص القرآن، وتفسير ابن عباس السابق، المذكور في الحكم الأول.
• الحكم الثالث: بقاء الزوجية في حال بقاء الرجعة، وإباحة الوطء (^١).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، فلم ينف المولى وصف الزوجية عنه.
فائدة: قال السيوطي: «واستدل خلافهم بقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، والرد لا يكون إلا لما ذهب من إباحة الوطء» (^٢).
• الحكم الرابع: لفظ الرد من صرائح الرجعة (^٣).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
• الحكم الخامس: للزوج نكاح المختلعة في عدتها بشرط رضاها (^٤).
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لعمومه» (^٥).
قلت: لعله عموم قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهي لا تريد الإصلاح، بل تريد الفراق خُلعًا، وإن حصل فليس هو ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، ومن ثمّ كانت بائنًا بالخلع كالأجنبية، وهي في العدة، لكن العدة لأجل استبراء رحمها من ماء زوجها الأوّل لتحل لغيره.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).
(٢) الإكليل (١/ ٤١٨).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٧).
(٥) الإكليل (١/ ٤١٨).
[ ٤٩٨ ]
قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: لفظ الإمساك من صرائح الرجعة (^١).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.
• الحكم الثاني: تحصل الرجعة بالوطء (^٢).
مأخذ الحكم: لأنه أقوى مقاصد النكاح فكان إمساكًا بالمعروف فتحصل به الرجعة.
قال السيوطي: «قال إلكيا: وهذا غلط لأنه قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في الطلاق، ولا طلاق إلا بالقول، فكذلك الإمساك لا يكون إلا بالقول» (^٣).
قلت: وذلك لأجل المقابلة، فالطلاق لا يكون إلّا بالقول، فكذا الإمساك، وهذا مذهب الشافعي، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والشهادة إنّما على القول لا الوطء قطعًا.
وأكثر العلماء على أنّ الرجعة تكون بالقول أو بالفعل، ولو كان أدون من الوطء كالقبلة، والنظر لشهوة للفرج.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣٠ - ٢٣١].
استدلَّ بالآيتين على الأحكام الآتية:
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠).
(٣) الإكليل (١/ ٤٢٠).
[ ٤٩٩ ]
• الحكم الأول: تحل المطلقة ثلاثًا بعد نكاح زوج آخر، سواء كانت حرة أم أمة ثم اشتراها (^١).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾، وكونها لا تحل إلّا بعد نكاح زوج آخر لمفهوم الغاية في قوله:. ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
• الحكم الثاني: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول: الوطء (^٢).
مأخذ الحكم: لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، واسم النكاح لا يطلق على الوطء إلّا في هذه الآية؛ لدلالة حديث رفاعة، وقوله ﵊: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) (^٣).
قال السيوطي: «واستدل به سعيد بن المسيب على الاكتفاء بالعقد بلا وطء؛ بناء على أن النكاح حقيقة في العقد» (^٤).
قلت: يعتذر له أنّه لم يطلع على حديث رفاعة، وإلّا لفظ النكاح يطلق على العقد.
• الحكم الثالث: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول أن يكون في النكاح الصحيح (^٥).
مأخذ الحكم من قوله: ﴿زَوْجًا﴾، فلابد من وطء زوج في نكاح صحيح، لا وطء سيد، ولا نكاح بلا وطء، ولا وطء في نكاح فاسد ولا بشبهة.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٥، ٥٨).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، برقم (٥٢٦٠).
(٤) الإكليل (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).
(٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٠)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٧).
[ ٥٠٠ ]
والنكاح الفاسد، كنكاح ذات محرم، أو نكاح بلا ولي ولا شهود، ووطء الشبهة، أن يطئها يظنها زوجته، وهذان الوطآن لا يصدق فيهما على الواطئ أنه زوج.
كما أن وطء السيد لا يحل؛ لأنّه ليس زوجًا. وكذا الوطء بالملك فيما إذا اشترى مطلقته ثلاثًا، لأنّه ليس نكاحًا.
تتمة: قال السيوطي: أن في الآية رد «على من لم يكتف بنكاح الكافر إذا كانت كافرة، والمراهق، والمجنون؛ لأنه يسمى زوجًا. أي: الكافر والمراهق والمجنون» (^١).
• الحكم الرابع: نفاذ الرجعة بالإمساك حال نيَّة الإضرار، مع كونه ظالمًا (^٢).
قال الموزعي: «وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ذكره على سبيل التغلييب، لا على سبيل الاشتراط فيحقُّ له نكاحها وإن ظنا ألا يقيما حدود الله - سبحانه - وكان له عدد الطلاق، والله أعلم» (^٣)
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ظاهره صحة الرجعة مع حصول الإثم بفعله.
وكونه ظالمًا: لتطويل العدة عليها بمراجعتها إذا شارفت العدة على الانتهاء، وذكر المولى سبحانه هنا اسم الإشارة (ذلك)؛ ليدل على البعد تعظيمًا له وترهيبًا منه.
_________________
(١) الإكليل (١/ ٤٢٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).
(٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٨).
[ ٥٠١ ]
قلت: ولعل نفاذ الرجعة يكون عند من قال بأنّه لا مفهوم للشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
ولعل القائل بالمفهوم مؤيد بهذا النص الدال على تحريم هذا الفعل، ووصف فاعله بأنّه ظالم لنفسه، والنهي يقتضي الفساد، والله أعلم.
• الحكم الخامس: لا رجعة للمطلقة قبل الدخول.
مأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه لا عدة عليها، فلا أجل لها تبلغه، والله أعلم» (^١)