فصل
اذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز الاحتجاج به على الجواز ومن اصحابنا من قال يجوز لان الوجوب وأن انتفى فانتفاؤه لا يدل على انتفاء الجواز
[ ١ / ٦٢ ]
والأول اظهر لان اللفظ لم يوضع للجواز أما وضع للايجاب والجواز يدخل فيه على طريق التبع فإذا سقط الأصل سقط ما دخل فيه على سبيل التبع١.
_________________
(١) ١ وهذه المسألة فريدة لم يذكرها المؤلف وهي المعنون عنها في كتب الأصول إذا نسخ الوجوب بقى الجواز واعلم أن الجواز يطلق بإطلاقات ثلاثة الإطلاق الأول: الإذن في الفعل وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكاما أربعة هي: الوجوب الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثاني: الإذن في الفعل والترك وهذا الإطلاق يشمل أحكاما ثلاثة هي: الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثالث: التخيير بين الفعل والترك على السواء وهذا الإطلاق لا يشمل إلا الإباحة. والوجوب هو: طلب الفعل مع المنع من الترك على ولا شك أن الفعل متى كان مطلوبا صح أن يحكم عليه بأنه ما نحن فيه كما يصح أن يقال: إنه لا حرج فيه ومن هنا صح تعريف الوجوب بأنه الإذن في الفعل مع المنع من الترك كما صح تعريفه بأنه عدم الحرج في الفعل مع الحرج في الترك ويكون الوجوب له تعريفات ثلاثة كلها مقبولة. فالوجوب حقيقة مركبة من جزءين مما في التعريف الأخير: عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن المركب يرفع بارتفاع أحد جزءين كما يرفع بارتفاع كل الأجزاء. ومن هنا صح أنه يقال: إن نسخ الوجوب يتحقق بارتفاع الحرج في الترك كما يتحقق بارتفاع الجزءين معا وهما عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن الحرج في الترك نقيض لعدم الحرج في الترك والنقيضان لا يرتفعان كما لا يجتمعان فإذا نسخ الوجوب بارتفاع الحرج في الترك حل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيض له والنقيضان لا يرتفاعان. وتكون الحقيقة الباقية بعد رفع الحرج في الترك هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك وهذه الحقيقة هي الجواز بالإطلاق الثاني فهي شاملة لأحكام ثلاثة هي الندب والإباحة والكراهة. وقد اختلف الأصوليون فيما إذا نسخ الشارع وجوب الفعل بدليل لم يتعرض لحكم المنسوخ بعد نسخه بأن قال: الشارع نسخت وجوب الفعل أو قال رفعت الحرج في الفعل عنكم فهل يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وهو عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب لأنه كان يدل عليه والناسخ لم يرفعه وإنما رفع الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الترك مستفادا من الدليل الناسخ لأنه لما رفع الحرج في الترك اقتضى ذلك أن يحل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيضه - والنقيضان لا يرتفعان - وبذلك يكون الفعل بعد نسخه صالحا لأن يكون مندوبا أويكون مباحا أو أن يكون مكروها - ويكون المعين لأحدهما بخصوصه هو دليل آخر أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وإنما يبقى الجواز بالإطلاق الثالث - وهو التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة. أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز وإنما يبقى الندب أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بل يعود الفعل بعد نسخ وجوبه إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب مندوبا=
[ ١ / ٦٣ ]
_________________
(١) = فهو مندوب وإن كان قبل الوجوب مباحا فهو مباح وإن كان قبل الوجوب محرما فهو محرم وإن كان قبل الوجوب مكروها فهو مكروه. اختلف الأصوليون في ذلك على أربعة مذاهب: المذهب الأول: مذهب جمهور الأصوليين وهو إذا نسخ الوجوب بقي الجواز بمعنى عدم الحرج في الفعل وعدم الحرج في الترك ويكون الفعل بعد نسخ وجوبه صالحا لأن يكون مندوبا أو مباحا وخصوص أحدهما يعرف بالدليل. ووجهتهم في ذلك أن الدليل الذي دل على وجوب الفعل قد دل على شيئين أحدهما: عدم الحرج في الفعل وثانيهما: الحرج في الترك والدليل الذي نسخ الوجوب لم يتعرض لعدم الحرج في الفعل وإنما تعرض لنسخ الوجوب فقط ونسخ الوجوب يتحقق برفع الحرج في الترك - فلا يزال الوجوب بعد النسخ دالا على الحرج في الفعل والناسخ لما رفع الحرج في الترك اقتضى ثبوت نقيضه وهو عدم الحرج في الترك لأن النقيضين لا يرتفعان وبذلك يكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب وعدم الحرج في الترك مستفادا من الناسخ وتكون الحقيقة الباقية بعد النسخ هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون الفعل صالحا للأحكام الثلاثة وهو ما ندعيه. المذهب الثاني: أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز بمعنى التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الوجوب هو طلب الفعل مع المنع من الترك وما دام الوجوب قد نسخ فقد ارتفع المنع من تركه وأصبح دليل الوجوب غير دال على واحد منهما فيكون المكلف مخيرا بين الفعل والترك وهذا هو الإباحة. المذهب الثالث: إذا نسخ الوجوب بقي الندب فيترجح الفعل على الترك ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك فلا يزال الدليل دالا على طلب الفعل والذي يطلب فعله بعد الواجب هو المندوب فقط لأن المباح لا طلب فيه والمكروه إنما يطلب تركه لا فعله وبذلك يكون الحكم الباقي بعد نسخ الوجوب هو الندب فقط وهو ما ندعيه. المذهب الرابع: وهو لحجة الإسلام الغزالي أن الوجوب إذا نسخ لم يبق الجواز بل يعود الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب محرما كان محرما وإن كان قبل الوجوب مندوبا أو مباحا أو مكروها أخذ الحكم الذي كان عليه قبل الوجوب. وحجته في ذلك: أن الوجوب حقيقة مركبة من جنس هو عدم الحرج في الفعل ومن فصل هو الحرج في الترك وقد نص ابن سينا على أن الجنس يتقوم بالفصل ويوجد بوجوده بمعنى أن الفصل يكون علة للحصة المعنية من الجنس المتحققة في النوع ومما لا شك فيه أن ذهاب العلة يقضى بذهاب المعلول فيكون دفع الفصل رفعا للجنس فإذا ارتفع الوجوب بارتفاع فصله وهو=
[ ١ / ٦٤ ]
مسألة: الأمر لا يفيد التكرار على قول اكثر اصحابنا.
وقال بعضهم يفيد التكرار وهو اختيار الاستاذ ابى اسحاق الاسفرائينى.
وقد قال بعض اصحابنا أنه لا يفيد التكرار ولا يحتمله فالأولى أن تقول أنه يحتمله لكن لا يفيده بمطلقه١.
_________________
(١) = الحرج في الترك فقد ارتفع الجنس وهو عدم الحرج في الفعل وبذلك فلا يكون الخطاب الدال على الوجوب دالا على عدم الحرج في الفعل لعدم بقائه بعد النسخ. ومتى ارتفع الوجوب ولم يوجد دليل يدل على حكم معين في الفعل رجع الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب وهو ما ندعيه انظر نهاية السول ١/٢٣٦، ٢٣٧ والمستصفى للغزالي ١/٧٣، ٧٤. وأصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٣٦، ١٣٩. ١ هذه المسألة هي المسألة المعنون عنها في كتب الأصول بأن مطلق الأمر يقتضي التكرار فنبين أولا محل النزاع ثم نذكر المذاهب وأدلتها وهو ما أخذناه لى يد شيخنا حفظه الله الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا. أولا محل النزاع أن الأمر المقيد بالمرة يحمل على المرة عملا بهذا القيد كإقراء الكتاب مرة والأمر المقيد بالتكرار يدل على التكرار عملا بالقيد كاقرأ الكتاب ثلاث مرات. والأمر المقيد بشرط أو صفة لا يحمل على التكرار لفظا ولكن يحمل عليه قياسا مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فالصفة في الزنى والسرقة والجنابة. وقوله قياسا أي عقلا لا أن اللفظ بوصفه يدل عليه إما أنه لا يدل لفظا فلأن لو قال رجل لوكيله: طلق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار لم يتكر الطلاق في هذه الصورة بتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال: كلما دخلت زوجتي الدار فطلقها دل على التكرار لفظا بقوله كلما. وضابط الوكالة كل بما يجوز أن يباشر الشخص بنفسه يجوز التوكيل فيه. وإما أنه يدل قياسا فلأن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط عقلا لا لفظا العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما وتلك الصفة لذلك الحكم ولا شك أن المعلول "الحكم" يتكرر بتكرر علته "إذا عدم الشرط ينعدم الحكم". فإن قيل: إن هذا التعليل منقوض بقوله لوكيله إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإنه أمر معلق على شرط يقتضي أن دخول الطلاق علة فيه ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الدخول كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فلم كرر أمر الطهارة في الجنابة ولم يكرر أمر الطلاق بتكرر الدخول. أجيب بأن الذي جعل الطلاق معلولا هنا هو الزوج ولا عبرة بجعله لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام مدة لو صرح بالتعليل كأن قال: طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له زوجة أخرى لا تطلق هذه الأخرى بدخولها هذه الدار فالمولى ﷾ يملك سلطة=
[ ١ / ٦٥ ]
_________________
(١) = التشريع ولذلك يتكرر الأمر المعلق عقلا بتكرر الشرط أو الصفة الزوج لا يملك حق التعليل المطلق ولذلك فلا تطلق إلا من عيبها فالمعتبر إنما هو تعليل الشارع أما الأمر المطلق العاري من هذه القيود المتقدمة فقد اختلف العلماء في دلالته على المرة أو التكرار أو غيرهما على خمسة مذاهب. المذهب الأول: أنه لا يدل بذاته على المرة أو التكرار ذاته مادته وحروفه بل بالالتزام فدلالته التزامية فلا يدل بذاته أي دلالة مطابقة فيدل على طلب إيجاد وتحقيق المعدوم فاضرب لا ضرب موجود بل يوجد في الخارج ولما كان وجود المعدوم لا يتحقق إلا بالوجود فيتحقق بالمرة فدل على المرة التزاما فهذا الإيجاد يتحقق بمرة. وإنما يقيد طلب الماهية من غير إشعار بوجدة أو كثرة غير أنه لما لم يمكن إدخال هذه الماهية في الوجود بأقل من مرة كانت المرة واجبة لهذا للضرورة أثبت الدلالة بالضرورة ونفى الدلالة بنفسه أي لعدم إمكان ماهية الوجود بأقل من مرة فالضرورة اقتضت ذلك لا لأن الأمر يدل عليها بذاته ليس ذلك من دلالته على المرة بل لعدم إمكان التحقق في الوجود بأقل من مرة فكان للضوروة ودلالة الشيء على الشيء للشرورة تكون دلالة التزامية وإلى هذا ذهب الإماموأتباعه واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي واستدلوا على ذلك بما يأتي: أولا: أن المقصود من صيغة الأمر هو إدخال حقيقة الفعل المطلوب في الوجود كأسقني ماء المقصود إيجاد السقي سواء المرة أو التكرار والأكثر من مرة خارج عن المطلوب والوحدة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي فيجب أن يحصل الامتثال بالحقيقة والموحدة من ضروريات الحقيقة لأنها المطلوبة مع أيها حصل ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر ولذلك يبرأ بالمرة الواحدة لا لأنها تدل على المرة بخصوصها. ثانيا: أن الأمر ورد في الشرع تارة مع التكرار كآيات الصلاة والزكاة والصوم فلو كان يدل على الوحدة لكان التكرار باطلا وورد عرفا مع التكرار نحو: افظ دابتي أي المداومة إلى أن آتي فدل عليه بمادته وأحسن إلى الناس كما أنه ورد في الشرع وفي العرف مع المرة كآية الحج وكفول القائل لغيره: ادخل الدار واشتر اللحم ويلزم من هذا أي من أن الشرع جاء دالا على التكرار والوحدة وكذا العرف كونه حقيقة في القول المشترك بين التكرار والمرة وإلا للزم الاشتراك اللفظي أو المجاز والأصل عدم المجاز وعدم الاشتراك اللفظي فهو مشترك بينهما. ثالثا: لو كان الأمر المطلق للتكرار لعم الأوقات كلها "وإذا لضي واجبات أخرى وما أدى إلى إبطال الواجبات الأخرى فباطل" لكن التالي باطل فبطل المقدم "إذا فلا يدل على التكرار" وثبت نقيضه "وهو عدم الدلالة" وهو عدم كون الأمر المطلق مفيدا للتكرار وهو المطلوب. أما الملازمة فلأن الأوقات كلها بالنسبة للأمر المطلق سواء لعدم دلالته على معين فيهما=
[ ١ / ٦٦ ]
_________________
(١) = بخلاف أوقات الصلاة لأن الشارع بين الأفضلية وامتناع الترجيح بلا مرجح. وأما الاستثنائية فلأنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يرد لا يمكن الجمع بينهما فلا يمكن الإتيان بلا صلاة مع الأمر بالقراءة فعلى هذا القراءة تستغرق الوقت فالأمر بالصلاة ينسخ الأمر بالقراءة لأنه متأخر لأن الأمر المطلق يقتضي الفعل في جميع الأوقات والتكليف بما لا يجامعه الوارد بعده يقتضي دفعه "بتركه" في بعضها "ليؤدي الفيضة" وذلك هو النسخ بعينه "ولا قائئل بعد بعد وفاة الرسول ﷺ. المذهب الثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمل شرط الإمكان أي الوقت الممكن له وبه قال الأستاذ أيو إسحاق وأبو هاشم القزويلي وطائفة من العلماء واستدلوا لذلك بما يلي: أولا أن الخليفة الأول ﵁ تمسك في حق أهل البغي على وجوب تكرار الزكاة بعد أن أدوها مرة بمجرد الأمر "متعلق الجار والمجرور قوله تمسك" في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا وما ذاك إلا لفهم التكرار من الصيغة. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد بين للصحابة وجوب تكرار إيجاب الزكاة قولا أو عملا بأن أرسل العمال كل حول إلى الملاك لأخذ الزكاة فلم ينكره لذلك "والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ثالثا: الأمر كالنهي في أن كلا منهما موضوع للطلب والنهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر. "الانتهاء عن الزنا لا يتعارض مع أي تكليف والفعل يتعارض لأن التلبيسمع الفعل مع آخر لا يمكن لعدم اتساع الزمن لهما فالزمان يتسع لنواهي وأمر لا أمران أو أكثر". لأن فيه بقاء على العدم وهو يجامع كل فعل ومقتضى الأمر بالشيء الاتيان به في جميع الأوقات وهو غير ممكن لأنه يؤدي إلى تفويت المأمورات الأخرى التي لا تجامعه فكان قياسا مع الفارق وهو باطل. ثالثا: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يقتضي انتفاء المنهي عنه دائما "فلو تلبس به لما انتهى" وذلك يلزمه وجود المأمور به دائما ولا معنى للتكرار إلا هذا "قم نهى عن القعود والامتناع عن القعود لا يتصور إلا بالقيام وما دام القعود منهي عنه فلا بد أن يستمر في القيام فهو قد لاحظ دلالة النهي على التكرار وهو عدم وجود المنهي عنه دائما والمعنى: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يتكرر ولا يمكن أن يحقق المنهي عنه إلا بالاستمرار في تحقق المأمور به. وأجيب بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده سلمنا "هذا مزيد ترقي في الرد" لكن لا=
[ ١ / ٦٧ ]
_________________
(١) = نسلم أن النهي الذي يدل عليه الأمر يمنع من المنهي عنه دائما في جميع أحواله بل هو تابع للأمر الذي دل عليه فإن كان الأمر دائما كان النهي المستفاد منه مقيدا به كذلك فالأمر بالحركة دائما منع من السكون دائما والأمر الحركة ساعة منه من السكون دائما ومن هنا نأخذ أن كون النهي الضمني للتكرار فرع كون الأمر للتكرار فإثباته به دور وهو باطل "الأمر هنا أصل والنهي فرع فإذا كان الأمر مفيدا فالنهي كذلك وإذا كان الأمر مطلق فالنهي مطلق فدلالة النهي الذي تضمنه الأمريتبع دلالة الأمر والدور هنا صورته هو توقف دلالة الأمر على النهي في دلالته أي الأمر على التكرار من النهي وتوقف دلالة النهي على الأمر في دلالته أي النهي على التكرار من الأمر بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده واعلم أن الدور هنا اسمه الدور المصرح نوع من الدور السبقي". المذهب الثالث: أنه يدل على المرة ويحمل على التكرار وبقرينة وبه قال كثير من الأصحاب واستدلوا على ذلك بأنه لو قال السيد لعبده ادخل الدار فدخلها مرة واحدة عد ممتثلا عرفا ولو كان للتكرار لما عد ممتثلا. وأجيب بأنه عد ممتثلا لأن المأمور به وهو الحقيقة حصل في ضمن المرة لا بخصوصهما بل لكونهما مما تحصل به الحقيقة مع عدم احتياج صرفه الامتثال إلى أزيد منها. المذهب الرابع: أنه مشترك لفظي بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة. واستدل له بأنه لم يكن مشتركا بين المرة والمرات لما حسن الاستفسار عند سماع صيغة الأمر بأن المراد ايهما لكن التالي باطل فبطل المقدم وهو عدم الاشتراك ونبت نقيضه وهو أنه مشترك بينهما "لو لم يكن مشتركا لما اسفسر عنه فحسن الاستفسار دليل على اشتراك" أما الملازمة فلأن سراقة هو من أهل اللسان قال في حجة الوداع: ألعامنا هذا أم للأبد فحسن السؤال مستلزم الاشتراك البتة. وأجيب عن ذلك بأنا لا نسلم الملازمة لجواز أن يكون متواطئا "أي معنويا ومشترك للقدر المشترك وهو إيجاد المعدوم في الخارج" ومع ذلك يحسن الاستفسار ألا ترى "زيادة توضيح" أنه قد يستفسر عن أفراد المتوطئ كما لو قيل مثلا أعتق رقبة يحسن أن يقال: أمؤمنة أم كافرة سليمة أم معيبة فقد حصل الاستفسار ولن يلزم منه كون اللفظ مشتركا لفظيا كما رأيت. المذهب الخامس: التوقف على القول بالمرة أو التكرار على معنى أنه مشترك بينهما أو لأحدهما ولا تفرقة فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة واستدلوا: بأنه لو ثبت مدلول صيغة الأمر لثبت بدليل أي لو ثبت أنه للمرة أو التكرار أو مجرد الوجود لثبت بدليل وهو إما النقل أو العقل ولم يوجد النقل والعقل لا مدخل له أي ثبت في إثبات اللغة والآحاد لا تعتبر أي لأن اللغة لا تثبت فوجب التوقف=
[ ١ / ٦٨ ]
أما الذين قالوا: أنه يفيد التكرار تعلقوا بحديث الاقرع بن حابس أنه قال يا رسول الله احجتنا هذه لعامنا أم للابد فقال: "للابد ولو قلت: لعامنا لوجب وما استطعتم" ١.
فقد اشكل عليه أنه على التكرار أو لا على التكرار ولو كان لا يفيد لما اشكل عليه ولم يكن لهذا السؤال معنى ولأن الأمر ضد النهى وهو في طلب الفعل مثل النهى في طلب الكف عن العمل ثم النهى يفيد التكرار وكذلك الأمر حتى لو ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبا للنهى كذلك هاهنا إذا فعل المامور مرة ثم لم يفعله يكون تاركا للأمر ولانه يفيد الفعل ويفيد اعتقاد الوجوب ثم هو يفيد اعتقاد الوجوب على الدوام فيفيد الفعل على الدوام والدوام فيه أن يفعله على وصف التكرار ولو اقتضى الفعل مرة وجب أن لا يجوز عليه النسخ لانه يكون بدءا والبداء على الله تعالى لا يجوز ولأن الأمر لا يتخصص بوقت دون وقت فليس بأن يقال يجب فى بعض الاوقات بأولى من قول القائل يجب فى البعض فوجب فى كل الاوقات وهذا لان القول بالاستيعاب واجب فى الخطاب لطلب كثرة الفوائد والتكرار من الاستيعاب وقد اتفقنا على أن الأمر لا يتناول ما ينطلق عليه الاسم حتى لو قال لغلامه كل فأكل لقمة واحدة لا يكون ممتثلا للأمر وإذا لم يحمل على ادنى ما ينطلق عليه الاسم وجب أن يحمل على جنس ما ينطلق عليه الاسم لأن مالا يحمل على الخصوص يحمل على العموم لأن القول بالعموم فى كل ما يمكن فيه القول واجب.
وأما حجتنا فنقول قوله صل أمر بما قوله صلى خبر عنه كذلك قوله صل لا يقتضى فعل مرة واحدة ليكون قوله صلى خبرا عنه كذلك قوله صل لا يقتضي الفعل.
_________________
(١) = وأجيب بما مر من الاستقراء وأن الظن كاف في مدلولات الالفاظ مدلولات الألفاظ تثبت بالآحاد. ومن هذا العرض يتبين رجحان القول بأن صيغة الأمر لطلب الماهية والمرة من لوازم تحقق الماهية في الوجود وليس للمرة ولا للتكرار وليس مشتركا ولا مجملا وهو المذهب الأول. انظر البرهان لإمام الحرمين ١/٢٢٤ - ٢٣١ نهاية السول للآمدي ٢/٢٧٤ - ٢٨٢ اصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٦ - ١٦٣. ومما ذكره شيخس - الحسيني الشيخ - امد الله في عمره ونفع به - ذلك في محاضرته في كلية الشريعة بجامعة الأزهر المحروسة- قسم الدراسات العليا. ١ أخرجه أبو داود ١/٣٧٩ المناسك ٢/١٤٣ ح ١٧٢١ وابن ماجه المناسك ٢/٩٦٣ ح ٢٨٨٦ وأحمد المسند ١/٣٧٩ ح ٢٦٤٦ ولفظ الحديث عند أحمد والحاكم المستدرك ١/٤٤١ انظر نصب الراية للزيلعي ٣/٢.
[ ١ / ٦٩ ]
إلا مرة ليكون قول صل امرا به وهذا لأنه قوله صل أحد تصارف الفعل فصار كما لو قال صلى وهذا لأن تصاريف الفعل لا تختلف عن الفعل لأن الفعل واحد فى الكل وإنما اختلفت تصاريفه فإذا كان واحدا فى تصريف الخبر وتصريف المستقبل.
مثل قوله ضرب يضرب كذلك فى تصريف الأمر وهم يوردون على هذا تصريف النهى وسنجيب عنه.
ويمكن أن يقال مثال مأخوذ من المصدر كالخبر.
ألاترى أن ضرب مأخوذ من الضرب فكذلك اضرب مثال مأخوذ من الضرب فثبت استواؤهما من هذا الوجه وهكذا الحقيقة وهو أن الأمر يقتضى الامتثال فلا يتناول إلا قدر ما يصير به ممتثلا للأمر وبالفعل مرة يصير ممتثلا للأمر دل أن الأمر تناوله بلا زيادة فإن قالوا: إنما يصير ممتثلا بعض الأمر دون الكل.
قلنا لا يصير ممتثلا كل الأمر فإن من قال لغلامه اسقنى فسقاه مرة يصير ممتثلا كل ماأمره به وكذلك إذا قال اشتر لحما وخبزا ففعل مرة صار ممتثلا على الإطلاق.
ألاترى أنه لو كرر فى هذه الصورة يجوز أن يعاقبه السيد فيقول: أمرتك مرة فلم زدت عليه وأيضا فإن الغلام يعد نفسه ممتثلا للأمر وكذلك العقلاء يعدونه ممتثلا للأمر ولا يستحسنون عتابه فى ترك الأمر وهذا لأن قوله صل معناه صل صلاة وكذلك قوله صم وكل واشرب وادخل واشتر وقوله صلاة وصوما نكرة فى اثبات وأجمع أهل اللغة أن النكرة فى الاثبات تخص ولا تعم فاقتضى وجود ما سمى صلاة وصوما أو دخولا وخروجا أو شربا أو أكلا وخرج على هذا فصل النهى الذى تعلقوا به لأنه على الصورة التى قلنا بها يكون نكرة فى النفى تعم ولا تخص بالإجماع ونظير النكرة فى النفى قوله ما رأيت رجلا ونظير النكرة فى الإثبات رأيت رجلا.
فإن قالوا: إنما تجعل كأنه قال افعل الصلاة وافعل الصوم أوافعل الدخول وإدخال الألف واللام يقتضى استيعاب الجنس.
قلنا إنما نقدر من المصدر ما يستقبل به الكلام وقد استقل متعد وصلاة منكرة وصوم منكر فلا حاجة إلى تقديره بالألف واللام وقد قال الأصحاب أن الطاعة والمعصية فى الأوامر على مثال البر والحنث فى الأيمان ثم البر والحنث في الأيمان يحصل فى الفعل مرة والأمثلة معلومة كذلك الطاعة والمعصية فى الأوامر وعلى هذا أوامر العباد فى قولهم طلق وأعتق وبع واشتر وتزوج ولا تتزوج فإن فى هذه الصورة
[ ١ / ٧٠ ]
يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة. فإن قالوا: أن الخلاف فى قضية الأمر فلا يجوز أن نلتمس ذلك من قضايا الشرع خصوصا فى الشرعيات التى تثبت على العادات.
قلنا بل هو على ما قلتم فى البر والحنث من قضايا الشرع لكن هذه القضايا جاءت على ما يوافق اللغة وهذا لأنه يجب أن نعرف مقتضى الأفعال ثم نبنى الشرع عليه فيستدل بإجماعهم فى هذه المسائل على أن الأوامر ما اقتضت الفعل إلا مرة واحدة على أنهم علموا أن الأمر لا يقتضى الفعل إلا مرة واحدة حتى بنوا الأحكام على هذا الأصل.
أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما تعلقهم بحديث الأقرع يقال لهم أولا لو كان الأمر يقتضى التكرار لم يقل أم للأبد بل كان ينبغى أن لا يشتبه عليه ذلك ثم نقول إنما سأله لأنه وجد أوامر فى القران مقتضية للتكرار لكن مثال لذلك لأنه ظن من هذا الأمر مثل تلك الأوامر.
فإن قالوا: نحن نتعلق بالأوامر التى وردت فى القران واقتضت التكرار.
قلنا نحن لا ننكر احتمال الأمر للتكرار لكن إنما أنكرنا أن يكون موضوعا لذلك فأما إذا وردت فأريد بها التكرار بدليل يقوم على ذلك فنحن لا ننكره وعلى أنه ورد فى القران من الأوامر ما لا يقتضى التكرار مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ومثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وأما تعلقهم بالنهى واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح فإنه يمكن أن يقال أولا لا نسلم أن النهى يقتضى التكرار لأن معنى التكرار أن يفعل فعلا وبعد فراغه منه يعود إليه وهذا لا يوجد فى النهى لأن الكف فعل واحد مستدام وليس بأفعال مكررة بخلاف الأمر فإنه يوجد فيه أفعال متكررة على ماذكرنا والأمر فيه دليل على الفعل وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه وعلى أنه أن بينت الفرق الذى قالوه. فيقال لا فرق بينهما لغة فإن واحدا منهما لا يفيد التكرار لغة وإنما افترقا من حيث العرف فإن من قال لغلامه افعل كذا واخرج إلى السوق فإن هذا الأمر يقتضى أن يفعل مرة فقط وإذا قال لا تخرج أو لا تفعل يقتضى هذا النهى أن لا تفعل أبدا فالفرق كان من حيث العرف لا من حيث اللغة وقد قال بعض أصحابنا فى الفرق بين.
[ ١ / ٧١ ]
الأمر والنهى إن فى حمل الأمر على التكرار ضيقا وحرجا يلحق الناس لأنه إذا كان الأمر يقتضى الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره وتعطل عليه جميع مصالحه وأما النهى لا يقتضى إلا الكف والأمتناع ولا ضيق ولا حرج فى الكف والامتناع وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف ويضيق عن أنواع الفعل وهذا الفصل يضعف لأن الكلام فى مقتضى اللفظ فى نفسه وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد وربما يوجد وربما لا يوجد فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ وعلى أنه يلزم على هذا الفصل أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يعتذر عليه ويمنعه من قضاء حاجته وهذا لا يقوله أحد وقد بينا الفرق بين الأمر والنهى فى قولنا أن الأمر لا يقتضى فعلا على وجه التنكير وهو ما يخص فى الأمر ويعم فى النهى وهو جواب معتمد وأيضا فإنه يمكن أن نفرق بينهما بالمسائل التى ذكرناها فى البر والحنث وكذلك مسائل الوكالات.
وأما قولهم أن اعتقاد الوجوب يجب على الدوام.
قلنا لا يجب عليه إلا أن يعتقد وجوب الفعل مرة إلا أنه لا يجوز أن يترك هذا الاعتقاد لأنه يؤدى إلى أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو به وهو مثل ما إذا قيل بمرة واحدة فإنه يلزمه إعتقاد وجوبه على ما يلزمه فى الأمر المطلق ومع ذلك هو غير مقيد للتكرار.
وأما قولهم أنه لوأفاد العمل مرة لم يجز عليه النسخ.
قلنا عندنا يجوز نسخ المأمور قبل وجود وقت فعله ولا يكون أداء فكيف يكون هذا أداء وسنبين ذلك من بعد.
وقد قال بعض أصحابنا إنا إذا قلنا أن الأمر على الفور ويقتضى الفعل مرة لا يجوز عليه النسخ وإنما يجوز النسخ عليه إذا دل الدليل على إفادته التكرار وأن قلنا أنه دليل على التراخى والأمر وأن اقتضى الفعل مرة ولكن الأوقات تتناوب فيه فجاز النسخ بعد ما مضى وقت واحد ولا يدل ذلك على الأداء وأما الذي قالوا: أنه ينبغى أن يحمل على العموم فى الجنس.
قلنا قد بينا أن التقدير فى اللفظ صل صلاة أو صم صوما وعلى هذا لا يجوز حمله على الإستيعاب فى الجنس وحين وصلنا إلى هذا الموضع فقد إنتهت المسألة.
[ ١ / ٧٢ ]
ومما يتفرع على هذه المسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر بتكرارها١.
والمذهب الصحيح أنه لا يتكرر بتكرارها وقضيته عند وجود الشرط والصفة مثل قضيته عند إطلاق الأمر.
وزعم بعض أصحابنا أنه يتكرر بتكرارها٢ وأن كان لا يفيد التكرار عند.
_________________
(١) ١ استدل أصحاب هذا القول على أنه لا يفيده من اللفظ بأن الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي توقف الأمر على هذا الشرط أو تلك الصفة - وذلك التوقف محتمل لأن يكون بالنسبة للمرة الواحدة وبالنسبة لجميع المرات - والدال على الأعم من حيث هو أعم لا دلالة له على الأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون الأمر المعلق بشرط أوصفة دالا على تكرار الأمر بتكرار الشرط والصفة واستدلوا على أنه لا يفد التكرار من جهة القياس بأن تعليق الأمر على الشرط أقوى من تعليقه على العلة لأن العلة تتعدد والشرط لا يتعدد وتعليق الأمر على الشرط لا يدل على تكرار المشروط بتكرار الشرط فإن من قال لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل يتعدد الطلاق تبعا لتعدد الشرط وهو الدخول فتعليق الأمر على العلة لا يدل على تكرار المعلول بتكرار العلة بطريق الأولى وإذا ثبت ذلك ثبت أن تعليق الأمر على الشرط أو الصفة لا يدل على التكرار لأن أقصى ما يفيده التعليق عليهما العلية وقد قلنا: إن تعليق الأمر على العلة لا يفيد تكرا المعلول بتكرار علته. نوقش هذا: أن العلة أقوى من الشرط لأنها تؤثر بطرفي الوجود والشرط إنما يؤثر بطرف العدم فقط ولذلك قالوا: يلزم من وجود العلة وجود المعلول ومن عدم المعلول - ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط وإذن يكون تعليق الحكم على العلة أقوى من تعليقه على الشرط وإذا ثبت أن ترتيب الأمر على الوصف أو الشرط يفيد أن كلا منهما علة للأمر فقد ثبت أن تعليق الأمر بكل منهما يفيد التكرار من جهة القياس لأن العلة كلما وجدت يوجد المعلول انظر نهاية السول ٢/٢٨٢ المستقصى للغزالي ٧١٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٣٦، ٢٣٧ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٤، ١٦٥. ٢ أي أنه يفيد لفظا واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: لو لم يكن الأمر المعلق بشرط أو صفة مفيدا للتكرار المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة لكن المأمور به يتكرر وبتكرار الشرط أو الصفة فكان الأمر المعلق بكل منهما مفيدا للتكرار لفظا لأن الأصل في الإفادة أن تكون بواسطة اللفظ. دليل الملازمة: أن تكرر المامور به تابع للتكليف به والتكليف إنما يستفاد من الخطاب وإذا لم يكن الخطاب مفيدا للتكرار لم يكن المكلف مكلفا بالتكرار. دليل الاستثنائية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ فإن الغسل يتكرر بتكرار الجنابة والقطع يتكرر بتكرار السرقة=
[ ١ / ٧٣ ]
الإطلاق١ وتعلقوا بالأوامر المعلقة بالشروط فى القرآن فإنها تتكرر بتكرار الشروط كذلك ما جاء فى غير القران يكون كذلك ولأن الشروط كالعلة.
ألا ترى أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط مثل ما إذا وجدت العلة وجد المعلول ولا خلاف أن المعلول يتكرر بتكرار العلة كذلك وجب أن يتكرر المشروط بتكرار الشرط ولأنه لا خلاف أن النهى المتعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط فكذلك الأمر يكون كذلك.
_________________
(١) = نوقش هذا الدليل بأن تكرر الحكم فيما ذكرتم جاء من جهة أن كلا من الشروط والوصف قد قام الدليل على أنه علة للحكم والمعلول يتكرر بتكرار علته اتفاقا ولذلك إذا لم يثبت أن الشرط على للحكم - لا يتكرر الحكم بتكرر الشرط كالأمر بالحج فإنه معلق بشرط هو الاستطاعة ومن المتفق عليه أن الحجلا يتكرر بتكررها ومن هنا يعلم أن اللفظ بمقتضاه لم يفد التكرار ولكن التكرار قد يستفاد من شيء آخر ككون الشرط أو الوصف علة للحكم - وهذا لا يضرنا انظر نهاية السول ٢/٢٨٢ انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٥. ١ واعلم أن هناك مذهبا ثالثا وهو أنه لا يفيد التكرار من جهة اللفظ ولكنه يفيده من جهة القياس قد استدل البيضاوي على أن الأمر المعلق بشرط أو صفة لا يفيد تكرار من جهة اللفظ بأمرين: الأول: الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي ثبوت الحكم عند وجود الشرط أو الصفة وثبوت الحكم عند وجود كل منهما محتمل لثبوت عند كل منهما مرة واحدة وثبوته عند كل منهما مرات فاللفظ صالح لكل منهما والصالح للأعم من حيث عمومه لا يصلح للأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون اللفظ دالا على التكرار بخصوصه. الثاني لو قال الشخص لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل في طلاق الزوجة كلما دخلت الدار بل الوكيل لا يملك إلا إيقاع الطلاق عليها مرة واحدة عند حصول الشرط ولو كان الأمر مقتضيا للتكرار لفظا لكان الوكيل مأذونا بإيقاع الطلاق أكثر من مرة. واستدل على أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يفيد التكرار قياسا بأن ترتب الحكم على الشرط أو الصفة يدل على أن كلا منهما علة للحكم ولا شك أن المعلول يتكرر بتكرر علته والقياس مأمور به فيكون الأمر المعلق بالشرط أو الصفة مفيدا للتكرار بالقياس. نوقش هذا الدليل بأنه منقوض بقول القائل لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإن هذا أمر معلق على شرط وهو يقتضي أن الشرط علة في الطلاق كما تقول ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الشرط. أجيب عن ذلك: بأن هذا التعليق وإن أفاد أن الشرط على للظلاق إلا أن هذه العلة لا تعتبر لأن الشارع لم يجعل الدخول علة للطلاق وإنما الذي جعله هو المطلق ولا عبرة بجعله هذا لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام وهذا هو السر في أن الطلاق لم يتكرر بتكرر الدخول انظر نهاية السول ٢/٢٨٢، ٢٨٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٦، ١٦٧.
[ ١ / ٧٤ ]
لأنه ضده ولأن عمل أحدهما فى الفعل مثل عمل الآخر فى الكف عن الفعل وأما الدليل لنا أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وكذلك المعلق بالشرط لأن الشرط لا يقتضى إلا تآخر الأمر إلى وجود الشرط ثم إذا وجد الشرط تعين الأمر منزلة الإبتداء فى هذه الحالة فلا يفيد إلا ما يفيده عند ابتدائه ولأنه إذا قال لغلامه إذا دخلت السوق فاشتر كذا فإنه لا يفيد أنه كلما دخل السوق يجب عليه أن يشترى اللحم وهذا معلوم قطعا ومن ادعى خلافه فهو مكابر.
وأما تعلقهم بالأوامر الواردة قبل الشرع على التعليق بالشرط.
فقلنا لم يكن ذلك قضيته الأمر بل كان ذلك بدلا دلت عليه قرائن اقترنت بالأمر فأفادت ذلك.
وأما التعلق بالعلة قلنا العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب أو هي دلالة على الحكم والدليل لا ينفك عن المدلول وأما الشرط فليس بموجب للحكم ولا هو دلاله عليه إنما هو علامة على الحكم فحسب ويجوز أن يوجد الشرط ولا مشروط وسنبين بعد هذا الفرق بين العلة والشرط وعلى الإيجاز نقول هاهنا أن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر وثبوت المشروط لا يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العله.
مثال هذا أن كون الواحد منا حيا شرط لكونه قادرا وكونه قادرا لا يثبت كونه حيا بمعنى آخر وراء الحياة.
وأما تعلقهم بالنهي فقد أجبنا عنه في المسألة الأولى والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت أن الواجب بالأمر الفعل الواحد فهو على الفور أو على التراخى.
اختلف أصحابنا فيه.
فقال ابوعلى بن خيران وأبو على بن أبى هريرة وأبو بكر القفال وأبو على صاحب الإفصاح أنه على التراخى وهو الأصح وهو قول أكثر المتكلمين ونصره أبو بكر محمد بن الطيب وقاله أبو على وأبو هاشم.
وزعم أبو بكر الصيرفى من أصحابنا والقاضى أبو حامد وأبو بكر الدقاق أنه على الفور وهو قول أكثر أصحاب أبى حنيفة وذهب إليه طائفة من المتكلمين.
[ ١ / ٧٥ ]
وقال بعضهم أنه على الوقف ولا يحمل على الفور ولا على التراخى إلا بدليل١.
_________________
(١) ١ اعلم أن الأمر المقيد بزمن يقع فيه الفعل يدل على وجوب ذلك الفعل في ذلك الزمن سواء تساوى الزمن كله كرمضان أم كان الزمن أكثر من الفعل كوقت الظهر أن الأمر الذي لم يقيد بزمن يقع فيه الفعل فالقائلون بإنه يدل على التكرار يقولون أنه "الأمر" يدل على الفور ضرورة أنالتكرار يستلزم الفور لأن التكرار مطلوب في جميع ما يمكن "التكرار هو شغل جميع الأزممنة الممكنة بهذا الفعل ومن ضمن الأزمنة الوقت الأول" من أزمنة العمر ومن جملتها الزمان الأول فوجب "يستلزم بالتكرار القول بالفور" أن يكون الأمر للفور. أما غير القائلين بالتكرار فقد اختلفوا في دلالته على الفور أو غيره على أربعة مذاهب: الأول: وهو المختار عند جمهور الحنفية والشافعية وغيرهم لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط وايهما حصل كان مجزيا. واستدلوا على ذلك بما يأتي: أن الأمر المطلق ورد استعماله في الفور كما في قوله تعالى: ﴿وآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وورد استعماله في التراخي كما في قول النبي ﷺ "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" ويلزم من هذا أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو طلب الفعل من غير تعرض لوقت من فور أو تراخي والإلزام الاشتراك اللفظي إن قلنا أنه موضوع لكل منهما أو المجاز وإن قلنا أنه موضوع لأحدهما وهو حقيقة فيه مجاز في الآخر وهما خلاف الأصل "العدول من الأصل إلى خلافه ممنوع". الثاني: أنه يعمل على الفور فلو أخر المكلف عصى بالتأخير وإليه ذهب الحنفية واستدلوا لذلك لما يأتي: أولا: إن الله تعالى ذم إبليس عليه اللعنة على ترك السجود لآدم ﵊ بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فلو لم يكن الأم رللفور لما استحق الذم ولكان لإبليس أن يقول إنك ما أوجبته على الفور "أي على التأخير ولكن كونه ذم دل على الفور" ففيم الذم. وأجيب بأن ذلك الأمر الوارد وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وفيه قرينتان تدلان على الفور إحداهما: الفاء وهي في اللغة للتعقيب والثانية وهو فعل الأمر وهو قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ حيث وقع جوابا لإذا وهي طرف والعامل فيهما جوابهما على رأي البصريين فيكون التقدير حينئذ "فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه" "الدلالة على الفور ليس من ذات صيغة الأمر بل من القرائن". ثالثا: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالمسارعة إلى المغفرة والمراد أسبابها اتفاقا والمسارعة هي التعجيل بفعل المأمورات فيكون التعجيل مأمورا به وقت ثبت أن الأمر للوجوب فتكون المسارعة واجبة ولا معنى للفور إلا هذا "أسباب المغفرة=
[ ١ / ٧٦ ]
_________________
(١) = إطاعة الأوامر" ويجاب: بأنا لا نسلم أن حصول الفورية مستفاد من صيغة الأمر بل هو مستفاد من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دل عليه كيفما تصرف على ذها الدليل يدل عليه عدم الفورية فهي عليكم وليس لكم لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقته مع جواز الإتيان به في غيره إذ الإتيان بالفعل في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمى مسارعة "فالمسارعة الفعل في الوقت لو قال السيد لعبده: اسقني وأخره لغير عذر عد عاصيا ولولا أنه للفور ما عد عاصيا. وأجيب عن هذا الكلام في أن كلا منهما طلب والنهي يفيد الفور فالأمر مثله يفيد الفور قياسا على النهي. ويجاب: بأن لا نسلم أن النهي يفيد الفور إذ في إفادته الفورية خلاف سلمنا أنه يفيد الفور "ترقى في الرد" لكنه قياس مع الفارق لأنه "توضيح الفرق" لما كان النهي مفيدا للتكرار في جميع الأوقات ومن جملتها وقت الحال "أي المباشر" لزم ضرورة أن يفيد "دلل عليه باللازم" وإنما فهم هذا من القرينة وهي أنه من المعلوم عادة وطلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة إليه عاجلا والكلام يكون مفيدا للفورية بالقرينة وليس محل النزاع بل في المطلق فكان قياسا مع الفارق. المذهب الثالث: أنه يدل على وجوب إيقاع الفعل في الحال أو العزم على الفعل في ثاني الحال. وهو رأي القاضي ومن وافقه واحتجوا له بأنه ثبت في الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأه ولو أخل بهما عفى وهذا معنى وجوب أحدهما فيثبت. وأجيب عن ذلك بأنا نقطع أن فاعل المأمور به مطيع لكونه أتى بخصوص "نفس الشيء" ما أمر به لا لكونه أحد الأمرين منهما "الفعل أو العزم أي أنه لم يؤمر بالعزم" وأن ترك العزم على فعل كل واجب إجمالا وتفصيلا من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته سواء دخل الوقت أو لم يخله فإن جوز ترك الواجب بعد مرة أثم وإن لم يدخل الوقت ولم يحن لا انه ترك مخيرا بينه وبين ما أمر به حتى يكون كخصال الكفارة. المذهب الرابع: التوقف "أي ليس أيا مما سبق" إما لأنه مشترك بينهما "أي مشترك لفظي" أو لأحدهما "حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر" ولا نعرفه هو رأي الإمام ومن وافقه واحتجوا لذلك بأن طلب الفعل محقق وجواز التأخير مشكوك فيه "أي بالمنع في جواز التأخير بالجواز في آخره" لاحتمال أن يكون للفور فيعطى للتأخير فوجب الفورية ليخرج عن العهدة بيقين. والجواب: لا نسلم أن جواز التأخير مشكوك فيه بل التأخير جائز حتما بما ذكرنا من الأدلة وبهذا رجح رأي الجمهور وهو أن الأمر المجرد عن القرائن لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط اهـ مما ذكر الشيخ الحسيني الشيخ في محاضراته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا وانظر نهاية السول ٢/٢٨٦ - ٢٩١ إحكام الأحكام=
[ ١ / ٧٧ ]
واعلم أن قولنا أنه على التراخى ليس معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل لكن معناه أنه ليس على التعجيل.
والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير أن يكون له تعرض للوقت بحال.
وعند الآخرين أن قوله افعل يقتضى الفعل في أوقات الإمكان فمنهم من قال أن لفظ الأمر يقتضى كذلك ومنهم من قال أن الواجب المستفاد بالأمر يقتضيه.
أما من قال منهم أن لفظ الأمر يقتضى ذلك فاستدلوا بأمر السيد عبده وصورته أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه أن يعجل سقيه الماء ولو لم يفعل استحسن العقلاء ذمة على تأخير سقيه.
قالوا: فإن قلتم أنه اقتضى ذلك بقرينة نقول أن السيد يعلل ذمه لعبده فيقول: أمرته بشيء فأخره فلا يحل الذم إلا على مجرد تأخير الأمر هذا دليل.
واستدل أيضا من قال أن لفظ الأمر يقتضي العجل بأن الوقت وأن لم يكن مذكورا في لفظ الأمر فإن الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه في أقرب الأوقات إليه كما أن ألفاظ البيع والنكاح والطلاق والعتاق يفيد وقوعهما فى أقرب الأوقات إليها.
ببينة أن هذه الأشياء إيقاعات من غير أن يكون فيها تعرض للوقت فإذا كان موضوعها على التعجيل لأن الوقت الأول أقرب الأوقات إلى الإيقاع كذلك الأمر الذي هوطلب الفعل.
وأما دليلهم من حيث النظر في فكرة الأمر فمن وجوه:.
منها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل في أول الفعل والدليل عليه أنه لو أوقعه المكلف فيه أسقط بذلك الفرض عن نفسه فجواز تأخيره نقض لوجوبه لأن حد الواجب ما لا يسع تركه ولاشك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه فثبت أن في التأخير نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة وهذا باطل وهذا دليل معتمد.
قالوا: فإن قلتم أن التأخير لا ينقض الوجوب ولا يلحقه بالنافلة لأن النافلة يجوز الإخلال بها أصلا وهذا لا يجوز الإخلال به لأنه وأن أخره فلا بد أن يفعله في
_________________
(١) = للآمدي ٢/٢٤٢ - ٢٥٠ وروضة الناظر وجنة المناظر ١٧٨ - ١٧٩ المعتمد ١/١١ أصول الفقه للسرخسي ١/٢٦ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٧ - ١٧٣.
[ ١ / ٧٨ ]
زمان غيره وهذا غير صحيح لأن الإلزم هو وجوبه في أول أوقات الإمكان ثم جواز تركه فقد يلحق بالنافلة في هذا الوقت وليس الإلزام أنه التحق بالنافلة على الإطلاق حتى يفصلوا بينه وين النوافل المطلقة إنما الإلزام الحاقه بالنافلة في وقت وجوبه.
قالوا: وقول بعض أصحابكم أن التأخير إنما جاز ببدل يقيمه مقام فعله وهو العزم على فعله في الوقت الثاني فهذا كلام باطل لأنه أولا إثبات بدل العبادة لادليل عليها.
فإن قلتم وجوب العزم بالإجماع على أداء الفعل في الثاني دليل نقول لكم ومن بسلم بهذا الإجماع بل لو قيل أن الإجماع على سقوط وجوب العزم كان صحيحا فإن من دخل عليه وقت الصلاة فأخرها عن أول وقتها من أن يخطر بباله عزما أو ترك عزم فإنه لا يعلم بين الأمة خلاف أنه يجوز له ذلك وإذا فعل الصلاة من بعد في وقتها لم يكن عليه وزر ولا وبال وقالوا: اللهم إلا أن يكون المعنى من الوجوب العزم الذي هو أصل ما يجب على كل مؤمن من التزام الفعل وكونه على أدائه وترك الإخلال به وهذا أمر لا يختص بالأوقات فإنه يجب على كل إنسان في العبادات قبل دخول أوقاتها بعد دخولها في قضية الأوامر الواجبة بعد وجود أوقاتها قالوا: ولأن العزم لو كان بدلا عن العبادة لوجب أن يقوم مقام العبادة بحال لأن البدل ما يقوم مقام الأصل فى وجوه مصالحها وأجمعنا على أنه لا يقوم مقام العبادة بحال فإن أصل الفعل لا يسقط بالعزم على الفعل بوجه ما.
قالوا: فإن قلتم أنه يقوم مقامه في الوقت الأول دون الوقت الثاني.
نقول إذا قام مقامه في الوقت الأول وقضية الفعل في الوقت الأول سقوط الفرض عن المكلف فينبغي أن يقوم مقامه في هذا الغرض قالوا: ولأنكم اعتقدتم هذا الأمر فرضا آخر معجلا وهو العزم على الفعل من غير أن يكون لصيغة الأمر تعرض له واعتقدتم تأخير الفعل مع اقتضاء الأمر الفعل ولا دليل على التأخير وهذا خطأ فاحش فبطل قول من قال أن العزم يدل وصح الدليل الذي تعلقنا به.
دليل آخر للقائلين بموجب الأمر على الفور وهو أن الأمر بالفعل يقتضي الفعل ويقتضي اعتقاد وجوبه ويقتضى العزم على فعله ثم كان اقتضاؤه اعتقاد الوجوب واقتضاؤه العزم على فعله على الفور والتعجيل فكذلك اقتضاؤه الفعل يكون على هذا الوصف أيضا وتعلقوا بالنهى أيضا فإنه يقتضي الإنتهاء عن الفعل على الفور فكذلك.
[ ١ / ٧٩ ]
الأمر يكون اقتضاؤه بالفعل على الفور ولأن كل واحد نظير صاحبه ومما يعتمدون عليه وهو شبه المسألة وإشكالها أن القول بالتأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة فيكون باطلا فى نفسه لأن ما يؤدى إلى الباطل باطل وإنما قلنا ذلك لأنه إذا جاز التأخير فلا يخلو أما أن يجوز إلى غاية أو لا إلى غاية فإن جاز لا إلى غاية فإما أن يجوز إلى بدل أو لا إلى بدل فإن قلتم لا إلى بدل فهذا نقض لوجوبه وإلحاق له بالنوافل وهو لا يجوز وأن قلتم يجوز إلى بدل فإما أن يكون البدل هو العزم على فعله فى الوقت الثانى أو الوصية به فأما العزم فقد أبطلنا كونه بدلا والمعتمد فى إبطاله أنه لا دليل على كونه بدلا فلا يجوز تأخير العبادة إلى بدل لا دليل عليه.
فان قلتم أن الإجماع ثابت على وجوب العزم فقد بينا أن لا إجماع وعلى أنه وأن وجب العزم فوجوب الشيء لا يدل على أنه يكون بدلا من غيره بل الأصح أن الأمر يوجب الفعل أصلا ويوجب العزم عليه أصلا إلا أن وجوب أحدهما بالصريح ووجوب الآخر بالدلالة وأما القول بجواز التأخير إلى بدل الوصية فباطل أيضا لأنه ليس كل العبادات مما يجوز الوصاية بفعلها وعلى أنه أن كان أمر الله تعالى لنا أن نفعل العبادة لا يمنع من أن يعزم على الإخلال أو يوصى غيرنا بها لم يمنع أيضا أمرنا الوصى أن يوصى بما وصيناه به ويحل بفعله بنفسه وكذلك القول فى الوصى الثانى والثالث إلى ما لا يتناهى.
قالوا: وأن قلتم يجوز التأخير إلى غاية فلا يخلوا لنا أن تكون الغاية معينة أو موصوفة فالمعينة أن يقال يجوز له التأخير إلى اليوم الثانى أو الثالث أو وقت كذا أو سنة كذا فلا يجوز تأخيره بعده وهذا لم يقل به أحد ولا دليل عليه فهو باطل.
وأما الموصوفة فهو أن يقال يجوز له تأخيره إلى الوقت الذي يغلب على ظنه أنه لو آخر عنه فات وهذا لا يخلوا أما أن يغلب على ظنه لا بأمارة أو يغلب على ظنه بأمارة من شدة مرض وعلو سن وغير ذلك وهذا باطل ايضا أما غلبة الظن لا عن إمارة فليس بشيء لأن الظن لا عن أمارة لا يجوز تعليق حكم الشرع به ولأنه قد يغلب الظن على السوء اى فى الموت وغيره ولا يجوز أن نعتبر مثل هذا الظن فى شيء وأما الظن عن أمارة فهو باطل أيضا لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة وبغتة ولا يوجد لهم غلبة الظن فيموتون فما قلتم يقتضى أنه لم تجب عليهم العبادة لأنه قد جاء عندكم التأخير إلى غاية ولا غاية فى حقهم وكان التأخير لهم جائزا على الإطلاق.
[ ١ / ٨٠ ]
فانتقض الوجوب فى حقهم أصلا.
ببينة وهو الإشكال أن الأمر بالفعل يقتضى الفعل لا محالة هذا الطريق صار موجبا للفعل على ما سبق بيانه وعلى ما قلتم لا يكون موجبا للفعل لأنه لا يكون مقتضيا للفعل لا محالة لأنه إذا جاز التأخير ولم يتضيق عليه فى وقت ما فلا وجوب وأن تضيق عليه فى وقت ما فلا يكون ذلك التضييق على العموم فى حق المكلفين فإنه أن يضيق فى حق من يغلب على ظنه لا يتضيق فى حق من لا يغلب على ظنه ويموت بغتة فلا يكون الأمر مقتضيا للفعل لا محالة فينتقض الوجوب.
والحرف أن الأمر إذا أوجب الفعل على العموم فلا يجوز أن يكون علامة الوجوب إلا على الأمر وأما حجة القائلين بالتراخى وهو الأصح فدل أولا أنه ليس فى لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة موضوعة لطلب الفعل ولا تقتضى إلا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ما يعتد صيغة طلب الفعل فى المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضى ثم لو أخبر عن فعل فى الماضى لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متآخر ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا يتعرض له اللفظ وهو دليل على التقييد وهذا لا يجوز كيف وقد جعلوا تقييد المطلق نسخا له فى كثير من المسائل على ما عرف من مذهبهم إيقاع الفعل فحسب إلا أن الزمان من ضرورته لأن الفعل من العباد لا يصير موقعا إلا فى زمان فصارت الحاجة ماسة إلى الزمان ليحصل الفعل موقعا والزمان الأول والثانى والثالث فى هذا المعنى وهو حصول وقوع الفعل واحد وإذا استوت الأزمنة فى هذا المعنى بطل التخصيص والتقييد بزمان دون زمان وصار كما لو قال افعل كذا فى أي زمان شئت فهذه الدلائل من حيث بيان أن الأمر لا يقتضى التعجيل بلفظه ثم يدل على أنه لا يقتضى التعجيل بفائدة فنقول لو كان يقتضى التعجيل بفائدته لكان يقتضيه من حيث أن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع القول بجواز التراخى وهذا لا يصح لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا على المكلف وأن كان مخيرا بين فعله فى أول الوقت وفعله فيما بعده فيجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه فواته.
[ ١ / ٨١ ]
إن لم يفعله فمتى غلب على ظنه فواته أن لم يفعله حرم التأخير فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل منه فى مدة غيره بشرط أن لا يخلوا زمان العلم منه فيصير واجبا عليه بوصف التوسع لا بوصف التضييق والتكليف على هذا الوجه لا يمنع منه معقول ولا مشروع.
أما المعقول فإنه لو صرح بمثل هذا الأمر لم يكن مستنكرا عند أحد العقلاء ولو قال السيد لغلامه افعل كذا غدا أو قال افعل فى شهر كذا أو سنة كذا ومراده أن يأتى به فى أي وقت يختاره من هذه المدة بشرط إلا يخلى المدة منه فإنه يكون صحيحا غير مستبعد ولا مستنكر وأما المشروع فقد ورد الشرع بمثاله وذلك فى الصلوات المفروضات فى الأزمنة المعلومة لها وكذلك القضاء الواجب عند ترك الصوم بعد زوال الكفارات الواجبات والزكوات على أصولهم وبهذا المعنى أجمع أهل العلم على أنه فى أي زمان فعله يكون مؤديا ويحسن أن يوصف بالإمتثال لأمره ولهذا المعنى أجمع أهل العلم أيضا أن الإيمان على الأفعال يحصل البر فيها سواء اتى بالأفعال على الفور أو على التراخى فيثبت أنه لا دليل على صفة الفورية لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة فائدته والقول بالشيء بلا دليل عليه باطل.
فإن قالوا: ليس مع هذا كله أجبتم المسارعة والمبادرة فى الأوامر فكذلك جاز أن وجب ذلك.
قلنا إنما أوجبنا المسارعة والمبادرة بلا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة معناه لكن بدليل أجنبى جاء من جهة الشرع استجلب المبادرة إلى كل الطاعات والكلام فى هذا الاقتضاء من حيث اللفظ وقد يدل على ما ذكرناه أيضا قصة عمر ﵁ أنه قال لأبى بكر ﵁ فى زمان الحديبية من صد النبى ﷺ عن البيت ووقوع الصلح على الرجوع فى ذلك العام أليس أن الله تعالى وعدنا أن ندخل المسجد الحرام فقال له أبو بكر أقال العام قال لا قال فسندخل فسكت عمر وعلم الحق من قوله وكذلك سائر الصحابة ﵃ علموا ذلك واعتقدوا صدق الوعد بهذا الطريق مع وجوه تراخى الدخول فثبت أنهم علموا ذلك بالطريق الذي قدمناه فكذلك الأمر يكون بمثابته ومنوالهم على ما ذكرناه بما أوردناه فى شبههم وسنفصل عنها ونزيل الإشكال منها بعون الله تعالى.
الجواب أما كلامهم الأول وهو تعلقهم بالسيد إذا أمر غلامه بسقيه الماء.
[ ١ / ٨٢ ]
قلنا إنما عقل التعجيل فى ذلك الأمر بقرينة دلت عليه وهى علم العبد أن السيد لا يستدعى الماء إلا وهو محتاج إلى شربه هذا هو الأغلب ولو لم يوجد إلا فى الأمر فإنه لا يعقل ذلك.
وأما قولهم أن السيد يقول: أمرته بكذا فأخره.
قلنا وقد يعتذر العبد فيقول: أمرنى بكذا ولم يأمرنى بتعجيله ولا علمت أن عليه فى تأخيره مضرة.
وأما كلامهم الثانى قلنا هذه الأحكام التي تعلقوا بها عامة صيغها صيغ أخبار وقد بينا أن صيغة الخبر لا تدل على قرب من المخبر عنه ولا يعد إلا بدليل يقترن به أيضا فإن هذه العقود فى الشرع إيقاعات تقتضى أحكاما على التأبيد فلا بد أن تتصل أحكامها بالعقود ليصح القول بإتيانها على التأبيد فهو مثل النهى فى مسألتنا فإنه لما اقتضى الانتهاء والكف على التأبيد اقتضى الانتهاء على الفور ليصبح القول بثبوتها على التأبيد.
فإن قيل كون الحكم إذا وقع دام لا يمنع من النظر فى ابتداء وقوعه أنه يقع معجلا أو على التراخى وهو كالملك فى الثمن المؤجل فإنه يقع الملك فيه فى المستقبل ثم إذا وقع دام وهو لا يمنع ذلك من النظر فى ابتداء وقوعه أنه على التعجيل أو على التراخى ويكون ذلك بحسب قيام الدليل عليه.
قلنا إذا كان قضية الشيء أن يكون حكم على الدوام فاعتقاد التراخى فيه يفضى إلى اعتقاد الجزم فى صفة الدوامية لأنه يتراخى ويتراخى إلى زمان يوجد حكم اكتسب فى ذلك الزمان ولا يتصور معنى الدوام فيه فلهذا قلنا أنه يكون على الفور على ثبت صفة الدوام ثم نقول فى هذه المسائل التى قاسوا عليها لم تثبت صفة التعجيل بصيغ هذه الألفاظ وإنما ثبتت بإثبات الشرع لها ذلك وكلامنا وقع فى مقتضى صيغة اللفظ فسقط تعلقهم بها من هذا الوجه وهذا جواب معتمد.
وأما دليلهم الذى قالوه من جهة فائدة اللفظ قولهم أن الأمر قد أفاد الوجوب فى أول أوقات الإمكان.
قلنا أي شيء يعنون بهذا أن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على وجه لا يجوز تأخيره عنه فلا نسلم ذلك وأن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على معنى أنه إذا أوقعه فيه يقع من الواجب قلنا لم قلتم إذا كان على هذا الوصف وجب إلا يجوز التأخير.
[ ١ / ٨٣ ]
فإن قلتم لأنه كان واجبا فى أول الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل.
قلنا لا يؤدى إلى ذلك لأنه إنما يؤخر لا لأنه غير واجب بل يؤخر لأنه واجب موسع عليه فى وقته والواجب على وجهين واجب موسع على المكلف فى وقته وواجب مضيق على المكلف فى وقته فالمضيق عليه فى وقته لا يجوز تأخيره فأما الموسع عليه فى وقته يجوز تأخيره وهذا التأخير لا يخل بصفة الواجبية لأنه جوز لنا التأخير عن أول أوقات الإمكان إلى وقت مثله فى الإمكان وشرط عليه أن لا يخلى كل الوقت عن الفعل ولما أخلا عصى وأثم فعلى هذا أفاد صفة الواجبية ولم يلتحق بالنافلة فهذا وجه الجواب عن هذا الدليل وقد سلك بعض أصحابنا طريقا آخر فى الجواب وقال إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط أن يكون عازما على فعله الثانى.
وذكر القاضى أبو الطيب وجهين للأصحاب فى وجوب العزم وهذه الطريقة صعب تمشيتها شاق مسلكها للمسائل التى ذكرناها وما ذكرناه من الجواب معتمد وهو كاف
ويقال أيضا لهم إنكم تعلقتم بسقوط الأمر عنه بفعله فى أول الوقت بمعنى يستوى فى ذلك الوقت الأول والثانى وذلك لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط من غير تعرض للوقت فإذا فعله فى الوقت الأول فقد أوقع الفعل وإذا فعله فى الوقت الثانى أو الثالث فقد أوقع الفعل فكان سقوط الفرض عنه بفعل المأمور فى أول الوقت لا لمعنى يرجع إلى الوقت بل كان لوجود حصول الفعل على ما اقتضاه الأمر وقد استوى فى هذا المعنى كل الأوقات فصار جميع الأوقات فى هذا الوقت واحدا وصح الفعل فى الوقت الثانى والثالث من حيث صحته فى الوقت الأول ولم يؤد هذا التوسع عليه إلى إلحاقه بالنوافل لما بينا من قبل.
وأما ما تعلقوا به من وجوب الإعتقاد على التعجيل.
قلنا ولم قلتم إذا وجب تعجيل إعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور به وما أنكرتم أن تعجيل الاعتقاد وجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ذلك أن لو وجب لقضية الأمر.
فإن قالوا: أن الاعتقاد تابع للمعتقد فإذا تعجل الاعتقاد وجب أن يتعجل المعتقد قلنا والمطالبة مع هذا ولم إذا وجب تعجيل الاعتقاد مع هذا وجب تعجيل المعتقد
[ ١ / ٨٤ ]
ويتصور انفصال أحدهما عن الآخر.
ثم يقال لهم إنما وجب تعجيل اعتقاد الوجوب لأنه إذا كان قام الدليل للمكلف فى أن الأمر يفيد الوجوب وقد وجد الأمر فكيف يتصور أن لا يعتقد وجوب الأمر والأمر على هذا الوجه فأما تعجيل الفعل فيجوز أن يعتقد الوجوب فى المأمور ومع هذا لا يجب عليه تعجيله لما بينا من قبل وعلى أنا نقول يلزمه اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزمه فعله على التوسع وإذا وجب الفعل على حسب ما يعتقده من الوجوب ووجب الاعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع الفرقان بوجه ما وأما تعلقهم بفصل النهى فقد أجبنا عنه من قبل وهو أنه يقتضى الانتهاء على الدوام فإنما كان على الفور والتعجيل لأنا إذا لم نعجله على هذا الوقت أدى إلى بطلان صفة الدوامية فيه على ما سبق بيانه ويمكن أن يجاب عن فصل اعتقاد الوجوب بهذا أيضا وأما الذى ذكروه من بعد هذا وهو أن القول بجواز التأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة قلنا لا يؤدى لأنا نقول يجوز له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه إذا آخر يفوت المأمور ونقول أن الظن المعتبر هو الظن عن إمارة وهذا قسم صحيح جائز اعتقاده لأن الظن عن أمارة دليل من دلائل الشرع.
فيجوز بناء الأحكام عليه بدليل الاجتهاد فى الأحكام فكذلك هذا الحكم يجوز بناؤه عليه ولأن الله تعالى قد كان أوجب الوصية للأقارب فى ابتداء الاسلام عند حضور الموت على ما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ولا يعرف حضور الموت إلا بغلبة الظن عن إمارة وقد بين الشرع إيجاب الوصية عليه كذلك هاهنا يجوز أيضا مثله
وأما قولهم أنه ربما يموت بغتة أو فجأة.
قلنا هذا الذى قلتم نادر والظاهر الأغلب فى حق الناس موافقة علامات حضور الموت واحتباس الإنسان بضعفه وحضور أجله ومعرفته بظهور علاماته فيه والنادر لا يدخل فيما بنى أمره على الأعم الأغلب بدليل ما قلناه فى الوصية.
فإن قالوا: ما قولكم إذا مات بغتة يموت عاصيا أو لا يموت عاصيا.
فإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا أطلقنا له التأخير فاخترمته المنية من غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه لأن وصف العصيان بالتأخير مع إطلاق التأخير محال.
[ ١ / ٨٥ ]
وإن قلتم يموت لا عاصيا فلم يبق للوجوب فائدة.
الجواب أنا نقول يموت لا عاصيا ولا يدل هذا على بطلان فائدة الوجوب وذلك لأنا بينا أن الوجوب على التوسع جائز وردوه مشروعا ومعقولا وبينا أن التأخير لا يدل على أن المأمور غير واجب لأنه يجوز له التأخير عن الوقت الأول فى الفعل إلى وقت مثله فى الفعل فلا يكون محرما عليه لأن المحظور عليه فى الواجبات تركها على الإطلاق والترك على الإطلاق هو الترك على وجه يفوت المأمور والتأخير على هذا الوجه الذي أطلقناه ليس فيه تفويت المأمور ثم إذا أحس بالفوات وهو إذا ظهرت عليه أمارات حضور الموت ضيقنا عليه الأمر ومنعناه من التأخير وأما إذا مات بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور لأنه إنما آخر من وقت إلى وقت مثله وقد بينا أن مثل هذا لا يعد تفويتا وإذا صار حيث يؤدى إلى التفويت منعناه من التأخير فصار الفوات عند موته بغتة محالا به على الله تعالى لا على العبد لأنه قد فعل ما كان مطاقا له ذلك فعنذ ذلك الفعل منه لم يجز وصفه بالتفويت على ما سبق بيانه إلا أنه صار فائتا بمعنى من قبل الله تعالى فلم يجز أن يوصف بالعصيان وهو كالأمر المضيق إذا لم تساعده الحياة فى وقته وكان من هذا الوجه على العبد لم يجز أن يوصف بالعصيان وجعل الفوات لمعنى من قبل الله تعالى كذلك هاهنا وعدم وصفه بالعصيان لم يدل على ذهاب فائدة الوجوب لأنا حققنا صفة الواجبية مما يعود إلى فعل العبد من منعه وتفويته فبوجود الفوات من قبل الله تعالى لا نبطل فائدة الوجوب فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل ولم نبق على ما قررناه إشكال بوجه ما وهذا الفصل قد أعيى الفحول من الأصحاب حتى رأيت بعضهم يقول فى أصوله لا يستقيم مع قولنا أنه غير عاص إلا أن يحكم أنه لا وجوب وكذلك زعم أن الصلاة فى أول الوقت لا تجب والمفعول فى أول الوقت ينبغى أن يكون نافلة وهذا ترك لمذهب الشافعى ﵀ ومساعدة للمخالفين وليس سبيل من ينصب للتقدم فى مذهبه ويعتقد أنه الفحل المدافع عن حريمه أنه إذا جاء إشكال فى المسألة يترك مذهب صاحبه ويوافق الخصوم بل ينبغى أن يبذل له جهده ويجعل فكره يحل الإشكال فإن أمكنه ذلك وإلا تركه إلى من يوفقه الله تعالى له ويهديه إليه وبمثل قول عمرو بن معدى كرب
إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
فأما أن يترك مذهبه ويوافق خصومه فمحال والله العاصم بمنه.
[ ١ / ٨٦ ]
وإذا عرفنا هذه المسألة يخرج عليها مسألة الحج أنه يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان وقد ذكرنا وجه الكلام فيها وأما أبو زيد الدبوسي زعم أن الأمر بصيغته لا يدل على صفة الفورية إلا أن فى الحج وجب فعله على الفور لأن تأخيره يؤدى إلى تفويته حقيقة والإدراك فى السنة الثانية على الوهم والشك فلا يجوز القول بتأخير يؤدى إلى الفوات قطعا بإدراك موهوم وهذا فصل قد ذكرناه فى الخلافيات وذكرنا الكلام عليه فى كتاب الاصطلام فتركنا الكلام عليه فى هذا الباب واقتصرنا على ما ذكرناه والله أعلم.
مسألة.
وإذ بينا الكلام فى الأمر المطلق وقضيته فنبين حكم الأمر المؤقت بوقت فنقول اعلم أن الأمر الوارد على التوقيت على وجهين أمر مؤقت بوقت لا يفصل الوقت عنه بل هو وارد بقدر الوقت مثل صوم رمضان فإنه واجب بأول دخول الوقت بلا خلاف ومعنى الوجوب بأول الوقت أنه يجب مباشرته مقترنا بدخول وقته مقترنا من غير تقديم ولا تأخير١ وأما الوجه الآخر فهو الأمر المؤقت بوقت يفصل الوقت عنه وأن شئت قلت: يسع له ولغيره مثل الصلوات الخمس التى هى مؤقتة بالأوقات المعلومة ونعلم قطعا أن أوقاتها تسع لها ولغيرها فعندنا تجب هذه العبادات فى أول أوقاتها وجوبا متوسعا ومعنى الوجوب المتوسع أنه يطلق له التأخير عن أول أوقاتها إلى أوقات مثلها إلى أن يصل إلى وقت يعلم أنه أن آخر فات فحينئذ يضيق عليه ويحرم عليه التأخير وهذا قول أبى شجاع السلمى من أصحاب أبى حنيفة وهو اختيار كثير منهم وإليه ذهب جمهور المتكلمين٢.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٦٦ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٠٤. ٢ ودليلهم في ذلك: أن الله تعالى لما فرض الصلاة أرسل جبريل ﵇ ليعلم النبي ﷺ أوقاتها وأفعالها فأم جبريل النبي ﷺ وصلى به أول يوم الصلاة في أو وقتها ثم صلى به في اليوم الثاني في آخر وقتها ثم أعلم النبي ﷺ الأمة بهذه الأوقات بقوله: الوقت ما بين هذين - ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بأن الوقت كله من أوله إلى آخره وقت للصلاة وهذا الخبر محتمل لأمور أربعة: أحدها: أن المكلف يحرم بالصلاة من أول الوقت لا ينتهي منها حتى ينتهي الوقت. الثاني: أن المكلف يوقعها مرة واحدة في جزء معين من الوقت=
[ ١ / ٨٧ ]
وذهب الكرخى وأبو بكر الرازى وأكثر أصحابهم من العراقيين إلى أنه يجب تأخير الوقت والمفعول فى أول الوقت نفل وفعله يمنع الوجوب فى أخره مثل الزكاة المعجلة فى الحول قبل انقضائه١.
ومنهم من قال أنه موقوف أن أدركه آخر الوقت وهو أهل الوجوب كان المفعول واجبا وأن أدركه آخر الوقت وهو ليس من أهل الوجوب كان المفعول تطوعا.
ومنهم من قال المفعول يكون واجبا فكان الوجوب متعلق بأحد شيئين أما آخر الوقت وأما اختيار الفعل٢ ٣.
_________________
(١) = الثالث: أن المكلف يوقع الصلاة مرارا حتى ينتهي وقت الصلاة. الرابع: أن يوقعها المكلف مرة واحدة في أي جزء يختاره من أجزاء الوقت أما الاحتمالان الأول والثاني فباطلان بالإجماع وأما الاحتمال الثالث فباطل لأنه لا دليل على تعيين بعض أجزاء الوقت بأداء الفعل فيه دون البعض الآخر فيكون تخصيص هذا الجزء بالأداء تخصيصا بلا مخصص وهو باطل. وحيث بطلت الاحتمالات الثلاثة تعين أن يكون الاحتمال الرابع هو المراد من الحديث وبذلك يكون الخطاب المتعلق بالصلاة مقتضيا لإيقاعها في أي جزء من أجزاء الوقت من غير بدل وهو ما ندعيه انظر نهاية السول ١/١٧٢ المحصول ١/٢٨٢ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٠٥، ١٠٦. ١ وقد استدل أصحاب هذا المذهب بأنه لو وجب الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه فيه لأن شأن الواجب أنه لا يجوز تركه لكن ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت جائز اتفاقا فبطل أن يكون الفعل واجبا فيما عدا الجزء الأخير وثبت أنه واجب في الجزء الأخير وهو ما ندعيه انظر المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٨١ نهاية السول ١/١٧٢، ١٧٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١١٠. ٢ قال الشيخ محمد أبو النور زهير ﵀ ولم أعثر لهذا المذهب على دليل ولعل وجهة الكرخي فيما ذهب إليه أن آخر الوقت معتبر في سقوط التكليف عن المكلف كما هو معتبر في إيجابه عليه ابتداء انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١١. ٣ اعلم أن هذه المسألة مذهبان آخران لم يذكرهما المصنف: أحدهما: مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة متكلمي الأشاعرة والمعتزلة أن الإيجاب يقتضيس إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت ولكن المكلف إذا لم يفعل في أي جزء من الأجزاء يجب عليه أن يعزم على الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه حتى يأتي الجزء الأخير من الوقت فيتعين عليه الفعل فيه وأما دليلهم على وجوب العزم فقد قالوا فيه: لو لم يكن العزم واجبا عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل وترك الواجب بلا بدل باطل لأنه يجعل الواجب غير واجب وضرورة أن الواجب هو ما لا يجوز تركه بلا بدل وغير=
[ ١ / ٨٨ ]
وتعلق من قال إنها لا تجب بأول الوقت بأن حد الواجب ما لا يسع تركه والصلاة فى أول الوقت واسع تركها من غير حرج فدل أنها غير واجبة قالوا: ولا يجوز أن يقال أن تركها إلى بدل وهو العزم على فعلها فى الثانى لأنا قد أبطلنا طريقة العزم فى المسألة الأولى.
قالوا: ولا يجوز أن يقال أن هذا تأخير وليس بترك لأنا بينا أن الترك فى أول الوقت قد وجد فإن الترك فى أول الوقت هو التأخير الذي قلتم والتأخير هو الترك فى أول الوقت فعلى أي الاسمين ذكر نحوه فالمعنى واحد لا يختلف وربما يقولون الواجب ما يتعين الإقدام عليه فى الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وقد قال بعض أصحابنا المتأخرين حين سمع هذه الشبهة للمخالفين قد اتفق أهل التحقيق من الفقهاء أن من آخر الصلاة عن أول وقتها ومات فى أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإذا كان كذلك فلا معنى لوصف الصلاة بالوجوب فى أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت لوقعت فى مرتبة الواجبات إذا أجزأت وهى على القطع كالزكاة تعجل قبل حولان الحول هذا كلامه.
_________________
(١) = الواجب ما جاز تركه بلا بدل انظر المحصول ١/٢٨٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/١٤٩ نهاية السول ١/١٦٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٠٦، ١٠٧. والثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعل المكلف الفعل فيه وإنما فعله في غيره من الأجزاء كان هذا الفعل قضاء وهل يأثم بهذا التأخير أو لا يأثم - اختلف النقل عن أصحاب هذا المذهب وهذا المذهب فيه إنكار للواجب الموسع وهو مذهب لم يعرف قائله ولكنه نقل عن بعض المتكلمين ونسبه بعض الأصوليين إلى الشافعي وهي نسبة غير صحيحة لأن الشافعية لم تقل بذلك وقد استدل أصحاب هذا المذهب على مدعاهم بقوله ﷺ "الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله" ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بأن الصلاة في أول الوقت سبب لرضاء الله ورحمته وثوابه وأن إيقاعها في آخر الوقت موجب للعفو من الله تعالى وذلك يقضي بأن إيقاعها في آخر الوقت فيه معصية تتطلب من الله العفو عنها فإن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية. فلو كان الوقت كله وقتا للأداء والمكلف خير في إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء لما كان إيقاعها في الجزء الأخير منه موجبا للذنب لأن المكلف قد فعل ما هو مأذون فيه بذلكك يكون الحديث دالا على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه وما بعده بوقت لقضائه وهو المطلوب انظر نهاية السول ١/١٧١ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٨١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٠٨، ١٠٩.
[ ١ / ٨٩ ]
وأما دليلنا فنقول الأمر يفيد الوجوب قد تناول أول الوقت قطعا فأفاد الوجوب قطعا يدل على أن الأمر تناول جميع الوقت على وجه واحد فإن كان لا يفيد الوجوب فى أوله فلا يفيد فى أخره فإذا أفاد الوجوب فى أخره فلا بد أن يفيد فى أوله ولأنا أجمعنا أنه يجب عليه نية الواجب إذا فعل الصلاة فى أول الوقت ولو نوى النفل بطلت صلاته والنية مصححة للفعل ومفسدة له فلو كان المفعول فى أول الوقت يقع نفلا لم يبطل النفل بل كان ينبغى أن يكون نية النفل مصححة لها.
ببينة أنه لما وجبت نية الفرض علمنا قطعا أن المفعول لا يقع نفلا لأنه لا يتصور أن يقع عن النفل مع وجوب نية الفرض وإذا وقع عن الفرض ثبت أنه فرض فإن قالوا: ليس فيما قلناه أكثر من وقوع الفعل عن الواجب قبل الوجوب وأنتم قد فعلتم مثل هذا فى صلاة العصر للمسافر فى وقت الظهر وصلاة العشاء الاخرة له فى وقت المغرب وكذلك الوضوء يجب عند دخول وقت الصلاة وقد صح بالإجماع قبله.
قلنا واحد منهما لا يلزم أما الأول فوقت الظهر وقت وجوب العصر فى حق المسافر إلا أنه واجب موسع وكذا نقول فى العشاء الأخرة أن وقت المغرب وقت وجوبها فى حق المسافر وهذا ثابت عندنا بالنصوص الواردة فى الباب على ما عرف فلم نقل بجواز تقديم الواجب على وقته.
وأما فصل الطهارة قلنا دخول الوقت إنما يوجب الوضوء على المحدث لإزالة الحدث فأما إذا كان تطهر قبل دخول الوقت وجاز على طريق النفل فقد زال الحدث ودخل وقت الصلاة وهو متطهر غير محدث ولم يجب عليه الوضوء أصلا وهذا لأن الوضوء لا يجب لعينه بحال وإنما وجب شرطا للصلاة ليؤديها على طهر من حدث وإذا كان متطهرا عن الحدث عند دخول الوقت فقد وجد شرط الصلاة فلم يتصور وجوب الطهارة عليه.
وأما الجواب عن قولهم أن حد الواجب ما لا يجوز تركه.
قلنا لا ترك هاهنا على وجه يخل بالواجبية فلم قلتم أن الترك الذى لا يخل بالواجبية لا يسع فى الواجب والدليل على أنه لا يخل بالواجبية أن هذا واجب واسع وقته على معنى أن وقته يشتمل على أزمان غيره لهذا الفعل على الترادف والتعاقب فلا بد أن يكون لتوسع الوقت أى فى هذا الواجب وليس ذلك إلا أنه يجوز تأخيره عن أول زمانه إلى زمانه الثانى والثالث والرابع إلى أن يضيق فى أخره فيوجد وقت لا يتلوه
[ ١ / ٩٠ ]
وقت أخر. وجواز التأخير على هذا الوجه لا يخل بالواجبية لأنه أخره عن وقته أو تركه فى وقت إلى وقت مثله فى الوجوب فيفيد فائدة الأمر فى الإيجاب لأن الوقت الثانى فى الحقيقة صار مثل الوقت الأول فكأنه الوقت الأول فكذلك الثالث والرابع ولا يخص ترك وهذا لأن المحظور ترك يؤدى إلى تفويت الواجب وإذا تعددت أوقات الفعل بحكم اتساعه لم يوجد تفويت وإذا قرر على هذا الوجه وقع التفريق بينه وبين النفل ولم يلحق به بحال فقد وقع الانفصال عن هذه الشبهة بأبين وجه وبقى الدليل الذى قدمناه من غير أن يكون لهم غلبة كلام بوجه ما وأما إذا مات فى خلال الوقت فقد بينا أنه غير عاص بقول من قال من أصحابنا أن على هذا لا يصح إلا أن يقال أنه غير واجب فى أول الوقت خطأ وقد بينا الكلام عليه فى المسألة الأولى وحققنا وجود الوجوب مع القول بترك معصيته عند اخترام المنية إياه ولا مزيد على ما قلناه.
وأما الزكاة فعندنا الأمر اقتضى الإيجاب من وقت ما تناوله الأمر وقد تناوله الأمر وقد تناول الأمر ما بعد الحول فلا يجب قبله فكذلك الأمر هاهنا قد يتناول أول الوقت فلا يتآخر عنه الوجوب.
وأما جواز إخراج الزكاة قبل الحول رخصة من الشرع ثبت ذلك بالنص الوارد فيه والرخص لا يجوز إلزامها على الواجبات التى هى عرفيه ولو وردت هاهنا رخصة بجواز فعل الصلاة قبل الوقت لقلنا بذلك.
فإن قال قائل الوقت سبب الوجوب فكيف يتصور أن يجب من أول الوقت إلى أخره وهو يؤدى إلى أن يكون الزمان الأول سببا للوجوب وكذلك الزمان الثانى والثالث فيكون ذلك إيجاب ما هو واجب وهذا لا يجوز الجواب أن عندنا الوقت ليس بسبب الوجوب أما سبب الوجوب خطاب الشرع إلا أنه يجب مرة فى زمان متضيق ويجب مرة فى زمان واسع وكل واحد جائز معقولا ومشروعا على ما سبق بيانه فعلى هذا لم يرد إلى ترادف الإيجاب فى فعل واحد بل الإيجاب حصل مرة واحدة إلا أنه واجب متوسع وقته فصار الترادف فى الوقت لا فى نفس الإيجاب فسقط ما قالوه من هذا الوجه وقد دل ما ذكرناه أن الوجوب لا يستقر بأول الوقت واستقرار الفريضة معتبرة بإمكان الأداة بعد دخول الوقت وهو الظاهر من مذهب الشافعى وإذا استقر بإمكان الاداء كان التأخير جائزا بحكم توسع الوقت بشرط أن
[ ١ / ٩١ ]
لا يؤخذ تأخيرا يؤدى إلى التفويت على ما سبق وبعض أصحابنا ضم إلى هذا شرطا آخر وهو العزم على أداء المأمور قبل انقضاء الوقت وعندى أن الشرط الأول كاف وقد سبق الكلام فى ذلك والله أعلم.
مسألة
المأمور إذا ترك الإمتثال فى الوقت المضروب للأمر حتى انقضى فلا يجب عليه القضاء بصيغة الأمر فإن وجب يجب بأمر جديد.
وقال بعض الفقهاء يجب القضاء بالأمر الأول١ واحتج فى ذلك بما روى عنه
_________________
(١) ١ قال الشيخ فخر الدين الرازي هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال: افعل هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى ذلك القت فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ الحق لا لوجهين: الأول: أن قول القائل لغيره: افعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول ما عداه وما لا يتناوله الأمر وجب أن لا يدل عليه بإثبات ولا ينفي بل لو كان قوله: افعل هذا الفعل يوم الجمعة موضوعا في اللغة لطلب الفعل في يوم الجمعة وإلا ففيما بعدها فها هنا إذا تركه يوم الجمعة لزمه الفعل فيما بعده ولكن على هذا التقدير يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام. قال ولا نزاع في هذه الصورة وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك. الثاني أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارة استعقبته ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل فوجب أن يقال إن إيجاب الشيء لا إشعار له بوجوب القضاء وعدموجوبه. فإن قلت إنك لما جعلته غير موجب للقضاء فحيث وجب القضاء لزمك خلاف الظاهر. قلت عدم إيجاب القضاء غير وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني وأنا لا أقول به أما على التقدير الأول فغايته أنه دل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي ولا إثبات وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر. الصورة الثانية: الأمر المطلق وهو أن يقول: افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعده أو يحتاج إلى دليل؟ أما نفاة الفور فإنهم يقولون: الأمر يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله وأما مثبتوه فمنهم من قال إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي ومنهم من قال: لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد. ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل كذا هل معناه: افعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع على هذا أبدا أو معناه: افعل في الثاني من غير بيان حال=
[ ١ / ٩٢ ]
النبى ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ١ وقوله فليصلها دليل على أن الأمر الأول باق عليه وأن الواجب بعد خروج الوقت هذا الذى كان واجبا فى الوقت ولأن الواجب عليه بعد الوقت واجب باسم القضاء والقضاء من ضرورته وجوب فقضى عليه فدل أن الأمر الأول باق عليه حتى سمى المفعول قضاء.
ببينة: أنه إذا وجب بأمر لم يتصور أن يكون قضاء.
قالوا: ولأن الأوامر مصالح والمصلحة فى نفس الفعل لا فى وقت الفعل فإذا لم يفعل كان عليه فعله وأن انقضى الوقت المضروب للفعل.
وأما دليلنا هو أن الوجوب بالأمر والأمر يتناول الفعل فى وقت معلوم فلا يكون الفعل فى غير ذلك الوقت مأمورا وإذا لم يكن أمرا بعد الوقت لم يكن وجوب والحق أن المأمور يفوته بفوات الأمر وقد فات الأمر بفوات الوقت فيفوت الوجوب.
ببينة: أن فى الشاهد من قال لغلامه زر فلانا فى الغد لا يكون أمرا بالزيارة بعد الغد حتى إذا ترك الزيارة فى الغد وزار بعد الغد يسمى مخالفا لسيده وأيضا يقال القاضى ليس يمتثل الأمر فإن الممتثل للأمر هو الموافق لصيغة الأمر والموافقة لصيغة الأمر وهى بالفعل فى الوقت المسمى فى الأمر وإذا لم يكن الفعل بعد الأمر امتثالا لم يكن الأمر مقتضيا له فصار فعل المأمور بعد خروج الوقت كفعله قبل دخول الوقت.
_________________
(١) = الزمان الثالث والرابع فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضيه فصارت هذه المسألة لغوية. واحتج من قال أنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله: افعل قائم مقام قوله: افعل في الزمان الثاني. وقد بينا أنه إذا قيل له في ذلك وترك الفعل في الزمان الثاني لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث فكذا ها هنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين واحتج أبو بكر الرازي على قوله: بأن لفظ افعل يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق وهذا يوجب بقاء الأمر ما لم يصر المأمور فاعلا انظر المحصول ١/٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦ إحكام الأحكام ٢/٢٦٢ روضة الناظر وجنة المناظر ١٨٠ التمهيد تخريج الفروع على الأصول ص ٦٨. ١ أخرجه البخاري المواقيت ٢/٨٤ ح ٥٩٧ ولم يذكر "من نام" ومسلم المساجد ١/٤٧٧ ح ٣١٥، ٦٨٤ وأبو داود الصلاة ١/١١٨ ح ٤٤٢ والترمذي الصلاة ١/٣٣٥ ح ١٧٨ ولفظهما لفظ البخاري والنسائي المواقيت ١/٢٣٦ باب فيمن نسي صلاة وابن ماجه الصلاة ١/٢٢٧ ح ٦٩٦ ولفظ الحديث عند مسلم.
[ ١ / ٩٣ ]
ثم لا يصح ذلك فى الأمر وكذلك بعد خروج الوقت يكون كذلك أيضا.
وأما الجواب عما تعلقوا به أما الخبر قوله ص فليصلها نقول أولا هذا دليل عليهم لأن قوله فليصلها أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم نحتج إلى هذا الأمر الثانى فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول ثم قوله فليصلها يعنى فليصل مثلها لأن الواجب عليه هذا الأمر المحدد صلاة مثل صلاة الأولى فلأجل هذه المشابهة صحت هذه الكتابة وأما الذى تعلقوا به من تسمية المفعول قضاء.
قلنا هذا دليل عليكم لأن الأمر الأول لو تناول الفعل قبل خروج الوقت كان المفعول أداء ولم يكن قضاء مثل المفعول فى الوقت ثم نقول تسميته قضاء هو على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة ومعنى المجاز أنه فعل على مثاله الأول قائم مقامه فى إسقاط تبعة الأمر الأول عنه وهذا لأن عندنا وأن وجب القضاء بأمر جديد يعمله قيامه مقام الأول فيسقط عنه تبعة الخلاف فى الأمر الأول فهذا الوجه سمى قضاء وهو على طريق المجاز لأنه لا يقضى عليه فى الحقيقة.
وأما كلامهم الأخير فقوله أن الأوامر مصالح.
قلنا تأجيل المصالح فى الأوامر عندنا باطل والله تعالى لا يجب عليه شيء بوجه ما وقد يفعل الأصلح بالعبد وقد يفعل غير الأصلح وهذه قاعدة تعرف فى غير هذا الموضع وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد فى فعل الشيء في وقت معين ولا يكون فعله فى غير ذلك الوقت مصلحة.
ألا ترى أن فعله فى الوقت مصلحة له وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم.
[ ١ / ٩٤ ]