القضاء: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (^١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
استدل بالآية على مشروعية الحكم بين الناس، ووجوب العدل فيه (^٢).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم الشرعي بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ الدال على المشروعية والوجوب.
وكذا الوعد والوعيد المستفاد من ختم الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
قال الرازي: «أي: إذا حكمت بالعدل، فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أنَّ هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي».
ثم ذكر أن «أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان، هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصًا بمزيد العناية، لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» (^٣).
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
_________________
(١) شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤٥٩)، وكشاف القناع (٦/ ٢٨٥).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٦٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٨).
(٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١١١).
[ ٦٨٠ ]
استدل بالآية على وجوب التحاكم إلى النبي ﷺ فيما شجر بينهم مع التسليم لحكمه وقضائه.
قال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (^١)، وذكر الآية المذكورة ضمن أدلة المشروعية.
مأخذ الحكم: أن نفي الإيمان لا يكون إلا على ترك واجب، وقد علق في الآية على أمرين: التحاكم إليه والتسليم بالقضاء، والمعلق على أمرين لا يخرج المكلف من عهدتهما إلا إذا أتى بهما جميعًا.
والحكم عام: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ سبب نزولها في مخاصمة الزبير بين العوام مع الأنصاري، فقضى النبي ﷺ للزبير، فقال الأنصاري -غفر الله له- «أن كان ابن عمك»، فغضب النبيُّ ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» (^٢).
والعموم في الآية مستفاد من ضمير الجمع في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ و﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ ويعمُّ جميع شؤونهم لعموم قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، و«ما» اسم موصول من ألفاظ العموم.
قال الرازي في الآية: «تصريح بأنه لا يحصل الايمان، إلا بأن يستعينوا بحكم النبي ﷺ في كل ما اختلفوا فيه …» (^٣).
وقال في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: «واعلم أن
_________________
(١) المغني (١٠/ ٣٢).
(٢) أخرجه البخاري، سورة النساء، باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، برقم (٤٥٨٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، برقم (٢٣٥٧).
(٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٢٨).
[ ٦٨١ ]
ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد أن يحصل الجزم واليقين في القلب، بأن الذي يحكم به الرسول ﷺ هو الحق والصدق» (^١).
ثم قال: «﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والمراد منه: الانقياد في الظاهر والله أعلم» أ. هـ.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
استدل بالآية على وجوب الحكم بالعدل في الشهادة.
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ خبرًا بعد خبر، وليست نعتًا ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾ ولا حالًا.
أي: كونوا قوامين، وكونوا شهداء، فهو خبر ثانٍ ل «كان» منصوب.
قال ابن عطية: «والحال ضعيفة في المعنى؛ لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط» (^٢).
أي: كونوا قوامين بالقسط في شهادتكم ولو على أنفسكم.
وسيأتي في باب الشهادة زيادة بيان لهذه الآية.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) تفسير ابن عطية (٢/ ١٢٢).
[ ٦٨٢ ]
استدل بالآية على وجوب العدل في القضاء.
مأخذ الحكم: حذف المفعول في قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾، يدل على العموم، أي: يعمُّ القضاء وغير القضاء، والله أعلم.
قال الرازي في تفسير الآية: «أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على أن لا تعدلوا، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، ولكنه حُذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة …، والثاني: أنها مختصة بالكفار، فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام …، فنهاهم أولًا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدًا» (^١).
قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]
استدل بالآية على أحكام الآتية:
• الحكم الأول: أنه لا يجب على المسلم الحكم بين الكفار إلا أن تكون الخصومة قد ارتبطت بينهم وبين مسلم.
مأخذ الحكم: للتخيير الوارد بلفظ «أو» بقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وهي نازلة في اليهود، بل وقد وادعهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، فيدخلون دخولًا قطعيًا.
أما أهل الذمة: فيدخلون باعتبار عموم اللفظ لا خصوص السبب، والخطاب الموجَّه للنبي ﷺ خطاب لأمته، ودخول الجميع مبني على كون الآية محكمة غير منسوخة.
_________________
(١) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٢٠).
[ ٦٨٣ ]
أما إذا ارتبطت الخصومة بمسلم فيجب الحكم فيها باتفاق (^١).
قال القرطبي: «وقال النحاس في الناسخ والمنسوخ له، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ؛ لأنَّه إنما نزل أوَّل ما قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فلما قوي الإسلامُ، أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي، وهو الصحيح من قول الشافعي، قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أن تجري عليهم أحكام المسلمين، وجب ألا يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا، فالآية منسوخة» (^٢).
• الحكم الثاني: إذا حكم بين الكفار يجب أن يحكم بالعدل.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالعدل، وثناء الله على الفاعل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٧٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٧٧)، وينظر: التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٦١).
[ ٦٨٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
دلت الآيات على تغليظ الحكم بخلاف المنصوص (^١).
قال الرازي: «قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقرَّ بلسانه كونه حكم الله، إلَّا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية»، ونسبَ هذا القول لعكرمة واختاره» (^٢).
وقال القرطبي: «وقيل: فيه إضمار، أي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ردًا للقرآن، وجحدًا لقول الرسول ﵊ فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامَّة على هذا.
وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقدًا ذلك ومستحلًا له.
فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرمًا، فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له …» (^٣).
مأخذ الحكم: جواب الشرط بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهي وصف للفاعل بما فيه تغليظ بسبب عدم الإتيان بالمشروط، وهو الحكم بما أنزل الله.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٤٢٥).
(٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٦٨).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٨٠).
[ ٦٨٥ ]
قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
دلت الآيتان على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القضاء.
قال ابن قدامة: «الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع» (^١)، وذكر منها آية المائدة الثانية، كذا القرطبي جعلها أصلًا في الأقضية (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بصيغة: «افعل» ﴿فَاحْكُمْ﴾، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾، وهو على الوجوب، وكونه للوجوب مما لا خلاف فيه، وفيه دلالة أخرى من الآية، وهو تعقيب المولى سبحانه الحكم بالنهي عن اتباع أهوائهم بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قال القرطبي: «يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق، يعني: لا تترك الحكم بما بيَّن الله تعالى من القرآن، من بيان الحق وبيان الأحكام» (^٣).
• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الكفار بحكم الإسلام، إذا تحاكموا إلينا (^٤).
وهذه الآية ناسخة للتخيير الوارد في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وسبق الحديث عن نسخها في الآية المنسوخة، والخلاف في كون النسخ ثابتًا.
_________________
(١) المغني (١٤/ ٥).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٧).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٩٩).
(٤) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٤٤٢)، والإكليل (٢/ ٤٦٣).
[ ٦٨٦ ]
ومما يقوي إحكام الآية وعدم النسخ، وهو أن النسخ إنَّما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع، وهنا أمكن الجمع، وفي ذلك يقول القرطبي: «وقيل: ليس هذا وجوبًا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت» (^١).
أي: فاحكم بينهم بما أنزل الله، إن شئت الحكم بينهم، وعليه فله الإعراض عن الحكم بينهم.
وفي فائدة تكرار الأمر بالحكم بينهم بما أنزل الله كما في الآيتين.
قال الرازي: «أعيد ذكرُ الأمر بعد ذكره في الآية الأولى، إمَّا للتأكيد، وإمَّا لأنهما حكمان أُمِر بهما جميعًا؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم تحاكموا في قتيل كان فيهم» (^٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥١].
دلت الآيات على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الحضور على من دُعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع (^٣).
مأخذ الحكم: الذّم الوارد على ترك الحضور في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾،
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٢١٠).
(٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٣٧٤).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٧).
[ ٦٨٧ ]
والاستفهام للإنكار والاستقباح لإعراضهم المذكور (^١)، وختم الآية بذم الفاعل بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فدلّ على تركهم للواجب عليهم.
• الحكم الثاني: استحباب أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
مأخذ الحكم: مدح الفاعل لذلك، ووصفه بالإيمان وبالفلاح.
قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه القيام بحقوقها (^٢).
مأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو من شرع من قبلنا، فيكون شرعًا لنا.
وعورض بكونه شرعًا لنا ما لم يرد في شرعنا خلافه، وقد ورد في حديث عبد الرحمن بن سمرة النهي عن سؤال الإمارة، وللعلماء أجوبة في ذلك:
قال القرطبي: «فالجواب …، الرابع: أنه رأى ذلك [أي: يوسف ﵇ فرضًا متعينًا عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» (^٣). أ. هـ.
وقال الرازي: «التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأيِّ طريق»، ثم قال: «وما لا يتم الواجب إلَّا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبًا عليه» (^٤) ا. هـ. وهذا هو المأخذ لهذا الحكم.
_________________
(١) ينظر: التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن للمطعني (٣/ ٤٢).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٨٣ - ١٨٤)، والإكليل (٢/ ٨٧٦).
(٣) الجامع لأحكام القرأن (٩/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٤) التفسير الكبير للرازي (٦/ ٤٧٣).
[ ٦٨٨ ]
• الحكم الثاني: جواز التولية عن الكافر والظالم.
قال القرطبي: «قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعلٍ لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك» (^١).
مأخذ الحكم: كونه فعل نبي، وهو شرع من قبلنا، فيكون شرعًا لنا.
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] إلى قوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
قدّم ابن قدامة هذه الآية الثانية على جميع الآيات التي جُعلت أصلًا للقضاء، من الكتاب، وكذا القرطبي عند حديثه عن الأصل في الأقضية من الكتاب، واستدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القضاء في المسجد، حيث تسوروا المحراب عليه وقضى بينهم.
مأخذ الحكم: كونه من شرع من قبلنا، وهو شرع لنا.
قال الطاهر ابن عاشور: «وأُخِذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك، سوى هذه الآية؛ بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة» (^٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٨٣).
(٢) التحرير والتنوير (٢٣/ ٢٣٨)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٨).
[ ٦٨٩ ]
• الحكم الثاني: وجوب الحكم بين الناس بالعدل.
مأخذ الحكم: الأمر بالحكم بالحق، وهو العدل.
قال القرطبي: «قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالعدل، وهو أمرٌ على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله؛ وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها، وليس ذلك بعدل، فقيل له بعد هذا، فاحكم بين الناس بالعدل» (^١).
ثم تكلَّم عن سياق الآية بما يؤكد الحكم السابق، فقال: «﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، أي: لا تعقد بهواك المخالف لأمر الله ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن طريق الجنة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يحيدون عنها ويتركونها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في النار …» (^٢).
ولا شك أنَّ هذا ذم ووعيد، ولا يكون إلَّا على من ترك واجبًا، وهو هنا: العدل في الحكم.