القول فى دليل الخطاب
القول فى دليل الخطاب.
وبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ما يتصل به وما قيل فى بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق منهم فى ذلك.
اعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب.
فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة١ وطريق الأولى مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك آل عمران ٧٥ الآية ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وعلى هذا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى مما أفاء الله عليك الأحزاب ٥ مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى خردلة ولا يترك من حقه حبة ويقول: لا تقر عين أخيك وأمثال هذا.
وقد سمى الشافعى ﵀ هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قال هذا تنبيه على وجوب الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه قالوا: ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر والاستدلال فى العلم بالمدركات وما نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا فإنه يشترك فى هذا العلم العامة والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من الناس وإذا علمه من ليس من أهل النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق النظر والاستدلال ولأنه لو كان معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط فيه غالط أو يشك فيه شاك أو يجوز أن.
_________________
(١) ١ أي: مفهوم الموافقة الأولوي انظر إحاكم الأحكام ٣/٩٤ نهاية السول ٢/٢٠٢، ٢٠٣ البرهان ١/٤٤٩ التصريح على التوضيح ١/١٤١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٩٨.
[ ١ / ٢٣٦ ]
يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته وموجبه أو يعدل عن هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل.
وحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير مذكور فى خطاب قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] وإنما استدرك علمه وأن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا بالفرع من ناحية أصله.
وأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم.
ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ولكن اقتله ويقول: لا تضربه ولكن اقتله.
وأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ولا يقصد فعل ما دونه.
فأما إذا كان قصد المخاطب دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى بأجلى من هذا فى باب القياس.
وأما لحن الخطاب١ فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه.
وأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ بالنظر فى معناه ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا يتجه له فرق صحيح.
والجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام.
واعلم أن حقيقة دليل الخطاب أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم بإحدى الصفتين وأن شئت قلت: فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله ﵇: "فى الغنم
_________________
(١) ١ وهو مفهوم الموافقة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة" ١ فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ٢ فنصه طهارته إذا بلغ الماء قلتين ودليله نجاسته إذا نقص عن القلتين وكقوله: "فى أربعين شاة شاة" ٣ فنصه وجوبها فى الأربعين ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فنصه مقتضى التثبت فى قول الفاسق ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه.
وإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة الاستدلال به فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام ويحتج به وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين.
وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية٤ واختلف هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم بالصفة إذا علق الحكم بغاية أو شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن التقييد بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى المنطوق به أصلا.
وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية وأن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة٥ وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط٦ وأثبته.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٦ ح ٦٣ والترمذي الطهارة ١/٩٧ ح ٦٧ والنسائي المياه ١/١٤٢ باب التوقيت في الماء والدارمي الطهارة ١/٢٠٢ ح ٧٣٢ وأحمد المسند ٢/١٨ ٤٦٠٤. ٣ أخرجه أبو داود الزكاة ٢/٩٩ ح ١٥٦٨ والترمذي الزكاة ٣/٨ ح ٦٢١ وقال حديث حسن وابن ماجه الزكاة ١/٥٧٧ ح ١٨٠٥. ٤ انظر روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ٢٣٥ التصريح على التوضيح ١/١٤٤. ٥ انظر البرهان ١/٤٥٣ نهاية السول ٢/٢٠٦ إحكام الأحكام ٣/١٠٢، ١٠٣ روضة الناظر ٢٤٤. ٦ ذهب إلى إبطالهما من الشافعية الإمام الباقلاني وحجة الدين الغزالي انظر المستصفى ٢/٢٠٤، ٢٠٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٠٥، ١١٠.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فى المقيد بالغاية.
وأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت١.
وأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا: فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفى ما عداه لدل عليه أما بصريحه ولفظه وأما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا الصفة إلا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه قالوا: وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى نفى الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر السوم سوى انتفاء الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها أنه قد يكون اللفظ لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه فتذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد عند خشية الإملاق قول الله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ليرفع هذا الإيهام وهذا غرض صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم يثبته على.
_________________
(١) ١ ليس المراد من اللقب نصوص ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم وإنما المراد به كل ما يدل على الذات سواء كان عاما أو كنية أو لقبا مثل زيد وأعلى وأنف الناقة وللأصوليين في هذا قولين: أحدهما وهو المختار للبيضاوي وهو رأي جمهور العلماء أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكمعما عدا الذات وإنما يدل على ثبوته للذلك فقط. وثانيهما أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكم عن غير الذات كما يدل على ثبوته للذات وهو لبعض العلماء كأبي بكر الدقاق من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وبعض الحنابلة. انظر نهاية السول ٢/٢٠٦، ٢٠٧ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٣٧ روضة الناظر ٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٠٠، ١٠١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الناس فقيد الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى بها وهذا أيضا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] ومنها أن يكون غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف حكم ما عداه بالقياس أو بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم الأجناس الستة فى الربا بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها.
وفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل.
فأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة عنها لأن العقل يدل على ذلك من حيث أنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل شرعى يدل على استحقاقه.
فإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم وذكروا دليلا آخر وقالوا: لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك.
دليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال طويل أو قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات فى وصفها للتمييز شأن فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه إذا قيل فى الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها على نفى الحكم المذكور فى الخطاب عما عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها.
دليل آخر لهم قالوا: قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض وقالوا: قول.
[ ١ / ٢٤٠ ]
القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا.
دليل آخر قالوا: موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه وقد قلتم فى دليل الخطاب أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى فيكون جمعا بين المتضادين وهذا لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا يجمع بين المتضادين هناك فى المراد فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به أحدهما انتفى الآخر وفى مسألتنا القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى والإثبات وهذا محال.
دليل آخر قالوا: الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله: "فى سائمة الغنم زكاة" ١ ويقال للمخاطب فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل الخطاب ثابتا من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب الفهم وما فهم يقبح طلب فهمه واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل الخطاب على فصل وقال لو كان الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب أن لا يعلم إلا سماعا وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات العقول وإنما يوجد بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة توقيف فى هذا الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير دواعينا على طلب الحق منها.
قالوا: وأن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ذلك بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو أما أن يكون الوصف المذكور معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم واللقب وأن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم.
_________________
(١) ١ سبق تحريجه.
[ ١ / ٢٤١ ]
على ما كان قبل معرفة العلة قال وكذلك فى الحكم المعلق بالشرط فالشرط يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة كما تقول فى العلة.
قال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله ﷺ: "لا زكاة فى الإبل العوامل" ١ وبعضهم روى: "لا زكاة فى الحمولة والعلوفة" ٢ واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا يكون نهيا عن عتق غيره وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد بشرط وبين المقيد بصفة قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود الشرط وإذا وقف عليه انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم عليه الدليل والأصح عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة.
وأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكان دليله أن لا شىء لها مع الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات توريث الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ورث الأخوات مع البنات٣ والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم على القول بدليل الخطاب وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وزعم أن الأخوين لا يردان الأم من الثلث إلى السدس وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى يقوله لا يدل عليه لسان العرب.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود الزكاة ٢/١٠١، ١٠٢ ح ١٥٧٢ انظر نصب الراية ٢/٣٦٠. ٢ قال الحافظ الزيلعي: غريب بهذا اللفظ انظر نصب الراية ٢/٣٦. ٣ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٢٥ ح ٦٧٤٢ وأبو داود الفرائض ٣/١٢٠ ح ٢٨٩٠ والترمذي الفرائض ٤/٤١٥ ح ٢٠٩٣ وابن ماجه ٢/٩٠٩ ح ٢٧٢١ والدارمي الفرائض ٢/٤٤٧ ح ٢٨٩٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل الخطاب واستشهد عليه بقوله ﷺ وهو من أفصح من ذب ودرج: "لى الواجد يحل عرضه وعقوبته" ١ قال فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه وعقوبته وكذلك قال فى قوله ﵇: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير من أن يمتلىء شعرا" ٢ وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل اللغة هو ﵀ إنما فسر حديث الرسول ﷺ فى كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ولأن العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين المطلق والمقيد بالاستثناء ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط عمرا القصير وهم يريدون التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول: أن دخله عربى فأعطه درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من حيث اللغة ولسان العرب.
فإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وأن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وأن لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها والجواب أن ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ومعلوم من مذاهبهم وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا أدرنا بكذا كذا وبكذا كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله ﷿ فى لسانها من البيان الذى يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من الناس بلسانها واستدرك مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم وهذا مثل وجوه.
_________________
(١) ١ ذكره البخاري الاستقراض ٥/٧٥ باب لصاحب الحق مقال معلقا وأبو داود الأقضية ٣/٣١٢ ح ٣٦٢٨ والنسائي البيوع ٧/٢٧٨ باب مطل الغني وابن ماجه الصدقات ٢/٨١١ ح ٢٤٢٧ وأحمد المسند ٢٧٢ ح ١٧٩٦٩. ٢ أخرجه البخاري الأدب ١٠/٥٦٤ ح ٦١٥٤ - ٦١٥٥ ومسلم الشعر ٤/١٧٦٩ ح/٢٢٥٧ ٨/٢٢٥٨ وأبو داود الأدب ٤/٣٠٤ ح ٥٠٠٩ والترمذي الأدب ٥/١٤٠ ح ٢٨٥١.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا أن لساننا فى الإعراب كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن عرف لسانهم عرف وجوه الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب والتنبيه به على الأعلى مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير وفلان لا تقع الخردلة من كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون أعلى صفات الشىء وأتمها فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه فى حكمه كقولهم الشبع فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى الماء البارد فنعلم أن ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها ونظير هذه الألفاظ قوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق" ١ لأن الإعتاق أجل ما يصطنعه الناس ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم فى استحقاق الولاء غيرهم وعلى هذا قوله: "فى سائمة الغنم الزكاة" ٢ لما كانت السائمة أعلى جنسها فى توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى استغرقت مؤنتها عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ونسلها فقد وجد من النبي ﷺ التكلم بهذا وأشباهه ليدل على المخالفة وذلك على دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن من الغلبة على القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فدليل الخطاب من لحن القول وبيان اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب وقد قال بعض الشعراء:
والحادثات وأن أصابك نوبها فهو الذى إياك كيف نعيم
فاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة أن كلمة إنما أنها من أن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى فاجتمع المعنيان لها وأن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه.
ببينة أنه المعلوم أن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الصلاة ١/٦٥٥ ح ٤٥٦ ومسلم العتق ٢/١٤١ ح ١٥٠٤ وأبو داود الفرائض ٣/١٢٦ والترمذي الوصيا ٤/٤٣٦ ح ٢١٢٤. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من جهتيها فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب وتضمنه لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا.
الجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله أنه لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي ﷺ فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال ﷺ عند ذلك: "والله لأزيدن على السبعين" ١ وفى رواية: "لو علمت أنه يستجاب لى لزدت على السبعين" ٢ فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام إنما خرج على جهة تأييس المنافقين من المغفرة.
والجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها فاستعمل ﷺ بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فهذا وجه الاستدلال بالآية وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ندع أن دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال وإنما قلنا بدليل الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان.
نعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل أن ما عداه بخلافه وأن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله ﷺ: "فى خمس
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري التفسير ٨/١٨٤ ح ٤٦٧٠. ٢ أخرجه البخاري التفسير ٨/١٨٤ ح ٤٦٧١ والترمذي التفسير ٢٧٩ ح ٣٠٩٧ والنسائي الجنائز ٤/٥٤ باب الصلاة على المنافقين وأحمد المسند ١/٢١ ح ٩٦.
[ ١ / ٢٤٥ ]
من الإبل السائمة شاة" ١ فإن السوم يشعر بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر المنفعة وخفة المؤنة على وجوب الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن المعلوفة بحكم المفهوم وكذلك قوله ﷺ: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وكذلك قوله ﵇: "من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" ٢ ولهذا أمثلة كثيرة.
وعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين.
أحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم.
والثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة المختارة.
واستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا: أن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ما هو منطوق به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى.
فالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى اللغة وهو من لحن القول على ما سبق.
وأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل عليها اللفظ.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٦٩ ومسلم البيوع ٣/١١٧٢ ح ٧٧/١٥٤٣ وابن ماجه التجارات ٢/٧٤٥ ح ٢٢١١ ومالك في الموطأ: البيوع ٢/٦١٧ ح ٩ وأحمد المسند ٢/٨٧ ح ٥٣٠٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فى الأعم الأغلب والفائدة التى يدل عليها اللفظ فى الأعم الأغلب هو ما ذكرنا من كون ما عدا الملفوظ بخلافه.
ويقولون على هذا قلتم أن الأكثر والأغلب على ما قلتم وأيضا فإنا لو اعتبرنا هذا كان الذى يؤدى إليه اللفظ هو غالب الظن دون القطع لأنه يجوز ما قلناه من الفوائد وأن كان قليلا نادرا.
ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال نحن لا نلحق المفهوم بالنص لكن نقول هو ظاهر فى المفهوم مثل العموم ظاهر فى الاستيعاب ولهذا نقدمه على القياس ونؤخره عن النص وهذه الطريقة قد حكيناها عن الشافعى وقالوا: ذكرها فى الرسالة ويمكن نسبتها غير أن الاعتماد على الأول وقد استدل بعض أصحابنا بظاهر قوله ﷺ: "الماء من الماء" ١ وقوله: "الأئمة من قريش" ٢ وقوله ﵇: " الربا فى النسيئة" ٣ واحتج ابن عباس فى ذلك فى نفى ربا النقد.
وهم يقولون فى هذا الألفاظ إنما صارت دليلا لا من حيث دليل الكلام لكن لأن صاحب الشرع أدخل الألف واللام وهما لاستغراق الجنس فلأجل هذا حسن الاستدلال بهذه الألفاظ.
أما من الأنصار من منع إيجاب الغسل بدون الإنزال حتى روت عائشة ﵂ ما روت ومن أبى بكر ﵁ فى دفع الخلافة من الأنصار ومن ابن عباس ﵄ فى نفى ربا النقد٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٦٩ ح ٨٠/٣٤٣ وأبو داود الطهارة ١/٥٥ ح ٢١٧ والترمذي الطهارة ١/١٨٦ ح ١١٢ والنسائي الطهارة ١/٩٦ باب الذي يحتلم ولا يرى الماء واين ماجه الطهارة ١/١٩٩ ح ٦٠٧ وأحمد المسند ٣/٣٦ ح ١١٢٤٩. ٢ أخرجه أحمد المسند ٣/١٧٢ ح ١٢٣١٥ والطبراني في الكبير ١/٢٥٢ ح ٧٢٥ والبيهقي في الكبير ٣/١٧٢ ح ٥٢٩٨ انظر تلخيص الحبير ٤/٤٩ ح ٦. ٣ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٤٥ ح ٢١٧٨، ٢١٧٩ ومسلم المساقاة ٣/١٢١٨ ح ١٠٢/١٥٩٦ والنسائي البيوع ٧/٢٤٧ باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة. ٤ وهذا مروي أيضا عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير لقوله ﵇: "لا ربا إلا في النسيئة" رواه البخاري ومسلم والمشهور من ذلك قول ابن عباس ثم إنه رجع إلى قول الجماعة روى ذلك الأثرم بإسناد وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم وقال سعيد بإسناد عن أبي صالح قال صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف وعن سعيد بن=
[ ١ / ٢٤٧ ]
وعندنا يثبت ربا النقد بالأخبار الصحيحة فى الباب١.
واعلم أنه قد دخل الجواب فيما ذكرناه عن معظم ما ذكروه وقد نفيت لهم أحرف ولا بد من الجواب عنها.
أما قولهم أن تقييد الخبر بالصفة لا يدل أن ما عداه بخلافه.
قلنا الدليل بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض فى الإخبارى وبه زيد العالم أو دخوله الدار أو قدومه ولا يكون له غرض فى الإخبار عن عمرو الجاهل فيخص زيدا بالإخبار عن دخوله ورؤيته وأما الشارع فغرضه أن يبين جميع ما كلف فإذا قال زكوا عن الغنم السائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة فى جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم.
وأما تعلقهم بالخطاب المقيد بالاسم.
قلنا هو خارج على الطريقة الأولى لأن العرب تجمع بين الأسماء المختلفة فى الأمر الواحد ويحسن منهم ذلك فإنهم يقولون اشتر لحما وخبزا وتمرا وبيضا وتريد الكل بالشراء ولا تقول العرب اشتر تمرا برنيا فاشتر تمرا معقليا واشتر الإزاد حتى تعد جميع أنواع التمر ويعدون هذا عيا من الكلام بل يقولون اشتر التمر وهذا لأن الاسم بمجرد التعريف مثل الألقاب والتعريف فى محل لا يدل على الجهالة فى محل آخر.
وأما الصفة فليس للتعريف المجرد بل هى للتنبيه على المعنى والدليل على الفرق بينهما من حسن اللغة ولسان العرب أن الأسامى تختلف على اتفاق المعانى ولا يتصور اختلاف الصفة مع اتفاق المعنى بل الأوصاف تقع أدلتها خاصة ومعنى هذا أن ذكر.
_________________
(١) = جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأسا وكان يأمر به انظر المغني ٤/١٢٣. ١ وعلى ذلك الجمهور وهو الصحيح لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق لا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا بناجز" وروى أبو سعيد أيضا قال جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ "من أين هذا يا بلال" قال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ "عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به" متفق عليه انظر المغني ٤/١٢٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الصفة يدل على تلك الصفة على الخصوص إذا قال القائل أعط الأسود عقل تخصيص الأسود بالعطاء ومنع الأبيض وإذا قال أعط زيدا لم يعقل منه منع عمرو وعلى طريقة أبى بكر الدقاق قد منع هذا الفصل.
وأما قولهم إلا يصح أن نقول أعط الطوال والقصار ويكون هذا عطفا ولا يكون نقضا.
قلنا عندنا تخصيص الطوال بالأمر بالضرب أو الأمر بالإعطاء يدل على نفى ضرب القصار أو نفى إعطاء القصار فإذا عطف القصار على الطوال لم يوجد تخصيص الطوال بالخطاب حتى يوجد الدلالة على نفى ضرب القصار أو نفى إعطائه وعلى أن هذا يبطل بالغاية والشرط فإن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب الشمس أفاد ذلك نفى الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس أو إلى طلوع القمر لم يكن نقضا وفى الشرط لو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار أفاد أنه لا يجوز العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار وأن دخل السوق يكون تقييد عطفا ولا يكون نقضا وأما الذى قالوه من حسن الاستفهام فإنما حسن ذلك لأنا لم ندع أن اللفظ نص فى موضع المفهوم لكن إنما ادعينا أنه نص فى موضع النطق ظاهر فى موضع المفهوم وإذا كان ظاهرا يجوز أن يقوم دليل على خلاف المراد فى موضع المفهوم فيحسن الاستفهام ليصير الظاهر نصا ويسقط الوهم مثل صيغة العموم هى للاستيعاب ثم يحسن الاستفهام فيقول: أردت الجميع إذا أردت الاستغراق والاستيعاب وكان حسن الاستفهام بالطريق الذى قدمنا كذلك هاهنا وقد تبين الجواب عن جميع أدلتهم وهذه المسألة أصل عظيم فى الفقه وعليه مسائل كثيرة وقد وقعت الإشارة إلى بعضها فى أثناء المسألة وباقى المسألة معروفة وقد ذكرت فى خلافات الفروع فاقتصرنا على ذلك والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٩ ]