فصل وذكر أبو زيد فصل فى أقسام الصحيح من الأخبار وقال:
الأخبار التى يعمل بها ضربان مشهور وغريب قال:
والمشهور ضربان.
أحدهما ما اشتهر وبلغ حد التواتر.
والآخر ما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.
والغريب نوعان.
أحدهما ما لم يشتهر ولكن لم يبلغ حد الاستنكار.
والآخر ما بلغ حد الاستنكار.
ثم قال أما المتواتر فحده ما اتصل بك عن المخبر اتصالا لا يبقى لك فيه شبهة كما يتصل تعليل من طريق السماع من المخبر عنه ثم قال وقد قال بعض الناس أن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين وإنما يوجب علم طمأنينة.
وذكر ما نقله اليهود أن عيسى ﵇ قد قتل وقد ذكرنا من قبل الكلام فى هذا وذكرنا أن المتواتر من الأخبار يوجب علم الضرورة وأجبنا عن ما قاله اليهود.
وأما المشهور فحده ما كان أوسطه وآخره على حد التواتر وأوله على حد الخبر الواحد وذكر عن أبى بكر الرازى أن هذا أحد قسمى التواتر لأنا نجد العلم فى أنفسنا بكل واحد منهما بلا اضطراب أنفسنا فى ذلك إلا أن العلم الأول يقع على اضطراره ولا مرد له فى النفوس والثانى يقع عن استدلال كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم فإن العلم بالمحسوسات عن اضطراب والعلم بالصانع عن الاستدلال قال عيسى بن أبان الخبر على ثلاثة أقسام قسم يضل جاحده كخبر الرجم وقسم يخشى المأثم على جاحده ولا يضله كخبر المسح على الخفين وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التى رويت فى مسائل الخلاف التى اختلفت العلماء فيها فلم يكف عيسى بن أبان من جحد المشهور ثم جعل المشهور بعضه فوق بعض فى المرتبة وهو الصحيح عندنا ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشهور علم طمأنينة.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وعن الخبر الغريب علم يغالب الرأى وعن الغريب المستند علم ظن فهذه أربع مراتب تثبت الأخبار.
والدليل على هذا أن المشهور لما لم يتصل برسول الله ﷺ على وجه التواتر ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة بالاتصال إلا أنها لما اشتهرت فى السلف وتواترت ولم يظهر رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعلم والعمل بها.
قال والمشهور على هذا الوجه حجة يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى ويجوز نسخ الآية بها لأن السلف كانوا أئمة الدين وإجماعهم حجة ولم يكن فيهم تهمة ما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله الرجم وزدنا تحريم العمة على ابنة الأخ وابنة الأخت على العمة وكذا فى الخالة وابنة الأخت على كتاب الله تعالى وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة والشائع على صوم كفارة اليمين والزيادة عندنا تجرى مجرى النسخ إلا أنا نفينا مع هذا شبهة الآحاد فلم نكفر جاحده وحططنا رتبته عن رتبة المتواتر فصار المتواتر علما يقينا من طريق الضرورة والمشهور يوجب علم اليقين أيضا إلا أن السامع متى تأمله حق تأمله وجد فى أوله ما يوجب ضرب شبهة فى آخره وكان دون العلم الواقع بالتواتر.
قال وأما الغريب المقبول فما اختلفت الفقهاء خلفا وسلفا فى أحكام الحوادث على ما ورد أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل وهو حسب اختلافهم فى المقاييس المتعارضة.
وأما الغريب المستنكر فنحو ما ذكرناه من الوجوه التى رد السلف بها الأخبار وربما يخشى الإثم على العامل به كما خشينا الإثم على تارك المشهور لأنه قرب من اليقين وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحرى الحق كالذى تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة على تحرى فلبه بلا دليل فهذا كلامه ذكرته على الاختصار وتركت كثيرا مما قاله لأنه لم يكن فيه شىء يستفاد.
واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته والذى قال من المشهور والغريب فلا ننكر أن فى الأخبار ما هو غريب ومنها ما هو مشهور ولكن لا يعرف المشهور من الغريب بإشهاره عند الفقهاء وعدم اشتهاره عندهم لأنه رب خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته وهو مثل ما يروون: "لا وصية لوارث" ١.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٩٧ ]
ويروون: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ١ ويروون: "أنت ومالك لأبيك" ٢ ويروون: "لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد" ٣ ويروون: "المكاتب عبد ما بقى عليه درهم" ٤ وهذه أخبار لم يحكم أهل الحديث بصحة شىء منها ورب خبر كان غريبا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته وأما الذى قال أن الخبر الذى تلقته الأئمة بالقبول فهو موجب للعلم فقد ذكرنا من قبل والذى قال أن العلم الواقع به علم طمأنينة والعلم الواقع بخبر التواتر علم ضرورة هذا تفريق ولا علم فوق علم يطمئن به القلب نعم يجوز أن يقال فى الجملة للمتواتر رتبة زائدة على الخبر الذى ليس بمتواتر لكن تلقته الأئمة بالقبول كما أن للعيان رتبة زائدة على ما نعلم بالخبر وأن تواتر الخبر لكن عدا التفاوت يعرف فى ابتداء البداهة فإن لبداهة العيان ما ليس للخبر وأن وقع به العلم إلا ترى أن موسى ﵇ لما رأى قومه قد طافوا بالعجل يعبدونه ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد كان الله تعالى أخبره بأنهم اتخذوا العجل إلها ولم يتغير فى تلك الحالة وأن كان وقع له العلم الضرورى بخبر الله تعالى له بذلك ولكن للعيان من التأثير والتمكن فى القلب ما ليس فى الخبر وهذا معنى قوله ﵇ ليس الخبر كالمعاينة كذلك يجوز أن يكون الخبر المتواتر الذى يسمعه فى الابتداء عن الجمع العظيم من التمكن فى القلب ما لا يكون للخبر الواحد وأن اتفقت الأمة على قبوله فإن أراد بالتفاوت هذا القدر فهو صحيح والذى قال من الترتيب فى قوله أن الخبر كذا يضل بتركه وخبر كذا يخشى أن يأثم بتركه وفى الخبر الثالث لا يخشى فالأصوليون لا يعرفون واسطة ثالثة بين الخبر الموجب للعلم والخبر الذى لا يوجب العلم فإن قال قائل شيئا ودل عليه الدليل يقبل وما لا يدل عليه الدليل فهو.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي الفتن ٤/٤٦٦ ح ٢١٦٧ وقال: حديث غريب بلفظ "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" وابن ماجه الفتن ٢/١٣٠٣ ح ٣٩٥٠ بلفظ "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" والحاكم في المستدرك ١/١١٥ - ١١٦. ٢ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٨٧ ح ٣٥٣٠ بلفظ "أنت ومالك لوالدك" وابن ماجه التجارات ٢/٧٦٩ ح ٢٢٩١ ٢٢٩٢ وأحمد المسند ٢/٢٤٧ ح ٦٩١٦. ٣ أخرجه الدارقطني سننه ١/٤٢٠ ح ٢ والبيهقي في الكبرى ٣/١٥٧ باب المأموم يصلي خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد وبينهما حائل والحاكم في المستدرك ١/٢٤٦ انظر نصب الراية ٤/٤١٢. ٤ أخرجه أبو داود العتق ٤/١٩ ح ٣٩٢٦ انظر نصب الراية ٤/١٤٣.
[ ١ / ٣٩٨ ]
مردود وأما الغريب الذى لا يستنكر والغريب الذى يستنكر فهو أيضا إلى أهل الصنعة.
وأنا أعلم قطعا أنه لم يكن فى هذا العلم حظ أعنى العلم بصحيح الأخبار وسقيمها ومشهور الأخبار وغريبها ومنكراتها وغير منكراتها لأن هذا أمر يدور على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة فكان الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله فإن من خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاحه عند أهله وليست العبرة بقبول الجهلة وأن لكل ساقطة لاقطة ولكن ضالة ناشد ولكن العبرة فى كل علم بأهله إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغى أن يسلم لهم ذلك.
فإن قال قائل فما حد الخبر الصحيح عندكم قلنا قد ذكرنا من قبل رجاله وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث أن صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابى مشهور بالصحبة ويروى عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا وقد قالوا: أن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات فقط وإنما بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس للمعرفة به معين مثل المذاكرة مع أهل العلم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث واعلم أن الشرط الذى شرطوه وهو أن يرويه اثنان من التابعين لا يعرفه الفقهاء لأن عند الفقهاء أن رواية الواحد مقبولة وإذا كان ثقة فحكم بصحة الخبر وقد ذهب بعض المتكلمين إلى شرط العدد وليس بشىء لما ذكرنا من إجماع الصحابة على رواية الراوى الواحد فأما أهل الحديث شرطوا هذا العدد لأنه شرط فى الصحة إلا أنهم يسمون ما نقله الواحد من الواحد الصحيح الغريب ويجعلون ما نقله الاثنان فما زاد وتداوله أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون الصحيح المطلق أو الصحيح المشهور ولهم أسامى فى هذا الباب وألفاظ تواضعوا عليها لمعانى يحتاجون إليها وذكر ذلك يطول ويمل منه الناس فاقتصرنا على هذا والله أعلم.
مسألة الزيادة إذا انفرد بها الراوى الثقة:
يقبل عند آخر وكذلك فى قبول عامة الفقهاء١ وكذلك إذا رفع إلى الرجل الثقة.
_________________
(١) ١ اعلم أنه إذا روى الحديث اثنان فأكثر وانفرد أحدهم بزيادة لم يروها الآخرون وكان المنفرد بالزيادة عدلا ثقة فلا يخلو إما أن تكون الزيادة للمزيد عليه بحيث لا يمكن الجمع بينهما أو ليست مخالفة له فإن كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه ولا يمكن الجمع بينهما
[ ١ / ٣٩٩ ]
حديثا ووقفه غيره فالقول قول من رفع وكان حجة مقبولة على قول من ذكرناهم وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن الواحد إذا كان انفرد بزيادة من بين جملة الرواة حمل الأمر فى هذه الزيادة على الغلط وكذلك إذا رفع الواحد حديثا ووقفه أصحابه يتوقف فى الحديث واحتج من رد رواية المنفرد وقال أن ضبط الراوى إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فإذا لم يوافقوه فى الرواية لم يعرف ضبطه وأيضا فإن الجماعة لو.
_________________
(١) = كان متعارضين وهذا حكم الدليلين المتعارضن وإن كانت الزيادة غير مختلفة للمزيد عليه فلا يخلو إما أن يعلم تعدد المجالس أو يعلم عدم تعددها أو لا يعلم واحد منهما. أولا: فإن علم تعدد المجالس قبلت تلك الزيادة اتفاقا وذلك هو المقتضى لقبول روايته وترك الغير لتلك الزيادة لا يقدح في قبولها لجواز أن تكون الزيادة وقعت في مجلس لم يحضره من تركها ومتى وجد المقتضى للقبول وانتفى المانع عمل بالمقتضى لسلامته عن المعارض فتقبل تلك الزيادة. ثانيا: أما إن علم عدد المجلس بأن كان المجلس واحدا فإما أن يكون تاركوا الزيادة ممن لا يجوز عليهم الغفلة عنها بأن كانوا عدد التواتر أو ممن يجواز عليهم ذلك. فإن كانوا ممن لا تجوز عليهم الغفلة عن تلك الزيادة لم تقبل لأن تطرق الخطأ إلى راوي الزيادة أولى من تطرق الخطاء إليهم. وإن كانوا ممن يجوز عليهم الذهول والغفلة عنها - فجمهور الفقهاء والمتكلمين يقولون: تقبل تلك الزيادة لأن الراوي عدل ثقة وعدم رواية الغير لها يجوز أن يكون لأنه دخل المجلس بعد أن قبلت تلك الزيادة فيكون قد سمع بعض الحديث ولم يسمع البعض الآخر ويجوز أن يكون لخروج من المجلس قبل أن يسمع تلك الزيادة أو أن يكون قد ذهل عن سماعها وهذه كلهم احتمالات لا تقدح في راوي الزيادة لأنها لا تنفي سماعه لها وبذلك يكون المقتضى قد سلم عن المعارض فوجب العمل به. وقال بعض العلماء لا تقبل الزيادة مطلقا. وفصل البعض بين أن يكون الساكت عن الزيادة واحدا فتقبل الزيادة وأن يكون الساكت جماعة فلا تقبل منهم. ثالثا: أما إن جهل الحال فلم يعلم تعدد المجالس ولا اتحادها فقال الآمدي: يكون الحكم في هذه الحالة كالحكم عند اتحاد المجلس بل يكون قبول الزيادة هنا أولى لاحتمال اختلاف المجالس. المثال قوله ﵇ "زكاة الفطر واجبة على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" فإن التقييد بالمسلمين زيادة تفرد بها مالك ﵁ عن باقي الرواة انظر نهاية السول ٣/٢١٧، ٢١٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٥٤ انظر المحصول ٢/٢٣٣ روضة الناظر ١١٠ المعتمد ٢/١٢٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٩، ١٤٠.
[ ١ / ٤٠٠ ]
كانوا فى مجلس فنقلوا عن واحد كلاما وانفرد واحد بزيادة على الباقين مع كثرتهم وشدة عنايتهم بما سمعوه وطرحوه لأطرح السامعون تلك الرواية ولم يقبلوها وأيضا فإن الجماعة لو وافقوا هذا الراوى الواحد يقوى بموافقتهم خبره إلا إذا خالفوه أن يضعف خبره وأما دليلنا فنقول الراوى للزيادة ممن يجب قبول خبره ولا معارض لروايته فيجب قبولها كما لو انفرد برواية الحديث ولم يروه غيره معه وإنما قلنا أن من يقبل خبره لأنه اجتمع فيه العدالة والضبط وجميع الصفات المطلوبة وإنما قلنا لا معارض لروايته لأن التارك لرواية الزيادة لم ينفها ولا معنى.
أما قولنا لم ينفها لفظا فبين وأما قولنا لم ينفها معنى فلأنه لبس ألا ترى أنه لم يرو هذه الزيادة وتركه رواية هذه الزيادة لبس يجب فيه أن يكون لنفيه إياها بل يجوز أنه لم يروها لسهو اعتراه حين تكلم به النبى ﷺ أو لشغل قلب أو تشاغل بعطاس أو أصغى إلى كلام آخر فإذا جاز كل هذا بطل قول من قال أن التارك للزيادة نفاها معنى واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغى أن يقال أن الذى ترك رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا بجماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا أن لا يقبل رواية راوى الزيادة فإن قيل نعم تجوز هذه الوجوه التى ذكرتها ويجوز أيضا أن يكون هذا الراوى الواحد غلط فى السماع فتوهم أنه سمع تلك الزيادة من النبى ﷺ ولم يكن سمعها قيل له سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن سماع ما جرى بمشهد منه يكثر وأما توهم الإنسان أنه سمع شيئا ولم يكن سمعه وأن كان يجوز ولكن يندر جدا لا يلتفت إليه وقد قال الأصحاب أن الزيادة التى ينفرد بها الثقة بمنزلة الخبر الذى ينفرد الثقة بروايته فإن لم تقبل روايته لهذه الزيادة وجب إلا يقبل روايته لخبر ينفرد بروايته فإن قيل قول من يثبت الزيادة يعارض قول من ينفيها قلنا قد أجبنا عن هذا وهذا لأن القول لا يعارض بالسكوت وإنما سبيل المحدثين إذا زاد أحدهما سبيل شهود شهد بعضهم على رجل أنه أقر له فى مجلس بدرهم وشهد آخرون أنه اقر فى ذلك المجلس بدرهم ودينار فالشهادتان جميعا مقبولتان وثبت الدينار مع الدرهم ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء وكذلك لم يختلف الفقهاء أن الشاهدين لو شهدوا على رجل أنه طلق امرأته فى مجلس وشهد جماعة أنهم كانوا حاضرين ولم يسمعوا طلاقها أن شهادة الشاهدين بالطلاق مقبولة ويثبت ما شهدوا عليه واعلم أن هذا الدليل يقتضى أن الراوى الواحد إذا كان ثقة وروى الزيادة وقد كان فى المجلس جماعة لم يرووها أن يقبل رواية من.
[ ١ / ٤٠١ ]
روى الزيادة ومن حيث المعنى الأول أولى قال الشافعى رحمة الله عليه من قبل القراءة الشاذة فى كتاب الله تعالى مع أن طريق ثبوته التواتر ورد الزيادة فى الحديث إذا انفرد الثقة العدل بها فقد ناقض فأما الذين قالوا: أن ترك ضابط آخر رواية هذه الزيادة يدل على غلط الأول قلنا هذا لا يصح لأنه لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقته ضابط آخر أدى إلى ما لا نهاية له ولم يعرف أحد وأما الثانى الذى قالوه قلنا قد بينا أن الذى ترك الرواية لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغى أن لا يقبل رواية هذا الواحد ذلك فينبغى أن يقول الجماعة إنهم لم يسمعوه فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم وأما قولهم أن الضابط لو وافق هذا الراوى أوجبت القوة فإذا لم يوافق أوجب الضعف قلنا ولم هذا لأنه بإمساكه رواية الزيادة ليس بمخالف لأنه ليس نافى لها على ما سبق ويقال لهم أيضا لم إذا كانت مشاركة الرواة له فى الزيادة موجب قوة خبره وجب إذا لم يشاركوه ينتقض تلك القوة إلى ضعف موجب إسقاط الرواية إلا ترى أن الراوى الواحد لو شارك جماعة فى رواية خبره أوجب ذلك قوة فى خبره ثم إذا لم يشاركوه فى الرواية لم يوجب ضعفا فى خبره يوجب إسقاط روايته واعلم أنه لا فرق فى هذه المسألة بين أن يسند الراوى الزيادة والتارك للزيادة ما رواه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو مطلقا إطلاقا ففى هذه الصورة كلها يقبل إلا فى الصورة التى ذكرنا فى أثناء المسألة ونذكر صورا من هذه الأخبار التى تفرد الراوي الواحد فيها بزيادة فمن ذلك حديث مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله ﷺ أى الأعمال أفضل قال: "الصلاة لوقتها" ١ ثم روى الحسن بن مكرم وبندار عن عثمان بن عمرو بندار عن غيره عن مالك بن مغول هذا الخبر وذكر أن النبى ﷺ قال: "الصلاة لأول وقتها" ٢ وكانت هذه الزيادة مقبولة لأن الحسن بن مكرم وبندارا ثقتان ومثال ذلك أيضا ما حدث ابن عمر فى صدقة الفطر رواه جماعة من الثقات أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري التوحيد ١٣/٥١٩ ح ٧٥٣٤ ومسلم الإيمان ١/٨٩ ح ١٣٧/٨٥. ٢ أخرجه الترمذي الصلاة ١/٣١٩ ح ١٧٠ وأحمد المسند ٢/٤٠٥ ح ٢٧١٧٠ انظر تلخيص الحبير ١/١٩١ - ١٩٢. ٣ أخرجه البخاري زكاة ٣/٤٣٠ ومسلم الزكاة ٢/٦٧٧ ح ١٢/٩٨٤.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ثم روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد صاعا من قمح ومثال ذلك أيضا حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: "من شرب من إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم" ١ ثم روى يحيى بن محمد الحارثى حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه: "أو إناء فيه شىء كتلك" ومثال ذلك أيضا حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ فى قوله: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدنى عبدى" وهو خبر صحيح ثم روى عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة الخبر وذكر فيه "فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى ذكرنى عبدى" ٢ وقد تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن زياد وفيه مقال ومثال ما ذكرنا أيضا حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة ﵂ وعن أبيها أن النبى ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها" ٣ الخبر ثم روى إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقى حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقى حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ابن جريج الخبر وزاد فيه: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها باطل" ٤ والخبر محفوظ وهذه الزيادة بهذا الإسناد والله أعلم بها فإن قيل أليس الشافعى قد وهن حديث السقاية لانفراد سعيد بن أبى عروبة بها ومخالفة أصحابه إياه فى هذه اللفظة قلنا هذا لا يشبه ما ضربنا من الأمثلة لأن سعيد بن أبى عروبة روى مطلقا وغيره روى الخبر وقال قال قتادة يستسعى غير مشقوق عليه غير حديث رسول الله ﷺ من قول قتادة فيكون هذا الراوى قد ضبط ما خفى على الآخر فلا يكون هذا شبيها بمسألتنا بل قد جرد ما قلنا واستمر وتكون هذه الرواية على وفق ما سمعناه والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/٢٧٧ ح ٤١٨٩ وقال الحافظ الهيثمي وفيه العلاء بن برد بن سنان ضعفه أحمد وعزاه أيضا إلى الطبراني في الصغير انظر مجمع الزوائد ٥/٨٩. ٢ أخرجه مسلم الصلاة ١/٢٩٦ ح ٣٨/٣٩٥ والترمذي التفسير ٥/٢٠١ ح ٢٩٥٣. ٣ أخرجه أبو داود النكاح ٢/٢٣٥ ح ٢٠٨٣ والترمذي النكاح ٣/٣٩٨ ح ١١٠٢ وقال حديث حسن والدارمي النكاح ٢/١٨٥ ح ٢١٨٤ وأحمد المسند ٦/١٨٥ ح ٢٥٣٨٠. ٤ الحديث بلفظ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل." أخرجه ابن حبان ١٢٤٧/موارد انظر نصب الراية ٣/١٦٧.
[ ١ / ٤٠٣ ]