قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة، وكونها ركنًا من أركان الإسلام، ومن الأمور المعلومة من الدّين بالضرورة.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب اتفاقًا.
تنبيه: الإيتاء: الإعطاء. أتيته: أعطيته، قال تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
• الحكم الثاني: الأمر بالآية يعم جميع أنواع الزكوات من مال، ومن ذهب وفضة وعروض تجارة، وبهيمة أنعام سائمة، وزروع على تفصيل وشروط بينتها السنة، وعلى هذا فالزكاة في كتاب الله مجملة بينها النّبي ﷺ.
ومأخذ الحكم: صيغة العموم، وهي التّعريف بأل غير العهدية في قوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾.
ويدخل في العموم أيضًا: صدقة الفطر، وقد حمل الإمام مالك الآية عليها.
والجمهور على أن المراد بها الزكاة لمقارنتها بالصّلاة قاله القرطبي (^١).
• الحكم الثالث: استدل بعض الحنفية بالآية على عدم وجوب الزكاة في مال الصّبي.
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤٣).
[ ٢٠٤ ]
ومأخذ الحكم: دلالة الاقتران، حيث قرن المولى هنا بين الصّلاة والزّكاة، والصّلاة لا تجب على الصّبي فكذا الزّكاة.
وهذا القول مبني على القران بين الجملتين لفظًا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ لأنّ العطف يقتضي الشّركة.
والجمهور على أنّه لا يقتضي التّسويّة في غير المذكور حكمًا؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فعطف واجبًا على مباح.
تنبيه: الذّي في كتب الحنفية تخصيص ذلك بالجمل النّاقصة نحو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فهما كجملة واحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجبة، وكذا الإمساك والمفارقة بمعروف، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإنّ كلًا من الجملتين مستقلة بنفسها، فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ مجمل من جهة مقدار المخرج، وقد بينه النّبي ﷺ بقوله (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (^١)، وبقوله (ليس في أقل من خمس أواق صدقة) (^٢)، وبقوله (في كل أربعين شاة شاة) (^٣)، فبينت السنة أنصبة الزكاة، وسيأتي ذكر بعضها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب زكاة الورق، برقم (١٣٧٨)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب، برقم (٩٧٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٥٩)، برقم (١١٥٨٨) بتعليق شعيب الأرنؤوط وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) أخرجه الترمذي في أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ، باب والغنم زكاة الإبل، برقم (٦٢١)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم (١٥٦٨)، وصححه الألباني في الجامع الصغير (٤٢٦١).
[ ٢٠٥ ]
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: الانفاق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، وقد اختلف العلماء في المراد بالإنفاق الوارد في الآية.
فقيل: هو الزّكاة المفروضة. وقيل: صدقة التطوع. وقيل: لهما جميعًا.
ومأخذ الخلاف: يرجع في دلالة صيغة الأمر ﴿أَنْفِقُوا﴾ فمن قال بأنّها على أصلها وظاهرها، فقال بوجوب الإنفاق، والواجب هو الزّكاة المفروضة، وتحمل الآية عليها.
وأيدوا قولهم بالنّهي الوارد في سياق الآية عن الإنفاق من الرّديء -كما سيأتي- والنّهي خاص بالواجب، فنهى ﷾ عن إنفاق الرّديء فيها بدل الجيد.
أمّا التّطوع فللمرء أن يتطوع بالنازل في القدر.
أمّا القائل بأنّ الأمر للنّدب، فصرفه عن الوجوب بسبب نزول الآية، -كما سيأتي-.
قال القرطبي: «والرّديء منهي في النفل كما هو منهي عنه في الفرض، والله أحق من اخْتِيرَ له» (^١).
ومأخذ القائل بأنّ الإنفاق للفرض والتّطوع: عموم اللفظ في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ و﴿مَا﴾ اسم موصول دالّ على العموم، والعبرة به لا بسبب النّزول.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٢١).
[ ٢٠٦ ]
وما كسب العبد منه ما يجب فيه الزّكاة، ومنه ما لا يجب فيه الزكاة، وما لا يجب فيه الزّكاة، يستحب الإنفاق من الطيب منه.
• الحكم الثاني: إيجاب الزّكاة في عروض الكسب.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وظاهره للوجوب.
• الحكم الثالث: وجوب الزكاة، مما أخرجت الأرض من غير المقتات وغيره، أي: من النّبات والمعادن والرّكاز.
مأخذ الحكم: العطف الوارد في قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ وهي معطوفة على الأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والعموم في صيغة (ما) الموصولة.
• الحكم الرابع: أنّ الزّكاة تجب في الخارج القليل من الأرض والكثير، وفي سائر الأصناف.
مأخذ الحكم: ما سبق من العموم الوارد بصيغة (ما) الموصولة، ثم إنّ السّنة بيَّنت مقدار الزّكاة في الخارج، كما سيأتي في آية الأنعام.
• الحكم الخامس: وجوب الإنفاق من الطّيب، وحرمة الإنفاق من الخبيث.
وفُسِّر الطّيب بالجيد، والخبيث بالرّديء، وعليه الجمهور ويدلّ عليه سبب نزول الآية.
قال البراء بن عازب ﵁: (نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرّجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرّجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصّفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎:
[ ٢٠٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده) (^١).
مأخذ الحكم: أمّا وجوب الإنفاق من الطّيب فللأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ مع مفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ وهو أنّه لا يجوز الإنفاق من غير الطّيب، وهو الرّديء على ما سبق تفسيره.
وأمّا حرمة إنفاق الخبيث، فللنهي الوارد بقوله ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ومفهومه: أن المال إن كان جميعه رديئًا جاز الإنفاق منه؛ لعدم حصول التيمم في ذلك، أمّا إن كان بعضه جيدًا وبعضه رديئًا، فلا يجوز القصد للخبيث.
هذا إذا حُمِل النهي على أصله وهو التّحريم، وقيل: هو للكراهة؛ لأنّ الخبيث فيه الرديء لا الحرام.
وقيل: إنّ السياق يدلّ عليه؛ لأنّه ﷾ حثهم على إنفاق أطيب أموالهم، لا أنه يحرم عليهم إنفاق الخبيث من التّمر أو الشّعير من القوت، وإن كانوا يقتاتون ما فوقه، وهذا إنما نزل في الأقناء التي كانت تعلق في المسجد فكانوا يعلقون، الحشف. قال الصيرفي: بعد أن ذكر ما سبق: فالمراد بالخبيث هنا الأردأ.
قلت: ولا يستبعد أن يكون الصارف هنا من التّحريم للكراهة؛ كونه من الآداب ومكارم الأخلاق.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة البقرة، برقم (٢٩٨٧) قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ٢٠٨ ]
قال الموزعي: «ولما أمرنا الله سبحانه بالإنفاق من طيبات ما كسبنا، ونهانا عن تيمّم الخبيث، استدللنا بهذا على أن كل خبيث ومعيب لمرض أو هزال أو غيره لا يجوز إنفاقه، إلا أن يكون جميع المال المزكى خبيثًا، أو معيبًا؛ فإنا ننفق منه؛ لأنا لم نتيمم الخبيث للنفقة، وإن كان المال طيبًا وخبيثًا، فلا يجوز لنا أن ننفق إلا من الطيِّب؛ لأمر الله سبحانه بالإنفاق منه، لكن يجب مراعاة العدل والقسط. وتفصيل ذلك مذكور في كتب الفقه» (^١).
• الحكم السادس: أنّ الزكاة على صاحب الزّرع، لا على ربّ الأرض.
مأخذ الحكم: قال السيوطي في الإكليل: «وفيه أن من زرع في أرض اكتراها، فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأنّ قوله ﴿أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي كونه على الزّارع» (^٢). ا. هـ.
قلت: وهذا - والعلم عند الله - مبني على كون اللام للملك أو الاختصاص.
وذهب جمع من المفسرين إلى: أنّ اللام هنا للتّعليل، وهي متعلق ب ﴿أَخْرَجْنَا﴾، أي: من أجل ما أخرجنا من الأرض.
استدل بالآية على وجوب زكاة أنواع التجارات؛ لأنّ التجارة نوع من الكسب. وقد روي من عدة طرق عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أنه قال: من التجارة (^٣).
وقال الرازي: «ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب …» (^٤).
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ١٤٥).
(٢) الإكليل (١/ ٤٤٤).
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٥٥٦).
(٤) التفسير الكبير (٧/ ٥٢).
[ ٢٠٩ ]
وعليه فيستدل على وجوب الزكاة في كثير من أنواع التجارات العصرية، كربح المحطات، والنفط الخارج بواسطة عقد الامتياز إلخ.
مأخذ الحكم: عموم الكسب الطيب، أو عموم الطيبات المكتسبة، والتي دلّت عليها صيغة العموم، وهي الإضافة في قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ بما بعدها، أو عموم (ما) الموصولة في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وكل ما سبق مأمورون أن ننفق منه بالأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
دلّت الآية على تحريم البخل بمنع الزّكاة.
قال القرطبي: «والسّين في ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سين الوعيد، أي سوف يطوَّقون، قاله المبرد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، منهم ابن مسعود وابن عباس …» (^١).
ومأخذ الحكم: يؤخذ من كلام القرطبي السّابق بالتّفصيل الآتي:
الأوّل: أن الوعيد بسبب الفعل يقتضي التّحريم، بل جعلها كثير من العلماء من علامات الكبيرة، إذا لم يقرن به ما يصرفه عن التّحريم.
الثّاني: تفسير الصّحابي حجة، فقد جعل الوعيد بسبب الفعل، كالنّهي الوارد فيه، جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ﵃.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٢٩١).
[ ٢١٠ ]
قلت: ومأخذ ثالث: وهو أن وصف الفعل بأنّه شرّ لهم، من الأساليب الشّرعية الدّالة على التّحريم؛ وذلك لأنّه وصف لازمٌ، والذّم لا يكون إلا بسبب فعل المحرّم.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
قبل البدء في بيان مأخذ أحكام الآية، يحسن الوقوف على هذه المقدمة؛ لأجل تعلق الأحكام بها فأقول:
اختلف النّاس اختلافًا كثيرًا في هذه الآية، وسبب اختلافهم هو: اتفاقهم أن سورة الأنعام نزلت بمكة، وأنّ الزّكاة فرضت بالمدينة وأنّه لا حق في المال غير الزّكاة.
ولذا ذهب قوم إلى كون الآية منسوخة بالزكاة، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم.
وقيل: بل هي محكمة، وهؤلاء اختلفوا:
فقيل: ليس المراد بالحق في الآية ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الزكاة، بل المراد: ترك شيء للمساكين غير الزّكاة، أي: حق في المال سوى الزكاة، أمر الله به ندبًا.
قلت: وهذا يُشكل عليه القول بأنّه ليس هناك حق في المال سوى الزّكاة.
وقيل: بل المراد بالحق في الآية الزكاة، وهؤلاء منهم من ذهب أن ما وجب في مكة هو اعتقاد وجوبها، ووقت العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت.
[ ٢١١ ]
ومنهم من ذهب إلى أن الآية بخصوصها مدنية، وإن كانت السورة مكية، وهو قول الزّجاج.
وهناك مناقشات، وردود حول هذه الأقوال، مبسوطة في كتب التفسير.
هذا وقد استنبط العلماء من الآيات أحكامًا متعلقة بالزّكاة:
• الحكم الأول: أن الزكاة تجب في كل زرع وثمر، وخصوصًا الزيتون والرّمان المنصوص عليها في الآية، واستثنت الحنفية: الحشيش والحطب والقصب.
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم الزّكاة في كل ثمر، ولا زكاة في الزّيتون والرّمان.
ولهم فيما تجب الزكاة من الخارج من الأرض من الزّرع ضوابط منها: أن يكون مقتاتًا مدّخرًا، أمّا الزيتون فليس كذلك؛ لأنّه إدام.
ومأخذ الحكم: أمّا القائلون بوجوب الزكاة في كل ثمر وخصوصًا الزيتون والرمان، فقالوا: إنّ الضّمير في قوله ﴿حَقَّهُ﴾ يعود عليهما؛ لأنّ المذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بغير خلاف.
أمّا القائلون بعدم دخولهما، فمأخذهم من الآية: أن الحصاد يطلق على الحبوب حقيقة، ويدخل في حصاده الجذاذ في النّخل، أمّا الزّيتون والرّمان الواردان في الآية فلا يطلق عليهما الحصاد حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة، فيكونان غير مرادين بالإيتاء.
تنبيه: قال الموزعي: «فإن قالوا: أصل الحصاد ذهاب الشّيء عن موضعه الذي هو فيه، بدليل قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]، وذلك غير مختص بالزرع.
[ ٢١٢ ]
قلنا: عرف اللسان قاض باختصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصادُ الزرع، وجُدادُ النخل -بالدَّال المهملة-، وجذاذ البقل -بالمعجمة- فتخصيصه بالزرع حقيقة عرفيّة، وتعميمه حقيقة لغوية، والعرفية أولى من اللغوية …» (^١).
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: إنّ الزّكاة لا يجب أداؤها قبل الحصاد.
مأخذ الحكم: مفهوم ظرف الزّمان في قوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فدلّ على أن الإيتاء المأمور لا يجب قبله.
وذهب الجمهور إلى أن وجوب التّعلق هو عند بدو الصّلاح؛ لأنّ النبي ﷺ كان يخرص النخل حين يبدو صلاحها، ويضمِّنها أربابها؛ ولأنّه وقت اقتياته الذي منّ الله به علينا، فهو واجب موسّع كالصلاة، والإيتاء يوم الحصاد بيان لما قد وجب يوم الحصاد.
فائدة: قال السيوطي في الإكليل: «واستدل بالآية على أن الاقتران لا يفيد التّسوية في الأحكام لأنّ الله تعالى قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فقرن - الأكل وليس بواجب اتفاقًا - بالإتيان وهو واجب اتفاقًا» (^٢).
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وتفصيل مقدار ذلك بينته
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٢٤١).
(٢) الإكليل (٢/ ٧١٩).
[ ٢١٣ ]
السّنة، ومبسوط في كتب التّفسير والفقه.
مأخذ الحكم: التوعد بالعذاب على التّرك، وهذا من خاصة الواجب؛ إذ لا يعاقب على ترك شيء إلا إذا كان واجبًا.
تنبيه: الآية محكمة، وأمّا القائلون بالنّسخ فباعتقاد عموم الإنفاق في جميعهما، والصّواب أن الواجب الإنفاق منها، ولم يرد إنفاق جميعها.
تنبيه آخر: قال القرطبي: «قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرّض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله، فلا بد وأن يكون كذلك، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عُرفًا؛ فلذلك خص الوعيد به. والله أعلم» (^١). اه.
• الحكم الثاني: استدل قوم بالآية على وجوب زكاة الحلي.
ومأخذ الحكم: العموم الوارد في الآية، فيشمل عموم الذهب وعموم الفضة، وأيدّوا قولهم بما رُوي (أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنتها، وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال ﷺ: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال ﵊: «أيسرك أن يسورك الله ﷿ بسوارين من نار؟»، فخلعتهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ، فقالت: هما لله ولرسوله) (^٢).
ومنع الشّافعي ﵀ التمسك بعموم الآية في وجوب زكاة الحلي.
ومأخذه: أن العامّ إذا تضمن مدحًا أو ذمًا فلا يتمسك بعمومه، وقال بأنّ القصد إيجاب الذّم بالكنز دون العموم، أي: إنّ العموم لم يقع مقصودًا في الكل بل للذّم فقط. واللفظ إذا سبق لمعنى فلا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأنّ المتكلم
_________________
(١) الجام لأحكام القرآن (٨/ ١٢٨).
(٢) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي، برقم (٢٤٧٩) قال الشيخ الألباني: حسن.
[ ٢١٤ ]
لم يتوجه عليه.
وقالوا: القصد: المبالغة في الحث والزّجر.
والأكثرون على جواز التّمسك بالعموم فيما سبق للمدح أو الذّم؛ إذ لا منافاة فيحمل الذهب والفضة على العموم؛ إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم والذّم. وإذا كان القصد المبالغة في الحث والزّجر فالعموم أبلغ في ذلك.
قال أبو الحسين: «اعلم أن بعض الشافعية يمنع من عموم قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ وأحالوا التّعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي.
قالوا: لأنّ المقصد بذلك إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم. والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية؛ لأنه مذكور فيها، وهذه العلة قائمة في العموم؛ لأن اللفظ عامّ فوجب كونه مقصودا، وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما …» (^١).
استدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (^٢).
مأخذ الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة.
_________________
(١) المعتمد لأبي الحسين (١/ ٢٧٩).
(٢) وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وصدر قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي. ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى (١٣/ ٤٤٤)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع ٣، ج ٣، ص (١٩٥٠)، (١٨٩٣)، ومجلة البحوث الإسلامية (٣١/ ٣٧٦) ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٨/ ١٧٣)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٦/ ٩٣)، ومجموع فتاوى ابن باز (١٤/ ٣٣٣، ٧٩)، والفقه الميسر (٩/ ٨١)، وفقه النوازل للشيقح (١٦٣)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ٥٠٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٦٦).
[ ٢١٥ ]
ووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (^١)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (^٢).
ثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب.
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الزكاة.
ومأخذ الحكم: إذا فُسرت الزكاة هنا بزكاة الفرض، وبه قال عكرمة.
وقيل: المراد بالصّدقة: الطّهارة من الذّنوب؛ وبه قال الحسن ﵀.
_________________
(١) ينظر: الفتاوى السعدية، ص ٣١٤، مختصر فقه الزكاة، ص ٩٢، توضيح الرؤية القاصرة، ص ٧٣.
(٢) وسبب اختلافهم راجع إلى اختلافهم في حقيقة الأوراق النقدية فمن رأى أنها أسناد بدين على جهة إصدارها لم يوجب الزكاة قبل قبض هذه الأسناد أو بعبارة أدق جعلها في حكم زكاة الدين، ومن قال بأنها عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام لم يوجب الزكاة فيها إلا إذا أعدت للتجارة، ومثله من ألحقها بالفلوس مع ملاحظة أصل الفلوس وهو العرضية وأما من لحظ عامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية فإنه أوجب الزكاة فيها، ومن نظر إلى أن هذه الأوراق بدل لما استعيض بها عنه وهما النقدان أو أنها نقد قائم بنفسه كالذهب والفضة فإنه أوجب الزكاة فيها. انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٣٥.
[ ٢١٦ ]
ومأخذه: سبب نزول الآية، وهو قطعي الدّخول، وقد ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قوله: (لما تخلف عشرة من المسلمين بلا نفاق، منهم أبو لبابة، ومرداس، وأبو قيس، واعتذروا، فلم يُعذورا حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد باكين متضرعين، وحلف أبو لبابة لا يُحله إلا رسول الله ﷺ، نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت الآية، أطلقهم، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا، فأبى رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الثلث) (^١).
وذهب الجمهور إلى عموم الصدقتين؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، ويدلّ على العموم قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى الصدقة المطهِّرة من الذنوب، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارة إلى الصدقة الواجبة المزكيّة.
تنبيه: الدعاء للفاعل المدلول عليه بقوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ من الأساليب الشّرعيّة التي يستند إليها إلى إثبات مشروعية الأحكام - والصدقة هنا - دائرة بين الوجوب والنّدب. فتحتاج الفرضية إلى دليل آخر يعتمد عليه.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال: بأنّ الزّكاة يجب أن تدفع إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ ولذا لو فرّق المالك زكاته دون الإمام ضمن، وهو مذهب الإمام مالك.
وذهب الشّافعي في الجديد إلى أن ربّ المال مخيّر بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٣٠٣)، وانظر: موسوعة التفسير المأثور (١٠/ ٦٠٩) وما بعدها.
[ ٢١٧ ]
ومأخذ الحكم: أن قوله ﴿خُذْ﴾ خطاب للنّبي ﷺ، ويقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصّدقة سواه، وينزل الحاكم منزلته في ذلك.
وقيل: لا يأخذها إلا النّبي ﷺ، ولا ينزل أحد منزلته، وتسقط بموته ﷺ.
ومأخذهم: أن الخطاب موّجه له، واستدلوا كذلك بسياق الآية في قوله ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
وقالوا: لم تكن الزكاة إلّا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا لنا، وصلاة غيره ليست كذلك، وبهذا استدل مانعوا الزّكاة على أبي بكر الصّديق ﵁.
قال ابن العربي في رده على من قال بأنّ الخطاب موجه للنبي ﷺ: «أمّا قولهم: إنّ هذا خطاب للنّبي ﷺ فلا يلتحق غيره فيه به، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدّين، متهافت في النظر؛ فإنّ الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلفت موارده على وجوه، منها في غرضنا هذه ثلاثة:
الأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونحوه.
الثاني: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
الثالث: خطاب خُصَّ به النبي ﷺ قولًا ويشركه فيه جميع الأمة معنى وفعلًا؛ كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. وقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة، وكذلك كل
[ ٢١٨ ]
من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة، ومن هذا القبيل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإنه ﷺ الآمر بها والداعي إليها، وهم المعطون لها، وعلى هذا المعنى جاء قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١).
• الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بوجوب الدعاء لدافع الصدقة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقولهم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب.
وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الدعاء للدافع، وجعلوا الصّارف له هو ما ورد عنه ﵊ عندما بعث معاذًا أو غيره؛ لأخذ الزّكاة، ولم يأمرهم بالدّعاء.
وأيدّوا ذلك أيضَا بأنّ لدعاء النّبي ﷺ خصوصية يتحقق بها السّكن والطّمأنينة.
تنبيهان:
الأوّل: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ لفظ عامّ في الأموال المأخوذ منها الصّدقة، وعامّ فيمن تؤخذ منه العباد من المكلفين وغير المكلفين، وقد خصّ منها بالسّنّة والإجماع، وتفاصيل ذلك كتب التفسير والفقه.
الثّاني: قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ، بينتها السّنة.
المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الإنسان من مال.
استدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الإنسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره.
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧).
[ ٢١٩ ]
ومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض.
أمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط.
تخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق.
وكونه مالًا أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكمًا، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف.
• الحكم الرابع: استدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ.
والمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكًا لشخص أو جهة معيَّنة (^١).
وعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (^٢).
وبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية،
_________________
(١) وهو تعريف الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة (١٣٩)، ينظر: فقه النوازل (١٧٨)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢١٤).
(٢) الموسوعة الفقيّة الكويتية (٨/ ٢٤٢).
[ ٢٢٠ ]
والأوقاف الخيريّة (^١)، وريعها حتى لو استثمرت (^٢)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (^٣)، أو الاجتماعي (^٤)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد.
ووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (^٥).
وبيان ذلك: أن المولى ﷾ أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه
_________________
(١) ينظر: اللجنة الدائمة للإفتاء (٩/ ٢٩٤)، وأفتت به الندوة الثالثة عشر لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية. ينظر: أبحاث الندوة (٤١٤)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٤٣)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، وفقه النوازل (١٧٨ - ١٧٩).
(٢) لكون الربح تابع لأصله، وأصله لا زكاة فيه فكذا التابع؛ لأنّ التابع تابع. ينطر: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، نوازل الزكاة للغفيلي (٢٤٣) وأفتت به الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية.
(٣) التأمين التّعاوني: هو تعاون مجموعة من النّاس؛ لدفع الأخطار المحتملة عن بعضهم البعض، وذلك بتبرع كل منهم بقدر من المال لصندوق تعاوني، على أسس علمية رياضية إحصائية، بحيث يكفي لإقالة عثرة المتضررين من الأخطار المحتملة، وتحديد مقدار قدرة الصندوق على تعويض المشترك عند وقوع الخطر الذّي قد يتعرض له، فإنّ تحقق فائض سنوي من الإشتراكات بعد دفع التعويضات والمصروفات وخصم الاحتياطات أعيد الفائض دون إلتزام على المتبرع، أو ينفق فيما يحقق الخير للإسلام والمسلمين. ينظر: التأمين التعاوني وتطبيقاته المعاصرة (ص: ٣٨).
(٤) التأمين الاجتماعي: هو نظام إجباري غالبًا، تشرف عليه الدولة، وغالبًا ما تقوم به لا بقصد تحقيق الأرباح المالية، يموله المؤَمَن عليه، وصاحب العمل، والحكومة، أو بعضهم بمساهمات دوريّة موحدة أو مختلفة في المقدار أو النّسبة؛ ليحصل المستحق من المؤمن عليه، أو من يعوله كلهم أو بعضهم على مبلغ جملي ومعاش وبدل دوريين، يتناسب مع دخله ومدّة الاشتراك، أو من غير تناسب عند انقطاعه، أو قيام ما يستلزم نفقات ماليّة، وعلى غيرها من الخدمات، كالعلاج والتّدريب والتأهيل عند الحاجة إليها، أو بعض ذلك. وللتأمين الاجتماعي عنصران أساسيان هي: ١ - الضمانات العماليّة؛ كتأمين إصاباة العمل، والتأمين ضد البطالة، والتأمين الصّحيّ، والتأمين ضد الشيخوخة، والعجز والوفاة.
(٥) معاشاة التقاعد. ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعوديّة (٤/ ٤٥) ومعالم التأمين الاسلامي د. صالح العلي وسميح الحسن (ص: ٣٣ - ٣٤) نوازل الزكاة (ص: ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٦) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ٢٢١ ]
الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة.
فالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه.
ومأخذ الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة.
• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (^١).
مأخذ الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال.
كما أنّ المولى ﷾ جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (^٢).
تنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالًا زكويًا، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (^٣).
_________________
(١) وهو قول عامة الفقهاء المتقدمين، وأكثر الفقهاء المعاصرين، وصدرت به فتوى الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة. ينظر: فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة (٦٧)، ونوازل الزكاة (٢١٠).
(٢) ينظر: نوازل الزكاة (٢١٢).
(٣) ينظر: فقه النوازل (١٧٣ - ١٧٤)، وفتاوى وتوصيات ندوةقضايا الزكاة المعاصرة (٦٨)، ونوازل الزكاة (٢١٠).
[ ٢٢٢ ]
ويقول د. عبد الله الغفيلي: «… وإن كان المال حرامًا بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلي مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
[المعارج: ٢٤ - ٢٥]
وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]
السورتان مكيتان، والزكاة إنّما فرضت بالمدينة؛ لذا اختلف العلماء في الحق المعلوم، هل هو في الزكاة المفروضة أو في غير الزّكاة.
قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ مدح ثالث، قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة. وقيل: إنّه حق سوى الزكاة يصل به رحمًا، أو يقري به ضيفًا، أو يحمل به كلًّا، أو يغني محرومًا. وقاله ابن عباس، لأنّ السّورة مكيّة وفرضت الزكاة بالمدينة» (^٢).
قال ابن العربي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بيَّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنّه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت» (^٣). اه.
ومأخذ الحكم: أولًا: مدح الفاعل على الفعل، وهو من الأساليب الدّالة على مشروعية الفعل، الدائر بين الوجوب والنّدب.
_________________
(١) نوازل الزكاة (٢١١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٣٨).
(٣) أحكام القرآن (٤/ ١٦٦).
[ ٢٢٣ ]
ثانيًا: قوله: ﴿حَقٌّ﴾ وهو مطلق لغة بمعنى: الشيء الثّابت. ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثّابت أعمّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا.
فالحق يطلق على ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إمّا واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيهًا بالواجب الذّي لا ينبغي تركه.