فصل: ويذكر بعد هذا الذى ذكرنا:
الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما.
كما يشتمل القرآن على المجمل والمبين والمبهم والمفسر والخاص والعام والمحكم والمتشابه فهو يشتمل أيضا على الحقيقة والمجاز وكذلك التشبيه.
وأنكر قوم وجود المجاز فى اللغة١ ولا يخلو كلامهم فى ذلك أما يكون خلافا فى معنى أو عبارة والخلاف فى المعنى ضربان.
أحدهما أن يقولوا أن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فإما يقولوا أنه مجاز فيه نحو اسم الحمار فى البليد والأسد فى الشجاع وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد.
وإما أن يقولوا أن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للبليد كما وضعوا للبهيمة وهذا باطل لأنه كما يعلم لم يضطرد أنهم يستعملون ذلك فى البليد فإنه يعلم أنهم استعملوا ذلك على طريق التشبيه وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة وكذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت الحمار البهيمة البليد.
_________________
(١) ١ اعلم أن وقوع المجاز في اللغة فيه أقوال المعروف منها ثلاث: الأول واقع مطلقا في اللغة والقرآن والحديث وهو لجمهور العلماء. الثاني: غير واقع مطلقا وينسب هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وأبي علي الفارسي. الثالث: واقع في غير القرآن وليس واقعا في القرآن وهذا القول لبعض الحنابلة وبعض الرافضة وهو المعروف عن أبي بكر بن داود الأصفهاني الظاهري ونقل البيضاوي عنه أنه منع وقوع المجاز في الحديث أيضا ولم يشتهر هذا عنه انظر نهاية السول ٢/١٤٨، ١٤٩ المحصول ١/١٣٠ المعتمد ١/٢٤ المستصفى ١/١٠٥ شرح المنار لابن مالك ١٠٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٦٤، ٦٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ولو كان ذلك موضوعا لهما على السواء لم يسبق إلى الأفهام أحدهما.
فإن قيل فإذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوزوا بالأسماء فى غير ما وضعت له قلنا المجاز يشتمل على أشياء لا توجد فى الحقيقة يقصدها العرب فى كلامها منها المبالغة وإنا إذا وصفنا البليد بأنه حمار نكون أبلغ فى البيان عن بلادته من قولنا بليد ومنها الحذف والاختصار ومنها التوسع فى الكلام ومنها الفصاحة وأما الخلاف فى الاسم فبأن مبهم المجاز أن استعمال اسم الحمار فى البليد ليس موضوع له فى الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكن نقول لا نسميه مجازا إذا عنى به البليد ولأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينة حقيقة.
فيقال له أن أردت أن العرب لم تسميه بذلك فصحيح وأن أردت أن الناقلين عنهم لم يسموه كذلك فباطل تلقيهم كتبهم بالمجاز وأنهم يقولون فى كتبهم هذا الاسم مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم يشتهر العرب بذلك يمنع أن يضع الناقلون عنه له هذا الاسم ليكون آلة وأدلة فى صناعتهم لأن عبارة أهل الصنايع أنهم يعقلون ذلك ولهذا يسمى النحاة الضمة المخصوصة رفعا والفتحة نصبا ولم يلحقهم بذلك عتب وأما تسمية الخصم مجموع الاسم والقرينة مجموع حقيقة فإنه أوضح ذلك بقدح ذلك فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا على ما حكيناه عنهم.
[ ١ / ٢٦٧ ]