وهو معرفة حكمه فنقول أحكامه مشتملة على ستة أضرب.
أحدها: أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ٢ مثل نسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.
والضرب الثاني: نسخ الحكم إلى ما هو أخف منه مثل نسخ العدة حولا كاملا بالعدة أربعة أشهر وعشرا.
والضرب الثالث: من النسخ أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه فقد منع منه قوم أهل الظاهر وذكره ابن داود وصار إليه فقال بعضهم منع بالعقل لما فيه من التنفير وقال بعضهم منع منه بالشرع لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] واحتج محمد بن داود بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ونح ندل على جوازه بالعقل والشرع جميعا أما من حيث العقل فإن الناس في أصل التكليف على قولين منهم من بناه على مشيئة الله تعالى.
_________________
(١) ٢ انظر المحصول ٢/٥٤٦ نهاية السول ٢/٥٦٩ المعتمد ١/٣٨٥ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٩٦، ١٩٧ تيسير التحرير ٣/١٩٧ روضة الناظر ٧٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥١.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وعلى هذا لا يمتنع نسخ الأخف بالأثقل كما لا يمتنع نسخ الأثقل بالأخف ومنهم من اعتبر فيه الأصلح وعلى هذا لا يمتنع أن يكون من المصلحة نسخه بالأخف تارة وبالأثقل أخرى وأما الشرع فنقول نسخ الأخف بالأثقل قد وحد في الشرع إلا ترى أن الله وضع القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال ونسخ الإمساك في الزنا بالجلد وصوم عاشورا بصوم رمضان لأن الأثقل يكون أكثر ثوابا على ما قاله ﵇ لعائشة ﵂: "إنما أجرك على قدر تعبك" ١ فيكون نسخ الأخف با لأغلظ تعريض المكلف للثواب الكبير وهذا لا يمنع منه اشرع ولا عقل وأما قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فمعنى ذلك نأت بما هو أنفع لكم وأعود عليكم وقد تكون الفائدة فيما هو الأثقل واستقام معنى الآية على هذا.
والضرب الرابع: أن ينسخ التخيير بين أمرين بانختام أحدهما كالذي في صدر الإسلام من التخيير في صيام رمضان بعد الفدية والصيام بقولة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية ثم نسخ التخيير بأنختام الصيام بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي هذا دليل أيضا على جواز نسخ الأخف بالأغلظ لأن انختام الصوم أغلظ من التخيير.
والضرب الخامس: نسخ الوجوب بالإباحة والإباحة بالوجوب كنسخ تحريم الأكل والمباشرة بعد النوم في ليل الصيام بإباحته بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأما نسخ الإباحة بالوجوب كنسخ النهى عن القتال بإباحته ثم إباحته بوجوبه وقد نسخ الواجب إلى الندب مثل قيام الليل نسخ إيجابه إلى الندب.
والضرب السادس: أن يكون النسخ إلى غير بدل وهو جائز عند الجمهور ومنعت منه طائفة من أهل الظاهر٢ لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والدليل على جواز ذلك السمع والمعقول أما السمع فلو جود ذلك.
ألا ترى أن نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ إلى غير بدل ونسخ تحريم إدخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل ومن حيث المعقول فلأنه أن كان بالمشيئة فيجوز أن يشاء نسخه إلى بدل ويجوز أن يشاء نسخه لا إلى بدل وأن كان الاعتبار.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري العمرة ٣/٧١٤ ح ١٧٨٧ ومسلم الحج ٢/٨٧٦ ح ١٢٦/١٢١١. ٢ انظر المحصول ٢/٥٤٦ المعتمد ١/٣٨٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٩٥ تيسير التحرير ٣/١٩٧ روضة الناظر ٧٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٠.
[ ١ / ٤٢٩ ]
بالمصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في نسخ الشيء إلى بدل ورفع الواجب لا إلى بدل ولأنه إذا جاز أن يسقط بالعذر إلى بدل وغير بدل جاز أن يسقط بالنسخ إلى بدل وغير بدل وأما الآية قلنا الآية محمولة على النسخ إلى بدل ثم وصفه أن يكون مثل الأول أو خيرا منه فهذا إتمام هذه الأضرب فإن نسخت صفه من صفات العبادات كالصلاة ينسخ منها استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة فقد اختلفوا أنه هل يكون نسخا بجميع العبادة فجعله أهل العراق نسخا بجميعها وجعلوا فرضها مبتدأ بالأمر الثاني دون الأول لارتفاع الأول بزوال شرطه فتكون الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة والصحيح وهو الذي عليه جمهور أصحاب الشافعي بأن فرضها باق دون نسخ صفتها ولأن النسخ يكون مقصورا على الصفة ولا يتعدى إلى الأصل لأن النسخ لا يتعدى من محله إلى غير محلة فعلى هذا تكون الصلاة إلى بيت المقدس محولة إلى الكعبة ومن حيث التوجه فحسب وأما جواز أصل الصلاة بعد تحويلها إلى الكعبة إنما هو بالخطاب الثابت قبل النسخ.
[ ١ / ٤٣٠ ]