في أن اسم الفاعل لا يشتق لشيء باعتبار فعل يقوم بغيره (١) خلافًا للمعتزلة (٢) ولهم
_________________
(١) بل يجب بمقتضى اللغة إطلاق ذلك المشتق على الذي قام به، لأنا استقرأنا اللغة فوجدنا الأمر كذلك. انظرا المحصول للرازي (١/ ٩١)، نهاية السول للإسنوي (١/ ٩١).
(٢) اعلم أن المعتزلة لم يصرحوا بهذا الخلاف وإنما لما نفوا عن الله تعالى صفاته الذاتية كالعلم والقدرة ووافقوا على أنه عالم قادر مثلًا لكن بذاته لا بصفات زائدة عليها ألزمهم أهل السنة بأنهم قائلون =
[ ١ / ١٣٢ ]
قولان يشتق من فعل يقوم بنفسه فالله مريد بإرادة قائمة بنفسها ويشتق باعتبار ما يقوم بثالث فإنه متكلم بكلام بجسم يخلقه فيه كجبريل وهو محل النزاع ها هنا وإنما يذهبون إليه إذا ثبت الإنصاف به وامتنع القيام فلا يرد أنه لو صح لزم أن يكون الله تعالى أسود ومتحركا وغيره لخلقها، لنا الاستقراء ولهم دليلان:
١ - صحة قاتل وضارب منع أن القتل والشرب أثر حاصل في المفعول أي عند الأشاعرة فهو الرامي. وجوابه منع أن التائير عين الأثر فإن العينية في الوجوه لا تنافي الغيرية في المفهوم المعتبرة في وضع اللغة كما يسمى إضاءة واستضاءة بالاعتبارين والموجود الضوء ليس إلا وليس هذا اختيارا لمذهبهم كما ظن.
٢ - إطلاق الخالق باعتبار الخلق الذي هو عين المخلوق لأن التكوين عين المكون عند الأشاعرة إذ لو كان غيره لكان التأثير فلو قدم كما قالت الحنفية قدم العالم لوجوب وجود المعلول عند وجود الموجد وقدرته وتعلقها والتخلف عن الموجب بط وهذا لا ينافي كون الموجد في نفسه فاعلًا بالاختبار وإن حدث كما قالت الأشاعرة احتاج إلى تأثير آخر ولزم التسلسل فهذا أيضًا الرامى إذ المعتزلة يجوزون تأخر الأثر عن التأثير قولًا بأن مقتضى التأثير بالاختيار جواز تراخي الأثر عنه لا لعلة كما أن مقتضاه بالايجاب عدم جوازه لا لعلة وجوابه من وجهين:
١ - أن الخلق يقوم بنفسه لأنه إما جواهر تقوم بنفسها وإما أعراض تقوم بها فالكل يعد قائما بنفسه لعدم قيامه من حيث هو يغير المجموع فهو غير محل النزاع لأنه ما يقوم بثالث وتمثيله بالجسم الذي يعد قائما بنفسه مع أن بعض أجزائه وهو الصورة قائم بغيره وهو المهبولي عند من يقول بهما إنما يناسبه أو أريد بالخلق المجموع المنقسم إلى أجزائه الجواهر والأعراض انقسام الجسم إليهما لا كل من جزئياته وهو الحق لأن المشتق له هو الخلق مطلقًا لا قتل زيد وضرب عمرو ومعناه أن إسنادهما إليه خلقًا باعتبار اندراجهما تحت خلق المجموع لا من حيث هما ولكون الدليل الزاميًا خرج الجواب على مذهب الأشاعرة لأن المعتزلة قائلون بأزلية القنوات وإن المخلوق الوجودات الزائدة أو انصافها بها وهما قائمان بالغير والمنبع لا يجب كونه على وفق مذهب المستدل.
_________________
(١) = بجواز اشتقاق اسم لمن لا يقوم به للوصف. انظر/ حاشية الشيخ بخيت على نهاية السول (٢/ ٩٨ - ٩٩).
[ ١ / ١٣٣ ]
٢ - أن للقدرة تعلقًا جديدًا به الحدوث مسمى باعتبار الحادث صدورًا وباعتبار المحدث خلقًا وباعتبار القدرة إيجابًا فالخلق وهو كون الذات تعلقت قدرته أمر نسبي متجدد تجدد سائر النسب والإعدام غير حادث ليحتاج إلى تأثير آخر فيلزم التناسل فإن الحادث قسم الموجود قائم بالله تعالى وباعتباره اشتق له فذلك كاف فيه وإن لم يكن في الخارج عين حادث سوى العالم فكونه في الخارج عينه وفي الاعتبار غيره هو الجامع بين دليلنا ودليلكم هذا على مذهب بعض الأشاعرة أن الإرادة قديمة والمتجدد تعلقها عند حدوث المراد ولا يلزم منه القول بالحال كما ظن لجواز كون التعلق نسبة عدمية متجددة بين الخالق وماهية المخلوق يتوقف وجودها عليها بالذات ويكون معها بالزمان أما أن قالوا بقدم الإرادة وتعلقها أو بقدم التكوين وتعلقه كالحنفية فالتكوين في الأزل متعلق بحدوث كل حادث في وقته المعين بجميع خصوصياته أو بقدمه وحدوث تعلقه كما عند بعضهم فالتكوين مع سائر خصوصياته فكما يقتضي حدوث الموجود يقتض حدوث تعلقه على وجه لا يحتاج إلى تكوين آخر وكونه كذلك وإن أوجب الجزئية أو لا يتغير فلا ينافي الأزلية ووصُف الباري تعالى به لأن الجزئية في الحادث المعلوم لا في العلم والتكوين المتعلقين به من حيث هو جزئي ولا يذهبن عن صحيفة خاطرك أحسن نقش ثبت فيه أن جميع القضايا ضرورية بل أزلية إذا جعلت الجهات جزء المحمول.
تتمة: القول بأنه لا تنافي بين المذهبين إذ التكلم يمعنى إيجاد الكلام هو المسند إلى الله عندهم وهو قائم به من ضيق لتعطن فإن المعتزلة مصرحون بأن فعله قائم بغيره والتكلم يمعنى إيجاد الكلام غير معهود في اللغة يعدان الأصل عدم الاشتراك.