وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل وهذا القول بإطلاقه سمح مستقبح عظيم وإنما أجل منزلة تلك عن مثل هذا القول وليس يدرى ثبوت هذا منه وقال أبو الحسين البصرى لا خلاف فى العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف فى العلة المستنبطة قال والقياس لا يخلو أما أن يكون حكمه فى الأصل ثابتا بخبر الواحد أو بنص مقطوع به فإن كان الأصل ثابتا بخبر فلا يجوز أن يكون القياس معارضا لخبر الواحد بل الأخذ بالخبر يكون أولى على قول الكل وأما إذا كان الحكم ثابتا فى الأصل بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس خبر واحد فينبغى أن يكون الناس إنما اختلفوا فى هذا الموضع وأن كان الأصوليون ذكروا الخلاف مطلقا وقال في هذه الصورة التى ذكرها فعند الشافعى أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبى الحسن الكرخى وقال عيسى بن أبان أن كان راوى الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه وجب قبول خبره وترك القياس به وأن كان الراوى خلاف ذلك كان موضع الاجتهاد وذكر أن من الصحابة من رد حديث أبى هريرة بالاجتهاد وحكى عن مالك ما ذكرنا وأما أبو زيد فإنه قال إذا كان الراوى فقيها فيجب قبول خبره الذى رواه وترك القياس به بكل حال وأما إذا كان عدلا ولكن لم يكن فقيها مثل أبى هريرة وعمار وجابر وأنس وأمثال هؤلاء فإذا خالف القياس لم يجب قبول خبره١ واحتج المخالفون فى هذه المسألة أما من قدم القياس قال إن.
_________________
(١) ١ اعلم أن محل النزاع في هذه المسألة إذا لم يمكن تخصيص أحدهما بالآخر وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن يقدم خبر الواحد على القياس وهو لجمهور العلماء منه الشافعي وأبو حنيفة ومالك والبيضاوي=
[ ١ / ٣٥٨ ]
القياس أثبت من الخبر لجواز الكذب والخطأ على الراوى ومثل هذا لا يوجد فى القياس فكان القياس مقدما عليه ولأن القياس يخص عموم الكتاب فلأن يترك به خبر الواحد أولى لأن خبر الواحد أصوب من عموم الكتاب وقد قال بعضهم أن القياس لا يحتمل تخصيصا بل لا يجوز تخصيصه وأما الخبر الواحد يحتمل التخصيص وكان غير المحتمل أولى من المحتمل وقد قال أصحاب أبى حنيفة فى تقديم الأصول على الخبر الواحد بأن الأصول مقطوع بها والقياس غير مقطوع به وكان الدليل المقطوع به أولى من الدليل المظنون واحتج من قدم خبر الواحد على القياس بإجماع الصحابة فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا الخبر الواحد وروى أن أبا بكر ﵁ نقض حكما حكم به برأيه بحديث سمعه من بلال وترك عمر رأيه فى الجنين وفى دية الأصابع بالحديث الذى نقل له وكذلك ترك رأيه فى ترك توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك بن سفيان وترك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى سمعه من رافع بن خديج ونقض عمر بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب بالخبر الذى روى له أن الخراج بالضمان وهذا شىء معروف منهم وعن بعض المشاهير من الصحابة لقد كدنا نقضى برأينا وفيه خبر عن رسول الله فإن قيل أليس أن ابن عباس قال لأبى هريرة حين روى عن النبى ﷺ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يده" ١ فقال ابن عباس فما تصنع بالمهراس والمهراس حجر عظيم كانوا يجعلون فيه الماء ويتوضئون منه قلنا من قال له أبو هريرة يا ابن أخى إذا حدثتك الحديث فلا تضربن له الأمثال ولأن ابن عباس إنما أخبره عن عجزه عن استعمال الحديث لأنه رد الحديث فسقط السؤال ولأن الخبر الواحد أصل القياس وأن القياس الذى يعارض الخبر أصله الخبر أما المتواتر والآحاد فإن قالوا: نحن إنما نقدم القياس على الخبر الواحد إذا كان القياس قائما على دليل قاطع والجواب أن هذا التفصيل لم يعرف من المخالف فى هذه المسألة إنما هذا.
_________________
(١) = الثاني: يقدم القياس على خبر الواحد ونسب هذا القول لمالك. الثالث: الوقف بمعنى أنه لا يعمل بواحد منهما حتى يقوم العمل على ترجيحه وهو لأبي بكر الباقلاني انظر نهاية السول ٣/١٦٤، ١٦٥ المحصول ٢/٢١١، ٢١٣، ٢١٤ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٩ حاشية الشيخ محمد مخيت المطيعي ٣/١٦٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٤. ١ أخرجه البخاري الوضوء ١/٣١٦ ح ١٦٢ ومسلم الطهارة ١/٢٣٣ ح ٨٧/٢٧٨.
[ ١ / ٣٥٩ ]
شىء ذكره أبو الحسين البصرى ولم يعرف له متقدم وعلى أنا بينا أن خبر الواحد فى العمل منزلة الخبر المتواتر لأنه يوجب العمل بدليل مقطوع به فإذا كان الخبر المتواتر فى العمل مقدما على القياس فكذلك الخبر الواحد يكون كذلك أيضا وهذا لأن الخبر إذا ثبت يصير مقتضاه كأنه سمع من النبى ﷺ وإذا صار كذلك لم يكن بد من تقديمه على القياس وهم يقولون على هذا إنما يجرى مجرى ما سمع من النبى ﷺ فى وجوب العمل وكذلك القياس وقد قال بعض أصحابنا أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبى ﷺ بلا واسطة وإثباته بالقياس مستند إلى قوله بواسطة فكان إثباته بالخبر أولى وهم يقولون على هذا أنه وأن كان لا يتأتى الحكم بالخبر هذه المزية فإن لإثبات الحكم بالقياس مزية أخرى وهى استناده إلى أصل معلوم بدليل قطعى قالوا: وكما أن العمل بخبر الواحد مستند إلى أصل معلوم وهو ما دل على وجوب العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس مستند إلى ما دل على العمل بالقياس وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس مفتقر إلى الاجتهاد فى الإمارة فالحكم بالخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد فى أحوال المخبرين فهما متساويان فى هذه الجهة وهذا من أقوى ما يحتج به المخالف غير أن هذا الدليل موجب التعارض بين خبر الواحد والقياس وأن يكون الأمر فى تقديم أحدهما على الآخر مردود إلى القياس والمعتمد لنا هو الدليل من إجماع الصحابة والدليل لا بأس به على حسب ما ذكرناه وأما قولهم أن السهو والغلط له مدخل فى الخبر جواز ذلك كجواز كون الحكم غيره متعلق بالإمارة فى القياس وأن كان الأغلب صدق الراوى وتعلق الحكم بالإمارة وأما قولهم أنه يخص عموم الكتاب بالقياس قلنا إذا خصصنا العموم بالقياس لم نكن تاركين للعموم أصلا بالقياس وليس كذلك فى مسألتنا لأنه يؤدى إلى ترك الخبر أصلا بالقياس وأما قولهم أن الخبر محتمل قابل للتخصيص والقياس بخلاف ذلك قلنا الكلام فى خبر نص يرد ويخالفه القياس وفى هذه الصورة لا احتمال واعلم أنه قد قال بعض الأصوليين ينبغى أن يضاف إلى الاجتهاد إذا تعارض الخبر الواحد والقياس على الأصول المقطوع بها وهذا ليس بصحيح لأنا بينا معتمدنا إجماع الصحابة وعلى أن الترجيح للخبر بالدليل الثانى الذى قد بيناه ويمكن أن يقال أيضا أن دلالة الألفاظ لا تستنبط من غيرها وأما القياس فهو مستنبط من الألفاظ وكانت أقوى فى الدلالة إلى هذا الموضع انتهت هذه المسألة وهى مع مالك بن أنس ومن تابعه أن ثبت وأما الكلام مع أصحاب أبى حنيفة فإنهم قد زعموا أن الخبر.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الواحد مفهوم على القياس وقد نص عليه أبو حنيفة فى كتاب الصوم وغيره ولكنهم زعموا أن الخبر الواحد إذا خالف الأصول لم تقبل وزعموا أن خبر القرعة وخبر المصراة خالف الأصول وكذلك خبر الشاهد واليمين وزعموا أن خبر القهقهة وخبر الوضوء بنبيذ التمر خالف القياس فإنا نقول نعوذ بالله من الطمع الكاذب وأى مخالفة للأصول فى هذه المسائل التى قالوها وهل ورد أصل مقطوع به فى صورة مسألة القرعة أو صورة مسألة المصراة أو صورة مسألة الشاهد واليمين بخلاف مواجب الأخبار الواردة فى هذه المسائل وإنما غاية قولهم أن قياس هذه الحادثة على أمثالها يقتضى أن يكون الحكم كذا وهو أن يكون الحكم على خلاف ما ورد به الخبر هل هذا إلا رد الخبر بمحض القياس ونقول أن الحديث إذا ثبت صار أصلا فى نفسه إلا أنه ربما لا يكون له من حديث المعنى يظهر فى سائر أصول الشرع وعدم النظير لا يبطل حكم الشىء وإنما يبطله عدم الدليل وإنما صارت الأصول أصولا لقيام الدلالة على صحتها وثبوتها فإذا ثبت الخبر صار أصلا مثل سائر الأصول فلو وجب تركه لسائر الأصول لوجب ترك سائر الأصول به فإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر وعلى أنهم قد استعملوا فى مذهبهم من هذا ما أنكروه من مذهبنا وهو قولهم الخبر فى الوضوء بنبيذ التمر وفى إيجاب الوضوء بالقهقهة وأما الذى قالوا: أن ذلك الخبر مخالف للقياس فى هذا مخالف الأصول تمنى باطل لأن دعوى خلاف الأصول فى المسائل التى ذكروها لا يصح إلا من حيث المعنى وهو محض القياس والعجب أنه كيف صار القول واجبا بهذه الأخبار التى ذكروها أعنى فى القهقهة والوضوء بنبيذ التمر وما أشبه ذلك مع ضعف أسانيدها وبطل القول بالأخبار الصحيحة فى مسألة المصراة والشاهد واليمين والعرايا والقرعة وما أشبه ذلك فهل هذا لا تحكم فى الدين واختيار قول غير أولى بأهل العلم وذوى العقول يدل على ما بينا أن أصل الأصول وأقواها هو الكتاب وقد بين الله تعالى ما حرم من النساء وعدده تعديدا ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلم يمتنع علماء السلف والخلف من قبول الخبر فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وأن كان الظاهر أنه مخالف الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فقبلنا نحن الخبر وكذلك أهل العراق فى تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وقبل عمر ﵁ حديث حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وقضى به وقال لو لم ينسخ هذا لقضينا فيه بغيره فقبل الحديث وأن كان مخالفا.
[ ١ / ٣٦١ ]
لما غفله من معانى الأصول وذلك المعنى فى الأصول هو أن النبى ﷺ أوجب فى النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فيكون جنينا من الإبل أو يكون ميتا فلا يكون فيه شىء إلا أنه لما بلغه الخبر عن رسول الله ﷺ رآه أصلا فى نفسه فقبله ولم يضرب به سائر الأصول وقبل أيضا خبر الضحاك بن سفيان الكلابى فى توريث المرأة من دية زوجها وقد كان يرى خلاف ذلك تمسكا بظاهر القرآن وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ظاهره يقتضى أنها إنما ترث ما كان ملكه الزوج والزوج لم يملك الدية قط لأنها وجبت بموته وهذه دلائل بينة على خلاف ما قالوه وقد ذكر أبو زيد فى أصوله أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم ويحكى على ما ذكروه وقد قال هم أربعة أقسام أما المشهورون فنحو الخلفاء الراشدين والعبادلة وأما المجهولون فنحو معقل بن يسار وسلمة بن المحنق ووابصة بن معبد وسائر الأعراب الذين لم يعرفوا إلا بما رووا ثم المخبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح فإذا خالف نظر فإن كان الراوى من أهل الفقه والرأى والاجتهاد رد القياس بخبره وأن لم يكن من أهل الفقه والرأى رد خبره بالقياس أما الأول فلأن الخبر أولى فى الجملة من القياس لأن الخبر فى الأصل حجة يقينا وإنما وقع الإسناد فى نقل الناقل والرأى فى أصله إشكال فى حق الإصابة ولأن شبهة الرأى من حيث أنه لعلة لم يبلغ حيث كان الحق وشبهة الراويه من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان فيكون لا بحالة لعارض وكان دون الأول قال وقد اشتهر من الصحابة ترك الرأى بالجهر وذكر بعض ما ذكرنا قال وأما الراوى الذى ليس من أهل الفقه فذكر أنه قد ثبت ثبوتا ظاهرا الرد على أبى هريرة بالقياس وكان هو من المشهورين المعدلين إلا أنه لم يكن فقيها روى أبو هريرة الوضوء عما مسته النار فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالحميم فرد بالقياس ولم يشتغل بالسند وقال أبو هريرة وأن كان قال يا ابن أخ إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال فهو لا يكون فى مقابلة ابن عباس ﵃ وقد كان عمر ﵁ يستشير فى أحكام الحوادث وكان يقول له: غص يا غواص شنشذة أعرفها من أحزم وهذا مثل تمثل به العرب يشبه الولد بوالده قال وروى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة١ فقرأت عائشة: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقالت عائشة ﵂ فيه إلا تعجبون من هذا وكثرة حديثه عن النبى ﷺ كان النبى ﷺ يحدث حديثا لو عده عاد لأحصاه وقال إبراهيم.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود العتق ٤/٢٨ ح ٣٠٦٣ وأحمد المسند ٢/٤١٦ ح ٨١١٨.
[ ١ / ٣٦٢ ]
النخعى كانوا يأخذون من حديث أبى هريرة ويدعون قال فدل ما قلناه أن العدل ترد روايته بالقياس إذا لم يكن فقيها لأن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحته ومع ذلك رد حديثه بالقياس لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الحديث بالمعنى فلما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون الراوى نقل بما فقه من المعنى فإذا لم يكن فقيها صار متهما بالغلط لما خالف لفظه معنى القياس الصحيح فالتحق برواية الصبى والمغفل فيرد وأما إذا كان الراوى فقيها لم يتهم وعلم أنه ما نقل ما يخالف القياس إلا عن معرفة صحيحة وهذا لأنه عالم بالرأى وطريقه فلا يظن به تركه إلا بنص محكم قال ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة وحديث العرايا لأنه لم يروهما فقيه وإذا ثبت ما قلنا فى رواية أبى هريرة فمن لم يبلغه فى المنزلة شهرة وصحة بما قلنا إلا أن يكون حديثا عمل به السلف وقد كانوا أهل فقه وتقوى فيدل قبولهم الخبر على علمهم بصحته من طريق آخر.
قال وأما المجهول من الصحابة ﵃ أجمعين فخبره حجة أن عمل به السلف وكذلك أن سكتوا عن الرد وقد ظهر ذلك الخبر فيما بينهم وأما قبل الظهور فيعمل به أن وافق القياس ولا يعمل به أن خالف القياس لأنه فى الرتبة دون أبى هريرة بكثير وقال محتمل أن يقال أن خبر المشهور الذى ليس بفقيه حجة ما لم يخالف القياس وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذى ظهرت عدالته والذى لم تظهر ليكون رد العدل يعارض تهمة وقبول قول غير العدل يعارض دليل وذكر قول عمر ﵁ فى خبر فاطمة بنت قيس ذكرت ما قاله فى هذا الفصل على اختصار وتركت بعض قوله وهذا الرجل قد بنى كلامه فى هذا الفصل على التصرف فى الصحابة والإبهام ببعض الطعن على طائفة منهم ومن بعضهم بعدم العدالة ووسم طائفة منهم بكونهم مجهولين وهذا الذى قاله جرأة عظيمة ولا أدرى كيف وقع الأغضاء عنه والمدامجة فى حقه فى برار أهل السنة وجميع الصحابة قد عدلهم الله تعالى فى آى كثيرة من كتابه فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ والمراد من الذين اتبعوهم بإحسان من مسلمى الفتح ومن أسلم من أهل البوادى والأعراب وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] الآية.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وكذلك وردت أخبار كثيرة فى فضل الصحابة وقال ﷺ: "لا تذكروا أصحابى إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١ والروايات فى جنس هذا تكثر وأما أبو هريرة ﵁ لقد كان من المهاجرين من علية أصحاب رسول الله ﷺ وفضائله كثيرة وحسب السامع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اللهم حبب عبدك أبا هريرة إلى عبادك المؤمنين" ٢ وقد كان دعا له بالحفظ واستجاب الله تعالى فيه ذلك حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلى ثبت عندنا فى الأحكام ثلاثة ألف حديث روى أبو هريرة ﵁ منها ألف وخمسمائة وقال البخارى روى عنه سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وقد روى جماعة من الصحابة ﵃ عنه وقد كان ابن عباس ﵁ يأخذ الحديث عنه وعن أمثاله لأنه كان صبيا فى عهد النبى ﷺ وخبر الوضوء مما مست النار٣ منسوخ وقول ابن عباس ما قاله كان من طريق بينه أنه منسوخ وأما عائشة ﵂ فإنها كانت تنكر عليه سرده الحديث سردا وما كانت تتهمه بالكذب ومعاذ الله أن يظن ذلك بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ وقد كان الزبير وجماعة ينكرون كثرة الرواية عن النبى ﷺ مخافة السهو والغلط وقد ورد أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وجماعة لكثرتهم الرواية عن النبى ﷺ وقيل أنه طعن وتوفى وهم فى حبسه ثم أطلقوا وقولهم أن أبا هريرة ﵁ لم يكن فقيها قلنا لا بل كان فقيها ولم يعدم شيئا من آلات الاجتهاد وقد كان يفتى فى زمان الصحابة ﵃ وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وعلى أنه أن لم يكن من المعروفين بالفقه فقد كان معروفا بالضبط والحفظ والتقوى ولم يقل أحد من الأئمة أن الفقه فى الراوى شرطا.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري فضائل الصحابة ٧/٢٥ ح ٣٦٧٣ ومسلم فضائل الصحابة ٤/١٩٦٧ ح ٢٢١/٢٥٤٠ بلفظ "لا تسبوا أصحابي". ٢ أخرجه مسلم فضائل الصحابة ٤/١٩٣٨ ح ١٥٨/٢٤٩١ وأحمد المسند ٢/٤٢٨ ح ٨٢٧٩. ٣ قال أكثر أهل العلم لا وضوء فيما مسته النار وروى ذلك عن الخلفاء الراشدين وأبي بن كعب وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي الدرداء وأبي إمامة وعامة الفقهاء وذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء مما غيرت النار منهم ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو طلحة وابو موسى وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز وأبو قلابة والحسن والزهري انطر المغني لابن قدامة ١/١٨٤.
[ ١ / ٣٦٤ ]
لقبول روايته.
ببينة: أنه لما لم يشترط فى الشهادة مع أن الاحتياط فيها أكثر والاستقصاء فيها أشد فكيف يعتبر فى الرواية وقد جرى فيها من المساهلة ما لم يجر فى الشهادة.
وقولهم إنهم كانوا ينقلون بالمعنى قلنا وكيف يخفى معنى الحديث على مثل أبى هريرة ودونه وقد كانت الأخبار جاءت بلسانهم التى عرفوها وعرفوا عليها فعله باللسان يمنع من اشتباه المعنى وعدالته وتقواه دافع لتهمة المزيد والنقصان عليه وأن قال يجوز أن يغلط فهذا أمر مثله موجود فى الفقيه وغير الفقيه وموجود فى الشهادات ومع ذلك لم يلتفت إليه فدل ما ذكرناه أن ما قاله هذا الرجل باطل.
وعندى أن من قال أن خبر الواحد على الجملة لا يقدم على القياس أعذر ممن قال مثل هذه المقالة التى مرجعها إلى التصرف فى الصحابة وتطريق الناس للطعن عليهم والغمز فيهم ونسأل الله تعالى العصمة من مثل هذه المقالة الوحشة والعجب أنه يذكر فى أبى هريرة ﵁ ما يذكر وقد نص صاحبهم أنه ترك القياس فيما إذا أفطر ناسيا وراوى ذلك الخبر أبو هريرة ﵁ فقد خالف صاحبه والذى يعتنى كل هذا الاعتناء للذب عن مذهبه وأما حديث عمر ﵁ فى فاطمة بنت قيس فالمراد بذلك فى السكنى وقد ذكرنا فى الخلافيات الفروع والله أعلم.
مسألة: لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب.
وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجب عرضه على الكتاب١ فإن لم يكن فى الكتاب ما يدل على خلافه قبل وإلا فيرد وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين.
وقال أبو زيد فى أصوله خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة العرض على كتاب الله ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفة ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهى السنة التى ثبتت بطريق الاستفاضة ثم العرض على الحادثة فإن كانت الحادثة مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذا كان ذلك زيافة فيه وكذلك أن كان حكم الحادثة بما اختلفت بين السلف اختلافا ظاهرا ولم ينقل عنهم المحاججة بالحديث كان عدم الحجاج زيافة فيه وقال أما الأول فكما روى عن النبى ﷺ قال: "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وأن كان.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٣/١٧٣ المحصول ٢/٢١٥ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/١٧٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٩.
[ ١ / ٣٦٥ ]
مائة شرط" ١ أى كان حكمه بخلاف ما فى كتاب الله ﷿ وروى عن النبى ﷺ أنه قال: "إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه"٢ وأن كتاب الله تعالى ثابت بيننا وغير الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة وكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به قال وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على المجاز وهذا لأن العام عندنا بوجوب العلم بعمومه يقينا كالخاص ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة قال وأن كان معنى المتن لا شبهة فيه يعنى به الخبر لواحد وفى متن الكتاب شبهة لاحتماله الخصوص وكان متن الكتاب بقوة بثبوته أولى من ترجيح غير الواحد بقوة ثبوته لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولى ثم إذا استويا فى جهة المعنى وجه قولهم فى هذا أن خبر الواحد يقتضى الظن وعموم الكتاب يقتضى القطع ولا يجوز العدول عما يقتضى القطع إلى ما يقتضى الظن واستدلوا أيضا بالنسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد كذلك تخصيصه أيضا لا يجوز لأن كل واحد منهما عدول إلى مظنون غير معلوم وكذلك السنة الثابتة بالتواتر والاستفاضة أو الإجماع لأن هذه الأشياء فى إفادة العلم بمنزلة الكتاب.
قال أبو زيد ففى هذا الانتقال علم كثير وصيانة للدين بليغة فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد وقبوله اعتقادا أو عملا بلا عرض له على الكتاب والسنة الثابتة ثم تأويل الكتاب لموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعا وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا فيصير الأساس علما بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد لأن هذا الرجل إنما رد خبر الواحد بشبهة الكذب وتمسك بقياس أو استصحاب حال وأما هذا الآخر جعل خبر الواحد أصلا وعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم به يقينا فكان القول الوسط العدل أن يجعل كتاب الله تعالى أصلا فهو الثابت يقينا وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي الطلاق ٦/١٣٤ باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك وابن ماجه العتق ٢/٨٤٢ وأحمد المسند ٦/٢٠٥ ح ٢٥٥٥٨ وأخرجه البخاري الكتاب ٥/٢٢٥ ح ٢٥٦٣ بلفظ "أيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط" ومسلم العتق ٢/١١٤١ ح ٦/١٥٠٤ بلفظ "من اشترط شرطا..". ٢ قال الحافظ العجلوني هو موضوع انظر كشف الخفاء للحافظ العجلوني ١/٨٩ - ٩٠ ح ٢٢٠.
[ ١ / ٣٦٦ ]
موافقته ويرد إذا خالفه ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على موافقته ويصار إليه إذا لم يوجد فى الكتاب والسنة وذلك الحكم الثابت بالقياس على خلافه فأما إذا وجد فى الكتاب والسنة على خلافه فيرد وضرب أمثلة لهذا الذى ادعاه منها القضاء بشاهد ويمين.
ومنها مسألة الرطب بالتمر فإن الخبر فى الأول ورد مخالفا لكتاب الله تعالى والخبر الثانى ورد مخالفا للسنة المتواترة وهو قوله ﵇ التمر بالتمر مثلا بمثل والفضل ربا١ وذكر فى المسألة الأولى كلامهم المعروف فى مسألة الشاهد واليمين وذكر فى مسألة بيع الرطب بالتمر حرفا زائدا وقال قوله مثلا بمثل للإباحة وقوله والفضل ربا إشارة إلى فضل معتاد المماثلة المذكورة لا محالة وعليه الإجماع وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا لتوهم حدوثه بمعنى طارىء وهو الجفاف وهذا الفضل لا يعتاد المماثلة المبيحة فى الأمثل لأن المماثلة المبيحة فى الأصل هى المماثلة عند العقد وهذا الحديث يقتضى تحريم البيع مع قيام المماثلة فيكون التحريم مع المماثلة خلافا للخبر ولأنه يقتضى ضم مماثلة أخرى إلى المماثلة التى اقتضاها الخبر الأول فيكون إثبات زيادة مماثلة فيقتضى النسخ وذكر خبر فاطمة بنت قيس وقول عمر ﵁ فى ذلك وذكر فى الحادثة التى يعم بها البلوى ما ذكرنا من قبل قال ولهذا لا يقبل قول الواحد فى رؤية هلال رمضان إذا كانت السماء مصحية لأن الناس لما شاركوه فى النظر والمنظر والأعين كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن العادة فأوجب تهمة فى خبره كذلك فى الحادثة التى يعم بها البلوى فقد دفعت الحاجة إلى معرفة حكمها وما كانوا يعملون بالرأى مع النص وكانت عنايتهم فى طلب الحجة أشد من عنايتنا فلو كان النص ثابتا لاشتهر لديهم مثل اشتهار الحادثة وحكمها فلما لم يشتهر أوجب تفرد الواحد بالرؤية تهمة وذكر على هذا الوضوء من مس الذكر ومن حمل الجنازة وخبر الوضوء مما مست النار قال وكذلك الحادثة التى ظهر فيها الخلاف بين السلف ولم تجر المحاجة بالخبر فيدل إعراضهم عن المحاجة بالخبر باطل على عدم ثبوته فإنه لو كان ثابتا مما يحل الإعراض فى المحاجة به ولو وقعت المحاجة به لظهر ولنقل الرجوع عن المخالفة إليه مما هو عادة المتدينين فلما لم يظهر المحاجة بالخبر دل أن الخبر غير ثابت وبيان هذا فى اختلاف الصحابة ﵃ فى زكاة مال الصبى ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٠٨ ح ٢١٣٤ ومسلم المساقاة ٣/١٢٠٩ ح ٧٩/١٥٨٦ والدارمي البيوع ٢/٣٣٥ ح ٢٥٧٨ واللفظ له.
[ ١ / ٣٦٧ ]
"ابتغوا فى أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة" ١ فإنه لم يرو عنهم المحاجة بهذا الخبر دل أنه غير ثابت وكذلك اختلاف الصحابة فى عدد الطلاق أنها بالرجال أو بالنساء ورويتم أنه ﵇ قال: "الطلاق بالرجال" ٢ ولم يجزم بحاجة فثبت أنه مخترع موضوع هذا آخر ما ذكره أبو زيد وسمى هذا الباب باب الانتقاد للخبر الواحد أما الدليل على صحة ما ذكرنا من أن الخبر إذا ثبت لا يجب عرضه على الكتاب لقبوله وكان تخصيص عموم الكتاب به جائز نقول قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فأخبر الله تعالى أن مصدر الخبر عن الوحى كما أن مصدر الكتاب عن الوحى وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال ﷾: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر باتباع سنن الرسول كما أمر باتباع آى كتاب وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه ولم يجز التوقف عنه إلى أن يعرض على الكتاب وهذا لأنه حجة فى نفسه فلا يجب عرضه على حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها وقد قال الشافعى ﵀ لا يجب عرضه على الكتاب لأنه لا يتكامل شرائطه إلا وهو غير مخالف للكتاب فإن قالوا: فما قولكم إذا خالف قلنا أنتم تتوهمون أنه مخالف ولا مخالفة وقد ضربتم أمثلة فى تلك المسائل لا مخالفة بين الكتاب والسنة وقد أجبنا عما قالوه فى مسائل الخلافيات للفروع وخبر القضاء بالشاهد واليمين لا يمسه الكتاب ولا هو يمس الكتاب وكل واحد منهما فى شىء آخر دون صاحبه وكذلك خبر سعد بن أبى وقاص فى بيع الرطب بالتمر لا يخالف الخبر المشهور الوارد فى الربا لأن هذا الخبر الخاص يدل على اعتبار المماثلة فى هذا الموضع الخاص حاله الجفاف أعدل الحالين وإذا بينا المماثلة على حالة الجفاف بين عدم المماثلة عند العقد وقد قررنا ما فى كتاب الاصطلام ذلك وأما الخبر الذى يروون من الأمر بعرض السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث وإنما يروى أبى الأشعث عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن يحيى.
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في الموطأ الزكاة ١/٢٥١ ح ١٢ والطبراني في الأوسط ٤/٢٦٤ ح ٤١٥٢ بلفظ " اتجروا في مال اليتامى.." انظر نصب الراية ٢/٣٣٢ انظر تلخيص الحبير ٢/١٦٧ ح ٧. ٢ أخرجه البخاري الفتن ١٣/٧ ح ٧٠٥٦ ومسلم الإمارة ٣/١٤٧٠ ح ٤١/١٧٠٩.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ابن معين أنه قال هذا حديث باطل وضعته الزنادقة ويحيى بن معين أبو زكريا هو علم هذه الأمة فى علم الحديث وتركته الرواة وهو الطود المنيع وهو الذى كان ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ وحين توفى بالمدينة وحمل على نعش النبى ﷺ وكان رجل يمشى قدام الجنازة ويقول: هذا الذى ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ ويحفظ سنته وأخباره والعجب من هذا الرجل أنه جعل هذا الباب باب نقد الأحاديث ومتى سلم له ولأمثاله بنقد الأحاديث وإنما نقد الحديث لا يعرف الرجال وأحوال الرواة ووقفت على كل واحد منهم حتى لا يشذ عنه شىء من أحواله التى يحتاج إليها ويعرف زمانه وتاريخ حياته ووفاته ومن روى هو عنه ومن صحب من الشيوخ وأدركهم ثم يعرف تقواه وتورعه فى نفسه وضبطه لما يرويه ويقظة رواياته وهذه صنعة كبيرة وفن عظيم من العلم وقد قال النبى ﷺ: "لا تنازعوا الأمر أهله" ١ وهذا الرجل أعنى الدبوسى وأن كان قد أعطى حظا من الغوص فى معانى الفقه على طريقة اختارها لنفسه ولكن لم يكن من رجال صنعة الحديث ونقد الرجال وإنما كان غاية أمره الجدال والظفر بطرق من معانى الفقه لو صحت أصوله التى يبنى عليها مذهبه ولكن لم يحتمل الأساس الضعيف من البناء عليه لا جرم لم ينفعه ما أعطى من الذكاء والفهم إلا فى مواضع يسيرة أصاب فيها الحق وأما فى أكثر كلامه وغايته تراه يبنى على قواعد ضعيفة ويستخرج بفضل فطنته معانى لا توافق الأصول ولم يوافقه عليها أحد من سلف أهل العلم ثم يحمل عجبه برأيه على خوضه فى كل شىء فتراه دخالا فى كل من هجوما على كل علم وأن كان لا يحسنه فيهجم ويعتز ولا يشعر أنه يعثر.
وقد اتفق أهل الحديث أن نقد الأحاديث مقصور على قدم مخصوصين فما قبلوه فهو المقبول وما ردوه فهو المردود وهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى وأبو زكريا يحيى بن معين البغدادى وأبو الحسن على بن عبد الله المدينى وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلى وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستنانى وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ومثل هذه الطبقة يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى والثورى وابن المبارك وشعبة ووكيع وجماعة يكثر عددهم وذكرهم علماء الأمة فهؤلاء وأشباههم أهل.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الفتن ١٣/٧ ح ٧٠٥٦ ومسلم الإمارة ٣/١٤٧٠ ح ٤١/١٧٠٩.
[ ١ / ٣٦٩ ]
نقد الأحاديث وصيارفة الرجال وهم المرجوع إليهم فى هذا الفن وإليهم انتهت رئاسة العلم فى هذا النوع فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وقدر بضاعته من العلم فيطلب الربح على قدره وإنما جرينا الكلام إلى هذا لأنه كان قد ذكر فى كلامه أن فى هذا النقد علما كثيرا وصيانة للدين عن الأهواء والبدع واعلم أن الخطة الفأصلة بيننا وبين كل مخالف أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة ونستخرج ما نستخرج منهما ونبنى ما سواهما عليهما ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا بل نطلب المعانى فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة أخذنا بذلك وحمدنا الله تعالى على ذلك وأن زاغ بنا زائغ ضعفنا عن سواء صراط السنة ورأينا أنفسنا قد ركبت البنيان وبركت الجدد اتهمنا آراءنا فرجعنا بالآية على نفوسنا واعترفنا بالعجز وأمسكنا عنان العقل لئلا يتورط بنا فى المهالك والمهاوى ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف وسلمنا الكتاب والسنة عليها وأعطينا المقادة وطلبنا السلامة وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم.
وأما مخالفونا فجعلوا قاعدة مذاهبهم المعقولات والآراء وبنوا الكتاب والسنة وطلبوا التأويلات المستكرهة وركبوا كل صعب وذلول وسلكوا كل وعر وسهل وأطلقوا أعنة عقولهم كل الإطلاق فهجمت بهم كل مهجم وعثرت بهم كل عناء ثم إذا لم يجدوا وجها للتأويل طلبوا رد السنة بكل حيلة يحتالونها ومكيدة يكيدونها ليستقيم وجهة رأيهم ووجهة معقولهم فقسموا الأقسام ونوعوا الأنواع وعرضوا الأحاديث عليها فما لم يوافقها ردوها وأساءوا الظن بنقلتها ورموهم بما نزههم الله تعالى عنه وهذا الذى نحن فيه وهو التوقف عن قبوله السنة إلى أن يعرض الكتاب والأصول أحد تلك الأقسام على ما قاله هذا الرجل ولسنا نخصه بهذه الآية بل هو متبع فى هذا الأمر ناسج على منوال ثابت قبله سالك سبيلا وطيت له ولأمثاله فإن عيسى بن أبان البصرى هو المخترع لهذا ولذلك نقل عنه التصرف فى الرواة من الصحابة ﵃ فإنه قال أن كان الراوى متساهلا فى الرواية لم يقدم خبره على القياس مثل أبى هريرة وذويه وقد باء ذلك الرجل بوبال نصب هذه الأخبار وخبر هذه المهواة وبسط هذه الشبكة وطرح هذا الشوك فى طريق الإسلام وهذا أن كان فيه ما فيه لكن العلة فى أمر الفروع أسهل والشرع فيه أصح وإنما الشأن فيما يرجع إلى العقائد فى أصول التوحيد وصفات البارى عز اسمه وأمر القضاء والقدر وعند ذلك يأتى ما يضم السمع والعمى والبصر ولكل
[ ١ / ٣٧٠ ]
مرتبة وعن كل مسألة والله تعالى أعدل وهو أحكم من أن يعلم ضعفنا وقصور رأينا وقلة أفهامنا ثم تخلينا وعقولنا أو يجعل ذلك أصل دينه وقاعدة سبيله ونسأل الله تعالى العصمة فهو المستعان ومنه التأييد والتوفيق بمنه رجعنا إلى ما كنا فيه.
أما الخبر الذى رووه من الأمر بعرض السنة على الكتاب فقد ذكرنا الكلام عليه وأما الذى ذكروه من قوله ﷺ: "كل شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل وأن كان مائة شرط" فالمراد من كتاب الله هو حكم الله تعالى وتقدس وعندنا كل شرط لم يحكم الله تعالى بصحته فى كتاب أو سنة فهو باطل.
وقولهم: أن الكتاب يقين والسنة فيها شبهة.
قلنا الخبر فى العمل يقين أيضا وقد بينا فى كتاب الانتصار أن عرض القوم ليس هو عرض السنة على الأصول فإنا بحمد الله تعالى لم نجد خبرا صحيحا يخالف الكتاب بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان وأن عرض سؤال سائل فى كتاب أو خبر فقد أجاب عنه علماء السنة وقد ذكر ذلك الشىء فى كتاب مختلف الحديث وأجاب عنه وذكر غيره أيضا ولكن غرض القوم ومرماهم رد السنة وطى الأحاديث جملة وقد قال أبو حنيفة ما جاءنا عن الله تعالى وعن رسوله فعلى الرأس والعين وهذا قول ثابت عنه وهذا لفظ منصف معترف للانقياد للكتاب والسنة وهو ينفى ما زعموه من التوقف إلى أن يعرض على الكتاب وقد روى ابن عيينة عن سالم أبى النضر عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندرى ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" ١ فبين ﷺ أن الترفه والنعمة وترك طلب العلم مجملة على هذا المقال فإن الاتكاء على الأريكة شأن المترفين والمنعمين وقد قال الله تعالى فى صفة أهل النار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وأما مسألة ورود الخبر فيما يعم به البلوى وقد ذكرنا من قبل فلا يفيد وقد بينا وجود المناقضة فى ذلك ودللنا على فساد ما قالوه بما فيه الغنية وأما ترك احتجاج الصحابة بالخبر فليس فيه دليل على ما قالوه لأنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم بلوغ الخبر أياهم وعلى أن غرضه من ذلك الخبر الذى ذكرناه فى مسألة زكاة الصبى وليس الخبر بذلك الأحكام الذى يقتنع وأما الذى نسب إلينا من روايتنا عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود السنة ١٩٩٤ ح ٤٦٠٥ والترمذي العلم ٥/٣٧ ح ٢٦٦٣ وقال حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/٧ ح ١٣.
[ ١ / ٣٧١ ]
"الطلاق بالرجال والعدة بالنساء" ١ فنحن لا نثبت هذا الخبر وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة فهو جائز عندنا لإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" ٢ وما روى أن النبى ﷺ قال: "لا يرث قاتل" ٣ أو لفظ هذا معناه.
فإن قالوا: أن فاطمة ﵂ قد طلبت الميراث ولم تقبل هذا التخصيص.
قلنا إنما طلبت التحلى لا الميراث وخصوا قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] بقوله ﵇ لا يتوارث أهل ملتين حتى قالوا: لا يرث الزوج من المرأة النصرانية ولا المرأة النصرانية من زوجها وخصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بما روى عن النبى ﷺ أنه قال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها٤ وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بخبر أبى سعيد فى منع بيع الدرهم بالدرهمين وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بخبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ فى المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٥ والمجوس مشركون وقد خصوا وأمثال هذا تكثر.
فإن قالوا: أليس أن عمر ﵁ قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة٦.
قلنا يجوز أن يكون معناه لا ندع كتاب ربنا نسخا وهذا لأنه لا يقال لما خص من القرآن أنه ترك القرآن إنما يقال لمن ادعى النسخ وهذا لأن التخصيص مجراه فى الآية العامة والخبر العام مجرى البيان على ما سبق ذكره وخرج النسخ على هذه الآية تغير الحكم ورفعه.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه. ٣ تقدم تخريجه. ٤ أخرجه البخاري النكاح ٩/٦٤ ح ٥١١٠ ومسلم النكاح ٢/١٠٢٩ ح ٣٧/١٤٠٨. ٥ أخرجه مالك في الموطأ الزكاة ١/٢٧٨ ح ٤٢ والبيهقي في الكبرى ٩/٣١٩ ح ١٨٦٥٤. ٦ أخرجه مسلم الطلاق ٢/١١١٨ ح ٤٦/١٤٨٠ وأبو داود الطلاق ٢/٢٩٧ ح ٢٢٩١.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأما قولهم أن خبر الواحد يفيد الظن والكتاب يقتضى القطع قلنا نحن نعمل بخبر الواحد بطريق قطعى مفيد الحكم فهو مثل دليل الكتاب فى العمل قالوا: أليس إنا نعلم قطعا ويقينا أن الله تعالى قال وحكم بما يتضمنه الكتاب وفى خبر الواحد نظر أن النبى ﷺ قال ولا نعلمه والجواب أما نظن أن النبى ﷺ قال الذى قال فى خبر الواحد وقام لنا الدليل القطعى على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك وكل هذا علم لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوى ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل فما ظنناه فثبت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب.
فإن قالوا: بما رجحتم حكم الخبر الواحد على ما يقتضيه الكتاب من العموم.
قلنا بإجماع الصحابة على ما سبق وهو المعتمد والله أعلم.
واعلم أنه إذا ثبت الخبر فخلاف الصحابى إياه لا يوجب رده وترك العمل به لأن الخبر حجة على كافة الأمة والصحابى محجوج به كغيره١ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا وارد من غير تخصيص لبعض الأمة دون البعض وقد روينا عن الصحابة أنهم تركوا اجتهادهم وما صاروا إليه بقول الصحابة وأما بغير الصحابى أولى هذا إذا احتمل الخبر وجهين مثل ما فعله عمر ﵁ فى خبر المتبايعين وأما تخصيص الصحابى فلا نقبله ما لم يقم الدليل على التخصيص وهو مثل قول ابن عباس فى المرتدة وقد سبق بيان هذا والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٢١٥، ٢١٦ نهاية السول ٣/١٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٦.
[ ١ / ٣٧٣ ]