فصل
هذا الفصل هو الفصل الخامس وهو يشتمل على: معارضة الاختلاف والإجماع ويشتمل تعارضها على أربعة أضرب:
فالضرب الأول: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد١ كاختلاف الصحابة ثم إجماعهم بعد خلافهم فيصير الإجماع بهم منعقد وما تقدم من خلافهم ساقطا لأن العمل يكون بما استقرت عليه أقاويلهم وقد استقرت على الإجماع [و] ٢ زال به الخلاف وقد وجد في الصحابة من ذلك خلافهم في الصحبة حيث قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ثم أن أبا بكر ﵁ لما حاججهم وأخبر أن الخلافة لا تصلح إلا في هذا الحى من قريش رجعوا إلى قوله وزال الخلاف ومن ذلك أيضا خلافهم على أبى بكر في قتال أهل الردة ثم رجعوا إلى قوله وأجمعوا عليه ومن ذلك خلاف ابن عباس وزيد بن أرقم لسائر الصحابة ﵃ في أن الربا لا يجرى إلا في النساء [رجعا] ٣ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة ومن ذلك أيضا خلاف عمر وابن
_________________
(١) ١ إذا اختلف المجتهدون في العصر الواحد في حكم المسألة على قولين فهل يجوز الاتفاق منهم بعد ذلك على أحد القولين: اختلف الأصولين في ذلك فمنهم من جوز الاتفاق بعد الاختلاف ومنهم من منعه. وهذا الحلاف مبني على خلاف آخر وهو هل موت المجمعين شرط في اعتبار إجماعهم أو ليس شرطا فيه فمن قال إن موت المجمعين شرط في اعتبار إجماعهم جوز الاتفاق منهم بعد الاختلاف كأن إجماعهم الأول لم يعتبر لفقدان شروطه ومن قال: إن موتهم ليس شرطا في ذلك بل جعل الإجماع حجة بمجرد الاتفاق وإن لم يموتوا - اختلف في جواز الاتفاق المذكور بعد الاختلاف على أقوال ثلاثة: القول الأول: يجوز مطلقا وهو مختار ابن الحاجب والرازي والبيضاوي. القول الثاني: لا يجوز مطلقا استقر الخلاف -بأن علمت- أو لم يستقر وهو للصيرفي والباقلاني. القول الثالث: يجوز إن لم يستقر الخلاف ولا يجوز عند استقراره وهو لإمام الحرمين والآمدي المستصفى "١/٢٠٥" انظر نهاية السول "٣/٢٨١" انظر إحكام الأحكام "١/٣٩٩" انظر المحصول "٢/٦٦" المعتمد "٢/٣٧" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٦٣". ٢ زيادة ليست في الأصل. ٣ ثبت في الأصل: رجعوا.
[ ٢ / ٢٨ ]
مسعود لسائر الصحابة في أن الجنب لا يجوز له التيمم ثم [رجعا] ١ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة٢. وعندي أن ثبوت الرجوع في هذه المسألة والمسألة التي قبلها نظر ومن هذا الباب خلاف ابن عباس لجماعة الصحابة في تحريم المتعة فإن ابن عباس أحلها٣. ونقل ذلك عن ابن مسعود ثم أن ابن عباس رجع عن ذلك٤. وعندي أن في الرجوع عما كان يقوله نظر والفقهاء ينقلون عن جابر بن زيد أن ابن عباس ﵁ لم يلبث حتى رجع عن قوله في الصرف وأما قول ابن مسعود في تحليل المتعة فليس بمعروف وقد أورده بعص أصحابنا وقد قال أبو سعيد الاصطخرى: إن المتعة محرمة بالإجماع وجعل مرتكبها زانيا وأوجب الحد عليه وأما سائر أصحابنا وكذلك عامة الفقهاء قد أبوا عن هذا وجعلوا حكم الخلاف باقيا ولم يوجبوا الحد بارتكابها٥ ولا وسموا مرتكبها بسمة الزنا وفى تفسيقه وجهان.
والضرب الثاني: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد فهو على ضربين أحدهما: أن يكون المخالف لم يوافق المجمعين قبل خلافه فيصح خلافه ولا ينعقد مع خلافه الإجماع كما خالف ابن عباس في القول مع إجماع غيره عليه.
والضرب الثالث: أن يكون وافقهم ثم خالفهم كخلاف على في بيع أمهات الأولاد مع اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن فمن جعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع بخلافه لحدوثه قبل استقراره ومن لم يجعله شرطا أبطل خلافه مع إجماعه.
والضرب الرابع: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصرين وذلك مثل اختلاف الصحابة على قولين وإجماع التابعين على أحد القولين فهذه مسألة معروفة وسنذكرها.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "رجعوا". ٢ ونقله الشيخ النووي عنهما وزاد إبراهيم النخعي قال: قال ابن الصباغ وغيره: وقيل إن عمر وعبد الله رجعا انظر شرح المهذب "٢/٢٠٧، ٢٠٨". ٣ ذكره الإمام موفق الدين بن قدامة عن ابن عباس وأكثر أصحابه عطاء وطاوس وه قال ابن جريج وحكى ذلك عن أبي سعيد الخدري انظر المغني لاين قدامة المقدسي "٧/٥٧١". ٤ ذكرع ابن قدامة: انظر المغني "٧/٥٧٢". ٥ انظر روضة الطالبين "٧/٤٢".
[ ٢ / ٢٩ ]
مسألة: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعت التابعون على أحد القولين:
فمذهب الأكثرين من أصحاب الشافعى ﵁ أن خلاف الصحابة ثابت ولا يرتفع بإجماع التابعين. من بعدهم والمسألة لا تصير إجماعا وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفه وبعض المتكلمين وقال الأكثرين من أصحاب أبى حنيفه أنه يرتفع الخلاف المتقدم ولا ينعقد الإجماع من التابعين على المسألة وبه قال الإصطخرى وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعى ﵀ عليهم وقد نص عليه الكرخى وصار إليه وكذلك كل من تبعه وذهب إليه أيضا أكثر المعتزلة وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة روايتين عن أبى حنيفة وحكى عن أببى يوسف أيضا أنه ينعقد الإجماع١ ويرتفع الخلاف المتقدم واحتج من قال بالقول الثانى بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] .
وبقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقد بينا أن ذلك يتناول أهل كل عصر ولم يفصل في اتباع غير سبيل المؤمنين بين أن يكون تقدم خلاف أو لم يتقدم خلاف واستدلوا أيضا بقوله ﷺ: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ٢ وفى رواية "على خطأ" فيجب أن يكون ما اتفق عليه أهل العصر الثاني غير خطأ ولأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الاختلاف وجب أن لا يجوز خلافه لأن الإجماعين واحد وحرفهم أن الإجماع قد وجد فينعقد ويكون حجة كما لو لم يتقدمه خلاف.
ببينة: أن الصحابة لو اختلفوا ثم أجمعوا فإنه يسقط الخلاف المتقدم بالإجماع المتأخر فكذلك يسقط الخلاف المتقدم في مسألتنا لأن الحجة في إجماع التابعين مثل الحجة في إجماع الصحابة فلما سقط اختلاف الصحابة بإجماعهم فيسقط أيضا بإجماع التابعين وأما حجة من ذهب إلى المذهب الأول وهو الأصح تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] "فأمر عند وقوع التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة وأهل العصر الأول قد ردوا الحادثة إلى الكتاب والسنة فوجدوا الحادثة مجتهدا فيها وقد
_________________
(١) ١ انظر الإحكام "١/٣٩٤" المحصول "٢/٦٦، ٦٧" انظر نهاية السول "٣/٢٨٦، ٢٨٧" المستصفى "١/٢٠٣" حاشية الشيخ المطيعي "٣/٢٨٦، ٢٨٧" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٦٤". ٢ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٣٠ ]
انقرض عصرهم على هذا وقد أثنى الله على التابعين بحسن المتابعة فإذا اعترضوا عليهم قطعوا الاجتهاد عن الحادثة لم يكونوا متبعين فدل أن الحادثة على ما رآه أهل العصر الأول فيها وأنها مستمرة على ذلك وهذا الحقيقة وهي أن علماء العصر إذا اختلفوا في الحادثة على مذهبين وذلك مثلا في تحليل وتحريم فقد تضمن ذلك إجماعهم من كافتهم على أن الخلاف سائغ من الحادثة فحصل في ضمن الخلاف الإجماع على جواز الخلاف فإذا صورنا الرجوع إلى أحد القولين من التابعين لم يجز لأنه مسبوق بالإجماع على جواز الخلاف فنقول: ما أجمعت الصحابة عليه لم يجز للتابعين إبطاله كما لو أجمعوا على قول وليس يلزم على هذا إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين لأنا إن قلنا: إن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع لم يسلم لوجود الإجماع على تسويغ الخلاف وأن قلنا إن انقراض العصر ليس بشرط وهو الأولى على ما سبق لم يسلم جواز الاتفاق على أحد القولين بعد هذا الاختلاف وقد حكى عن القاضى أبى بكر أنه جعل حكم الصورتين واحد وقال كما لا يجوز لأهل العصر الثانى أن يتفقوا على أحد القولين ويبطلوا به الخلاف المتقدم كذلك في أهل العصر الواحد أيضا لا يجوز أن يختلفوا على قولين ثم يتفقوا على أحد القولين فإن قيل لا يمتنع أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع فإذا ظهر الإجماع يسقط ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا أن فرض العادم للماء التيمم ما لم يجد فإذا وجد الماء زال ذلك الاتفاق.
والجواب: أن دعوى هذا الشرط ليس عليها دليل بل حصل احتلافهم وجود الإجماع على تسويغ الاجتهاد وهذا الإجماع لا يجوز إبطاله بإجماع يوجد من بعد وأما مسألة التيمم فبعيدة عن هذا لأن النص قد دل على أن جواز التيمم مشروط بعدم الماء فإذا وجد الماء زال الشرط وأما ها هنا فإن أهل العصر الأول قد أجمعوا على تسويغ النظر على الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على شرط واحد فلا يجوز أن يزول ذلك بإجماع يوجد بعده يدل على ما ذكرنا: أن الإجماع إذا حصل واستقر لم يجز أن يتغير بالاختلاف من بعد فكذلك إذا حصل الاختلاف واستقر لم يجز أن يتغير بالإجماع من بعد والاعتماد على الكلام الأول وقد قال بعض أصحابنا: إن القول إذا صدر عمن له في الدين تحمل لم يجز أن ينقطع حكمه بموته بدليل النبى ﷺ فإن قيل: قد ورد خلاف ما صرتم إليه من الصحابة فإن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ثم اتفقوا
[ ٢ / ٣١ ]
على المنع زمن عمر ﵁ وأجرى الأثر على ذلك وكذلك كانت الصحابة تقرأ بالحروف المختلفة في زمان أبى بكر وعمر ﵄ ثم اجتمعوا في زمان عمر ﵁ على [أن] ١ ما بين الدفتين كلام الله فدل أن الوفاق الثاني يدفع الخلاف الأول قيل له هذا لا يشبه مسألتنا لأن عصر الصحابة كله عصر واحد فقد يمتد زمان النظر وتنفسخ مدة الرؤية وقد كانوا ينظرون ثم يعيدون النظر كرة بعد أولى على حسب ما يحتاج إليه لدقة الأمر وغموضه إلى أن يتبين لهم الأمر غاية البيان ويزول الإشكال فلم يكن الإجماع يستقر بأول وهلة والكلام فيما إذا استقر الأمر من الصحابة على شئ وانقرضوا على ذلك ثم حدث من بعد ما يوجب إزالة ما انقرضوا عليه ورفعه وقد قال بعض أصحابنا: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للخلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد من ناظره ثم استقراره أخيرا وأما إذا تمادى الخلاف في زمان فتطاول بحيث يعلم أنه لو كان ينقدح وجهه في سقوط أحد القولين ليظهر ذلك في الزمان الطويل فإذا بلغ الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق مع أحد القولين والأمر باق على الخلاف السابق لما بينا أن في اختلافهم وفاقا ضمنيا على أن الخلاف في هذا المجال سائغ وهذا لا بأس به والأول هو المنقول عن أئمة المذاهب وأما الجواب عن كل ما تعلقوا به من الظواهر فقد بينا أن اختلافهم يثبت وفاقا ضمنيا فلا يجوز رفعه من بعد وعلى هذا صارت هذه الظواهر حجة على المخالفين لأن سبيل المؤمنين في العصر الأول لما كان هو تسويغ الاجتهاد فلا يجوز اتباع غير سبيلهم وكذلك لما اجتمعوا على ما ذكرناه كان خلافه ضلالة وخطأ وأما الذى قالوا أن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الخلاف قلنا: ولما قلتم هذا ثم الإجماع المبتدأ لم يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وأما ها هنا فإن الإجماع الذى يوجد من بعد من أهل العصر الثانى يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وهو ما سبق ذكره وأما تعلقهم بما إذا اختلف أهل العصر ثم أجمعوا عليه فقد أجبنا عنه وعلى أنا قد ذكرنا من قبل أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن انقراض العصر شرط انعقاد الإجماع وعلى هذا القول لا يرد هذا الفصل أصلا وإن جربنا على ما اخترنا في أن انقراض العصر ليس بشرط فليس وجه الجواب عنه إلا أن يمنع ويقال إذا لم يختلفوا لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين وإن تمسكوا بالصور
_________________
(١) ١ زيادة ليست بالأصل يستقيم بها الكلام.
[ ٢ / ٣٢ ]
التي قلناها فنقول إنهم كانوا في طلب الدليل ومهلة النظر ولم يكن استقرار الأمر على نفى من اختلاف أو اتفاق ويمكن أن يقال: لا نسلم أن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ولم ينقل عنه ﵁ نص على ذلك يحتمل أن من سبى من النساء كن من الكافرات الأصليات ولم يكن أسلمن أصلا وأما اتفاق الصحابة على حرف واحد بعد أن كانوا يقرءون ثم بالحروف المختلفة فذلك نوع مصلحة رأوها لما وقع الاختلاف والتنازع وخافوا المفسدة العظيمة والكلام فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية وليس هذا مما نحن فيه.
واعلم أن هذا الذي قلناه كله من الإجماع بعد الاختلاف فأما الاختلاف بعد الإجماع في عصر واحد فهو نبأ على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا فإن قلنا شرط فيجوز الاختلاف لأن الإجماع لم ينعقد بعد وإن قلنا: ليس بشرط فلا يجوز وأما في العصرين وذلك بأن يجمع الصحابة على شئ ثم يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ويكون اختلاف معاندة ومكابرة والله أعلم.
[ ٢ / ٣٣ ]