مثل الإجماع على أن لا فرق بين الصلاة والصيام في وجوب النية وأن لا فرق بين الأكل والجماع في إفساد الصوم لم يجز التفرقة بينهما كما نعتاد الإجماع على اجتماعهما وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التفرقة بينهما بالدليل الموجب لافتراقهما لأنه إجماع منهم لم يتعين في حكم والإجماع إنما ينعقد في الأحكام المتعينة١ وقيل أنه مذهب سفيان الثوري فإنه أفسد الصيام بجماع الناسي ولم يفسد بأكل الناسي وهذا ليس بصحيح لأن الإجماع على استوائها في الحكم إجماع على حكم فلما لم يجز مخالفة الإجماع في أعيان الأحكام لم يجز مخالفته في تساوي الأحكام فإذا وجب بالدليل ثبوت الحكم في أحد المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى فيكون ثبوته في الأول بدليله وثبوته في الثاني بالإجماع وأن وجب الدليل نفى الحكم عن إحداهما وجب نفيه عن الآخر فيكون نفيه عن الأول بالدليل وعن الثاني بالإجماع وإذا قام الدليل على فساد الصيام بجماع الناسي أوجب الإجماع فساده بأكل الناسي وإذا قام الدليل على صحة الصيام مع أكل الناسي أوجب الإجماع صحته مع جماع الناسي وإذا اجتمعت الأمة على الفرق بين مسألتين في حكم مخصوص لم يجز الجمع بينهما في ذلك الحكم وجوز الجمع بين المفترقين من وجوب الفرق بين المجتمعين وهو فاسد بما قلناه فإذا أوجب الدليل ثبوت الحكم في إحدى المسألتين أوجب الإجماع نفيه عن الأخرى وإذا أوجب الدليل نفيه عن إحدى المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى.
وإذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيهما وجوزه.
_________________
(١) ١ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة أقوال:
(٢) يجوز مطلقا اتحد الجامع بين المسألتين أو اختلف.
(٣) لا يجوز مطلقا.
(٤) وهو المختار للبيضاوي تجوز التفرقة عند اختلاف الجامع ولا تجوز عند اتحاده. ومحل النزاع إذا لم ينصوا على عدم الفرق بينهما فإن نصوا على ذلك فلا خلاف في عدم جواز التفرقة بين المسألتين في الحكم انظر نهاية السول ٣/٢٧٥ المحصول ٢/٦٤ روضة الناظر ١٣٢ المعتمد ٢/٤٦ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٢٧٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٦١.
[ ١ / ٤٨٧ ]
بعض أهل الظاهر وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة أن اختلافهم على قولين يوجب تسويغ الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو يستقر الخلاف١.
وأيضا فإن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين على قولين فجاء ابن سيرين وأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين بقول ابن عباس وفي زوج وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره سائر العلماء على هذا فلم ينكروا عليه مخالفة الإجماع.
والصحيح ما قدمنا من تحريم إحداث قول ثالث لأن إجماعهم على قولين إجماع على تحريم ما عداهما فلما لم نجز خلاف الإجماع في القول الواحد لأنه يتضمن تحريم ما عداه فكذلك لا يجوز خلاف إجماعهم على القولين لإجماعهم على تحريم ما عداه يدل عليه أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع فلو جاز إحداث قول ثالث لم يعتقدوه يخرج الحق عن أقوالهم لأنا إنما جوزنا ذلك فيجوز أن يكون الحق في القول الثالث وفي هذا إبطال الإجماع.
وأما قولهم أن اختلاف الصحابة على قولين يوجب جواز الاجتهاد.
قلنا يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين فأما في قول ثالث فلا لما بينا أن في إثبات قول ثالث إبطال إجماعهم.
وأما الذي حكوه عن ابن سيرين.
قلنا هو لم يخالف الصحابة بل أخذ بكل واحد من القولين في إحدى المسألتين فصار قوله داخلا في القولين غير خارج منهما وعلى أن ابن سيرين قد عاصر الصحابة وأفتى معهم فاعتد بخلافه فيهم.
ومثال هذه المسألة مسألة الحرام وهي إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل وأحدث مسروق قولا سادسا وقال.
_________________
(١) ١ اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: لا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة مطلقا سواء كان القول الثالث رافعا لما اتفق عليه المجتهدون الأولون أم غير رافع له وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء. القول الثاني: يجوز مطلقا وإلى ذلك ذهب الظاهرية وبعض الحنفية. القول الثالث: التفصيل بين ما برفع متفقا عليه فلا يجوز وما لا يرفعه فيجوز والمختار للرازي والبيضاوي والآمدي وابن الحاجب انظر نهاية السول ٣/٢٨٦، ٢٨٧ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٨٤ المحصول ٢/٦٢ روضة الناظر ١٣١ المعتمد ٢/٥٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٥٨.
[ ١ / ٤٨٨ ]
لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد يعني أنه ليس بشيء فقال الأصحاب أن مسروقا عاصر الصحابة فاعتد بخلافه فيهم وأنا أقول هذا في مسروق صحيح وأما في ابن سيرين فبعيد لأنه وأن أدرك عصر الصحابة ﵃ فلم يكن في ذلك الوقت في عداد من يعتد بقوله يتبع قولهم بخلاف مسروق فإنه من متقدمي التابعين وأدرك زمان عمر ﵁ وما بعده كان من الفقهاء المتقدمين في عصر الصحابة وقد قال بعض أصحابنا أن ابن سيرين محجوج بقول الصحابة رضوان الله عليهم وقول من قال أنه لا ينكر عليه فلعله لم يظهر في ذلك الزمان فلهذا لم يروا الإنكار عليه ونحن ننكره ونقول قد خالف إجماع الصحابة في هذه المسألة.
وإذا أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على دليل في حكم لم يتعد وهو في المجلدة الثانية.
تم المجلد الأول بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
يتلوه الثاني أن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤٨٩ ]