في ترجيح الدائر بين المجاز والمشترك كالنكاح في أصل اللغة للضم ثم نقل إلى الوطء والعقد المشتملين عليه فقيل في الوطء حقيقة بالنسبة إلى العقد المفضي إليه فاستدل بقوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٢٢) على عدم جواز تزوج الابن مزنية الأب وقيل: بالعكس لأن الوطء مقصود منه وهو الأصح قال الزمخشري: أينما ورد النكاح في القرآن بمعنى العقد فهو كما بينا حقيقةٌ في أحدهما مجاز في الآخر أو مشترك بينهما والحق أن المجاز أولى لفوائده ومفاسد الاشتراك والترجيح بين النوعين لا بين كل فردين فلا محذور في عدم اطراد بعض الوجوه وهذا البحث وإن كان اللائق ذكره في المقاصد لكنه يتضمن أمرًا كانه الداعي إلي ذكره ها هنا وهو الداعي إليها من فوائدهما وفوائد المحاز قسمان بالنسبة إلى الحقيقة وبالنسبة إلى المشترك والثاني أمران:
١ - أغلبيته استقراء حتى قال ابن جني أكثر اللغة مجاز ويلحق المظنون بالأغلب.
٢ - إن المجاز معمول به مطلقًا قبله قرينة حقيقة ومعها مجاز والمشترك بلا قرينة مهمل
والأعمال أولى من الاهمال أما الأول فوجوه:
١ - الأبلغية من البلاغة لا المبالغة كما ظن نحو اشتعل الرأس شيبا أبلغ مراتب من
[ ١ / ١٢٦ ]
شبت.
٢ - الأوجزية كما في الاستعارة،
٣ - الأوفقية إما في لفظة للطبع لننقل في الحقيقة كالحنفقيق للداهية أو عذوبة في المجاز كالروضة للمقبرة أو تنافر في الحقيقة كالعوسج لطويل العنق من النوق أو في معناه المقام لزيادة كان لاستمالة على الدعوى بينه أو تعطم كالشمس للشريف أو تحقيركالكلب للحقير أو ترغيب كماء الحياة لبعض المشروب أو ترهيب كالسم لبعض المطعوم وليس هذا تكرارًا بل بلاغة لأن مطابق المقام أعم من البليغ إما لأنه جنسه وإما لأن المقام قد يقتضي تأدية المعنى بألفاظ كيف كانت بنظم يخرجها عن حكم النعيق.
٤ - تلطف الكلام بإفادة اللغة التخيلية الموجبة لمزيد التلقي وسرعة التفهم نحو رأيت بحرًا من المسك موجه الذهب.
٥ - التخلص من قذارة الحقيقة كالغائط وكنايات النيك في القرآن.
٦ - مطابقة تمام الرماد ولها موارد كاستعارة المحسوس للمعقول فإن الوهم يساعد العقل في قبوله حينئذ وهو الحكمة في ضرب الأمثال كما حصلت بالتشبيه في قوله وطول مقام المرء في الحي مخلق البيتين فيفيد فهم تحقق المعنى الجامع في المشبه على حقه وكما عند بيان مقدار الجامع المتحقق في المشبه كاستعارة سواد الغراب للمداد وكذا سائر أغراض التشبيه فإنها ربما يكون أغراضًا للاستعارة وكما في الاستعارة مطلقًا المقيدة للمبالغة في التشبيه.
٧ - أنواع الصنائع البديعة كالسجع عند وقوع حمار ثرثار فاصلتين ونحو نزلت بواد غير ممطور وفناء غير معمور ورجل غير مسدور وكالمقابلة المراد بها الطباق نحو (ضحك المشيب برأسه فبكى) بخلاف ظهر وليس ضحك حقيقة فيه والإلزم الاشتراك وكالمطابقة المراد بها المشاكلة نحو (كلما لج قلبي دي هواها لجت في مقتي) وكالمجانسة نحو سبع أرانب وستة سباع وكصحة الوزن والقافية والنووي نحو:
عارضتنا أصلًا فقلنا الربرب حتى تبدي الأقحوان الأشنب
فإن الربرب ليس كالسنن الأبيض ومفاسد الاشتراك وجوه:
١ - إخلالة بالفهم إذا خفي القرينة عند من لا يجوز عمومه والمجاز حينئذ يحمل على الحقيقة.
٢ - تأدية إلى مستبعد من ضد أو نقيض، قيل: هو لزوم مناسبة الواحد للنقيضين أو
[ ١ / ١٢٧ ]
الضدين لما ذهب إليه عباد من أن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية وهو بناء على مذهب مرجوح، وقيل: هو حمل المشترك بين الضدين كالقرء على ما ليس بمراد من ضده أو المشترك بين النقيضين على نقيض المراد كلفظ النقيض بين الإيجاب والسلب وفيه شىء إذ لم يثبت الاشتراك بين النقيضين والحق لزوم ما هو بعيد عن المراد من ضد أو نقيض إذا حمل على خلافه كما إذا حمل القرء في لا تطلق في القرء على الطهر فعلى أن النهي عن الشيء أمر إيجاب لضده بفهم وجوب انطلاق في الحيض وهو ضد المراد وطى أنه أمر يعم الإيجاب والندب يفهم ضده أيضًا ويلزم كلا منهما عدم حرمة التطليق في الحيض وهو نقيض المراد.
٣ - احتياجه إلى قرينتين المعنين والمجاز إلى واحدة وعروض بفوائد الاشتراك ومفاسد المجاز ففوائده وجوه:
١ - اطراده فلا يضطرب.
٢ - الاشتقاق منه لا نحو المئني والمجموع بالمعنين نحو أقرأت يمعنى حاضت وطهرت فيتسع الكلام والمجاز قد لا يشتق منه وإن صلح له حين كونه حقيقة كما مر في الأمر بمعنى الفعل وقد يشتق كالاستعارة التبعية.
٣ - صحة التجوز المعنين فيتكثر فوائد المجاز ومفاسد المجاز وجوه:
١ - احتياجه إلى الوضعين الشخصي أو النوعي للحقيقة والنوعي للعلاقة.
٢ - أن فيه مخالفة ظاهر والمشترك ليس ظاهرًا في شىء من معانيه ليلزم بإرادة أحدهما مخالفته. ٣ - تأديته إلى الغلط عند عدم القرينة لحمله على الحقيقة قطعًا بخلاف المشترك فقيل الترجيح معنا لأن المذكور من فوائد المجاز متحقق في المشترك أيضًا كالأبلغية إذا اقتضى المقام الإجمال وإلا لم يرد في القرآن والأوجزية كالعين والجاسوس في الباصرة فإنها جاسوس الحس المشترك وإلا وفقية للطع لعذوبة فيه كالعين أو ثقل في المجاز كالخنفقيق المستعار لغير الملايم وهذا أنواع البديع فالسجع كالمين والعين دون الجاسوس والمقابلة كما مر من حسنًا خير من خياركم ونحو (حديث على مر الزمان قديما)، وفمثل كثير في الرجال قليل، والمطابقة نحو كلما ضربت فرسي سوطًا ضرب عدوًا أي طار كما أن التوجيه وهو ذكر ذي وجهين، والإيهام وهو ذكر لفظ له معنيان وإرادة البعيد جاريان في المشترك جريانهما في المجاز نحو أدام الله مثمل فلان أي جمعه أو تفرقه ونحو حملناهم طرا
[ ١ / ١٢٨ ]
على الدهم بعد ما أي على القيود والجواب أن الأغلبية المخصوصة بالمجاز راجحة على الكل لأن اعتبار الكل لكونها مظنة الغلبة ولا عبرة بالمظنة مع لخقق انتفاء المئنة ولخقق المئنة لا يضره عدم المظنة وهذا كما أن قبلة الصائم مظنه الوطء المفسدة فهي مع انتفاء الوطء لا يفسد الوطء بدونها يفسد والمئنة تقلب عن موضع التحقق إلى العلة الموثرة بالذات ويسمى حكمة والمظنة عن موضعه الظن إلى ما يقض إليها.