قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
استدل بالآيات الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: استدل بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ على فرضية الصيام، وهوأمر مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة.
مأخذ الحكم: هو الإخبار بالحكم، ويُراد به الطّلب، وهو نصٌ في الوجوب مأخوذ من (كتب الشيء) إذا حتمه وألزم به، ولذا سميت الصلوات الخمس بالمكتوبات.
وأكّد الوجوب بقوله ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ولا خلاف بين العلماء أن «على» من الألفاظ الدّالة على الوجوب، واعتبرها البعض من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب.
تنبيه: قوله: ﴿الصِّيَامُ﴾ اختلف هل هو مجمل أم من العامّ؟
فذهب بعضهم إلى أنه مجملٌ لكن السّنة بينته.
[ ٢٥٢ ]
وذهب بعضهم إلى أنّه عامّ؛ لأنّ الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة، في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص، ورجّح كل فريق مذهبه.
وسبق بيان القاعدة والأصل الذي بسببه ويقع الخلاف في حمل الأسماء الشّرعيّة التي علق الشارع عليها أحكامًا على الإجمال وعدمه.
تنبيه ثان: قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى التشبيه في الآية أي: في الذي كان مفروضا، ثم فرض علينا كما فرض عليهم، وذكر أهل التفسير عددًا من الاحتمالات، وادعى بعضهم عدم ترجح أحد الاحتمالات، وعليه فهذا لفظ مجمل عنده، ومن تلك الاحتمالات:
(١) المقصود بالذي كتب علينا كما كتب عليهم، صفة الصيام في الامتناع من الأكل أو الجماع بعد النوم، أو أن من صلى العتمة لم يأكل، ولم يقرب النساء بقية ليلته ويومه حتى يمسي، وقد كتب علينا هذا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية.
(٢) ويحتمل أن الذين كتب: العدد، أي: صيام شهر. وهذا محكم غير منسوخ إن أريد به شهر، وقيل: غير ذلك.
(٣) ويحتمل أن يريد به: العدد والوقت، أي: شهر رمضان وهذا محكم غير منسوخ.
(٤) ويحتمل أن يريد به جميع ما سبق.
(٥) ويحتمل أن يريد به تعَيُّن الصيام خاصّة، أي: الإمساك، لا على الصّفة، ولا على العدة، وإن اختلف الصيامان بالزيادة أو النقصان.
قال ابن الفرس: «وقد ذكر أهل التفسير هذه الاحتمالات، فذهب كل فريق
[ ٢٥٣ ]
منهم إلى ما هو الأظهر منها عنده» (^١).
وقال ابن العربي: «وجه التّشبيه فيه محتمل لثلاثة أوجه: الزمان، والقدر، والوصف، ومحتمل لجميعها، ومحتمل لاثنين منها» (^٢).
ثم قال: «والمقطوع به أن التشبيه في الفرضية خاصة؛ وسائره محتمل» (^٣).
تنبيه ثالث: مما سبق عُلِم ما نسخ وما لم ينسخ، وتبقى أمور متعلقة بالنسخ منها:
الأوّل: على القول بالنسخ في الصفة، اختلف أهل العلم هل يكون ذلك نسخا لبقية الآية، بناء على اختلافهم في العبادة إذا نُسخ شرطٌ من شروطها هل يقال: إنّه نسخ لبعض العبادة لا لأصلها؟ أم يقال إنّه نسخ لأصلها؟ فمن رأها نسخًا لأصلها أطلق القول بأن الآية كلها منسوخة، ومن لم ير ذلك لم يطلق القول بذلك.
الثاني: ذهب بعض أهل العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لصيام يوم عاشوراء، أو ناسخة لما كان كتب عليهم قبل أن يفرض رمضان وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكلاهما من نسخ السنة بالقرآن.
وقد فُسّر قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ بأنّه: ثلاثة أيام، وقيل: الأيام البيض، وقد روي عن معاذ أن ذلك كان واجبًا ثم نسخ، وقيل: المراد بها رمضان.
أمّا قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلّ بعمومه الوارد في اسم الموصول ﴿الَّذِينَ﴾ والمعرَّف بالإضافة ﴿قَبْلِكُمْ﴾ أن الصيام كان مفروضا على الناس كلهم، وقيل المراد بهم أهل الكتاب، وقيل النصارى. والله أعلم.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٨٤).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٧).
(٣) المصدر السابق (١/ ١٠٨).
[ ٢٥٤ ]
• الحكم الثاني: استدل بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وجوب الصوم على المريض والمسافر.
مأخذ الحكم: قوله: (مَنْ) وهي شرطية تفيد العموم، فيدخل فيه كل مريض ومسافر.
وقوله: ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ نكرات في سياق الشرط، فتعم كل مريض ومسافر.
وقد تعلق في المريض والمسافر بمقتضى هذه الآية أحكام:
• الحكم الثالث: اختلف العلماء في المراد بالمسافر والمريض الذي يبيح لهما الفطر.
مأخذ الخلاف يرجع إلى أصول منها:
إذا تعارض اللفظ والقصد، فأيهما المقدم؟، واللفظ هو السفر والمرض، والقصد من إباحة الفطر هو دفع المشقة اللاحقة بهما.
ومن العلماء من علق الحكم الذي هو إباحة الفطر هنا بالعلة في السّفر، في كونه سفرًا، وعلقها بالحكمة دون العلة في المرض، بالمشقة، ولم يعلقها بالمرض لكونه لا ضابط له.
قال ابن قدامة: «والمرض لا ضابط له؛ فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصومُ، ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، وجُرح في الإصبع، … فلم يصلح المرض ضابطا، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره» (^١).
_________________
(١) المغني (٣/ ١٥٦).
[ ٢٥٥ ]
ثمّ إنّ للخلاف في قاعدة: العبرة بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ ارتباطًا هنا فمن قال بأن كل ما يطلق عليه سفرًا أو مرضًا فإنه يبيح الفطر، ولو كان سفرًا قصيرًا أو مرضًا يسيرًا، وحُكي عن ابن سيرين.
ومما سبق يُعلم أن من العلماء من فرّق بين السفر والمرض، ويمكن اعتبار ضابط السفر، هو ما تقصر به الصلاة، إمّا بالتحديد كما عند بعضهم، أو بالعرف، والله أعلم.
وعموم الآية حملها بعضهم على جميع أنواع السفر سواء كان لطاعة أو مباح أو معصية، وخص بعضهم بالقياس المباح والمعصية.
أمّا بالنسبة للمرض فإن كان يخشى من الصوم هلاك المريض أو تفويت منفعة من منافعه، أو أذى شديدًا، فهذا يجب عليه الفطر، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، ويعبَّر عنها الأصوليون بالرخصة الواجبة.
أمّا إن كان الصّوم يشق على المريض فالجمهور على جواز الفطر، وكونه أولى وأفضل، ومنهم من أوجب عليه الفطر.
أمّا إن كان الصوم لا يلحق المريض بسببه ضررًا، ولا مشقة كبيرة، فالجمهور على أنّه لا أثر للمرض في الصوم، فيجب عليه الصوم؛ لأنّ تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة الني لا يؤبه لها.
ومعلومٌ أنّه ما من تكليف إلا وفيه مشقة محتملة، فلو كان مجرد وجود المشقة مانعًا لخلت التكاليف عنها.
تنبيه: ويلحق بالمريض هنا الصّحيح إذا غلب على ظنه المرض بصومه عند بعض العلماء.
قال ابن قدامة: «والصّحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي
[ ٢٥٦ ]
يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه، من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه» (^١).
وإذا عرفت المآخذ السابقة، وتمهدت فسنتعرض هنا لمعرفة أهم معرفة أحكام الصوم والقضاء للمريض والمسافر فأقول:
• الحكم الرابع: اختلف العلماء في صوم المريض والمسافر هل يجزئهما عن فرضهما أم لا؟
فذهب الجمهور إلى الإجزاء، وذهب أهل الظّاهر إلى أنّه لا يجزئهما بل فرضهما أيام أخر.
مأخذ الحكم وسبب الخلاف: يرجع إلى الخلاف في وجوب التقدير في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فقدّر الجمهور «فأفطر» فعدة من أيام أخر.
وقالوا: إنّما فرضه عدّة من أيام أخر إذا أفطر.
وهنا لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون الاعتماد على كون الآية على المجاز، والعلاقة علاقة النّقصان، وهو كالموجود للافتقار إليه.
أو أنّه من دلالة الاقتضاء، لتوقف صحة الحكم عقلًا على المقدّر «فأفطر» مقدرة من أيام أخر، حيث إنّه دلالة المنطوق غير الصّريح، وهو مقصود للمتكلم، ويتوقف عليه صحة الحكم عقلًا وهو من أقسام الاقتضاء.
أمّا الظاّهرية فحملوا الكلام على حقيقته دون مجازه، ولم يروا توقف صحة الحكم عقلًا على المقدّر، وبناء عليه قالوا: ليس هناك محذوف، أو مقدر.
_________________
(١) المغني (٣/ ١٥٦).
[ ٢٥٧ ]
وفرض المسافر والمريض عدة أيام أخر، وليست هي رمضان.
قال السيوطي: «واستدل به داود على أنه لا يصح صوم المريض والمسافر؛ لأنّه تعالى جعل الواجب عليه أيامًا أخر، فكان صائمًا قبل الوقت» (^١).
ثم إنّ الإتيان بما وجب عليهم في العدة من أيام أخر هو المسمى بالقضاء؛ لأنّه يدل عن الفعل في الوقت الأوّل، ويتقدر بمقداره، إذْ لو لم يكن عوضًا عن تلك، ولا بدلًا عنها لما تقدّرت بها. ويترتب على القضاء أحكام منها:
• الحكم الخامس: ذهب داود الظاهري أنه على الفور.
مأخذ الحكم: كون الأمر يقتضي الفور، وأنّه إذا لم يصم اليوم الثّاني من شوال أثم وإن مات عصى.
وذهب الجمهور أنّه على التّراخي، وأن الأمر مصروف في قضاء رمضان لما ثبت عن عائشة ﵂.
• الحكم السادس: ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط التتابع.
مأخذ الحكم: هو أنّ الأصل في المطلق أنّه يبقى على إطلاقه، إذا لم يرد المقيد المعتبر، والإطلاق في تنكير (أيامًا).
ويذكر أهل الأصول هذه المسألة في مسألة إذا وجد نصان مقيدان بقيدين مختلفين، كتقييد صوم الظهار بالتتابع بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
والتفريق في صوم المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ووجد نصٌ مطلق - كالوارد هنا -
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٤٤).
[ ٢٥٨ ]
قالوا هنا في قضاء رمضان فلم يرد به تتابع، ولا تفريق فأطلق القضاء، وجنس الجميع واحد وهو الصوم.
أمّا من حيث اللغة، فلا خلاف أنّه لا يلحق بواحد منهما لغة، إذ لا مدخل للغة في الأحكام الشرعية، والخلاف إنّما في جواز حمله قياسًا إذا وجد جامع معتبر، وفي مسألتنا لا يوجد الجامع بين المطلق وأحد القيدين إذ لا شبة بين صيام القضاء وبين صيام الظهار، وعليه فيبقى المطلق على إطلاقه، فلا يجب في صوم قضاء رمضان تتابع ولا تفريق.
أمّا إذا قال قائل بوجود علة بين المطلق والمقيد تقتضي الإلحاق، فإن المسالة تعود للخلاف في مسألة حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم واختلف السبب.
وقال الطوفي وغيره تبعًا للموفق ابن قدامة بحمل المطلق على أشبههما به أي: من المقيدين بقيدين مختلفين (^١).
• الحكم السابع: إذا شرع في قضاء الصوم فهل يلزمه بالشروع فيه، ويحرم خروجه منه؟
مأخذ المسألة عند الأصوليين، أنّ ما كان وقته موسعًا من فرائض الأعيان فإنّه يلزم بالشروع، ويحرم الخروج منه بلا عذر، ونُسب للأئمة الأربعة (^٢).
ونقل بعضهم عدم الخلاف. والخلاف موجود ومنقول عن الشافعي أيضًا.
وقال المجد بن تيمية معللًا للقول الأول: «لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنّ الخروج من عهدة الواجب متعين، ودخلت التوسعة في وقته رفقًا ومظنة الحاجة، فإذا شرع
_________________
(١) التحبير للمرداوي (٦/ ٢٧٣٥).
(٢) التحبير (٦/ ٨٨٦).
[ ٢٥٩ ]
تعينت المصلحة في إتمامه» (^١).
• الحكم الثامن: من أفطر في رمضان كله قضى أيامًا بعدده، فلو كان تامًا لم يجزه شهر ناقص، أو ناقصًا لم يلزمه شهر كامل، خلافًا لمن خالف في الصورتين:
مأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «لأنّ ظاهر الآية أنّ على المفطر أيامًا بعدد الأيام التي أفطرها، ولم يفرّق بين أن تكون تلك الأيام شهرًا أو لا تكون …» (^٢).
فقوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي فالواجب عليه أيامًا معدودة بقدر ما أفطر.
• الحكم التاسع: يجزئ صوم يوم قصير مكان يوم طويل.
قال السيوطي: «ولا أعلم فيه خلافًا» (^٣).
مأخذ الحكم: أطلقت الآية الأيام في قوله: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، واليوم يصدق على الطويل والقصير، والمطلق يجري على إطلاقه.
• الحكم العاشر: لا فدية مع القضاء على المسافر والمريض
مأخذ الحكم: عدم النص على ذلك، ولا واجب بغير دليل.
• الحكم الحادي عشر: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ تدل على أن المطيق للصوم، دون تكلف ولا مشقة يباح له الفطر، والفدية.
مأخذ الحكم: باعتبار أنه مخير بين الصّوم أو الفطر والفدية، وهذا الحكم منسوخ في حقه بإجماع والناسخ كما سيأتي ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٨٨٧).
(٢) أحكام القرآن (١/ ١٩٠ - ١٩١).
(٣) الإكليل (١/ ٣٤٦).
[ ٢٦٠ ]
ويحتمل أن يراد بالآية المطيق عامًا وإن كان عن تكلف ومشقة، فيدخل أصحاب الأعذار كالمسافر والمريض، ثم رفع منها حكم المطيق دون تكلف ولا مشقة بوجوب الصوم عليه كما سبق.
وقيل بأن العموم هنا لا يدخل فيه المسافر والمريض، بل يجب عليهم القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
ويحتمل المراد بالآية المطيقون للصوم بالتكلف والمشقة من غير أهل الأعذار، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وعلى هذا فالآية محكمة غير منسوخة، وبه قال ابن عباس ﵄، وهذا بناء على تقدير لا النافية، أي: (على الذين لا يطيقونه) أو على تأويل (يطيقونه) على معنى يتكلفون، وفي البخاري عن عطاء سمع ابن عباس ﵄ يقرأ (وعلى الذين يُطوّقونه فلا يطيقونه فدية طعام مسكين)، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، وهو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكينا» (^١).
وهذا قول صحابي ثابت عنه في تفسير آية، فهو حجة، ووجه هذا القول: هو اعتبار أن الفدية معادلة للصوم في مقام التخيير لما كان في أول الأمر مخيَّرًا بين الصوم أو الفدية، فلما تعذر أحد البدلين في الشيخ الكبير وهو الصوم ثبت الآخر وهو الفدية.
• الحكم الثاني عشر: يلحق بالشيخ الكبير: الحامل والمرضع.
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: (وكانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ برقم (٤٥٠٥).
[ ٢٦١ ]
يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» (^١).
وروى عن ابن عمر ﵄، ولم يوجبا عليهما القضاء، وهذا مأخذ هذا القول، وهو قول الصحابي وكذا القياس على الشيخ بجامع العجز وعدم القدرة وقوعًا أو تقديرًا.
قال السيوطي: «قال أبو عبيد: اختلف الناس في الحامل والمرضع. فقيل: عليهما الفدية دون القضاء. وقيل: القضاء دون الفدية، وقيل: الأمران. وكلّ تأول الآية.
فمن قال بالفدية فقط رأى أنهما ممن لا يطيق، وليستا من أهل السفر ولا المرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية.
ومن رأى القضاء فقط رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض
ومن أوجبهما قال: إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين، القضاء في أية، والفدية في أخرى، فلما لم يجد لهما ذكرًا في واحدة منهما جمعهما عليهما أخذًا بالأحوط» (^٢) أ. هـ.
• الحكم الثالث عشر: يلحق بالشيخ الكبير والمرأة العجوز: المريض الذي لا يرجى برؤه.
قال السيوطي: «وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه وأنّ عليه فدية بدل الصوم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في أول كتاب الصوم، باب من قال: هي مُثبَتَة للشيخ والحبلى برقم (٢٣١٨)، والدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٣١).
(٢) الإكليل (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٣) الإكليل (١/ ٣٤٨).
[ ٢٦٢ ]
ومأخذه: القياس كما سبق.
• الحكم الرابع عشر: استدل بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، من ذهب إلى وجوب الفدية على الشيخ الكبير والعجوز باعتبار أن الآية محكمة، وأن الشيخ داخل تحت عمومها.
مأخذ الحكم والوجوب: قوله: ﴿وَعَلَى﴾ الدّالة على الوجوب كما سبق، وهذا مذهب أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم: إلى أن الإطعام غير واجب وإنّما هو مستحب؛ لكونه مفطرًا بعذر، موجود، فلم يلزمه كالمريض والمسافر.
فائدة: مقدار الفديّة: مُدّ بر أو نصف صاع من غير البر، وهو بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخر إلى آخر يوم فيصنع طعامًا بحسب الأيام التي عليها، ويدعو المساكين إليه كما فعل أنس ﵁ لما كبر. وإن أطعمهم طعامًا غير مطبوخ.
قال بعضهم: ينبغي أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم أو نحوه، حتى يتم قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
وبيَّن الموزعي مأخذ الذين قدروا الفدية فقال: «فإن قلتم فما مقدار طعام مسكين؟.
قلت: مُدٌّ عند أهل الحجازي، ونصف صاع عند أهل العراق.
ومستند فقهاء الحجاز أنهم وجدوا أقلَّ شيء أُخرج وأُطعم فجعلوه حدًَّا مقدَّرًا، ويستأنسون بما ورد في بعض طرق حديث الكفارة على المجامع في نهار رمضان: أن العَرَقَ الذي أُتي به النبي ﷺ كان فيه خمسة عشر صاعًا، فقال له: (خذه وتصدق به) بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكينًا. ومستند أهل العراق: فدية الأذى، رأوها أقرب الأشياء شبهًا به، من حيث إنه يحرم فعلهما من غير عذر،
[ ٢٦٣ ]
ويجوز فعلهما مع العذر، فدلَّ على أنه مثله» (^١).
أمّا مصرف الزكاة فهم المساكين كما نصت الآية.
• الحكم الخامس عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ من أجاز التطوع بصوم يوم الشك.
مأخذ الحكم: العموم داخل على المتطوع بصيغة (من) الشّرطية، وداخل على المتطوع به في تنكير ﴿خَيْرًا﴾ في سياق الشرط، فيعم كل خيرٍ.
قال ابن الفرس: «وهذا الاحتجاج يدل على أن الخير في الآية يدُلّ عند من احتج بها عام في جميع أنواع الخير» (^٢).
• الحكم السادس عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على أن الصوم لمن أبيح له الفطر أفضل ما لم يجتهد.
مأخذ الحكم: الخيرية الواردة في الآية؛ إذ المعنى: وأن تصوموا أيها المرخصون لكم في الإفطار من المرضى والمسافرين، والذين يقدمون على الصوم مع المشقة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية، أو تطوع الخير، أو منهما ومن التأخير للقضاء.
• الحكم السابع عشر: استدل بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، على وجوب الصوم على كل من شهد الشهر.
مأخذ الحكم: أولًا: قوله ﴿فَمَنْ﴾ شرطية تعم كل من شهد الشهر، فإنّه يجب عليه الصوم، ويحمل العامّ على عمومه إلّا ما خصه الدّليل، وقد دلّ الدليل على
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٢) أحكام القرآن (١/ ١٩٧).
[ ٢٦٤ ]
إخراج الصّغير.
ثانيًا: قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو أحد الصّيغ الصّريحة للأمر، والدالة.
ثالثًا: اقتران الحكم وهو وجوب الصوم على شهود الشهر، فيكون شهود الشهر سببًا أو علّة للصوم، ويؤخذ من مفهومها أن من لم يشهد الشهر فإنه لا يجب عليه.
• الحكم الثامن عشر: اختلف العلماء في معنى الشهود للشهر، والمقصود منه:
فقيل: هو رؤية الهلال أو العلم برؤيته قاله كثيرٌ من أهل العلم، ويؤيده قوله ﷺ: (إذا رأيتموه فصوموا) (^١) ثم لما شهد عنده من رآه، أمر جميع الناس بصيامه، ولم يشترط على الجميع رؤيته.
وقيل: شهد بمعنى أدرك، كما يقال: شهد زمان النبي ﷺ أي: أدركه.
وهذا مأخذ كثير من المسائل، ومن المسائل المترتبة عليه:
المسألة الأولى: دخول الرؤية عبر المراصد الفلكية، إذ إنّه يقال عمن رآه بواسطتها أنّه رآه.
أمّا الحساب فقد يدخل في معنى الشهود بأنّه العلم برؤية الهلال بأي طريق كان، والجمهور على عدم اعتباره، ونقل بعضهم الإجماع على عدم اعتباره - والله أعلم - والخلاف محله عندما تتعذر رؤية الهلال لمانع الغيم أو قتر، أو تقدم للشمس على القمر إلى غير ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، برقم (١٨٠١)، ومسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، برقم (١٠٨٠).
[ ٢٦٥ ]
المسألة الثانية: عدم اعتبار اختلاف المطالع، بل إن رؤي في بلد ما، وجب على جميع المسلمين الصيام، وهي مسألة خلافية منذ القدم.
ومن قال باعتبار اختلاف المطالع استدل بأدلة أخرى. أمّا إذا اتحدت المطالع فقد لزم الصوم؛ إذ إنهم يعتبرون في حكم المشاهد أي: حكمًا لا حقيقة.
المسألة الثالثة: إذا شهد الشهر أثناء النهار، فإنه يلزمه الإمساك، واختلفوا هل يلزمه القضاء، فذهبت الحنفية إلى أنّه قد صام بعد شهوده الشهر، فخرج من عهدة الأمر، أخذًا بعموم الآية. وحمل الجمهور الصيام هنا على الصيام الشّرعي، ولا يُعلم أن من صام بنيةٍ من النهار، قد أتى بصوم شرعي، فلا يخرج من عهدة الأمر.
المسألة الرابعة: إنّ من شهد الشهر ورآه لوحده، ورُد قوله، فإنّه يلزمه الصوم لعموم الآية.
ومنها: أن من شهد أوّل الشهر، أو آخره فليصم ما دام مقيمًا، بخلاف من قال إن من حضر دخول الشهر وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو لا، وإنّما يفطر في السّفر من دخل عليه رمضان وهو في سفره، وهذا القول وإن قال به علي وابن عباس وغيرهم إلّا أنّه مردود بسفر النبي ﷺ في رمضان وإفطاره فيه وهو بالكديد (^١).
ومأخذ القولين من الآية القول بأن الشهر في الآية منصوب على الظرف، وأن المفعول محذوف، والتقدير: فمن شهد منكم المِصْرَ في الشهر فليصم.
المسألة الخامسة: أن المجنون إذا تمادى به الجنون طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنّه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جُن أوّل الشهر أو آخره فإنّه يقضي أيام جنونه، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال الشافعي: إن أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في بعضه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، برقم (١٩٤٤).
[ ٢٦٦ ]
لم يقض ما فات، وصام ما بقي منه.
وذهب مالك إلى أنّه يلزمه القضاء، أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده، واعتمد على عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا شهد الشهر مريضًا فيلزمه عدة من أيام أخر. فحمل الشهود والإدراك بالإقامة وترك السفر، وغيره شهوده بشروط التكليف.
أو ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى أدرك، فتحمل على مطلق الإدراك، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزومًا في الذّمة.
المسألة السادسة: إذا التبست الشهور على أسيرٍ أو تاجرٍ في بلاد العدو، أو غيره، فاجتهد فصام فوافق رمضان، فإنّه يجزئه عند الجمهور؛ لعموم الآية، فهذا قد شهده وصامه.
أمّا إن لم يوافق رمضان بل كان قبله فإنه لا يجزئه الصيام؛ لأنّه لم يشهد الشهر، فلم يلزمه أن يصومه. وأمّا إن كان بعده، فإنّه يجزئه قولًا واحدًا.
المسألة السابعة: عدم جواز النيابة في الصيام، فلا يجوز أن يصوم أحدٌ عن أحد لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
فأوجب على المكلف أن يصومه، أو يقضيه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم غيرُه عنه.
المسألة الثامنة: من سافر بعد طلوع الفجر فليس له أن يفطر؛ لكونه شهد الشهر فعليه صومه، نسبه ابن الفرس للجمهور استدلالًا بالآية، ونُسب للإمام أحمد جواز الفطر (^١).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٠١).
[ ٢٦٧ ]
فائدة: قال بعض العلماء في فائدة تكرار حكم الفطر للمريض والمسافر، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أن التكرار لأجل التأكيد بأنهما باقيان على حكمهما، لما كان يتطرق الظن على نسخ حكمها عند نسخ حكم قرينتيهما، وهما التخيير بين الصيام أو الفطر مع الفدية، وترك الذين لا يطيقونه الصوم ولم يكررهم؛ لعدم تطرق الظن إلى نسخ حكمهم؛ فإنّه معلوم أن الله سبحانه لم يحتّم عليهم الصيام؛ لأنّهم لا يطيقونه، وقد قال في آخر الآية ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
• الحكم التاسع عشر: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، على وجوب اعتبار العدد.
قال السيوطي: «وفيه دليل على اعتبار العدد إذا لم ير الهلال، ولا يرجع فيه لقول الحُسَّاب والمنجمين» (^١).
مأخذ الحكم: باعتبار أن (اللام) هنا يجوز أن تكون لام الأمر؛ أي: لتكملوا عدد أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في صومكم وسفركم.
• الحكم العشرون: استدل به أبو حنيفة على أن من صام على أن من صام تسعة وعشرين باعتبار رؤية بلده، وقد صام أهل بلدة أخرى ثلاثين أنّه يلزم أولئك قضاء يوم، وهذا باعتبار عدم الأثر لاختلاف المطالع، وقد سبقت الإشارة إليها.
مأخذ الحكم: أنّه قد ثبت برؤية تلك البلدة أن العدة ثلاثون، فوجب على هؤلاء إكمالها، لما سبق من جواز كون اللام في الآية للأمر.
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٥٦).
[ ٢٦٨ ]
• الحكم الحادي والعشرون: استدل بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ على مشروعية التكبير لعيد الفطر، وأن وقته من إكمال العدّة، وهو غروب شمس آخر يوم من رمضان، وقيل: عند الخروج للمصلى؛ لفعله ﵊.
مأخذ الحكم: تفسير حبر الأمة للآية بذلك، حيث قال: «حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾
تنبيه: الآية حجة على أبي حنفية الذي قال بأنه يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر، وذهب داود إلى وجوبها، وذهب الجمهور، إلى أنها مستحبة، ولعل الصّارف لها اتفاق أهل العلم على ما حكاه النووي، حيث قال: «… دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مجمع عليه» (^١).
• الحكم الثاني والعشرون: استدل بالآية من قال بوجوب الصيام في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النّهار، ويقدِّرون صومهم بصوم أقرب البلاد المعتدلة إليهم؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة، وصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (^٢).
مأخذ الحكم: عموم الأدلة الواردة على وجوب الصيام على المسلمين.
ومنها: قوله: في هذه الآية ﴿كُتِبَ﴾ وهو إخبار عن حكم الشّارع، والكتب
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٧٩). وذكر في المجموع (٥/ ٤٠ - ٤١) الخلاف فقال: «هو مستحب عندنا وعند العلماء كافة إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد وغيره عن ابن عباس أنه لا يكبر إلا أن يكبر إمامه، وحكى الساجي وغيره عن أبي حنيفة أن لا يكبر مطلقًا، وحكي العبدري وغيره عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وداود أنهم قالوا: التكبير في عيد الفطر واجب، وفي الأضحى مستحب».
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، و(٩/ ٣٤٢ - ٣٤٣) فتوى رقم (١٢٧٥٦)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٦ - ٧٧).
[ ٢٦٩ ]
معناه الإيجاب (^١).
وأكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهي نص في الوجوب أيضا، وضمير الجمع يدلّ على العموم، فيشمل البلاد والزمن المعتاد، وغير المعتاد.
• الحكم الثالث والعشرون: استدل بها من أجاز دخول الشّهر بالاعتماد على الحساب الفلكي (^٢)؛ حيث فسر معنى شهود الشهر بالعلم بوجوده، ومن علم بوجود هلال الشهر بعد غروب شمس آخر يوم من شعبان، بأي طريق من طرق العلم، - ومنها الحساب الفلكي - وجب عليه الصّوم.
قال ابن عبد البر: «إنَّ شهوده رؤيته أو العلم برؤيته» (^٣).
مأخذ الحكم هو: أن قوله ﴿شَهِدَ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرات، وهي في سياق الشّرط، فتعمّ أي: شهود، وقد فسر الشهود بالعلم، أي: بأي علم كان.
نوقش: بأن المراد ب ﴿شَهِدَ﴾ في الآية حضر لا شاهد بدليل قوله بعده: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾؛ لأن قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل حضر (^٤).
_________________
(١) وقد جعلها بعض الأصوليين نصًَّا في الوجوب. ينظر: المختصر في أصول الفقه (١١٥)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٨١).
(٢) وبهذا قال بعض الحنفية، والمالكية، والشافعية،، وقال به جمعٌ من المعاصرين: كمحمد رشيد رضا، ومحمد نجيب المطيعي، وأحمد شاكر، ومصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، وأحمد الغماري. ينظر: العلم المنشور في إثبات الشهور، ص (٢٠)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٣/ ٣٢٧)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ١٢١)، وإحكام الأحكام مع العدة (٣/ ٣٢٦)، وتفسير المنار (٢/ ١٥١)، وإرشاد أهل الملة في إثبات الأهلة، ص (٢٥٨)، والعقل والفقه في فهم الحديث النبوي، ص (٨٤، ٨٥)، وتيسير الفقه في ضوء القرآن والسنة «فقه الصيام»، ص (٣٠، ٣١)، وتوجيه الأنظار، ص (٥٢، ٥٣) وأوائل الشهور العربية، ص (١٣، ١٤).
(٣) التمهيد (٢/ ٣٩).
(٤) ينظر تفسير القرآن الكريم، لابن عثيمين (٢/ ٣٣٤).
[ ٢٧٠ ]
وبهذا التفسير استدل من قال بعدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي بالآية نفسها.
تنبيه: القائلون بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي اختلفوا في حدود العمل به: فمنهم من قصر العمل بالحساب الفلكي في الحالة التي يكون فيها الجوّ غائمًا، أو يحول دون رؤية الهلال قتر ونحوه، ومنهم من جعل الحكم خاصًّا بالحاسب دون غيره، ومنهم من أجاز الاعتماد عليه في النفي لا الإثبات، ومنهم من قال بجواز الاعتماد عليه مطلقًا (^١).
• الحكم الرابع والعشرون: استدل بها على جواز الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال (^٢).
مأخذ الحكم: أن ﴿شَهِدَ﴾ هنا بمعنى شاهد، والمشاهدة في الآية عامّة -كما سبق - فتشتمل ما إذا رؤي بالعين المجردة أو بواسطة (الدربيل) والمراصد، فيحمل العام على عمومه
ووجه كون ﴿شَهِدَ﴾ عامة؛ لأنّها فعل فتنزل منزلة النكرة، وهي في سياق الشرط فتعم، وتشمل كذلك المشاهدة بواسطة المراصد (الدربيل) (^٣)؛ لأنّ العام يجري على عمومه مالم يرد دليل التّخصيص.
_________________
(١) ينظر: إثبات هلال رمضان، ص (٤٠)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ٢٠٨)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٤٦٤)، تيسير الفقه، ص (٣١، ٣٢)، أقوال الشيخ ابن عثيمين في المستجدات الفقهية (٥٨٤) رسالة علمية آلة.
(٢) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٤٧)، مجلة البحوث الإسلامية، ع ٢٩، عموم البلوى (٤٣٢، ٤٣٣)، وأثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي (٢٣٦، ٢٣٧)، المستجدات في وسائل الإثبات (٢٠٢، ٢٠٣)، مجموع فتاوى ابن باز (١٥/ ٧٠)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (١٠/ ٩٩)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٦، ٣٧)، الفقه الميسر (٩/ ١٣٤).
(٣) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ٣/ ٤٧، فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٠/ ٩٩.
[ ٢٧١ ]
• الحكم الخامس والعشرون: استدل بالآية على القول بأنّه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى ما رأى الهلال أهل بلد، وجب الصّيام على جميع البلاد الإسلاميّة (^١).
مأخذ الحكم: دلّت الآية على ثبوت الشّهر بنفسه، من أي مطلع كان؛ إذ علق سبحانه الصيام بشرط ثبوت الشهر والعلم به، والشرط هنا لغوي، فهي أسباب شرعيّة، والمعلق على سبب يثبت بثبوته، والشهود عامّ على ما سبق، ويبقى على عمومه ما لم يرد تخصيصه.
• الحكم السادس والعشرون: استدل بالآية على وجوب الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار، بعموم الأوامر الدّالة على وجوب صيام رمضان على المسلمين عامّة (^٢).
مأخذ الحكم: أن قوله سبحانه ﴿مَنْ﴾ شرطيّة تعمّ كل من شهد الشهر وهؤلاء أمروا بالصّيام بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، يقتضي وجوب الصيام على جميع المسلمين.
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
_________________
(١) ينظر: اللجنة الدائمة (١٠/ ٩٦، ١٠٠، ١٠٢، ١١٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٨٠).
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤).
[ ٢٧٢ ]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: جواز الرفث إلى النساء في الليل، وتقييده بالليلة كناية عن الجماع، ويطلق الرّفث على كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس وجماع، أو كلام في هذه المعاني.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿أُحِلَّ﴾ وهو من الألفاظ الخبرية الدّالة على الحكم،، والحل يرد في الكتاب والسّنة مقابل الحرمة، ويدخل فيه كل ما ليس محرمًا من واجب ومندوب ومكروه ومباح، وهنا يراد به الإباحة.
كما أن قوله تعالى: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ يدخل في المباشرة جميع أنواعها، ومن ذلك الجماع، وهو أمر بعد حظر فيحمل على الإباحة.
قال ابن الفرس: «والمراد بالأمر الإباحة لا الايجاب ولا الندب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾» (^١).
فائدة: قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ﴾ يقتضي أنّه كان محرمًا قبل ذلك» (^٢) وبيّن أنّ العلماء اتفقوا على كون هذه الآية ناسخة، وقد نسخت صفة الصوم في أوّل الإسلام، فيما إذا نام أحدهم ليلة الصيام لم يحل له الأكل ولا الجماع بعد ذلك، والمنسوخ وارد في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إذا حمل التشبيه في الصفة، وكذا المنسوخ ثابت بالسنة، فتكون الآية مثالًا لنسخ الكتاب بالكتاب، أو نسخ السنة بالكتاب.
• الحكم الثاني: جواز الأكل والشرب ليلًا.
مأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أمرٌ بعد حظر فهو على الإباحة.
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٢٠٤).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٢٠٣).
[ ٢٧٣ ]
• الحكم الثالث: استدل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ على تحريم الوصال.
مأخذ الحكم: أولًا: هو رأي أمّ المؤمنين عائشة ﵂، وأنّه يقتضي النهي عن الوصال.
ثانيًا: لعل ذلك - من الآية - لأن المأمور مغيا إلى الليل، فيقتضي المخالفة لما بعده، فيجب الأكل ليلًا.
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الوصال مباح كيف كان، وأنّ النهي الوارد فيه إنّما هو من رحمة النبي ﷺ لأمته، أمّا من قدر عليه فلا حرج عليهم.
وقيل: إنّ الوصال يكون من سحر إلى سحر لقوله ﵊ (لا تواصلوا، وأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) (^١)، وقيل: مكروه، وقيل: حرام، وفي السنة بيان أحكامه.
فائدة: يتكلم أهل الأصول عن حروف الغاية ك (إلى) هنا في قوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ وينظر إليها من جهة كونه حرف غاية موضوع لانتهاء الغاية، والخلاف في دخول الغاية فيها، وما يدّل عليه من مفهوم، والتخصيص بالغاية، وهل الغاية تدخل في المغيا؟
غاية الشّيء: طرفه ومنتهاه، ثم تطلق تارة على الحرف كقوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإذا قيل الغاية هل تدخل في المغيا أولا تدخل؟ فيقال: إن أريد بالمعنى الأول - وهو طرف الشيء ومنتهاه - فداخلة قطعًا، وإن أريد ما بعد الذي دخل عليه الحرف فلا خلاف في عدم دخوله، وإن أريد نفس ما دخل عليه حرف الغاية فهو محل الخلاف، المعبر عنه بما بعد الغاية هل يدخل فيما قبلها؟ فإنّ الغاية هنا نفس الحرف
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الوصال، برقم (١٨٦٢).
[ ٢٧٤ ]
وما دخل عليه هو ما بعد الغاية قاله المرداوي بتصرف (^١).
وهنا لا يدخل شيءٌ من الليل في الإمساك، وذكر الرازي عدم دخوله؛ لأنّه تميَّز أو انفصل عما قبله بالحس.
أمّا بيان كون الغاية مخصصة، هو بالنّظر إلى أن المراد بالصوم هنا الصوم اللغوي، هو شامل الليل والنهار، فخصصتِ الغاية الصوم بالنهار.
أمّا كون الغاية له مفهوم هنا بالنّظر إلى أن الصوم الشرعي مختص بالنهار، كما أن العموم في الصوم إنّما هو في أفراد الصوم لا لأوقاته.
• الحكم الرابع: استدل بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، على جواز الأكل والشرب حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود.
مأخذ الحكم: علّق الشارع الحكم على التبيين بحرف ﴿حَتَّى﴾ ومفهومه: إن لم يتبين لنا الخيط الأبيض فيحل لنا الأكل، وضد التّبين الظّن والشّك، ويبنى على هذا المأخذ مسائل:
المسألة الأولى: جواز الأكل والشّرب لمن شك في طلوع الفجر، خلافًا لمالك.
المسألة الثانية: استدل بعضهم بعدم القضاء ولو بان له أنّه أكل بعد الفجر؛ لأنّه أكل في وقت أُذن له فيه؛ لأنّ الله علّق الحكم على التّبيُّن لنا، لا على التبين في نفس الأمر.
وقال قوم: الحكم معلّق على التبيُّن نفسه من غير تعليق بنا، فلا يجوز له الأكل، وإن أكل لزمه القضاء. وعليه فالحكم معلّق بالفجر الثّاني المستطيل الأبيض
_________________
(١) انظر: التحبير (٦/ ٢٦٢٩).
[ ٢٧٥ ]
لا الأحمر وهو قول عامّة أهل العلم. وذلك بقرينة ﴿الْفَجْرِ﴾ وهو ضوء النّهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وهو يمنع القول بأن المراد انتشار البياض واستفاضته في السماء، حتى يملأ بياضه الطرق، فلم يصح خيطًا.
المسألة الثالثة: استدل بالآية على بطلان من أكل أو شرب، وهو يشك في غروب الشمس؛ لأنّه لم يتيقن إتمام الصيام إلى الليل، وهو مستصحب حال النّهي عن الأكل والشرب، وسواء تبين له الغروب أو لم يتبين.
المسألة الرابعة: بطلان من أكل أو شرب معتقدًا دخول الليل، ثم ظهرت الشمس؛ لأنّه لم يتم الصيام إلى الليل، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ومنهم من ألحقه بالناسي.
• الحكم الخامس: استدل بعضهم بعدم وجوب الإمساك قبيل طلوع الفجر.
مأخذ الحكم: مفهوم الغاية؛ إذ إنّ الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يدل على أنّ الليل كلها محل أكل وشرب وجماع.
وذهب مالكٌ إلى وجوب الإمساك قبيل طلوع الفجر؛ لأنّه لا يتم الواجب إلّا بذلك فهو واجب.
• الحكم السادس: استدل به اللخمي على إجزاء النّية مع طلوع الفجر.
مأخذ الحكم عنده: أنّه إذا كان الأكل مباحًا إلى الفجر لم تجب النّية إلّا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك.
فائدة: من قال بأنّه متعلق بالتبين لنا، لا على التبيُّن في نفس الأمر، قال: بأنّ الشّرع علّق أحكام المواقيت بالإدراك الحسيّ لا الإدراك العقلي، وذلك لأنّ وقت الفجر يدخل قبيل التبيُّن قطعًا ويقينًا، ولم يعلق الله - سبحانه- الحكم به، وإنّما علّقه بالتبيُّن لنا لطفًا بعباده.
[ ٢٧٦ ]
• الحكم السابع: قال السيوطي: «استدل بعمومه على الإفطار باليسير، وبما لا يغذي» (^١).
قلت: ولعل مقصوده باليسير الذي لا يصل إلى كونه مغذيًا من الأكل والشرب، وما لا يغذي.
مأخذ الحكم: كونه ليس في معنى الأكل والشرب الذين ورد فيهما النص.
وقد اختلف العلماء في الصيام هنا هل له معنى معقول أولا؟.
وبيانه كما قال ابن رشد: «وسبب اختلافهم في هذا هو: قياس المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي. فمن رأى أن المقصود بالصّوم معنى معقول، لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي» (^٢).
• الحكم الثامن: استدل بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] من قال بعدم جواز وضع وقت للإمساك في التقاويم قبل وقت الفجر احتياطًا، بل ببدعية وضعها.
يقول الشيخ العثيمين: «هذا من البدع، وليس له أصلٌ من السنة، بل السنة على خلافه، لأنّ الله تعالى قال في كتابه العزيز ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال النبي ﷺ: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فُكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) (^٣)،
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٦٢).
(٢) بداية المجتهد (٢/ ٥٢).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، برقم: (٦١٧)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أنّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم: (١٠٩١). أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).
[ ٢٧٧ ]
وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله ﷿ فيكون باطلًا، وهو من التنطّع في دين الله، وقد قال النبي ﷺ: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) (^١) (^٢).
مأخذ الحكم: يخرَّج الحكم على مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ومنطوقه: له الأكل والشرب إلى الفجر، فهذه هي الغاية الشّرعيّة، ووضع الإمساك قبل ذلك مخالف لهذا المنطوق، فهو لا يجوز، وهو بدعة لما فيه من ابتداع وقت للإمساك غير مشروع.
• الحكم التاسع: استدل بها من قال إن من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس، فإنّه قد أتمّ صيامه ذلك اليوم (^٣)، ولا يلزمه الإمساك لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد أتم صومه.
• الحكم العاشر: استدل بها من قال إنّ من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس؛ فإنّه لا يلزمه الإمساك لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا قد أتمّ (^٤).
مأخذ الحكم للحكمين السابقين: أن المأمور يخرج من عهدته بفعله ولو بمرة- وعند من يقول بعدم التكرار- وقد أمر بالإتمام، فأتمه فسقطت المطالبة به.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٢٩٢).
(٣) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).
(٤) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٤٣٨)، (١٩/ ٣٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧ - ٧٨).
[ ٢٧٨ ]
يقول الشيخ العثيمين لما سئل عن من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس: «جوابنا على هذا أنه لا يلزمهم الإمساك؛ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض فإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم، وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني، وعلى هذا فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة، لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي، فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي» (^١).
• الحكم الحادي عشر: استدل بها من قال إنّ من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار؛ فإنّه يلزمه الإمساك، أي: حتى تغرب الشمس.
مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية على وجوب الإتمام والإمساك إلى الليل، ومفهومه عدم جواز الإفطار ما لم تغرب الشمس، ويخل الليل.
• الحكم الثاني عشر: استدل بها من قال بأنّ الصائم الذّي في داخل الطائرة، لا يفطر، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها أو قريب منها، عن طريق الإذاعة أو الجوالات، وهو يرى الشمس؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة (^٢).
ومأخذ الحكم: ما سبق في منطوق الغاية ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ومفهومه أن ما قبله داخل في الأمر، ويجب عليه الإمساك، ولا يجوز له الإفطار.
كما أن تفسير النبي ﷺ للقرآن يبين ذلك، كما في قوله ﷺ: (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) (^٣).
_________________
(١) مجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٣٢).
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب متى فِطر الصائم؟، برقم (١١٠٠)، ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، برقم (١٩٥٤).
[ ٢٧٩ ]
• الحكم الثالث عشر: استدل بالآية من قال بأن منظار المعدة مفطر (^١)، باعتبار أن الأكل في الآية يشمل ما هو مطعوم وغير مطعوم (^٢) ..
مأخذ الحكم: أنّ الإطلاق في الآية ﴿وَكُلُوا﴾ يحمل على إطلاقه حتى يرد الدليل على تقييده، وكونه مطلقا؛ لأنّها جملة فعلية فهي نكرة، وفي سياق إثبات، فهي مطلق.
أو يقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والصوم هو الإمساك، وقد حصل منه بلع شيءٍ يمكن الاحتراز منه فيفطر بذلك (^٣).
نوقش: بأن المعنى والقصد مقيد له، فيحمل الأكل على المغذي للبدن من الطعام والشراب عادة، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالصور والمباني، والغرض من الأكل هو نفع البدن، وهذا ينحصر بالغذاء والدواء (^٤).
تنبيه: فصَّل بعضهم وقال بأن المنظار إن كان معه سائل، فإنه يُعدَّ مفطرًا، لدخول سائل إلى جوف الإنسان (^٥).
يقول الشيخ العثيمين: «… فلو أنّ إنسانًا أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل
_________________
(١) وبه أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ينظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، ص (١٣٦).
(٢) القول بأن دخول الشيء إلى المعدة يعتبر مفطرًا، سواء كان مغذيًا أم غير مغذ هو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومقتضى هذا القول أن منظار المعدة مفطر. ينظر: بداية المجتهد (٣/ ١٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦٢٦)، المغني (٤/ ٣٥٣).
(٣) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٤٣٨).
(٤) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية (٤/ ١٦٩)، ذكره في مسألة بلع الخيط ونحوه، وأنه غير مؤثر في الصوم، وهذه النازلة مخرَّجة عند البعض على هذه المسألة ما إذا ابتلع طرف خيطٍ وطرفه الآخر بارزٌ.
(٥) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٧).
[ ٢٨٠ ]
إليها، فإنه يكون ذلك مفطِرًا (^١)، والصحيح أنه لا يفطر إلا أنْ يكون في هذ االمنظار دهنٌ أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مفطرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة» (^٢).
• الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بأن الدخان مفطر (^٣).
مأخذ الحكم: أنّه سبحانه أطلق الشرب في الآية، وأمرنا بعد ذلك بالإمساك إلى الليل، فيدخل في الإطلاق كل مشروب، والدخان مشروب؛ لأنّ شرب كل شيء بحسبه، وشرب الدخان باستنشاقه وإدخاله للجوف.
ويؤيد هذا الحكم بعضهم ما ورد في الحديث أن الصائم (يدع شهوته من أجلي) (^٤)، والشهوة هنا: مفرد مضاف، فيعمّ أي: شهوة يشتهيها المكلَّف، ومنها: الدخان للشارب له.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]
استدل بها جمهور أهل العلم على وجوب الاعتماد على الحول القمري، الذي يعتمد على السّنة القمرية، دون الحول الشّمسي (^٥).
وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فاعتبر سبحانه
_________________
(١) أي عند الحنابلة.
(٢) الشرح الممتع (٦/ ٣٧١).
(٣) ينظر: مجموعة فتاوي ابن عثيمين (١٩/ ٢٠٢)، فقه النوازل للمشيقح (٢٦٥).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (٥٧٩).
(٥) ينظر: المغني (٨/ ٨٤)، رؤية الهلال الفلكي لشيخ الإسلام (٤٨)، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها لأحمد ابن عبد الله الفريح (٢٨).
[ ٢٨١ ]
التوقيت بالهلال؛ إذ إنّ الحول القمريّ هو المكون من اثني عشر شهرًا.
قال القرطبي: «هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط» (^١).
وقال الرّازي: «الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية، أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية» (^٢).
ومأخذ الحكم للآيتين: هو أن المعتبر في الأحكام الشرعية حقائقها؛ إذ الشارع يخاطبنا بعرفه، كيف وقد نصّ في الآية الأولى على كون الأهلة ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وبلفظه العامّ؛ ليشمل الصّيام وغيره.
وفي الآية الثانية: حصرها بالعرف الشّرعي بقوله ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وعليه فوجب تعليق العبادات وغيرها بها.