الصناعات خمس برهان وخطابة وجدل وشعر ومغالطة إن قوبل بها البرهان فسفسطة أو الجدل فمشاغبة وتتمايز بما يتركب منها فمقدمات البرهان يقينية وينتج إنتاجًا يقينيًا واليقين باللزوم ووجود الملزوم ملزوم اليقين بوجود اللازم لأن لازم الحق حق وتكون ضرورية من الضروريات الخمس أو السبع أو منتهية إليها وإلا فإن عاد سلسلة الاكتساب دار وإلا سار متسلسلًا وربما يقتصر على التسلسل للزومه من الدور قيل اللازم منه هو التسلسل المتعارف لأن التوقعات الدورية غير متناهية ويلزمها الموضوعات الغير المتناهية ولا يعني بالمتعارف إلا التوقعات الغير المتناهية في موضوعات كذلك وفيه بحث لأن المتعارف التوقعات الغير المتناهية في الموضوعات الغير المتناهية في نفس الأمر لا على التقدير فالأولى أن يفسر هذا التسلسل بالتوقعات الغير المتناهية في الموضوعات الغير المتناهية مطلقًا أعم مما في نفس الأمر أو على التقدير أو بالتوقعات الغير المتناهية والأول أولى لأنه أقرب إلى المتعارف، وأما مقدمات غير البرهان فلا تستلزم المدلول من حيث هي لأن أقربها الظن والاعتقاد وليس بينهما وبين الشيء ربط عقلي لزوالهما مع بقاء
[ ١ / ٦١ ]
موجبهما عند قيام المعارض وظهور خلافه بوجه يقيني كما مر فمقدماتهما إما ظنية أو اعتقادية أو مركبة والاعتقاد قد يحصل من الظنيات بانضمام القرائن أما الضروريات عند المنطقين فسبع لأن العقل إن لم يفتقر في حكمها إلى شيء فهي الأوليات وإن افتقر فإما إلى الحس حس الباطن فالوجدانيات أو حس الظاهر فإن لم يحتج إلى تكرره فالمحسوسات وإن احتاج واختص بحس السمع فالمتواترات وإن لم يختص فالتجريبات وإما إلى غير الحس فإن لم تغب الواسطة ففطريات القياس ويسمى قضايا قياساتها معها وإن غابت وحصلت بسهولة فالحدسيات وإلا فليست ضرورية والفرق بين الحدس والتجربة أن التجربة محتاجة إلى المباشرة وعندنا خمس لأن حكم العقل لا يحتاج إلى غير الحس في الضروريات ففطريات القياس من الأوليات وإمكان تركيب القياس لا يخرج عنها وإلا فلا أولى والحدسيات عندنا من الظنيات لا من الضروريات، وإلا لما جوز العقل نقيضها فإن العقل يجوز في مثاله المشهور أن يكون نور القمر من أمر يدور اختلافه مع اختلاف القرب والبعد ألا ترى أن إبطال رأي ابن الهيثم بالخسوف ليس مما يذهب إليه العقل بسهولة وعد الوهميات منها خطأ لأنها وإن تعلقت بالمحسوس فربما يغلط كتوهم صداقة من ليس له هي وأما الظنيات فمنها مقدمات الخطابة وهي إما مقبولات مأخوذة من معتقد فيه لمعجزة أو كرامة أو كفاية أو ديانة وإما مظنونات يظن صدقها لقرائن وفائدتها الترغيب إلى الخير والتنفير عن الشر، ومنها مقدمات الجدل وهي إما مشهورات يعترف بها الناس لمصلحة عامة أو رقة أو حمية أو شرع أو أدب وربما ينسبه للأوليات ويفرق بأنها قد تكون باطلة وبأنها لا تحصل لمن قذر خلقه دفعة وإما مسلمات في علم أو عند الخصم كحجية القياس الفقهي وفائدته إقناع القاصر عن البرهان وإلزام الخصم واعتياد النفس بترتيب المقدمات على أي وجه شاء، ومنها مقدمات الشعر وهي مخيلات تورث بالنفس قبضًا أو بسطًا على القبول ويروجه الألحان الطيبة والأوزان المطبوعة وفائدته انفعال النفس بالرغبة والنفرة، ومنها مقدمات المغالطة وهي الوهميات التي يحكم الوهم فيها على المعقول حكمها على المحسوس فربما يغلط والمشبهات بالضرورية أو المشهورة وغيرها من الظنية فإن قوبل بها الحكيم فسفسطة وإن قوبل الجدلي فمشاغبة، وفائدتهما تغليط الخصم وأعظم منه معرفتها للاحتراز عنهما كالسحر هذا هو المقرر عند المنطقيين والذي يهمنا من الظنيات أربع حدسيات كما مر ومشهورات شرعية يندرج تحتها المقبولات الشرعية الغير المتواترة والمظنونات الشرعية ولا اعتبار للعرفيات منهما
[ ١ / ٦٢ ]
ووهميات ومسلمات والمخيلات غير مفيدة في أحكام الشرع وقيل: ليس فيها حكم فليس ظن.
تتمات ثلاث
١ - البرهان إن كان الاستدلال فيه بما يفيد اللمية والآنية أي بسبب للثبوت والتصديق يسمى برهانًا وتعليلًا عند البعض ولا يكون إلا من المؤثر إلى الأثر وإن كان بما يفيد الآنية فقط أي التصديق وذلك لا بد منه وإلا لم يكن دليلًا يسمى برهانًا واستدلالًا مطلقًا عند البعض سواء كان بالأثر على المؤثر أو بأحد الأثرين على الآخر أو بأحد المتضائقين عند من لم يجعلهما أثرين على الآخر.
٢ - قد مر أن وجه الدلالة هو الحد الأوسط لكن لا من حيث ذاته بل من حيث توسطه المخصوص بين الأصغر والأكبر وخصوصيته ناشئة من ثبوته للأصغر واستلزامه للأكبر وذلك يقتضي خصوص موضوع الصغرى وعموم موضوع الكبرى فلذا قيل وجه الدلالة أن الصغرى خصوص باعتبار موضوعها أي لها خصوص أو خاصة والكبرى عموم واندراج الخاص تحت العام واجب فيندرج موضوع الصغرى تحت موضوع الكبرى الثابت لجميع أفراده محمولها فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى وهو المطلوب ولما كان موضوع الكبرى باعتبار محموليته في الصغرى أعم من موضوع الصغرى مطلقًا لأن الملاحظ في الموضوع كل فرد وفي المحمول مفهومه الكلي كان الحكم بعموم موضوع الكبرى شاملًا للمتساوي مع الأصغر بحسب الوجود.
٣ - إن إحدى مقدمتي البرهان قد يحذف للعلم بها اقترانيًا كان القياس أو استثنائيًا نحو ﴿لَوْ كانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٢] فإن الحق أن لو للزوم فقط لا مع المقدمة الاستثنائيةكما قيل، فالمحذوفة استثناء نقيض المقدم لأنه في متعارف العرب لانتفاء الثاني لانتفاء الأول، وقيل: استثناء نقيض التالي لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ولأن عدم سبب ما لا يقتضي عدم المسبب بخلاف العكس والحق أن ذلك متعارف لا يمكن إنكاره غايته الاستلزام الادعائي العادي الخارجي المبني على أن يراد بخزائه ما يحصل بشرطه المنحصر سببًا يكون الآية الكريمة سيقت لنفي تعدد الآلهة فلا بد أن يراد فيها استثناء نقيض التالي كما هو في مقام الاستدلال.