ولا يعنى بهذا دخولهما عليه فى حالة واحدة لكن المراد منه أنه يصح فيه الصدق والكذب من حيث صيغته ثم يكون الصدق بدليله والكذب بدليله إلا ترى أن الإنسان إذا أخبر بخبر فلا يقال صدقت أم كذبت من حيث صيغته لأنه من حيث صيغته يستوى فيه الصدق والكذب وإنما يقال كذبت أو صدقت بدليل يدل عليه لا من صيغته وقد عدل بعضهم عن الحد الأول فقال ما يدخله الصدق أو الكذب وقال بعضهم ما لا يخلو أن يكون صدقا أو كذبا١.
والحد الأول هو المعروف وقد صح بالوجه الذى بينا فإن قيل قول القائل محمد ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب قلنا هذا الكلام يجرى مجرى خبرين أحدهما خبر عنه بصدق النبي ﷺ والآخر بصدق مسيلمة والأول حق صدق.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٧، ١١ المحصول ٢/١٠١ روضة الناظر ٨٥ الإبهاج ٢/٣١٠ المعتمد ٢/٧٣، ٧٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٠.
[ ١ / ٣٢٣ ]
والثانى كذب باطل وإذا جرى هذا الكلام مجرى خبرين أحدهما صدق والآخر كذب سقط السؤال ثم نقول قد بينا أن معنى قولنا أن الخبر يدخله الصدق والكذب هو أنه إذا قيل للمتكلم به صدقت أو كذبت لم يكن باطلا من حيث اللغة وفى هذه الصورة لا يكون الصدق أو الكذب باطلا من حيث اللغة وإنما وجه بطلانه بدليل يدل عليه فإن قال قائل ما الصدق وما الكذب قلنا الصدق هو الإخبار عن الشىء على ما هو به والكذب الإخبار عن الشىء على خلاف ما هو به وهذا حد المتكلمين والأولى أن نقول إذا كان المخبر على ما تضمنه الخبر فهو صدق وإذا كان بخلافه فهو كذب ويكفينا هذا القدر.
وإذا علمنا حد الخبر فنقول الأخبار على ثلاثة أضرب.
خبر يعلم صدقه فهو حق وخبر يعلم كذبه فهو باطل وخبر يحتمل الصدق والكذب فهو ممكن أن يكون حقا أو باطلا.
فالمعلوم صدق كالخبر ففى اجتماع الصدق والخبر نقصان الواحد من الاثنين وكالخبر ببياض العاج وسواد القار ويدخل فى هذا ما علم بضرورة العادة كالخبر بحدوث الولد عن أبوين وبطلوع الشمس من المشرق وقد يعلم الصدق بالدليل المكتسب مثل الخبر بحدوث العالم بوحدانية الصانع وبالدليل العرفى مثل قولهم الطعام مشبع والماء مروى.
وأما الخبر الذى يعلم كذبه فهو الخبر الذى يقابل الضروب التى قلناها والخبر الذى يعلم صدقه بطريق العكس وهو كالخبر باجتماع الضدين بزيادة الواحد على الاثنين إلى آخر ما ذكرناه وقد يعلم صدق الخبر وكذبه بقرائن تتصل بالخبر وذلك أن الخبر الواحد يخبر ويعمل به جميع الأمة أو يخبر الواحد بخبر ويصدقه الجم الغفير وأما القرينة الدالة على الكذب فهو أن يخبر الواحد بخبر ويعلم الأمة بخلافه أو يخبر الواحد بخبر ويكذبه الجم الغفير وفى الأول نظر وسيأتى من بعده وأما الخبر الذى يمكن أن يكون صدقا أو يكون كذبا فهو كالإخبار بلقاء زيد أو بكلام عمرو وكذلك الإخبار بخصب السنة وحدها والإخبار بموت فلان وبحياته وبصحته ومرضه وغناه وفقره وأمثال هذا تكثر ثم اعلم أن الخبر صيغته موضوعة فى اللغة يدلك على ما وضعت له وقالت الأشعرية لا صيغة له مثل ما لا صيغة للأمر والنهى والعموم والخصوص وقد فرق بعضهم بين الخبر وغيره وجعل للخبر صيغة والدليل عليهم أن لم يجعلوا له صيغة ما ذكرناه من قبل فلا مقيد ثم اعلم أن الخبر ضربان متواتر وآحاد فللآحاد باب مفرد.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأما المتواتر فكل خبر علم مخبره ضرورة١ وقد فرق بعضهم بين أخبار الاستفاضة وأخبار التواتر وزعم أن أخبار الاستفاضة ما تبدوا منتشرة ويكون انتشارها فى أولها مثل انتشارها فى آخرها وأخبار التواتر ابتدا به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا عددا ينتفى عن مثلهم المواطأة معه والأصح أن لا فرق لأن من حيث اللسان كلاهما واحد وهذا الفرق لا يعرفه أحد من أهل اللسان.
وأما شروط التواتر فأشياء:
منها: أن يعلم المخبرون ما أخبروا به عن ضرورة أما بعلم الحس من سماع أو مشاهدة وأما بأخبار متواترة فإن وصل إليهم بخبر الواحد لم يصح منهم التواتر.
والثانى: أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم والتواطؤ عليه لأنا لو جوزنا أن يشتركوا فى الخبر اتفاقا أو متواطىء أو تراسل لم تأمن أن يكونوا كذبوا فى الخبر وقد عبروا بما قلناه وهو أن الشرط أن يكون شواهد أحوالهم تنفى عن مثلهم المواطأة والغلط.
والشرط الثالث: أن يتفقوا على الخبر من حيث المعنى وأن اختلفوا فى العبارة فإن اختلفوا فى المعنى بطل تواترهم.
الشرط الرابع أن يستوى طرفاه ووسطه فيؤدى العدد الذى ذكرناه عن مثله إلى أن يصل بالمخبر عنه.
وممكن أن يختصر هذا كله فيقال الشرط أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها التواطؤ على الكذب ويكونوا بما أخبروا به مضطربين٢ وهذا كاف ثم اعلم أنه ليس فى عدد المخبرين فى التواتر حصر وعدد معلوم لا يزاد عليه وإنما الشرط ما ذكرناه وإنما لم.
_________________
(١) ١ اعلم أن جمهور الأصوليين على ان الخبر المتواتر يفيد العلم بمضمونه مطلقا سواء كان موجدا في الماضي أو في الحال. وقالت السمنية والبراهمة لا يفيد الحكم بمضمونه مطلقا وفصل جماعة فقالوا: إن كان مضمونه ماضيا فلا يفيد العلم به وإن كان موجودا في الحال أفاده انظر نهاية السول ٣/٦٢، ٦٤ انظر المحصول ٢/١٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٠، ٢١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٣. ٢ انظر نهاية السول ٣/٨٢، ٨٣، ٨٤ وإحكام الأحكام ٢/٣٧ المحصول ٢/١٢٩ البرهان ١/٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٥، ١٠٦.
[ ١ / ٣٢٥ ]
يصدر العدد ليكون أنفى للريبة وأبعد من التصنع لأنه قد ينتفى الارتياب عن عدد ويثبت بهم التواتر ولا ينتفى عن عدد هو أكثر فلا يثبت بهم التواتر وهذا لأن ما يدل عليه من شواهد أحوالهم مختلف فامتنع به حصر عدده وليس فيه نص مشروع١.
وقد ذكر بعض أصحابنا أن الشاهد الحال قد يقترن بخبر الواحد فيوجب العلم وذلك إذا وجدنا رجلا كبيرا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المرويات حاصيا حاسرا رأسه شاقا جبينه وهو يدعو بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده ونقطع أنه لم يطرأ عليه عته ولا خبل وشهدت الجنازة وترى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فبهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بأخباره تضمنت العلم بصدقه وقد يوجد الكذب من الجم الغفير إذا ضمنهم حالة توجب اقتضاء الكذب وقد يقع التواطؤ على الكذب من الحد الكثير مكيدة بقصدهم بيانا وشر عادة.
والذى ذكرناه من قبل وهو أن الشرط أن يكون فى شواهد أحوالهم ما ينفى عنهم تهمة التواطؤ والكذب بدفع هذه التصويرات والمشهور من الأصحاب أنه لابد من عدد على الوصف الذى ذكرنا وقد تكلم الأصحاب فيما لا يثبت به التواتر من العدد فذهب أكثر أصحاب الشافعى ﵀ إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة فما زاد فعلى هذا لا يوجد أن يتواتر بأربعة لأنه عدد معتبر فى الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم.
قال الإصطخرى لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة وأن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد والعشرة فما زاد جمع الكثرة وقال قوم من غير أصحاب الشافعى أقل ما يتواتر به الخبر اثنى عشر لأنهم عدد النقباء لبنى إسرائيل قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقال قوم لا تواتر بأقل من عشرين لذكر الله تعالى لهذا العدد فى عدد الصابرين فى القتال قال الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وقال قوم لا تواتر بأقل من أربعين لأنه عدد نصاب الجمعة وقال قوم لا تواتر بأقل من سبعين لأنه العدد الذى اختاره موسى ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
_________________
(١) ١ نهاية السول ٣/٨٤ إحكام الأحكام ٢/٣٨ المحصول ٢/١٢٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٥.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقال قوم لا تواتر بأقل من ثلثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر١ وهذه الأقاويل التى حكيناها عن غير الأصحاب ليست بشيء وليست بمستندة إلى أصل يعلم وخللها بين والاعتلال فيها مضطرب فلا معنى للالتفات إلى شىء من ذلك والذى ذكره أصحابنا من القولين أمثل الأقاويل والأولى أن لا يقع الالتفات إلى عدد ما سوى أنه كان يعتبر أن يكون أكثر من أربعة لما ذكره الأصحاب وإن قيل أن هذا العدد لا يعتبر أيضا لكن يعتبر وجود العلم بخبر المخبر لما يتصل به من شاهد الحال فيه صحيح أيضا على ما سبق بيانه والأحسن ما قاله أكثر الأصحاب.
مسألة الخبر المتواتر يفيد العلم عند جماعة العلماء
وعند بعض الناس أنه لا يفيد العلم وقد نسب ذلك إلى البراهمة والسمنية وهذا الخلاف خلاف لا يعتد به لأنه من قبل إنكار المحسوس وهو مثل خلاف السفسطائية فى رفع المحسوسات وتصور صورا ليزول الإشكال فنقول أن رجلا لو اعترض الناس وهم منصرفون من الجمعة فجعل الواحد والاثنان والجماعة يخبرون أن الناس قد صلوا الجمعة وتكاثر عليه هذا الخبر حتى أخبره الفوج بعد الفوج وخرج الأمر عن الحصر والعدد ولم ير أحدا منهم مخالف فى ذلك فإن السامع يجد فى نفسه وقوع العلم له فصلاتهم الجمعة بحيث لا يتخالجه شك ولا يدخله ريب ويجد قلبه ساكنا إلى ذلك وكذلك من دخل بلدا فاسترشد هذا إلى دار الوالى أو منزل الحاكم فأرشده الواحد بعد الواحد وذكروا أن سلوك هذا الطريق يفضى إلى داره وتواتر منهم ولم ير أحدا يخالفهم فى ذلك فإنه يقع العلم بقولهم ويعرف قطعا أنه إذا سلك هذا الطريق وصل إلى مقصوده وأصاب غرضه وكذلك لو أن رجلا يرى صبيا وسمع الناس يقولون أن والده فلان وقد مات عنه وتواتر له هذا الخبر من جيرته وعشيرته وسائر أقربائه ورآهم يخبرون بذلك فى السر والعلانية وحالتى الرضا والغضب ولا ينكر ذلك منكر ولا يخالفهم مخالف ودام الزمان على ذلك فإنه يجد نفسه ساكنا إلى قولهم معتقدا صحة ما أخبروه به من أمر هذا الصبى وهذا مما لا ينكره أحد له أدنى مسكة من عقل أو شمة من لب وقد استدلوا أيضا بوقوع العلم لنا بوجود البلدان النائية القرون الماضية والملوك السالفة.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٣/٨٥، ٨٦ البرهان ١/٥٦٩، ٥٧٠ المحصول ٢/١٣٢، ١٣٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٩.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وسائر ما يجرى هذا المجرى وليس يدخل على هذا ما يجد الناس الكثير من اجتماعهم على اعتقاد أو مذهب ولا يدل ذلك على أنهم محقون لأنا بينا أن شرط وقوع العلم بالخبر المتواتر أن يكون صدره فى الابتداء عن ضرورة وأمر محسوس بالسمع أو النقل وهذا لا يوجد فى هذا الموضوع وعلى أن نقول أن اجتمعوا على حق فيجوز ويكون الذى حمى الاجتماع دليل الحق لأنهم مع اختلاف طباعهم وتباين هممهم يجوز أن يصرف دليل الحق إلى اعتقاد الحق وأما إذا كان ذلك النبأ باطلا فلا بد من دخول الاختلاف بينهم وعدم الائتلاف منهم ولم يوجد اتفاق كل الناس على الباطل أبدا بحال ثم نقول بأن الخبر مخالف لباب الرأى والاعتقاد لأن الخبر صدره عن الحس والمشاهدة والغلط لا يعرض فيها فإذا وجدناهم متفقين على الخبر لم نجد موضعا للارتياب بهم وتوهم الغلط عليهم وأن قلتم يجوز أنهم اتفقوا وتواطئوا على الكذب نقول أن الكلام فى الجماعة التى لا يتصور منهم التواطؤ والاتفاق على الخطأ وأما اعتقاد المذاهب فضلت عن الرأى والاجتهاد والغلط قد تعرض فيه على حسب غموض الأمر ودقة مستدله إلا ترى أن الجماعة من المتناولين يجوزون الخطأ على أنفسهم فيما اعتقدوه والجماعة من المخبرين لا يجوزون على أنفسهم الخطأ فيما أخبروه عن شاهدتهم فإن اختلاف الأمرين كان قبل هذا الذى قلتم موجود فى إجماع الأمة فلا تجعلوه إذا حجة وقد قلتم أنه حجة قاطعة موجبة العلم قلنا إنما كان كذلك لأن هذه الأمة قد خصت بالعصمة عند الإجماع على الشىء وقد دل على ذلك حجة السمع ولولا ذلك لم يفرق بينكم وبين سائر الأمم فإن قيل أن الجماعة الذين ذكرتهم وأن جم عددهم وكثرت أشخاصهم فإنهم فى أنفسهم آحاد يجوز على كل واحد منهم فى حالة الاجتماع ما يجوز فى حالة الانفراد إذ الانفراد والاجتماع أغراض لا تؤثر فى نفس الطباع ولا يغيرها عما هى عليه فإذا جاز الكذب على كل واحد منهم منفردين جاز الكذب على كل واحد منهم مجتمعين.
الجواب إنما قلتموه غلط لأن الذى حلت عليه الكثرة فى اختلاف الطباع وتباين الهمم واختلاف الدواعى لا يمكنهم فى جارى العادات من الاجتماع والتواطؤ على وجه واحد من التقول والتكذب ولا يخلى بينهم وبينه كما لا يمكنهم من الاجتماع مهنة واحدة من المهن على صناعة واحدة من الصناعات وليس كل ما صح يجوز على كل أحد من الجماعة عند الانفراد يجوز على جماعتهم إلا ترى أن الواحد يجوز أن يقتل.
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولده أو يشوه وجهه ولا يجوز ذلك على جماعتهم وهو أن يتفقوا عليه وكذلك استعمال شىء واحد والمشى فى طريق واحد والاجتماع على صنعة واحدة وأمثال هذا تكثر وبهذا الطريق نجيب عن قولهم أن الخبر الذى وجد من الجماعة هو الذى وجد من الواحد فلو كان وجود من الجماعة يفيد العلم لكان وجوده من الواحد يوجب العلم ونقول يجوز أن يوجد من الواحد شىء ولا يجوز وجوده من الجماعة مثل ما بينا وعلى أنا دللنا على وجود العلم بل نقطع بوجوده لكل أحد عند الخبر المتواتر فكيف يحكم به وفاته مثل هذه الشبهة.
فإن قيل إذا جاز اجتماعهم على الصدق وهو رأى اختاروه له لا يجوز اجتماعهم على الكذب وهو نظيره قلنا إنما افترقا لأن حسن الصدق داع إلى نفسه وأسبابه مرغبة فيه وذاته تحرك عليه ما فيه غنية من جميع الأحدوثة ونيل المنزلة العلية عند الناس وأما الكذب فعينه منفرة عنه وقبحه مزهد فيه ولأن فيه من قبح الأحدوثة وخمول الذكر وسقوط المنزلة عند الناس ما يمنع من ارتكابه إلا لغرض يدعوا إليه فأسباب الصدق يجوز أن تجتمع فى الجماعة فتصور إلفافهم عليه فإن قيل هذا الأصل الذى قلتم يقتضى أن صدق اليهود فى دعاويهم قتل المسيح ﵇ فإنهم جماعة لا يجوز أن يتواطئوا على الكذب ببينة أن النصارى وافقوهم وعددهم لا يخفى كثرة ووفورا وكذلك المجوس مطبقون فى الخبر عن زرادشت ونبوته وإيراده المعجزات فى زمانه.
الجواب أما أمر عيسى والخبر عن قتله لم يوجد فيه الإطباق ولم يحصل عليه منهم الاتفاق فإن العيسوية وهم فرقة كبيرة من النصارى يزعمون أن عيسى ﵇ لم يقتل بل رفعه الله إليه ولا يعتقدون التثليث ونصارى الحبشة على هذا وزعم هؤلاء أن محمد ﷺ رسول مبعوث إلى العرب خاصة وفى اليهود من يقول: هذا الأخير ثم قد قالوا: أن خبر قتل عيسى من النصارى أيوجد فيه شرط التواتر لأنا بينا أن شرط التواتر أن يستوى طرفاه وواسطته وقد قيل أن خبر قتله مسند إلى أربعة نفر هم يوحنا ومتى ولوقا ومرقص وذكر أهل العناية بالأخبار أن عيسى ﵇ كان بأرض عربية وكان أصحابه مطلوبين خائفين عليه وعلى أنفسهم فلما وقعت الصحة وقيل أنه قد قتل جل أصحابه على خفية واستتار ونظروا إلى شخص مصلوب مقتول وهم على حال وجل ورعب توهموا أن ما سمعوه حق فأفاضوا الخبر بذلك وأشاعوا فى أصحابهم وأشياعهم وأما خبر اليهود فإن أصل الخبر عنهم فى قتله أوهى ما ضعف من خبر النصارى وذلك.
[ ١ / ٣٢٩ ]
لأنهم كانوا يطلبون عيسى ﵇ يريدون قتله وهم لا يعرفونه بحلته وإنما جعلوا لرجل منهم جعلا فدلهم على شخص فى بيت فهجموا عليه وقتلوه وزعموا أنهم قتلوا عيسى ﵇ وأشاعوا الخبر وإذا كان مخرج الخبر به اعتورته هذه الآفات كان معدوم شرائط الصحة غير موثوق به وقد أخبر الله تعالى فى كتابه بالحماية من شرطه وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] فوجب الأخذ بهذا ونزل ما زعموه للآفات التى عرضت عليه فيه وأما ما يدعيه المجوس من نبوة زرادشت فإن الخبر فى ذلك لم يصدر عن جماعة وجد فيهم شرط الأخبار المتواترة فإن الوارد فى خبره أنه خرج فى زمن ملك كان يسمى بشتاين وآمن به الملك وأمر الناس بالإيمان به وزعم أنه أراه المعجزات الدالة على صدقه فصدقوه على ذلك رغبة ورهبة وآمنوا به وتابعوه ثم نقول أن الدين الذى دعا إليه زرادشت وما فى مردودهما مذهب قد بلغ فساده بالدلائل القطعية وهو فى نفسه قول متناقض فإن أصل مذهبهما هو القول بالأصل من النور والظلمة أو نرد ظاهر مرد هذا طريق بين الفساد ظاهر الأشخاص والانحلال فصارا كذابين لعينين ولا يجوز أن يظهر الله تعالى المعجزات على يدى الكذابين عليه فبهذا الطريق عرفنا أن تلك الأخبار عن أولئك القوم باطلة وإذا ثبت لنا أن خبر التواتر يفيد العلم فهو يفيد العلم الضرورى وعنده أنه القسم الحسى يفيد العلم الكسبى والكلام معه يرجع إلى معرفة العلم الضرورى وهو العلم الذى لا يخالجه شك ولا يدخله ريب ولا يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بوجه ما وهذا المعنى موجود فى العلم الحأصل بخبر التواتر كما هو موجود فى العلم الحأصل بالعيان وقد ذكر المتكلمون فى هذه المسألة كلاما كثيرا إلا أن مرجعه إلى أصول الكلام فتركنا ذلك غناء عنه واقتصرنا على القدر الذى يحتاج إليه الفقهاء.
واعلم أن الأصوليين من أصحابنا قد قسموا التواتر إلى قسمين فقالوا:.
أحد قسمى التواتر ما يرجع إلى عين الشىء.
والقسم الثانى ما يرجع إلى معناه دون عينه١.
_________________
(١) ١ اعلم وفقك الله أن المتواتر ينقسم قسمين: أولا: متواتر لفظي: هو خبر جماعة يفيد العلم بنفسه بمخبره مع اتحاد المخبر به في اللفظ مثل أن ينقل جماعة يستحيل تواظؤهم على الكذب قوله ﵇ "إنما الأعمال بالنياب وإنما لكل امرئ ما نوى"=
[ ١ / ٣٣٠ ]
فالأول معلوم وهو مثل ما سبق ذكره فى مواضع.
وأما الثانى فهو الخبر عن جود حاتم وشجاعة على ﵁ وأمثاله وحلم الأحنف وذويه فإن يروى نفر من سخاوة حاتم أنه وهب لرجل عشرة أعبد ويروى آخر أنه وهب لرجل مائة شاة ويروى آخر أنه وهب لإنسان فرسا ويروى آخر أنه نحر بعيره وقرى أضيافه ويروى آخر أنه أوهب ماله فيقع لنا العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا سخيا وكذلك الأمر فى شجاعة على ﵁ فإنه يروى واحد أنه قتل يوم بدر وليد بن عقبة وجماعة ويروى آخر أنه قتل يوم أحد فلانا ويروى آخر أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود وقتله ويروى آخر أنه قتل يوم حنين فلانا اليهودى فيقع العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا شجاعا وكذلك فى حلم الأحنف وما أشبه ذلك وعلى هذا الوجه يقع العلم لنا أن النبي ﷺ قد أقام المعجزة فإنه روى نفر أن النبي ﷺ نبع الماء من بين أصابعه وروى نفر أنه ﵇ لما انتقل من الجذع إلى المنبر حن الجذع كحنين الناقة وروى نفر أنه أشبع الجماعة الكثيرة بالطعام اليسير وروى آخر أنه دعا شجرة فأتته وروى آخر أنه سبح الحصى فى يده وسمع ذلك وروى آخر أنه أشار إلى القمر فانشق إلى أمثال هذا فيقع العلم القطعى لنا بمجموع هذه الأخبار أنه أقام المعجزة على صدق نبوته وكان المعنى فى كل هذا أنه لا يجوز أن يقع من الجماعة الكبيرة التواطؤ على وقوع مثل هذا وقد نقلوا ذلك فى أزمنة مختلفة وأحوال متباينة ومعنى التواتر أنه وأن عدم التواتر فى أعيان آحادها فقد وجد التواتر فى معناها إذا كانت هذه الأخبار على اختلافها بحصرها معنى واحد فصار كأنهم نقلوا جميعا ذلك المعنى وأجمعوا على الخبر عنه وهؤلاء الذين أخبروا هذه الأشياء بمجموعهم لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب والتحق بورود الخبر المتواتر على الشىء لعينه واعلم أن مثل هذا الطريق رد على الرافضة ما زعموا من نص الرسول ﷺ على إمامة على ﵁ فإنهم زعموا أن النبي ﷺ نص عليه على رءوس الأشهاد ومشهد من جميع أصحابه.
_________________
(١) = ثانيا: المتواتر المعنوي: هو نقل العدد الذي تحيل العادة تواظؤهم على الكذب وقائع مختلفة على قدر مشترك بين الجميع مثل أن يخبر واحد حاتما أعطى دينارا والآخر يخبر بأنه أعطى جملا والثالث يخبر بأنه أعطى شاة وهلم جرا حتى بلغ عدد المخبرين حد التواتر فيقطع بثبوته القدر المشترك لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار والقدر المشترك هو الإعطاء انظر نهاية السول ٣/٨٧ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
ونص لهم عليه وقال هو الإمام من بعدى ثم إنهم جميعا كتموه وهذا محال من الكلام ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير اختلاف طباعهم وتباين أهوائهم وتردد الدواعى منهم إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلى ومن دخل فى مثل هذا فقد كفى خصمه مؤنة والمسألة من باب أصول الدين وليست من باب أصول الفقه فتركنا الإطناب فى ذلك والله الموفق للصواب والهادى إلى الرشاد بمنه وعميم طوله.
ونتكلم الآن فى أخبار الآحاد فنقول:
أخبار الآحاد ما أخبر به الواحد والعدد القليل الذى لا يجوز عليهم المواطأة على الكذب١.
وهى على ثلاثة أضرب.
أحدها: أخبار المعاملات.
والثانى: أخبار الشهادات.
والثالث: أخبار السنن والديانات.
فأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبر المخبر فتقبل من كل راو فاجر ومسلم وكافر وحر وعبد فإذا قال الواحد منهم هذه هدية فلان إليك أو هذه الجارية وهبها فلان لك أو كنت أمرته بشراء جارية فاشتراها لك جاز للمخبر قبول قوله إذا وقع فى نفسه صدقه ويحل له الاستمتاع بالجارية والتصرف فى الهدية وكذلك إذا قال أذن فلان لك فى دخول داره وأكل طعامه جاز له دخول داره وأكل طعامه وهذا شىء متعارف عليه فى جميع الأعصار ومن غير تكبر وهو المعتاد والمتعارف بين الناس وقد ألحق بعض أصحابنا الصبى بمن ذكرناه طردا للعرف فإن العرف فى مثل هذا العرف فيما سبق وهذا هو الأصح.
وأما أخبار الشهادات٢ فشرطها وعددها معلوم فى الشرع ولا حاجة إلى ذكر ذلك وأما أخبار السنن والديانات فاعلم أن خبر الواحد فيها قد يوجب العلم فى مواضع منها أن يحكى الرجل بحضرة النبي ﷺ شيئا ويدعى علمه فلا ينكر عليه فنقطع بصدق.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٣/١٠٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٤٨ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩. ٢ انظر نهاية السول ٣/١٠٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
المخبر ويقع العلم بخبره ومنها أن يحكى الرجل بحضرة جماعة كثيرة ويدعى علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه وعندى أن من شرط هذا أن التمادى على ذلك الزمان الطويل ثم لا يظهر من ذلك القول حد ينكره لأنه بدون هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرض ويجوز أن يكون لهيبة له أو لوجل منه فأما إذا مر على ذلك الزمان الطويل فلا يتصور السكوت عن الإنكار من كل القوم مع اختلاف الطباع وتباين الهمم وكثرة الدواعى من كل وجه ومنها خبر الواحد الذى تلقته الأمة بالقبول وعملوا به لأجله فيقطع بصدقه وسواء فى ذلك عمل الكل به أو عمل البعض وتأوله البعض ومثال هذه الأخبار خبر حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وخبر عبد الرحمن بن عوف فى أخذ الجزية من المجوس وخبر أبى هريرة فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وقالت هذه الأخبار وهى كثرة وقد ألحق بعضهم بهذا أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد شاهدها كثير من الناس ثم يرويه واحد أو اثنان ويسمع بروايته من شهد الحال فلا ينكره فيدل ترك إنكارهم له على صدقه لأنه ليس فى جارى العادة إمساكهم جميعا عن رد الكذب وترك إنكاره إلا ترى أنه لو انكفى عن الجامع من حضرة الصلاة فأخبر أحدهم بفتنة وقعت فيه فأمسكوا عن تكذيبه علم صدقه فى خبره قال وعلى هذا ورد أكثر معجزات الرسول ﷺ وأكثر أحواله فى مغازيه وأكثر ما ورد به السنن المشهورة وهذا وجه حسن جدا ولا بد أن يكون ملحقا بما قدمنا.
وأما ما سوى هذا من أخبار الآحاد فالكلام فيها يشتمل على شيئين.
أحدهما فيما يتعلق بالعلم.
والآخر فيما يتعلق بالعمل.
أما العلم فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يوجب العلم وذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن الأخبار التى حكم أهل الصنعة بصحتها ورواها الأثبات الثقات موجبة للعلم١ وقد ذكرنا حجتهم على هذا فى كتاب الانتصار وذهب داود إلى أنها توجب علما استدلاليا لأن التعبد باستعمالها موجب لحدوث العلم بها استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وبقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] فدلت هاتان الآيتان أنه إذا أوجب العمل ثبت العلم.
وذهب النظام إلى أن خبر الواحد يوجب العلم إذا اقترن به الشك وذلك إذا خرج.
_________________
(١) ١ المحصول ٢/١٧٢ البرهان ١/٥٩٩ إحكام الأحكام ٢/٤٩، ٥٠.
[ ١ / ٣٣٣ ]
الرجل من داره مخرق الثياب حافيا حاسرا يدعو بالويل وأخبر أن والده مات قال يقع العلم لكل من سمع منه بذلك قال وكذلك إذا أقر على نفسه بما يوجب القتل أو القطع.
وأما حجة من قال أنه لا يوجب العلم هو أن الخبر الواحد لو اقتضى العلم لاقتضاه كل خبر واحد كما أن الخبر المتواتر لما اقتضى العلم اقتضاه كل خبر متواتر والمعتمد أن الشك والتجوز يعترض فى خبر الواحد ما لا يعترض فى خبر المتواتر وما يعترض فيه الشك لا يوجب العلم الذى يوجبه ما لا يعترض فيه للشك ولأنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما لزم مدعى النبوة إظهار الأعلام الدالة على صدقه ولجاز الاقتصار على قبول قوله ولو اقتصر على قوله لما وقع فرق بين النبى والمتنبى ولأفضى ذلك إلى إبطال النبوات وهذا الرجوع إلى الدليل الأول واحتج عامة المتكلمين على النظام وقالوا: ليس يخلو العلم الواقع عند الخبر على ما قاله النظام أما أن يكون سببه القرينة وحدها أو القرينة بشرط الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط القرينة والقسمان الأولان باطلان لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول له هو الخبر فلم يجز أن يكون المفيد للعلم هو القرينة وهى غير متناولة للخبر ولا يجوز أن يكون الخبر وحده هو المقتضى للعلم لأنه لو كان كذلك لاقتضاه إذا تجرد عن القرينة ولا يجوز أن يقتضيه الخبر بشرط القرينة لأن اعتقادنا عند رؤية القرينة مع فقد الخبر مثل اعتقادنا وأن اتصل به الخبر وبيان هذا إذا رأينا الرجل مشقوق الجيب يدعو بالويل أو سمعنا الداعية من دار وقد علمنا أن فى الدار مريضا فاعتقدنا مصاب الرجل فى الصورة الأولى وموت المريض فى الصورة الثانية قبل أن يخبر مخبر بموت المريض أو يخبر الرجل بمصابه مثل اعتقادنا أن لو أخبر ثم لا علم قبل الخبر كذا بعد الخبر فإن قال المخالف إذا اتصل الخبر بالقرينة فلا بد من وجود زيادة قلنا يجوز أن يقال أنه يحصل به زيادة قوة الاعتقاد فأما أن يفيد شيئا آخر لم يكن حأصلا له من قبل فهذا لا يكون وعلى أنه يجوز أن يكون المراد بخبره وإظهار القرينة تحصيل غرض له لأنه يريد أن يوهم بعض من يخاف موته أو يظهر أنه أصيب بمصيبة لغرض له قال القاضى أبو الطيب وقد وقع مثل هذا بخوارزم مع القاضى الكعنبى قال قد وقع أيضا بالبصرة واعلم أنه يجوز أن تنتفى دلائل الكذب فى خبر الواحد على الجملة نحو أن يكون الرجل متحفظا عن الكذب نافرا منه ويعلم من حاله بذلك ويحوز أن يكون رسولا من سلطان ويذكر أن السلطان يأمر الجيش بالخروج إليه ويعرف أن السلطان يعاقبه أن كذب ويجوز أن يخبر الإنسان بشعر بلد.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ويكون الإنسان ذا مرة مصرفه عن الكذب ولا يكون لداعى الكذاب فى ذلك داع ويجوز أن يكون الإنسان مهتما بأمر من الأمور بمنشأ فلان فيسأل عن خبر فيخبره عنه فى الحال فيعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه إلى الكذب داع وهذه وجوه تدل على الصدق وهو من الاستدلال على الشىء بإبطال يقتضيه ولكن مع كل لا ينتفى توهم الكذب ويمكن تصور الكذب فى هذه الصور كلها بوجوه من الأغراض وعوارض توجب صرف الإنسان عن الصدق إلى الكذب فلم يخبر أن يحكم بكون الخبر مفيد للعلم وإذا اقترنت به هذه القرائن ووجد على هذه الأحوال فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة.
وأما الكلام فيما يتعلق بالعمل الذى يثنى على خبر الواحد [] ١ مذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء أن خبر الواحد يوجب العمل فقد تعبد به الشرع وليس فى العقل ما يمنع من التعبد به وذهبت طائفة إلى منع التعبد بأخبار الآحاد واختلفوا فى المانع من التعبد به فقال بعضهم يمنع منه العقل وذكر بعضهم أنه قول ابن علية والأصم وقال القاشانى من أهل الظاهر والشيعة يمنع من التعبد بها الشرع وأن كان جاز فى العقل٢ فى هذه مسألة يكثر الكلام فيها على أن تذكر المعتمد من الجانبين ونزع الشبهة المذكورة من المختلفين بتوفيق الله تعالى والحجج من منع التعبد بها عقلا وقالوا: لو جاز أن يكون علمنا بما أخبرنا به الواحد عن النبي ﷺ وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا وجب العمل به وجب أن يكون إذا أخبر الواحد عن الله تعالى وذكر أنه رسول منه وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا أيضا ويجب علينا العمل به وأما الفرق أن يكون المخبر عن الله تعالى بلا واسطة أو واسطة نبى قالوا: فنقول مخبر عن شرع من الله عز
_________________
(١) ١ في المخطوطة بياض بمقدار كلمة أو كلمتين. ٢ اختلف العلماء في العمل بأخبار الآحاد على خمسة مذاهب: أحدها: التعبد بخبر الواحد محال عقلا وهو مذهب الجبائي وجماعة من المتكلمين. الثاني: التعبد به جائز عقلا ولكنه لا يجب العمل به شرعا لقيام الدليل على عدم الوجوب. الثالث: التعبد به جائز عقلا وواجب شرعا فقط وهو مذهب الجهور ومنهم البيضاوي. الرابع: التعبد به جائز عقلا ولكنه لا يجب العمل به شرعا لأنه لا دليل على الوجوب. الخامس: التعبد به جائز عقلا ويدب العمل به للدليل العقلي والشرعي معا وهو مذهب أحمد بن حنبل "وابن سريج" والقفال الشاشي وأبي الحسين البصري انظر نهاية السول ٣/١٠٦ المحصول ٢/١٧٠ البرهان ١/٥٩٩ إحكام الأحكام ٢/٦٨ روضة الناظر ٩٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وجل فلا يجب علينا قبوله عملا بمجرد غلبة الظن فى صدقه دليله إذا أخبر بواسطة دعوى الرسالة وقالوا: أيضا لو جاز التعبد بها بأخبار الآحاد فى الفروع لجاز التعبد بها فى الأصول وذلك فى صفات الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز فحين لم يجز فى الأصول كذلك فى الفروع وقالوا: أيضا لو جاز التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع جاز التعبد بها فى نقل القرآن ببينة أنه لما لم يجز فى نقل قول الله تعالى لم يجز فى نقل قول الرسول ﵇ والحرف المشكل لهم هو أن الشرعيات مصالح والواحد يجوز أن يكذب فيما يخبر به من فعل أو ترك فعل فإذا كان يجوز أن يكذب لم نأمن أن يكون ما تضمنه بخبره مفسدة وربما يعبرون عن هذا فيقولون لما لم يؤمن كون الخبر كذبا لم نأمن كون المخبر به مفسدة وإذا لم نأمن كونه مفسدة فالعقل يمنع منه حتى لا نكون عاملين بما يجوز أن يكون مفسدة لنا هذه شبهة القوم واحتج من قال أن الشرع يمنع من التعبد به بقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وبقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون البقرة ١٦٩ وبقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال والعمل بالخبر الواحد اتفاقا ليس لنا به علم وشهادة به وقول بما لا نعلم لأن العمل بالخبر الواحد مستند إلى الظن لا إلى العلم وتعلقوا أيضا بقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] قدم من اتبع الظن وبين أنه لا غنى له فى الحق فكان على عمومه فى كل موضع وهذا الموضع الذى اختلفنا فيه من جملته وذكر بعضهم أنا إذا لم نقبل خبر الرسول ﵇ إلا بدليل يقترن به يدل على صدقه من إقامة المعجز فأولى أن لا نقبل من غيره لمجرد خبره وقوله وهذا الدليل يقرب من الدليل الأول وأما دليلنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] والتبليغ يكون بحسب الإمكان لأن الله ﷿ لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر ومعلوم أنه لم يكن فى وسع الرسول لقاء الناس كلهم والمصير إليهم فى بلادهم ولم يكن فى عمره من المهلة والتنفس ما يفى بخطابه آخر من يكون من أمته ولا كان أيضا فى وسع جميع الناس أن يصيروا إلى حضرته ولا أيضا كان فى الوسع أن يصير إليه من كل قبيلة من العدد ما يقع العلم بخبرهم فيبلغوا عنه بقية من لم يصل إليه لأن ذلك يشق عليهم ويغير معايشهم ويؤدى إلى الجلاء عن أوطانهم ومثل هذا لا يجوز أن يرد به خطاب الشرع لأن الله تعالى رفع مثل هذا عن أمته رحمة منه لهم وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
[ ١ / ٣٣٦ ]
مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فثبت بمجموع ما بينا أن التبليغ واجب بحسب الإمكان وليس ما ذكرناه من الإمكان وكان النبي ﷺ يباشر التبليغ بحسب الإمكان فكان تبليغ الحاضر خطابا ويبلغ الغائب خبرا على لسان من بحضرته من واحد وجماعة ليبلغوا عنه ويؤدونه إلى من ورائهم فيقع به التبليغ وتقوم به الحجة وكذلك قال ﵇: "ألا هل بلغت" ١ وقال ﵇: "ليبلغ الشاهد الغائب" ٢.
وبيان أنه كذلك وأنه كان يفعل ما ذكرنا ما اشتهر عنه فى أخباره من بعثه الرسل إلى النواحى والأطراف وإلى الملوك ليبلغوا عنه ويبينوا للناس أمر الدين وليعلموهم أحكام الشريعة كتوجيه معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى أهل مكة وعثمان بن أبى العاص إلى الطائف وبعث الرسل إلى ملوك الأرض دحية إلى قيصر وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى وعمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وإلى هوذة بن على الحنفى وغيرهم وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقم الحجة عليهم ولم يذكر فى موضع أنه بعث فى الوجه الواحد عددا يبلغون حد التواتر ولم يكن النبي ﷺ ليبعث بما يقع به البلاغ وتقوم به الحجة فعلى هذا جرت عادته ﷺ وقد كان أيضا يبعث الجواسيس والعيون إلى أرض العدو ويقتصر على الواحد فى البعثة ويعتمد على قوله وأمثال هذا تكثر وليس يخفى على العلماء المبرزين نعم تخفى على الجهال ومن لم يقف على أحوال الرسول ﷺ وأخذ العلم من ورا وراء فتبين بمجموع هذا أن الخبر من الواحد موجب العمل مثل ما يوجب الخبر من العدد الكثير وهذا الدليل دليل قطعى لا يبقى لأحد معه عذر فى المخالفة.
ويدل على ما ذكرناه إجماع الصحابة ﵃ فإنه من المشهور عنهم أنهم قبلوا أخبار الآحاد فى الشرعيات واستعملوها وذلك مثل قبول أبى بكر الصديق ﵁ خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى توريث الجدة السدس٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري العلم ١/٢٤٠ ح ١٠٥ ومسلم القسامة ٣/١٣٠٥ ح ٢٩/١٦٧٩. ٢ تقدم تخريجه. ٣ أخرجه أبو داود الفرائض ٣/١٢١ ح ٢٨٩٤ والترمذي الفرائض ٤/٤١٩ ٢١٠٠، ٢١٠١ وابن ماجه الفرائض ٢/٩٠٩ ح ٢٧٢٤.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقبول الصحابة عن أبى بكر ﵁ خبره عن النبي ﷺ: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ١ ولقبول عمر ﵁ خبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ فى أخذ الجزية من المجوس٢ وخبر الضحاك بن سفيان فى توريث المرأة من دية زوجها٣ وخبر حمل بن مالك بن النابغة فى دية الجنين وكقبوله خبر أبى موسى وأبى سعيد فى الاستئذان وعن على ﵁ أنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعنى الله به ما شاء أن ينفعنى فإذا حدثنى عنه غيره استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه٤ وسأل على المقداد ﵄ أن يسأل النبي ﷺ عن أمور فلما أخبره عن النبي ﷺ وقبل ابن مسعود رواية معقل بن سنان الأشجعى فى قصة بروع بنت واشق وسر بذلك ورجع ابن عمر ﵄ عن المخابرة برواية رافع بن خديج وترك ابن عباس ﵄ مذهبه فى الصرف بخبر أبى سعيد الخدرى.
وأمثال هذا تكثر وهذه أمور مشهورة والشهرة فيها قامت مقام الرواية المستفيضة فمن خالف هذا فقد خالف جملة الصحابة ورام الطعن عليهم وترك القول بأخبار الآحاد ويقع الملحدين إلى إبطال كثير من أحكام الدين إلى الطعن فى السلف الصالح وهذا دليل هذا فإن قالوا: أليس [أن عمر ﵁] ٥ قال فى حديث فاطمة بنت قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة٦ وقال على فى حديث بروع بنت واشق: "ما أصنع بقول أعرابى بوال على عقبيه" قلنا ليس هذا بقادح فيما علمناه لأن عمر إنما أنكر مخالفة الكتاب وذلك فى السكنى فإن الكتاب دال على إيجاب السكنى والنبى ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٧ ح ٦٧٢٦ ومسلم الجهاد ٣/١٣٨٠ ح ٥٢/١٧٥٩. ٢ أخرجه البخاري الجزية ٦/٢٩٧ ٣١٥٦، ٣١٥٧ والترمذي السير ٤/١٤٧ ح ١٥٨٧ ومالك في الموطأ الزكاة ١/٢٧٨ ح ٤١. ٣ أخرجه أبو داود الفرائض ٣/١٢٩ ح ٢٩٢٧ والترمذي الديات ٤/٧٢ ح ١٤١٥ وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه الديات ٢/٨٨٣ ح ٢٦٤٢. ٤ أخرجه الترمذي التفسير ٥/٢٢٨ ح ٣٠٠٦ وابن ماجه الإقامة ١/٤٤٦ ح ١٣٩٥. ٥ ثبت في الأصل [ابن عمر ﵄] والحديث مروي عن الخليفة عمر ﵁ انظر سنن الدارقطني ٤/٢٤ - ٢٦ ح ٦٨ - ٧١. ٦ أخرجه مسلم الطلاق ٢/١١١٨ ح ٤٦/١٤٨٠ وأبو داود الطلاق ٢/٢٩٧ ح ٢٢٩١.
[ ١ / ٣٣٨ ]
أسقط السكنى بسبب وكانت فاطمة ﵂ تنقل إسقاط السكنى ولا تروى السبب فهذا محل إنكار عمر ﵁ وغيره عليها وعلى لا يقبل رواية الأعرابى لغلبة الجهل عليهم وليس الكلام فى أمثال هذا وأما الكلام فى أصل قبول أخبار الآحاد دليل ثالث هو أنه لا خلاف فى قبول أخبار الآحاد فى باب المعاملات فإن للإنسان أن يدخل دار غيره بإذن الحاجب والبواب وله أن يستبيح ما يقول الرسول إذا قال أهداه لك فلان ووقع فى نفسه صدقه ويأخذ بقول الجمال والخادم وقد تكون الهدية جارية فيستبيح وطأها وقد كان رسول الله ﷺ يرسل أنس بن مالك ﵁ بحوائجه وأموره وهو صبى واتخذ ابن أريقط الليثى دليلا حين توجه إلى المدينة وقد كان كافرا واعتمد على دالته فهذا فى أبواب المعاملات وأيضا فلا خلاف فى قبول شهادة من لا يقع العلم بقوله فإن نهاية ما فى عدد الشهود هو الأربع ولا شك أن هذا الخبر لا يفيد العلم وإنما يفيد غالب الظن وقد تكون الشهادة فى إراقه دم أو إقامة حد أو استباحة فرج وأدناه استحقاق المال فلم يخلفوا فى قول المستفتى قول المفتى وكذلك فى أخذ القرآن عن المعلم وهذه أمور تتعلق بالدين وما ذكرنا من قبل من أمور الدنيا فإذا جاز قبول أخبار الآحاد فى أمور الدين والدنيا فى هذه المواضع فكذلك فى سائر المواضع فإن قيل قد تعلقتم بالأخبار فى المعاملات وقد يقبل فى الأدنى والهدية وما يشبه ذلك قول من يسكن القلب إلى صدقه من صبى أو فاسق بل كافر أنه لا يجوز قبول قول هؤلاء فى أخبار الدين فكيف يحتج بهذا الفعل مع وقوع هذا الفرقان بينهما واعتذر أبو زيد لهم من أخبار الناس فى المعاملات وقال حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها تثبت بإيجابهم وتصرفهم ولهم ضرورة إليها ولا يمكنهم إظهارها وإثباتها بدليل لا يبقى فيه شك وأما الدين فحق الله تعالى والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلا يجوز إثباته فما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة وصفات الله تعالى بالأخبار التى يعنى بها شك أو شبهة.
قال وأما الشهادة فالأصل ما قدمنا وإنما تركنا الأصل الذى قد بيناه بكتاب الله تعالى وهو بخلاف القياس وقال بعضهم إنهم يقبلوا أخبار الآحاد فى إثبات شرع أو لشهادة بأن زنى أو قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع أما الأول قلنا موضع الاستدلال من أخبار المعاملات هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع الكذب منه وهو موجود فى الأمرين على ما سبق بيانه فإن كان أحدهما يتساهل فيه ما لا يتساهل فى الآخر وإنما يراعى فى الجمع والفرق موضع النكته التى يتعلق بها الحكم دون ما عداه من الأوصاف.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وإنما وقع التساهل فى باب الإذن والهدية وما صار عنهما من الأمور حتى جاء فيها قبول قول الخادم والقهرمان من العبد والحر والصبى والبالغ والذمى غيرهم لأن الغالب فى العرف الحادى والعادة القائمة أن يتولى هذه الأمور ويتعاهدها الخدم والخول منهم دون علية الناس وأهل المروءة منهم وأما الشهادات فإنما يقوم بها أعيان الناس ويتحملها ذوو الدين والعدالة منهم لما فيها من التوثق للحقوق والاحتياط عليها ولذلك قرأت مصمتة بأوصاف من البلوغ والحرية والعدالة ونحوها وصارت أخبار السنن واسطة بين الأمرين فجاز فيها قول الواحد إذا قوي قوله بوصف العدالة ولا يحتمل أن يكون ذكرا أو أنثى أو عبدا أو مملوكا أو بصيرا أو أعمى وهذا أيضا نوع تساهل فى رواة أخبار السنة والآثار لأنه لو أن فيها جميع أوصاف الشهود لعدمت النقلة وعز وجودهم وصار ذلك سببا لانقطاع العلم ولو جرت فيها المساهلة التى تجرى فى أخبار المعاملات لوجد الفساد والخلل فى أمر الدين وصار لأهل الباطل سبيلا إلى أن يدخلوا فيه ما ليس منه واختلط أهل الحق بالباطل فاقتصر على الواحد ليتسع الطريق إلى النقل وأيد بالعدالة لتنقطع التهيئة عنه وكل من هذه الأمور منزل على منزلة تليق ويرشد إليها وجه المصلحة ويدل عليه الحكمة وأما الذى قاله أبو زيد من العذر لهم فليس بشىء لأنا بينا وجود قبول الواحد فى أمور الدين وقد ذكرنا صورا منها ونزيد فنقول إذا قال الواحد هذا الماء طاهر أو نجس يقبل قوله ويعمل عليه أو يقول: أنا وكيل فلان فى التصرف فى ماله يجوز الشراء منه وإذا قالت المرأة حضت أو طهرت يقبل الرجل قولها فإذا قالت حضت يجب الامتناع من وطئها وإذا قالت طهرت يجوز الإقدام على وطئها وإذا قال هذه خمر أو نبيذ وقال هذه أمتى أبيعها منك أو ابنتى أزوجها منك فإن سلموا هذه الوجوه لا بد من تسليمها لأن مصالح الناس لا تقوم إلا بها فيكون الباقى من الأخبار ملحقا بها هذه الأخبار مرجعها إلى الدين لأن الامتثال بقول المخبر بالحل والحرمة والصهار والنجاسة وهذه أمور لا تثبت من حقوق الناس فى شىء فهذه الدلائل التى ذكرناها دلائل قطعية موجبة للعلم وللأصحاب دلائل كثيرة سوى هذا فرأينا عنها اقتصارا واكتفاء لهذا القدر وقد ذكر أهل الأصول فى بيان أنه يجوز أن يقع انعدام الآحاد من حيث العقل وأن كانت لا تفيد إلا الظن وذلك لأنه ليس بمستبعد ولا مستنتج فى العقل أن يقول الله تعالى إذا غلب على ظنكم صدق الرواى عن فلان فاعملوا بخبره كما أنه خبر مستقبح فى العقل أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره فإذا جاز.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أحدهما جاز الآخر وقد قالوا: أن الشريعة مصالح فلا يمتنع أن يكون قبول قول الواحد إذا غلب على ظننا صدقه والعمل به مصلحة لنا ولهذا يلزم المسافر سلوك طريق وتجنب طريق آخر إذا أخبر الواحد بسلامة أحدهما ووجود المخافة فى الآخر.
أما الجواب عن كلماتهم أما تعلقهم بخبر مدعى النبوة وأنه لا يجب علينا قبوله من غير دليل يقوم على صدقه وهو المعجز وأن غلب على ظننا صدقه قلنا نقول ولا أن نقطع بوجوب العمل بخبر الواحد لأن دليلا قطعيا قد قام على وجوب العمل به ومثل هذا لا يوجد فى غير مدعى النبوة لأن الأدلة الشرعية إنما تكون قاطعة فى خبر مدعى النبوة إذا علمنا صدقه لمعجز يقيمه حتى إذا أخبرنا بوجوب العمل علمنا وجوب العمل بخبره وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعى للنبوة مظنونا غير مقطوع به ثم نقول أن الاقتصار على الظن فى صدق مدعى النبوة يؤدى إلى مفسدة عظيمة لأن فى النبوة من الرئاسة العظيمة التى لا يدانيها رئاسة فلأن من إذا قبلنا قوله من غير معجز تعين أن يطلبها كل واحد ويتحرى فى أكثر الناس ظاهر الصدق والعدالة والستر اسم له هذه الرئاسة فيكثر على هذا المدعون للنبوة والوارد بالشرائع المخالفة وفى هذا من المفسدة ما لا يخفى وأما ها هنا فليس للمخبر بالسنة عن النبي ﷺ مثل هذه الرئاسة وأيضا فإن السنن محصورة فى النقل لا يمكن الزيادة عليها فلم يؤد قبول خبر الواحد فيها إلى المفسدة.
ببينة أنه أن لزمنا ما ذكروه على قولهم وقولنا أن شهادة الشهود مقبولة وكل عذر لهم فى ذلك فهو عذرنا وأما قولهم أنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع لجاز فى الأصول قلنا قد بينا أن الأخبار التى تلقتها الأمة بالقبول موجبة للعلم قاطعة للعذر وكذلك فى كل حادثة شهدها جماعة وأخبر الواحد منهم ولم ينكر الباقون ذلك فعلى هذه الأخبار الواردة فى صفات الله تعالى وإثبات القدرة وجواز الرؤية وإخراج الموحدين من النار بعد إدخالهم فيها وإثبات الشفاعة وإثبات عذاب القبر وإثبات الحوض والميزان وما أشبه ذلك وإذا اشتهرت وعرفت فى الأمة فأكثرها لا يخرج عن هذين القسمين فتكون موجبة للعلم قاطعة للعذر ويفيد ما ويفيدها الأخبار المتواترة وأما قولهم أنه يجوز التعبد بأخبار الآحاد فى نقل القرآن قلنا هذا جمع بين موضعين بغير علة جامعة ثم نقول فى القرآن المنقول بالآحاد أما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا يظهر فيه الإعجاز فإن ظهر فيه الإعجاز فالإعجاز حجة النبوة ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض فى عصر.
[ ١ / ٣٤١ ]
الله ما لا نعلم بل قلنا ما نعلمه ونتيقنه وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قلنا إنما اتبعنا الدليل القاطع الذى يدل على وجوب العمل بخبر الواحد ولم نتبع الظن فإن قيل قد جعلتم للظن حظا فى الاتباع لأنكم لو لم تظنوا صدق الراوى لم تعملوا بالخبر قلنا أن الله تعالى إنما ذم من يتبع الظن فلم يدخل فى ذلك من اتبع الدليل عند الظن فهذا وجه الجواب عن التعلق بهذه الآيات ومن عرف هذا الوجه من الجواب سهل عليه الكلام على ما يوردونه والله أعلم.
إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فنذكر بعد هذا ما ينبني عليه ونبتدىء بذكر.
أحوال الرواى والشرائط المعتبرة فيه لنقل خبره:
فنقول أولا اعلم أن الصحابة ﵃ عدول وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص وذهب المعتزلة إلى أنه قد كان فى الصحابة قوم فساق١ وقد فسق كثير منهم وهم الذين قاتلوا عليا ﵁ خصوصا معاوية وعمرو وسائر من كانوا من الصحابة وغيرهم مع معاوية ﵃ وتوفى بعضهم أبو طلحة والزبير وعائشة ﵃ أجمعين وادعى كثير منهم أنهم فسقوا وتابوا قالوا: وقد علمنا ذلك فى هؤلاء الثلاثة ولم نعلم توبة معاوية ومن معه ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا القول وزعم أن القوم قاتلوا مع على ﵁ بالتأويل فإن الإمام الحق قد قتل وهو عثمان ﵁ وقد كانت قتلته أنصار على وكانوا جميعا معه ومع هذا زعم أن الحق كان مع على لكن لا نفسق أولئك القوم لأجل أنهم كانوا متأولين ولأن عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا فلا يزول عنها إلا بدليل قطعى والدليل على أن السمة كانت عظيمة إذ وجود من بقى من الصحابة اعتزلوا الطائفتين مثل سعد وأسامة وابن مسلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر وغيرهم فالأولى فى هذا حفظ اللسان وتسليم أمرهم إلى الله تعالى وإنما الكلام فيمن وراء الصحابة فنقول:.
نشترط فى الراوى أن يكون ثقة عدلا فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه حافظا أن حدث من حفظه٢ ضابطا لكتابه أن حدث من كتابه غير معروف بالتدليس.
_________________
(١) ١ انظر البرهان ١/٦٣١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٢٨ المحصول ٢/١٩٦ نهاية السول ٣/١٢٩/١٣٠ المعتمد ٢/١٣٣ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٩. ٢ انظر نهاية السول ٣/١٥٠، ١٥١ المحصول ٢/٢٠٢، ٢٠٣ إحكام الأحكام للآمدي=
[ ١ / ٣٤٢ ]
وملاك الأمر شيئان صدق اللهجة وجود الضبط لما يرويه ومن كثر غلطه ترك حديثه والعدل قد تعورف استعماله فيمن كان من أهل قبول الشهادة وشرائطه ما عرف فى الفقه وقد قيل أن المشارطة على أخذ الأجرة على التحدث يقدح فى قبول الرواية وقيل أيضا أن الإقدام على المستقبحات مثل الأكل على الطريق وما يشبه ذلك تقدح أيضا فى الرواية وقد اتفقوا أن الفسق فى التعاطى يمنع قبول الرواية لأن من يقدم على الفسق وهو يعتقد أنه فسق لا يؤمن فيه الإقدام على الكذب فى حديثه وأما الفسق من حيث الاعتقاد مثل أهل الأهواء فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين منهم من كفر الصحابة وفسقهم مثل الخوارج وغلاة الرافضة فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول وأما من سلم عليه السلف وكان ثقة فى دينه غير مستحل للكذب على مخالفته بل كان مأمونا عليهم معروفا بالصدق فى روايته جللا فى تعاطيه غير داعية إلى اعتقاده يقبل روايته١ والأصح هو الأول وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد قال حدثنا عمرو بن عبيد وكان صاحب بدعة والفرق بين الفسق فى التعاطى وبين الفسق فى الاعتقاد هو أن الفسق فى أعمال الخوارج إنما يمنع من قبول الحديث لأن فاعله فعله وهو يعلم أنه فسق فقدح ذلك فى الظن بصدق ولم يؤمن أن يقدم على الكذب وأن علم أنه محظور وليس كذلك الفسق فى العقيدة لأنه يؤمن منه الكذب لأن الأمور مشتبهة عليه وهو متحرج فى أفعاله متنزه عن الكذب فيه أن الركن فى قبول الحديث قوة الظن والظن يقوى بصدق من هذا سبيله لمكان نخرجه ببينة أن الصحابة تفرقوا ولم يمنع ذلك من قبول بعضهم رواية البعض وروى التابعون عن الفريقين أيضا وأما الكافر الخارج عن الإسلام فلا تقبل روايته بحال٢ لأن اعتقاده يدعو إلى التحريف فلا يقوى الظن بصدقه وهذا الذى ذكرناه مذهب الفقهاء وعندهم أنه لا يقبل من أهل الأهواء وأنه يقبل رواية الكل كما.
_________________
(١) = ٢/١٠٦ المعتمد ٢/١٣٥، ١٣٦ روضة الناظر وجنة المناظر ١٠١ المستصفى ١/١٥٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٧. ١ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/١١٧، ١١٨ نهاية السول ٣/١٣٥ المحصول ٢/١٩٧ المعتمد ٢/١٣٤ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٩، ١٢٠. ٢ انظر نهاية السول ٣/١٢٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٠٣ المحصول ٢/١٩٥ المستصفى ١/١٥٦ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٦، ١١٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
يقبل شهادتهم وقد روى أصحاب الحديث عن قتادة وابن أبى نجيح وعمرو بن عبيد وأضراب هؤلاء فإن كانوا نسبوهم إلى القذف فى كتبهم من يظهر منه العناد والتعنت فلا تقبل روايته وكذلك من يتدين بالكذب فلا تقبل روايته وكذلك المتساهل فى روايته وتارك التحفظ من الزيادة.
وقد ذكر بعضهم أن الشرائط فى الراوى لقبول الرواية خمسة:
أحدها: البلوغ لأن الصغير لا يقبل قوله فى الدين فى خبر ولا فتيا ولا شهادة لأنه لم يقبل خبره فى حق نفسه فأولى أن لا يقبل فى حق غيره وقد ذكر بعضهم أن رواية الصبى إذا كان مميزا وقع فى ظن المستمع صدقه مقبولة١ والأصح هو الأول لأن المعتمد لنا إجماع الصحابة ولم يرو أن أحدا من الصحابة رجع إلى رواية صبى وحده إذا عرف أنه غير مؤأخذ بالكذب لا يزعه عن أمر لكان وازع.
والشرط الثانى: العقل وقد قالوا: أنه لا يجوز الاقتصار على العقل الذى نيط به التكليف بل لا بد أن ينضم إليه شدة التيقظ وكذلك التحفظ وأن كان يفيق يوما ويجن يوما فإن أثر جنونه فى زمان جنونه لم يقبل خبره وأن لم يؤثر يقبل.
والشرط الثالث: العدالة فى الدين وهذا لأن الفاسق لا يوثق بخبره كما لا يوثق بشهادته والعدالة مأخوذة من الاعتدال ولا بد من أربع شرائط.
أحدها المحافظة على فعل الطاعات واجتناب المعاصى.
والثانى أن لا يرتكب الصغائر وما يقدح فى دين أو عرض.
والثالث أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الذم.
والرابع إلا يعتقد من المذهب ما يرد أصول الشرع مصرح معانيه ووحى وخلا دلائله وقد بينا فى أهل الأهواء ما قاله أهل العدالة الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر وجعلوا العدالة المعتبرة فى الشاهد علة العدالة المعتبرة فى المفتى والعدالة المعتبرة فى المفتى أغلظ من العدالة المعتبرة فى الرواية وتعلقوا بحديث الأعرابى أنه لما شهد عند النبى ﷺ برؤية الهلال قبل شهادته ولم يسأل عن عدالته والصحيح أن ما يعتبر من العدالة فى الشهادة يعتبر فى الرواية يدل أنه أن لم تكن العدالة فى الخبر أغلظ منها فى.
_________________
(١) ١ انظر إحكام الأحكام ٢/١٠١ المحصول ٢/١٩٤ نهاية السول ٣/١١٩ المستصفى ١/١٥٦ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٦.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الشهادة فلا يتنفى أن يكون أسهل لأن المخبر ثبت بخبره شرعا يعم إلزامه فكان بتغليظ العدالة أولى قال وأما أهل الأهواء الذين لا يدفع شبهة شهوة تأويلهم نص كتاب ولا سنة ثابتة متواترة شهادتهم مقبولة وقد شدد بعض أصحاب الحديث فى هذا فمنع القبول فيما ذكرنا والأصح ما بينا ونرد خبر من ظهر منه الكذب فما قل أو كثر من أمور الدين وأن كذب فى ضرر أحد وجب إسقاط جميع ما تقدم من حديثه.
والشرط الرابع: أن يكون بعيدا من السهو والغلط ضابطا لما يتحمله ويرويه ليكون الناس على ثقة منه وضبطه وقلة غلطه فإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا فيما يعلم أنه غلط فيه وأن كان كثير الغلط رد خبره إلا فيما يعلم أنه لم يغلط فيه وليس من شرط الضبط معرفة أحكام الحديث لأن هذا صفة تزيد على الضبط ولا يمنع جهل الراوى بحكم الحديث قبوله وقد قيل الصدر الأول شهادة الأعراب وأهل البوادى.
والشرط الخامس:أن لا يعرف التساهل فيما يرويه وبالتأويل لمذهبه فربما أحال المعنى بتأويله وربما يدين موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه فلم يوثق بخبره ومن انتفت عنه الثقة لم يقبل خبره ولا يرد خبر من قلت: روايته كما لا يرد من قلت: شهادته ولا يرد خبر من لم يعرف بمجالسته العلماء والمحدثين لأنه قد يسمع من حيث لا يعلمون.
فأما المدلس فاعلم أن التدليس هو ترك اسم من يروى عنه وطى اسمه وذكر اسم من يروى عنه شيخه وقد ذكر التدليس عن كثير من أئمة الحديث مثل قتادة والأعمش وهشام وشريك وذكر ذلك أيضا عن سفيان بن عيينة وجماعة يجرون مجراه فنقول التدليس من الرواة يجرى على وجهين.
أحدهما أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ذلك وإذا استكشف لم يخبر باسم من يروى عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأن التدليس معه تزويد إبهام لما لا حقيقة له وذلك يؤثر فى صدقه وقد قال النبى ﷺ: "المتشبع بما لا يعط كلابس ثوبى زور".
والوجه الثانى من التدليس أن يطوى اسم من يروى عنه إلا أنه إذا كشف عنه أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا التدليس لا يسقط الحديث ولا يوجب القدح فى الراوى١ وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه وهذا شىء مشهور عنه وهو غير قادح قال إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان ابن عيينة يوما بحديث فقال عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد فقلت: يا أبا محمد.
_________________
(١) ١ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/٢٠٣.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أسماعا عن عمرو فقال ابن جريج عن عمرو فقلت: سماعا من ابن جريج فقال لا تفسده أبو عاصم عن ابن جريج فقلت: سماعا من أبى عاصم فقال قد أفسدته بحديثى على ابن المدينى عن أبى عاصم عن ابن جريج عن عمرو فهذا طريق سفيان ومذهبه والشافعى لا يروى عنه من الحديث بما يدخله التدليس وبيان مذهب الشافعى فى هذا الباب أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إذا لم يخبره بالسماع فيقول: سمعت أو حدثنى أو أخبرنى وما أشبهه فأما إذا قال عن فلان وحمل الأمر فى ذلك على السماع لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة إذ هو أسهل عليهم من أن يقول فى كل حديث حديثا والعرف الجارى فى ذلك يقام مقام التصريح وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث وقال الأحاديث المعنعنة متصلة بإجماع أهل النقل إذا لم يكن فيها تدليس١ وذكر حديث عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد الأنصارى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ﷺ قال: "لكل داء دواء فإذا أصاب دواء داء برىء بإذن الله تعالى" ٢ وكذلك ذكر رواية إسرائيل عن عبد الله بن مختار عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "أن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه" ٣ والرواة فى هذين الخبرين عن قولهم يعرفوا بالتدليس فالحديثان متصلان وأن ذكر بطريق العنعنة قال وضد هذا من الخبر ما رواه يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ: "كم مضى من الشهر" قلنا ثنتان وعشرين وبقى ثمان فقال: "مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون" ٤ وهذا الحديث فيه تدليس لأن الأعمش لم يسمعه من أبى صالح.
وقد روى محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا خلاد الجحفى حدثنى أبو مسلم عبد الله بن سعيد قائد الأعمش عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة الخبر الذى ذكرناه فإن الأعمش قد دلس فى الرواية الأولى وأظهر من سمع منه فى الرواية الثانية وذكرنا صورة من التدليس ليعرف بعينه وصورته رغم أن أصحاب الحديث.
_________________
(١) ١ انظر معرفة علوم الحديث ١٠٥. ٢ أخرجه مسلم السلام ٤/١٧٢٩ ح ٤٩/٢٢٠٤ وأحمد المسند ٣/٤١١ ح ١٤٦٠٩. ٣ عزاه الحافظ الهيثمي إلى - البزار- وقال: رجاله رجال الصحيح انظر مجمع الزوائد ٤/٦١. ٤ أخرجه ابن ماجه الصيام ١/٥٣٠ ح ١٦٥٦ وأحمد المسند ٢/٣٣٧ ح ٧٤٤١ ولفظ الحديث عند أحمد.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وأهل الرواية منهم قد ذكروا ستة أنواع من التدليس وقد ذكرها أبو عبد الله الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث١ وذكرها صورا ولم أذكرها كيلا تطول الكتابة وذكرت مكانها حتى أن رغب إنسان فى علم ذلك عرف موضعه وذكر نوعا من ذلك تغير الأسامى بالكنى والكنى بالأسامى لئلا يعرفوا وقد فعله سفيان الثورى وليس هذا مما يوجب القدح فى الحديث وذكر نوعا من ذلك قول المحدث قال فلان ولم يسمع منه وإنما سمع إنسانا تحدث عنه وهو مثل ما قدمنا من قولهم عن فلان قال وقد دلسوا عن قوم مجهولين وعن قوم مجروحين والمتبحر فى علم الحديث يعرف ذلك وهذا باب يطول ذكره إذا وجد سماعا فى كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز له أن يرويه وهذا قول أبى يوسف وعند محمد وأبى حنيفة لا يجوز له أن يرويه حتى يذكر سماعه ولأهل الحديث خلاف فيه وقد اعتبر من منع ذلك بالشهادة وأما من جوز ذلك قال رواية الأخبار محمولة على الظاهر وحسن الظن وقدم فيها ما لم يسامح فى الشهادة ومن الظاهر أنه إذا رأى سماعه بخط من يوثق به أنه قديم فوجب أن يجوز له الرواية وليعلم الحديثى أن الحسن البصرى لم يسمع من أبى هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمرو ولا من ابن عباس ﵃ شيئا قط وإنما روايته عنهم تدليس والشعبى لم يسمع من عائشة ﵂ ولا من على ولا من ابن مسعود ولا من أسامة ولا من زيد بن ثابت ﵃ وروايته عن هؤلاء تدليس وليعلم أن الأعمش لم يسمع من أنس وأن قتادة لم يسمع من صحابى سوى أنس وأن عامة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة وأن عامة أحاديث مكحول عن الصحابة حوالة فاعلم أن عامة المحدثين من أهل الحجاز قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلا ما ذكرنا عن ابن عيينة وهو كوفى وفد مكة وصار إمام الدنيا فى الحديث وإنما أكثر التدليس وهو من أهل الكوفة وجماعة من أهل الشام وقد كان خيثمة بن بشير كثير التدليس وهو من أهل واسط وأما أهل بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر فلا يذكر من واحد منهم التدليس إلا الشىء اليسير وقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن أبيه قال التدليس ذل وذكر عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر رجلا ممن كان يدلس فقال فيه قولا سديدا وأنشد فيه:
دلس للناس أحاديثه والله لا يقبل تدليسا
هذا كله فى التدليس فى الرواية مع الصدق فى المتون.
_________________
(١) ١ انظرمعرفة علوم الحديث ١٠٥.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقد قال بعض أصحابنا إذا كان الأغلب على الراوى التدليس لا يقبل خبر ما جهلت حاله فى ذلك حتى يعلم أنه غير مدلس وأن كان الأغلب أنه لا يدلس قبلت روايته فيما جهلت حاله حتى يعلم أنه مدلس وأما من يدلس فى المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وأن كان ملحقا بالكذابين ولم يقبل حديثه.
وأما تزكية الرواة فقد قال بعضهم لا نقبل إلا شاهدين والذى عليه أكثر الفقهاء المحدثين أنه يثبت عدالة الراوى بتزكية الواحد لأنها تزكية على خبر فكانت كالخبر ويقبل فى هذا تزكية الراوى وتزكية النساء والعبيد كما يقبل روايتهم١.
فأما قدح الراوى فلا يقبل إلا من شاهدين وإذا روى العدل عن رجل لم تكن روايته عنه تعديلا وزعم بعض أصحاب الحديث أنه يكون تعديلا وليس بصحيح لأنه يجوز أنه إذا سئل عنه بعدله أو بجرحه قال الشعبى حدثنى الحارث الأعور وكان والله كذابا ولأنه لما لم يكن شهادة شهود الفرع على شهود الأصل تعديلا لهم كذلك رواية الراوى لهم.
فإن قيل أيجوز أن يروى عن غير العدل قلنا يجوز فى المشاهير ولا يجوز فى المناكير وأن عمل الراوى بالخبر كان تعديلا للراوى اللهم إلا أن يعمل بموجب الخبر لا لأجل الخبر ويقبل خبر الأعمى والعبد وأن لم تقبل شهادتهما كما يقبل خبر النساء ولا تقبل شهادتهن ونذكر معه هذا الحديث بالمعنى فإنه شىء يرجع إلى الراوى فنقول.
_________________
(١) ١ اعلم وفقك الله أن الأصوليين قد اختلفوا في مسألة هل يشترط في المزكي العدد على أقوال:
(٢) لا يشترط التعدد مطلقا كانت التزكية للرواي أو للشاهد وهولأبي بكر الباقلاني ووجهته في ذلك أن التزكية لم تخرج عن كونها خبرا والخبر يقبل من الواحد.
(٣) يشترط التعدد مطلقا ووجهة هذاالقول: أن التزكية شهادة بالعدالة والشهادة لا بد فيها من التعدد ولأن العمل بالمتعدد فيه عمل بالأحوط فوجب التعدد لذلك.
(٤) المختار للإمام الرازي وأتباعه ومنهم البيضاوي أن العدد شرط تزكية الشاهد وليس شرطا في تزكية الراوي ووجهتهم في ذلك أن الشهادة لا يقبل فيها قول الواحد فما كان شرطا فيها وهو التزكية يأخذ حكمها فلا يقبل فيه قولا الواحد كذلك أما الرواية فخبر الواحد فيها مقبول فما كان متعلقا بها يأخذ حكمها فيقبل فيه قوله فمراعاة الأصل في كل واجبة المحصول ٢/٢٠٠ نهاية السول ٣/١٤٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١١٠ روضة الناظر ١٠٤ المستصفى ١/١٦٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٢، ١٢٣.
[ ١ / ٣٤٩ ]
اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز مجاوزة اللفظ ولا يجوز أداء الحديث بالمعنى بحال وهذا مذهب عبد الله بن عمرو وجماعة من التابعين وجماعة من بعدهم واحتج من ذهب إلى هذا بقول ﷺ نضر الله امرءا سمع مقالتى فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قالوا: ومعنى الحديث متعلق بلفظه فإذا تغير اللفظ أثر فى المعنى فكان النبى ﷺ أفصح العرب وأحسنها بيانا وقال أوتيت جوامع الكلم فمن يمكنه أن يأتى بلفظ يوازى لفظه ويتضمن ما يتضمنه من المعنى وعن أبى العباس أحمد بن يحيى يغلب أنه كان يذهب هذا المذهب ويقول: أن عامة الألفاظ التى لها نظائر فى اللغة إذا تحققتها وجدت كل لفظة منها مختصة بشىء لا يشاركها صاحبتها فمن رأى العبارة ببعضها عن البعض لم يسلم من الزيغ عن المراد والذهاب عنه.
وأما عامة أهل العلم فرأوا أن الرواية على المعنى جائزة إذا كان الراوى عالما ما يتعين به المعنى وبذلك جرت عادة أكثر السلف والجمهور من الخلف وكذلك اختلفت ألفاظ الحديث وأن كانت القصة واحدة١ وشبهوا ذلك بالشهادات حيث يصح أداؤها بالمعانى ويعتبر اتفاق الشهود فيه وأن اختلفت ألفاظهم ومما يدل على ذلك رواية الصحابة المناهى عن النبى ﷺ مثل نهيه عن بيعتين فى بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزابنة وحبل الحبلى والنجش وبيع حاضر لباد وغير ذلك وكذلك روت الصحابة أن النبى ﷺ قضى باليمين.
_________________
(١) ١ اعلم أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز ذلك بمعنى أنه لا حرمة في ولكن الأفضل نقل الحديث باللفظ الذي سمع من الرسول ﵇ وهذا القول لجمهور العلماء وهو المختار للبيضاوي وشرطوا لذلك شروطا:
(٢) أن يكون الناقل عالما بمدلولات الألفاظ.
(٣) أن يكون اللفظ الثاني مفيدا لما يفيده الأول من غير زيادة ولا نقصان.
(٤) أن يكون مساويا للأول في الجلاء والخفاء فإن فقد شرط من ذلك لم يجز النقل إلا باللفظ الأول. القول الثاني: لا يجوز النقل بالمعنى مطلقا بل يحرم وهو قول ابن سيرين وأبي بكر الرازي في الحنفية المعروف بالجصاص. القول الثالث: التفصيل إن كان اللفظ مرادقا للأول جاز وإلا فلا. انظر نهاية السول ٣/٢١١ المحصول ٢/٢٣١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٦ روضة الناظر ١١١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٧.
[ ١ / ٣٥٠ ]
على الشاهد١ وقضى بالشفعة فى ما لم يقسم٢ ومعلوم قطعا أن فى هذه الأخبار لم يقصد الرواة ألفاظه ﷺ وإنما حكوا معانى خطابه من غير قصد إلى لفظه بعينه فدل ذلك على جواز النقل عن طريق المعنى دون المحافظة على اللفظ وأما قوله ﷺ فأداها كما سمعها هذا لا يمنع من النقل على المعنى ألا ترى أن الإنسان لا يمنع أن يقول: أديت رسالة فلان إليك كما سمعت وأن كان أداه على المعنى وهذا إذا كان الراوى عالما مميزا يعلم ما يتغير به المعنى ويميز بين اللفظ والمعنى أما إذا لم يمكن كذلك لم يجز له مجاوزة اللفظ وقال بعض أصحابنا كل ما أوجب العلم من ألفاظ الحديث فالمنقول فيه على المعنى ولا مراعاة للفظ فيه وأما الذى يجب العمل به منها ففيه ما لا يجوز الإخلال بلفظ كقوله ﷺ: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ٣ وكقوله ﷺ: "خمس يقتلن فى الحل والحرم" ٤ وما أشبه ذلك والأصح ما ذكرناه وهو الجواز بكل حال والله أعلم.
ونذكر عقب هذا ما يتعلق بقولنا حدثنا وأخبرنا وتقدم أولا ما يتعلق بتحمل الأخبار وسماعها فنقول يتعين صحة التحمل وسماع الخبر صحة التمييز والضبط لما يسمعه حتى يعرف ذلك ويفعله إذا لم يكن بلغ من السن ما يعرف هذا لم يصح سماعه.
وقد قدر بعضهم أن بلغ خمس سنين بحديث محمود بن الربيع أنه قال عقلت مجة مجها رسول الله ﷺ فى بئر دارنا وكان لى خمس سنين والأصح أن لا يقدر وقد قال بعض الناس يعتبر أن يكون التابع بالغا وليس هذا بشىء فإن إجماع المسلمين ثابت على قبول ما نقله أحداث الصحابة وأن كانوا سمعوه فى صغرهم مثل ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأصغر منهم الحسن بن على ﵃ أجمعين.
وقد روى عن.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود الأقضية ٣/٣٠٧ ح ٣٦١٠ والترمذي الأحكام ٣/٦١٨ ح ١٣٤٣ وقال حديث حسن غريب وابن ماجه الأحكام ٢/٧٩٣ ح ٢٣٦٨. ٢ أخرجه البخاري الشركة ٥/١٥٩ ح ٢٤٩٦ ومسلم المساقاة ٣/١٢٢٩ ح ١٣٤/١٦٠٨. ٣ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٦ ح ٦١ والترمذي الطهارة ١/٨ وابن ماجه الطهارة ١/١٠١ ح ٢٧٥ وأحمد المسند ١/١٥٤ ح ١٠١٠ انظر نصب الراية ١/٣٠٧. ٤ أخرجه البخاري بدء الوحي ٦/٤٠٨ ح ٣٣١٤ ولم يذكر الحل مسلم الحج ٢/٨٥٦ ح ٦٧/١١٩٨.
[ ١ / ٣٥١ ]
النبى ﷺ ثم نقول للمستمع أربع أحوال بعضها أقوى من البعض أولها أن يسمع من لفظ المحدث والثانى أن يقرأ على المحدث والثالث أن يكاتبه به المحدث والرابع أن يخبر له المحدث والأول أقوى ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ونبين خلاف الناس فى ذلك ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم وهو يحدث وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول بعد هذا ما يتعلق بتحديث المحدث فنقول إذا حدث المحدث من حفظه أو كتابه فلا خلاف للسامع أن يقول: سمعت فلانا يحدث عن فلان وأن شاء قال حدثنا وأن شاء قال أخبرنا فلان وإذا قرىء على المحدث فأقر به فجائز أن يقول: أخبرنا فلان كما يجوز أن يشهد على الإنسان إذا قرأ عليك الصك وقرره به والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وزعم بعض أصحاب الحديث أنه لايجوز فى هذا أن يقول: حدثنا ولا أخبرنا وإنما يقول قرأ على فلان وأنا أسمع ما قرأ به وأما إذا قرىء عليه فلم يعترف فلا يجوز أن يروى عنه وأن علم أنه حديثه وسماعه١ كما أن الإنسان إذا قرأ على الإنسان وقبل حكايته إقراره بدين أوسع أو نحوه فلم يقر به ولم يعترف بصحته فإنه لا يجوز أن يشهد عليه وقد روى عن أنس بن مالك قال بينما نحن جلوس مع النبى ﷺ إذ جاء رجل فقال يا محمد إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجدن فى نفسك فقال: "اسأل ما بدا لك" فقال نشدتك ربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم قال: "اللهم نعم الخبر" ٢ إلى آخره واحتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى بهذا الحديث فى كتاب العلم من الجامع الصحيح فى باب العرض على المحدثين وهو دال على ما قلناه من قبل بأنه إذا قرأ عليه فاعترف به يكون حديثا له وإخبار ويصير كأنه سمع منه وقد قال كثير من المحدثين أن العرض على الراوى سماع قالوا: وصورة العرض أن يكون الراوى حافظا متقنا فقدم المستفيد إليه جزء من حديثه أو أكثر من ذلك فتناوله ويتأمل الراوى حديثه فإذا عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها وهى رواياتى عن شيوخى فحدث بها حتى يجوز أن يحدث بها عنه وينزل هذا منزلة.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٢٢١ نهاية السول ٣/١٩٣ إحكام الأحكام ٢/١٤١ روضة الناظر ١٠٧ المستصفى ١/١٦٥ البرهان ١/٦٣٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣١. ٢ أخرجه البخاري العلم ١/١٧٩ ح ٦٣ ومسلم الإيمان ١/٤١ ح ١٠/١٢.
[ ١ / ٣٥٢ ]
السماع١ وقد قال بهذا عكرمة والزهرى وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى وهشام بن عروة ومالك وعبد العزيز الدراوردى فى جماعة آخرين هؤلاء من أهل المدينة ومن أهل مكة مجاهد بن جبر وأبو الزبير محمد بن مسلم ونافع بن عمر الجمحى وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجى فى جماعة ومن أهل الكوفة علقمة والشعبى وأبو بكر بن أبى موسى والنخعى وحبيب بن أبى ثابت ومنصور بن المعتمر وإسرائيل وزهير بن معاوية فى جماعة ومن أهل البصرة قتادة وأبو العالية وحميد الطويل وداود بن أبى هند وكهمش وسعيد بن أبى عروبة وجرير بن حازم فى آخرين ومن أهل الشام ومصر أيضا جماعة وكل أصحاب مالك ذهبوا إلى هذا منهم عبد الرحمن بن أبى القاسم وأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن وهب وعبد الله بن عبد الحكم وقال ابن أبى أويس سئل مالك عن حديثه أسماع هو أم عرض فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وقال مطرف بن عبد الله صحبت مالكا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأتى أشد الآيات على من يقول: لا يجزيه إلا لسماع ويقول: كيف لا يجزيك هذا فى الحديث ويجزيك فى القرآن وأنا أقول لا أدرى ما هذا الذى قاله مالك فى القرآن وكيف يكون العرض على ما قلنا فى التحديث للقرآن وإنما المعروف فى القرآن هو القراءة ولم ير أن فقهاء الإسلام الذين أفتوا فى الحلال والحرام لم يروا العرض سماعا واختلفوا فى القراءة على المحدث هل هو إخبار أم لا٢ فقال الشافعى المطلبى بالحجاز والأوزاعى بالشام والبويطى والمزنى بمصر والنووى وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين بالعراق وعبد الله بن المبارك وإسحاق الحنظلى ويحيى بن يحيى بالمشرق أنه لا يكون العرض سماعا وأما القراءة على المحدث فهو إخبار عند هؤلاء الأئمة والحجة لهم فى ذلك قوله ﷺ: "نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها" ٣.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٢٢٣/٢٢٤ نهاية السول ٣/١٩٦ المستصفى ١/١٦٦ إحكام الأحكام ٢/١٤٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٢. ٢ انظر المحصول ٢/٢٢٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٢ نهاية السول ٣/١٩٤ روضة الناظر ١٠٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣١. ٣ أخرجه الترمذي العلم ٥/٣٤ ح ٢٦٥٨ وابن ماجه المقدمة ١/٨٦ ح ٢٣٦ والدارمي ١/٨٦ ح ٢٢٨ وأحمد المسند ٤/٩٩ ح ١٦٧٤٣ ولفظ الحديث عند الدارمي وأحمد.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقال ﷺ: "تسمعون ويسمع منكم" ١ قلنا ندب النبى ﷺ إلى سماع قوله وحفظه وأدائه كما سمع دل أن مجرد العرض على ما ذكره لا يكون سماعا والذى عليه أكثر المشاع للحديث أن يقول: فيما يأخذ عن المحدث لفظا ليس معه أحد حدثنى فلان وما يأخذه من المحدث لفظا مع غيره يقول: حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه يقول: أخبرنى فلان وما قرىء على المحدث وهو حاضر يقول: أخبرنا فلان وما عرض على المحدث وأجاز له روايته شفاها يقول: أنبأنى فلان وما كتب إليه المحدث عن فلان ولم يشافهه بالإجازة يقول: كتب إلى فلان وقد قال الشافعى لا تجوز الرواية بالأحاديث على أنه لا يجوز أن يقول: أخبرنا وحدثنا فى العرض الذى قالوه وهو المناولة ولكن يقول: أجاز لى فلان وأنبأنا أجازة أو مناولة والأولى تحرى الصدق فى كل شىء ومجانبة الكذب بما يمكن فهذا جملة ما يقال فى هذا الباب وقد ذكرته بزيادة الشرح لخفاء ذلك على أكثر الفقهاء وغفلتهم عنه واعلم أن الأولى للمحدث أن يروى الخبر بلفظه فإن أراد الرواية بالمعنى ينظر فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لا يجوز له ذلك لأنه لا يؤمن أن يغير الحديث وأن كان يعرف معنى الحديث ينظر فى ذلك فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم يجز أن يؤدى بالمعنى لأنه ربما ينقل بلفظ لا يؤدى مراد النبى ﷺ وأن كان خبرا نصا أو ظاهرا فقد ذكرنا الكلام فى نقله بالمعنى ويجوز أن يؤدى جميع الحديث ويجوز أن يروى بعضه إذا كان له غرض فى ذلك٢ وينبغى لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب وأن كان يحفظه فالأولى أن يرويه من الكتاب وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب فيه سماعه بخطه وهو يذكر سماعه للخبر جاز أن يرويه وأن لم يذكر سماعه فهل يجوز أن يرويه٣ فيه وجهان أحدهما يجوز ويدل عليه قول الشافعى فى الرسالة.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود العلم ٤/٣٢٠ ح ٣٦٥٩ وأحمد المسند ١/٤١٧ ح ٢٩٥١ والبيهقي في الكبرى ١٠/٤٢٣ ح ٢١١٨٥ والطبراني في الكبير ٢/٧١ ح ١٣٢١. ٢ نهاية السول ٣/٢٣٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٥٩ البرهان ١/٦٥٨ التصريح على التوضيح ٢/١٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤١. ٣ قال أبو الحسين البصري في المعتمد أن العلماء اختلفوا في ذلك فعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز أن يرويه ولا يجوز العمل على روايته لأنه لا يجوز أن يقول حدثني فلان وهو لا يعلم أنه حدثه إذا كان ذلك حكما عليه بأنه قد حدثه كما لا يجوز مثله في الشهادة وعند أي يوسف ومحمد والشافعي يجوز له الرواية ويجب العمل عليها حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول ٣/١٩٦، ١٩٧ انظر المعتمد ٢/١٤٢ المحصول ٢/٢٢٢ التصريح على التوضيح ٢/١٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٤ روضة الناظر ١٠٩.
[ ١ / ٣٥٤ ]
والوجه الثانى أنه لا يجوز وهو الأصح لأنه لا يأمن أن يكون وقف على خطه ولا بد من شيئين فى الرواية من الكتاب أحدهما أن يكون واثقا بكتابه وسواء كان ذلك بخطه أو بغير خطه والثانى أن يكون ذاكرا لوقت سماعه فإن أخل بواحد منهما لم يصح روايته ويقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه بخلاف الشهادة لاشتراك الناس فى السنن والديانات وإذا أسند الراوى حديثه إلى رجل فدفعه المحدث عن نفسه وقال لا أذكره فعند أبى الحسن الكرخى وهو قول جماعة المتكلمين لا تقبل رواية الراوى لأنه الأصل فى الرواية فلا تقبل الرواية إذا أنكرها١ وهذا كشاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع ولأنا إنما نقبل بطريق حسن الظن وإذا أنكر المروى عنه فأين حسن الظن وأما على مذهب الشافعى فلا يقدح هذا فى رواية الراوى لأنه يجوز أنه نسى ما رواه لأن الإنسان قد يحدث الإنسان بحديث فى أمور الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا يذكره إلا بعد زمان طويل وربما لا يذكره أصلا وقد روى ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة خبر القضاء بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل وكان يقول: حدثنى ربيعة عنى وهو ثقة ولم ينكر عليه فصار إجماعا من السلف وفى الشهادة زيادة احتياط لا توجد فى الرواية بدليل اشتراط التحمل هناك بخلاف الرواية هذا إذا قال لا أذكر أو قال نسيت فأما إذا جحد المروى عنه وكذب بالحديث سقط الحديث هكذا قاله الأصحاب وأقول يجوز أن لا يسقط رواية الراوى لأنه قال ما قال بحسب وإن قال ما رويته أصلا فيعارضه قول الراوى أنه سمع منه وكل واحد منهما ثقة ويجوز أن يكون المروى عنه رواه ثم نسبه فلا يسقط رواية الراوى بعد أن يكون ثقة هذا مع التجويز.
ونذكر الآن مسائل الخلاف.
[فصل]: ٢ اعلم أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به سواء ورد فيما يعم به البلوى أو ورد فيما لا يعم به البلوى وذهب عامة أصحاب الحديث إلى أن خبر الواحد إذا ورد فيما يعم به البلوى لم يجب العمل به وتوقفوا فى خبر المتبايعين بهذا المعنى وكذلك فى إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام وخبر الوضوء من مس الذكر٣ والذى.
_________________
(١) ١ البرهان ١/٦٥٣، ٦٥٤، ٦٥٥ روضة الناظر ١٠٩. ٢ بياض في الأصل. ٣ اعلم أن العلماء قد اختلفوا في العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى فذهب جمهور العلماء=
[ ١ / ٣٥٥ ]
تعلقوا به هو أن ما عم به البلوى يكثر السؤال عنه وما يكثر السؤال عنه يكثر بيانه وما يكثر بيانه يكثر نقله فحين قل النقل دل أنه لم يثبت فى الأصل ولهذا لم يقبل قول الرافضة فى دعواهم النص على على ﵁ فى الإمامة لأن فرض الإمامة يعم به بلوى الناس فلو كان هذا النص ثابت لنقل نقلا مستفيضا وحين لم ينقل دل أنه غير ثابت قالوا: ولأن الخبر الذى يفيد العلم لا يقبل حتى ينقل على طريق الاستفاضة لعموم البلوى فى العلم المتعلق بالخبر كذلك الخبر الذى يوجب العمل فإذا عمت البلوى به لا يقبل حتى ينقل من طريق الاستفاضة.
وأما الدليل لنا هو أن الدليل المعتمد فى قبول أخبار الآحاد هو إجماع الصحابة وقد دل هذا الدليل على قبول خبر الآحاد أجمع سواء كان فيما يعم به البلوى أو فى غير ما يعم به البلوى.
ببينة: أن الصحابة اختلفوا فى الأمور العامة ثم صاروا فيها إلى أخبار الآحاد وهذا مثل اختلافهم فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد صاروا فى ذلك إلى خبر عائشة ﵂ وقد كان قبل ذلك وجوب الماء من الماء ثم إنهم اجتمعوا عند عمر ﵁ فأرسل إلى عائشة رسولا فانصرف الرسول فأخبرهم عنها بأن النبى ﷺ قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فصدوا عن قوليهما قائلين بذلك معتقدين له وقد كان هذا من الأمور التى يعم بها البلوى وسأل عمر الناس عن المجوس وأخذ الجزية منهم فأخبره عبد الرحمن بن عوف ﵄ على ما روينا١ فأخذ بذلك وقد كان هذا من الأمور العامة لأنه حكم على أمة من الأمم وجيل عظيم من أجيال الناس وقال ابن عمر ﵄ كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج الخبر٢ وهذا أيضا من الأمور العامة وقد كان عمر ﵁ يقول بالتفاضل فى رءوس الأصابع حينا من الدهر حتى روى له أن النبى ﷺ قال فى كتاب عمرو بن حزم فى كل أصبع عشر من الإبل فرجع عن قوله وتحقق الكلام فنقول من لا.
_________________
(١) = إلى أنه مقبول كغيره من الأخبار وقال جمهور الحنفية ومنهم الكرخي أنه غير مقبول انظر نهاية السول ٣/١٧٠ حاشية الشيخ محمد بن مخيت المطيعي ٣/١٧٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٠ روضة الناظر ١١٤ البرهان ٦٦٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٧. ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٥٦ ]
يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى مع اعتقاده أن خبر الواحد يوجب العمل فأما أن لا يقبله لأن الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس فى الشريعة ما يدل على قبوله أو لأنه لو كان صحيحا لأشاعه النبى ﷺ وبين على وجه متواتر نقله ليصل إلى من تعبد بموجبه على ما ذكروا من قبل قالوا: ولو فعل ذلك لقوى الدين والعادة إلى إشاعة نقله وهذه الأقسام كلها باطلة أما الأول فباطل لأنه لو كان فى الشرع نص منع من قبوله لوجدناه مع البحث المستديم فإن قالوا: أليس قد رد عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان.
ورد أبو بكر ﵁ خبر معاذ فى الجدة قلنا كان ذلك نوع احتياط وليس أنهما لو لم يأتيا براوى آخر لم يقبلا وعندكم خبر الاثنين أيضا يعم به البلوى وأما الثانى فباطل أيضا لأنا قد قلنا بالدلائل القطعية على قبول أخبار الآحاد من غير تفصيل وتخصيص وأما الثالث فباطل أيضا وهو الحرف الذى ذكرنا فى حجتهم أنه إذا كان الحكم فيما يعم به البلوى يجب فى الحكم إشاعته فنقول على هذا إذ ما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس فى ذلك تكليف ما لا طريق إليه ولو وجب ما ذكروه فيما يعم به البلوى لوجب فيما لا يعم به البلوى أيضا لأنه وأن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس فيجب فى الحكم إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من يعمل به فيصبح فرض عليه فإن قالوا: لا يلزم القول وجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المكلف ذلك الحكم بشرط وصوله إليه وأن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قلنا أن جاز هذا فى الآحاد من الناس جاز فى جماعتهم وعلى أن وجوب الوتر يعم به البلوى ولم يتواتر بوجوبه قال أبو الحسن الكرخى قد تواتر النقل بفعله قلنا هذا لا يعصمكم من المناقضة لأن الفعل يعم به البلوى والوجوب أيضا يعم به البلوى ولم يتواتر به النقل جواب آخر أن الحكم وأن عم به البلوى فليس هو بشىء وقعت واقعته فى الحال لكل أحد فى نفسه وذاته بل غاية ما فى الباب توهم وقوعه وإذا لم يكن إلا محض التوهم فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم لأن حكمه وأن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود فيكفى ذلك لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم وأما مسألة الإمامة قلنا وجود الإمام للإنسان فرض على كل إنسان وواقعته فى الحال لأنه لا بد لكل أحد من إمامة ترجع إليه فلو كان النص الذى ادعوه فى على ﵁ ثابتا وقد شاع النبى ﷺ ذلك فإنهم يدعونه كذلك ويقولون أنه ﷺ أشاع العهد فى الإمامة يوم غدير.
[ ١ / ٣٥٧ ]
خم ولا يتصور أن يشيع ذلك ثم يجمع الجم الغفير والجماعة العظيمة على كلماته وقد قالوا: أن غدير خم لم يعرف فى العالم وكيف يفعل الرسول ﷺ فى هذا الموضع مثل هذا الفعل وينصب للناس عليا يرجعون إليه ثم يشتبه على الناس موضع ذلك حتى لا يعرف أحد وأما ما تعلقوا به من الخبر الموجب للعلم فقد ذكرنا أنه بأى معنى لا يوجب الخبر الواحد وإذا ما لم يكن الخبر الواحد طريقا إلى إفادة العلم بوجه ما بالمعنى الذى بينا وكان طريقا لإيجاب العمل سقط سؤالهم.
[ ١ / ٣٥٨ ]