تدور الآيات الواردة تحت هذا الكتاب -دون أبوابه- حول مسألة حكم الصلاة، وحكم تاركها.
ولا خلاف بين العلماء في كون الصلاة أحد أركان الإسلام، وهذا الحكم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة كفر، والعياذ بالله منه.
وقد أجمع العلماء على تكفير من أنكر وجوب الصلاة جحودًا أو عناداَ.
واختلفوا في كفر من تركها تهاونًا وكسلًا على ما سيأتي:
وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم الدالة على الحكم السابق كما سيأتي:
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب، وهو أمر للحاضر.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، [لقمان: ١٧].
• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة.
مأخذ الحكم: بدلالة اقتران الصلاة بالزكاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
[ ٩٥ ]
وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فقالوا: أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وكذا الصلاة يقاتل تاركها.
• الحكم الثالث: الصلاة واجبة على كل بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو غير مسلم، ما بقي عقلُه.
مأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ يفيد العموم، فيدخل فيه الذكور المسلمون الأحرار بالإجماع، وكذا يدخل في عمومه: الإناث والعبيد، والكفار عند من يقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
تنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] اختلف العلماء في الصلاة المأمور إقامتها هل هي لفظ مجمل أو لا؟
قال بعض العلماء لفظ الصلاة هنا مجمل، لأنه لا يُنبئ عن المراد منها، وهو: الأقوال والأفعال المبتدئة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فلا يُنبئ عن الركوع والسجود وغير ذلك. ثم إن هذا الإجمال قد بينته السنة بقوله وفعله ﵊.
وقال الجمهور بل مصطلح الصلاة وغيرها من المسميات الشرعية إن وردت في سياق إثبات أو أمر فإنها تحمل على المعنى الشرعي، فنحمل معنى الصلاة في الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.
أما ما ورد من المسميات الشرعية في سياق النهي فتكون مجملة لترددها بين المعنى الشرعي أو اللغوي. ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من حملها على المعنى اللغوي.
وهذه القاعدة يتفرع عليها فروع كثيرة، في سياق الأمر ما سبق في الآية الكريمة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفي سياق الإثبات مثل اختلافهم في قوله ﵊: (الطواف بالبيت
[ ٩٦ ]
صلاة) (^١) فما المراد بالصلاة، منهم من حملها على القاعدة على الصلاة الشرعية، فاشترط بناءً على ذلك الطهارة في الطواف، لكونها شرط الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود.
أما سياق النهي فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فحملها بعض العلماء على المعنى اللغوي وهو الدعاء، ومنهم من حملها على المعنى الشرعي، ومنهم من جعلها مجملة لترددها بين الأمرين. ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] فقد فسرها ابن عباس وعائشة ﵃ وغيرهم بأن الصلاة هي الدعاء.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].
استدل بالآية على وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم:
أولًا: لفظ الأمر وما تصرف منه، وذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: وأمروا أن يقيموا الصلاة، وكذا لفظ الأمر في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢].
ثانيًا: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل)، وهي الأمر للغائب، ومن ذلك قوله سبحانه في صلاة الخوف ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وإذا وجب عليهم إقامة الصلاة في الخوف فمن باب أولى حال الأمن.
_________________
(١) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، برقم (٢٩٢٢) قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ٩٧ ]
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب.
• الحكم الثاني: كفر تارك الصلاة.
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي أن من لم يحقق هذه الصفات كان من المشركين.
نوقش عند البعض: أن الآية محمولة على أن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين، فورود النهي عن التشبه بهم لا أن من وافقهم في الترك صار مشركًا.
قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
استدل بالآية على عدد من الأحكام منها:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: لأن المولى ﷾ أمر بقتالهم إلا إن يتوبوا ويقيموا الصلاة، والواجب هو الذي يعاقب على تركه، وقتالهم عقوبة لهم على شركهم وتركهم الصلاة.
• الحكم الثاني: مقاتلة تارك الصلاة لكفره.
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: أنهم إن لم يتوبوا ويقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم بل يقاتلوا.
[ ٩٨ ]
ثم قال ﷾ بعدها في آيات ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومفهوم الشرط: إن لم يقيموا الصلاة فلا يخلى سبيلهم وليسوا بإخوة، والمعلق بشرط ينعدم بعدمه.
نوقش عند بعضهم: أن ذكر الصلاة والزكاة في الآية لم يقصد منه جعلها شرطًا لترتيب حكم التخلية عليه، وإنما هو من باب الإشارة إلى أعظم الشعائر الإسلامية، وهما الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية.
وقيل إن الآية نزلت في حق طوائف المشركين وقبائلهم المجتمعة، فلا يصح الاستدلال بها في قتال الأفراد الممتنعين.
قال ابن قدامة ﵀: (فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا مُنع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها ) (^١).
ثم إن العرب تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية لم حاله في البداية، ولما كان ترك الصلاة أول بداية الكفر، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك الفرائض أداه ذلك إلى التكذيب بالدين والردة عنه -عياذًا بالله- فأطلق ﷺ اسم الكفر على البداية التي أول شعبها ترك الصلاة.
وهذا الأسلوب معهود في حديث النبي ﷺ (المراء في القرآن كفر) (^٢)، لأن
_________________
(١) المغني (٢/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه أبوداود في كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن، برقم (٤٦٠٣)، وحسنه الألباني.
[ ٩٩ ]
المرء إذا مارى في القرآن أداه ذلك -إن لم يعصمه الله- إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه، وإذا ارتاب في بعضه أداه ذلك إلى الجحد.
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الأمر بالمحافظة يفسر المراد بالإقامة، فإقامة الصلاة يعني: تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام.
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: الأمر الصريح الوارد بصيغة (افعل) الدالة على الوجوب في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾.
• الحكم الثاني: اختلف العلماء في الصلوات المأمور بالمحافظة عليها.
فقيل: الفرائض. وقيل: الفرائض والنوافل.
ومأخذ القولين: العموم الوارد بدخول (ال) على الجمع، فحملها الفريق الأول على عموم الصلوات المفروضة، ويؤيد قصرها عليها حمل جمهور أهل العلم على أن المراد بالوسطى، صلاة العصر، ويؤيد القراءة الشاذة الواردة فيها كما سيأتي.
أما الفريق الثاني: فحملوا العموم على الفرائض والنوافل.
تنبيه: إذا قيل: إن المراد بها الفرائض والنوافل فإن الأمر في قوله: ﴿حَافِظُوا﴾ يحمل على الوجوب في الواجبات، وعلى الندب في المندوبات.
وهذه طريقة بعض أهل العلم، أو يقال: إن الجميع يحمل على الوجوب، وتخرج النوافل، ويصرف الأمر الموجه إليها بدلالة السنة، بما روى البخاري في
[ ١٠٠ ]
قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، فقال ﵊: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: (لا، إلا أن تطوع) (^١)، فدل على أن ما عدا الفرائض تطوع ونفل.
• الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالصلاة الوسطى، وتعددت فيها الأقوال.
قال السيوطي في الإكليل: «وهي الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الخمس، أو الجمعة، أو الوتر، أو الضحى، أو صلاة عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو صلاة الليل، أو صلاة الجماعة، أو صلاة الخوف، أقوال» (^٢).
ومأخذ الخلاف وتعدد الأقوال عمومًا هو الخلاف في المقصود بالوسطى في الآية، هل هو مأخوذ من التوسط أو الوسط وهو الفضل والخيار، فمن ذهب إلى الأخير تلمس النصوص الواردة في فضل بعض الصلوات، وحكم على بعض تلك الصلوات بأنها الوسطى أي الفضلى. ومن قال بالتوسط بالترتيب فلهم أنظار، من ذلك قولهم: إنها الصبح، لأن قبلها صلاتي الليل يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار يسر فيهما، ومن قال العصر قال لأن قبلها صلاتي نهار بعدها صلاتي ليل وهكذا.
وعلى كون الوسطى الفجر أو العصر انحصرت المذاهب الأربعة، ومما استدلوا به من القرآن وهو محل دراستنا في هذا الكتاب ما يأتي:
استدل القائل بأنها الفجر بقوله سبحانه في ختم الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقالوا المقصود به القنوت في صلاة الفجر، وهو مذهب الشافعية، وسيأتي أن سبب
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، برقم (٤٦)، وكتاب الشهادات، باب كيف يستحلف، برقم (٢٥٣٢)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، برقم (١١).
(٢) الإكليل (١/ ٤٣٣).
[ ١٠١ ]
النزول لا يساعدهم على ذلك، إذ المقصود به السكوت وعدم الكلام في الصلاة.
وقالوا: عن العصر ليست هي الوسطى استدلالًا بقراءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵂: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر)، وهي قراءة شاذة يحتج بها.
ففي عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى دلالة على أنها مغايرة لها، لأن العطف يقتضي المغايرة.
أما القائل بأن الوسطى هي العصر وهو مذهب الحنابلة والحنفية فقد استدل بالأحاديث الصحيحة، ومن ذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: نزلت «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله أن نقرأها ثم إن الله نسخها، فأنزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١)، وقد فسَّر النبي ﷺ الصلاة والوسطى بأنها العصر في قوله ﷺ يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) (^٢)، والسنة مبينة للقرآن، وهي قاطعة للاحتمالات الأخرى، والله أعلم.
تنبيه: على القول بأن الوسطى من الوسط في الترتيب أو لتوسطها بين شيئين، لو كان الوتر واجبًا لكانت الصلوات ستًا، والست لا تصح أن يكون لها وسطى، فعُلم أنها خمس صلوات.
تنبيه: ذكر الخاص بعد العام لا يخصص العام، ولا يدل تخصيصه بالذكر على عدم دخوله في العام، بل يدلّ إفراده بالذكر على فوائد منها:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (٦٢٧)، وفي كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، برقم (٦٢٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٢٢).
[ ١٠٢ ]
الأول: مزيد اهتمام به، والتأكيد عليه، أي كأنه ذكر مرتين، مرة بالعموم، ومرة بالخصوص.
الثاني: وهو تابع للأول، وذلك أن من عادة العرب عند الاهتمام ببعض أنواع العام القيام بتخصيصه بالذكر، إبعادًا له عن المجاز.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وهو واد في جنهم.
استدل بالآية على وجوب الصلاة.
مأخذ الحكم: دلَّ على الحكم السابق الأساليب الشرعية الآتية:
أولًا: ترتب الوعيد على الترك يدل على وجوب المتروك.
ومن ذلك: أي من أساليب إطلاق الوعيد وترتيب الذم على الترك، الدالة على الوجوب قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] أي يؤخرونها حتى يخرج وقتها، فهدد بويل سواء قيل: واد في جهنم، أو كلمة تهديد، وهذا فيمن يصليها لكن مع تأخيرها فكيف بمن لا يصليها؟ فلا شك أنه من باب أولى يستحق العذاب، ولا يستحق العذاب إلا بترك الواجب.
ثانيًا: ذم الفاعل بوصفهم أنهم أضاعوا الصلاة، يدل على حرمة الترك.
قال القرطبي: «قوله تعالى ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق صاحبها، ولا خلاف في ذلك» (^١).
ثالثًا: في قرن الفعل بالتوبة في قوله: «إلا من تاب» يشعر بأن الفعل معصية
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٢٢).
[ ١٠٣ ]
ومحرم، وذلك لأن التوبة والاستغفار لا يكونان في الأصل إلا من ذنب اقترفه العبد.
قال العز بن عبد السلام: «ولا توبة في الأغلب إلا عن ذنب، والذنب: هو المخالفة لاقتضاء الأمر أو النهي» (^١).
قلت: ومن الأساليب الدالة على الوجوب ويشترك معه الندب، بمعنى أنه يدل على المشروعية المشتركة من الوجوب والندب، مدح الفاعل على فعله، وقد مدح الشارع في آيات القائمين بالصلاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]
وقال في سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣]
ومن الأساليب: القسم بالفعل، والقسم بالفعل يدل على شرفه ومنزلته عند الله، وحكمه عند العلماء دائر بين الوجوب والندب، أي أن القسم به دليل على مشروعيته، ولذا استنبط العلماء وجوب صلاة الفجر، باعتبار أن المراد بالقسم في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] صلاة الفجر على أحد التفاسير، وعلى كون الوتر مشروعًا بقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، أما الوتر فهو واجب عند الحنفية،
_________________
(١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (١١٩).
[ ١٠٤ ]
ومندوب عند الجمهور، وصرفوا دلالة الأمر هنا وفي الأحاديث كقوله ﵊: (أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر) (^١)، وغيره من الأحاديث صرفوا الوجوب إلى الندب بالأحاديث الدالة على أن ما فرضه الله على عباده خمس صلوات فقط في اليوم والليلة (^٢).