أما في اللغة (١) خلافًا للأستاذ (٢) فلان مثل الأسد للشجاع وشابت لمة الليل مما لا يحصي يسبق عند الإطلاق منه غير ما أريد به ويفهم هو بقرينة والفهم بالقرينة أمارة المجاز وقرينة المشترك لتعيين أحد المفهومين لا للفهم له أنه مخل بالفهم عند خفاء القرينة
_________________
(١) أي واقع، وقال الشيخ سيف الدين الآمدي إنه الحق، وقال الشيخ عبد الشكور: واقع بالضرورة، أي الاستقرائية. انظر/ إحكام الأحكام للأمدي (١/ ٦١)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (٣١١١١).
(٢) قال: لأنه يخلّ بالتفاهم فإن اللهم إنما يتوجه إلى الحقيقة. وهو ممنوعٌ: لأنه لا يجوز استعماله من غير قرينه حيئذٍ ومنقوض لأنه ينفي الإجمال لأنه أيضًا يخل بالفهم مع أنه واقع اتفاقًا. انظر / فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (١/ ٣١١).
[ ١ / ١٢٣ ]
وجوابه أن ذلك يفيد الاستبعاد وكونه على خلاف الأصل لا الامتناع فهو مظنة عدم الوقوع ولا معتبر لها مع القطع بالوقوع وأما في القرآن خلافًا للظاهرية فلا مثله فيه منها قوله تعالى ﴿لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْء﴾ (الشورى: من الآية ١١) مجاز بالزيادة ﴿وَاسْأَلِ الْقَريةَ﴾ (يوسف: من الآية ٨٢) مجاز بالنقصان فعند المتقدمين راجعان إلى حكم الكلمة لا معناها ويطلق المجاز عليهما بالاشتراك ثم منهم من يجعل المجاز نفس كلمة تغير إعرابها لزيادة أو نقصان ومنهم من يجعله إعرابها ويلزمها ما من شىء كمثله وسوال القرية حيث لم يتغير الإعراب فيهما وعند المتأخرين راجعان إلى المعنى فقد أطلق مثل المثل على المثل وسؤال القرية على سؤال أهلها فهما لفظان مستعملان في غير وضع أول قالوا لي الأول حقيقة في نفي الشبيه فقيل مرادهم نفى من يشبه ذاته ومعناه ليس كذاته شىء نحو بمثل ما آمنتم به أي بنفسه وهو سهو لأنه وقوع فيما مر منه من حيث المثل في النفس مجازًا وإن إحدى أداتي التشبيه زائدًا والحق أن مرادهم نفي شبيه المثل لأن التنزيه يقتضيه كما يقتضي نفى المثل وأجيبوا بوجهين:
الأول: أن نفي مثل المثل يناقض غرضه وهو إثبات ذاته بلا مثل؟ لأن مثل مثله ذاته ضرورة أن المماثلة من الطرفين وهو المراد من التناقض لا أن في عين النفي إثباتا بالظهور إثبات المثل وإلا كان مبنيًا على الثاني فيستدعي تأخيره وكان جوابه جوابًا لهما.
الثاني: أنه ظاهر في إثبات مثله ونفى ذاته تعالى عن ذلك علوا كبيرًا لأن وضع ليس لسلب النسبة بين اسمه وخبره ولا تعرض له لسلبها بين اسمه وما أضيف إليه خبره فالظاهر أنها مسلمة وإلا لتعرض لسلبها وإن كان محتملا عقلًا وإذا ثبت مثله ظاهرًا كان ذاته مثل مثله وقد نفاه وربما يرد الأول لجواز أن يكون نفي مثل المثل لنفي المثل بطريق الكناية دفعًا للتناقض ولي في ذلك وجه آخر أن يراد نفى مشابهته لمن يفرض مثلًا له فإن نفى الموصوف بالمثلية ربما يكون بنفيها كما تقول لا جاهل عندي نريد به نفى جهل من عندك ولا يقال إنه مجاز لأن نفي الكل عند انتفاء الجزء حقيقة والثاني بأن الظاهر لا حكم له حين عارضه القاطع المذكور في نفيه من أنه لنفي المثل دفعًا للتناقض وزيد وجه آخر أن يراد نفى شبيه المثل القاصر في المماثلة على ما يقتضيه قانون التشبيه فضلًا عن المثل ولا قصد إلى ذات بعينه كما في مثلك لا يبخل وفي الثانية أن القرية مجتمع الناس من قرأت الناقة ومنه القرآن وهو غلط إما معنى فلأن المجتمع بفتح الميم غير الناس فلا يقيده وبكسره ممنوع وإما لفظًا فلفا وتهمانًا فصاص ومهموزًا وإن القرية تجيبك لخلق الجواب
[ ١ / ١٢٤ ]
فيها كما قالوا بخلق الإرادة في الجدار في ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (الكهف: من الآية ٧٧) وهو بعيد لأنه وإن أمكن لا سيما زمن النبوة إلا أنه إنما يقع معجزة أو كرامة وهو بالنسبة إلى التجوز قليل والعدول عن الشائع إلى القليل إلا عندما يقوم عليه دليل عليك مع أن وصف القرية بالتي كنافيها دليل إرادة أهلها وإلا فدلالة الصدق في كلام جميع الجمادات حاصلة ومنها قوله تعالى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٤) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلُهَا﴾ (الشورى: من الآية٤٠) عبر عن جزاء الاعتداء وعن الحسنة الواقعتين علىً وفق الشرع حيث لم ينه عنهما باسم الخارج عنه القبيح ففيه استعارة أحد الضدين للآخر كالسليم الديغ أو أحد المتشابهين صورة للآخر كالفرس المنفوس وذكر المثل لا ينافيها لأن مبنى الاستعارة تناسي تشبيه وقعت لأجله لا كل تشبيه فتشبيه الاستعارة في الجنس والآلة والمحل قال الفقهاء القصاص لمثل عقوبة الجاني فإن لم يحصل يزاد من جنسه وإيراد المثل لتشبيه الجزاء في المقدار الذي يختلف فيه الأفراد فهذا مثل قولك رأيت أسدًا في الحمام مثل أسد رأينا أمس في الطول وأما توهم أنه مثل زيد أسد مثله ففاسد فإن المشبهين وهما جزاء الاعتداء والحسنة ليسا بمذكورين في الآيتين وقيل: لا تجوز فيهما لأن الاعتداء هتك حرمة شيء والمعنى كما هتك حرمة لكم من الحرم أو الشهر الحرام أو المال أو النفس أو العرض فاهتكوا حرمته والسيئة مال يسوء من نزل به وهو مختار الكشاف وكونهما من المشاكله لا يخرجهما عن المجاز كما ظن ومنها مكر الله والله يستهزئ بهم فالمكر مجاز عن جزائه والاستهزاء عن إنزال الهوان.
وقال الرازي المكر إيصال المكروه على وجه تخفي والاستهزاء إظهار الإكرام وإخفاء الإهانة فيجوز من الله حقيقة لحكمه، ومنها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: من الآية ٣٥) الله نور السموات والأرض مجاز عن المنور وقيل: هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره لا العرض فهو حقيقة والحق أن أمثلة المجاز من نحو ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ (مريم: من الآية ٤) و﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٤) و﴿نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ (المائدة: من الآية ٦٤) بلغت في الكثرة حدًا يفيد الجزم بوجوده فلا يمنعه التمحل في صور معدودة إن أمكن.
تمسكوا بأن المجاز كذبٌ لصدق نفيد فلا يقع في القرآن وإذ لو وقع لكان البارى متجوزًا والجواب عن:
١ - أن الصادق نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز.
وعن: ٢ - أن عدم إطلاق المتجوز لعدم الأذن وإن صح لغة أو لأن المتجوز أبوهم
[ ١ / ١٢٥ ]
المتسمح والتوسع فيما لا ينبغي من القول والفعل من الجواز بمعنى التعدي أو توهم المتجاوز من مكان إلى آخر من الجواز كمعنى العبور أما حمله على إبهام جواز إطلاق نحو لمكار لورود مكر فبعيد ويؤنسه البحث عن وقوع المعرب فيه فإنه مروي عن ابن عباس وعكرمة خلافا للأكثرين لنا أن المشكاة حبشية والسجيل والاستبرق فارسيتان والقسطاس رومية وقولهم بجواز كونه مثل الصابون بعيد لأنه نادر فلا يصرف إليه الظاهر وربما يتمسك بالأعلام العجمية وجعلها من المعرب المفسر بما تصرف فيه العرب وأجروا أحكامهم لو مما فيه النزاع مع ظهور وقوعها مما فيه النزاع لهم ما مر من لزوم أن لا يكون القرآن عربيًا وقوله تعالى ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) أفنفي التنويع اللازم نفي للمعرب الملزوم وجواب الأول ما مر والثاني أن المراد كلام أعجمي ومخاطب عربي فلا يفهمه فيبطل غرض إنزاله بدليل سياق قوله تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنا أَعْجَمِيًّا﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) ولئن سلم فلتفي التنويع المخصوص أي على وجه لا يفهمه العرب بدليل قوله تعالى ﴿لَوْلا فُصًلَتْ إياتُهُ﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) أي بينت وبالمعرب لا يحصل ذلك الوجه.