فصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز.
وعن داود أنه لا يجوز٣ لأن الله تعالى جعل رسوله ﷺ مبينا فلا تحتاج سنته إلى بيان وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة.
_________________
(١) ٣ انظر إحاكم الأحكام ٢/٤٦٩ المحصول ١/٤٦٩ نهاية السول ١/٤٢٩ نهاية السول ٢/٤٥٧ المعتمد ٢/٢٥٥ وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٣٠٥.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقوله أن السنة بيان.
قلنا والكتاب تبيان قال الله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وأن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة موجود كما وجد تخصيص الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين.
وبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله ﵇: "لا تنتفعوا من الميتة بشىء" ١ قد خص بما روى أنه ﵇ قال فى شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه" ٢ وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله ﷺ وتخصيصه بها.
ومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال رسول الله ﷺ بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة وقد خصت الصحابة قوله ﵇ فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى رجم ماعز والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب.
وعندى أن هذا بالنسخ أشبه وأيضا فإن النبي ﷺ نهى عن الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله فى حقه دون غيره.
وأما تخصيص العموم بالإجماع.
فهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة٣ وقد خص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بأن العبد لا يرث وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب جاز أن يخص به عموم السنة أيضا.
وأما تخصيص العموم به على ما قدمناه.
وأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الكبرى ١/٤٠ ح ٩٤ انظر نصب الراية ١/١٢٠. ٢ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٧٦ ح ١٠٠/٣٦٣ وأبو داود اللباس ٤/٦٤ ح ٤١٢٠ والترمذي اللباس ٤/٢٢٠ ح ١٧٢٧. ٣ انظر المحصول ١/٤٣٠ المستصفى ٢/١١٢، ١١٣ نهاية السول ٢/٤٥٦ البرهان ١/٤٤٢ وإحكام الأحكام ٢/٤٧٧ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٤، ٣٠٥.
[ ١ / ١٨٨ ]
وإن لم يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى ﵀ يجعله فى القديم حجة كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن يكون حجة فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص العموم به.
وأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج بالعموم فلا يخص بقوله العموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم فى خبر النبي ﷺ قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بخبره١ ومثل هذا يوجد كثيرا.
وأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه.
فإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات٢ وقد روى غسله سبعا عن النبي صلى الله عليه وسلم٣ وخص روايته بمذهبه ببينة أن الرواى لا يترك ما رواه عن النبي ﷺ إلا وقد عرف من النبي ﷺ تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة٤ ولأنه محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه بقوله كغيره.
ويبينه: أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول ﷺ ومراده من العموم لم يخالف وهذا وأن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون وعلى أن خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول ﷺ كان ينبغى أن يتبين ذلك لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول ﷺ والكلام.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم البيوع ٣/١١٧٩ ح ١٠٦/١٥٤٧ ولم يذكر أربعين سنة وأحمد المسند ٢/١٦ ح ٤٥٨٥. ٢ عزاه الحافظ الزيلعي لابن عدي في الكامل انظر نصب الراية ١/١٣١. ٣ أخرجه البخاري الوضوء ١/٣٣٠ ح ١٧٢ ومسلم الطهارة ١/٢٣٤ ح ٨٩/٢٧٩ وأبو داود الطهارة ١/١٨ ح ٧١ والترمذي الطهارة ١/١٥١ ح ٩١ والنسائي الطهارة ١/٤٦ باب سؤر الكلب وابن ماجه الطهارة ١/١٣٠ ح ٣٦٣. ٤ انظر المحصول ١/٤٤٩ وإحكام الأحكام ٢/٤٨٥ نهاية السول ٢/٤٧٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٢٤.
[ ١ / ١٨٩ ]
الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول الرسول ﷺ ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن نتفحص عن قول من يخالفه أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى باطل وخلاف من ليس بمعصوم عن الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن المرتد لا يقتل أن ثبت عنه لا يخص به عموم قوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" ١ وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر كالذى رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ﷺ ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله والفرق بين تفسيره وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له فأخذ به وأما مذهبه مخالف فلا يخص به على ما سبق.
وأما التخصيص بالقياس.
فقد اختلف فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم يجز أن يخص القياس والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ولا شك أن العلمى أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز التخصيص به ولأن العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص.
وقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص وذهب أبو بكر محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم والقياس إذا تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث أن كل واحد منهما صار حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما وأما الشافعى ومالك وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل.
ببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٩٠ ]
طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا التقتا كان القضاء للمعانى على الأسامى.
والجواب عما ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه وقولهم أنه يفيد العلم قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده فأما فى محتملاته فلا نسلم ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم والقياس يجوز أن يدل على ذلك تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر الواحد على ما قدمناه فلا يجوز نسخه به وأما قولهم أن العموم نص قلنا صيغة العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم يدخل فيه.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل وإذا ثبت جواز تخصيص العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين قال بعض أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص العموم١.
_________________
(١) ١ اعلم أن الأسنوي قد نقل الانفاق على أن القياس القطعي يخصص به العام من الكتاب والسنة المتواترة وأما القياس الظني فهو محل الخلاف وقد اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال كثيرة أهمها ما ذكره البيضاوي وهوسبعة أقوال: القول الأول: وهو المختار للبيضاوي ونقل عن الأئمة الأربعة أنه يجوز تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. القول الثاني: لا يجوز مطلقا - وهو المختار للإمام الرازي وأبي علي الجبائي من المعتزلة. القول الثالث: إن خصص العام بمخصص قبل القياس جاز تخصيصه بالقياس وإن لم يخصص العام قبل ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس وهذا القول لعيسى بن أبان - غير أن الأسنوي قيد هذا القول بما قاله عيسى بن أبان في الخبر وهو أنه لا بد أن يكون مخصص العام قبل القياس قطعيا ولكن ظاهر كلام البيضاوي وصاحب جمع الجوامع أن هذا الشرط غير مطلوب في تخصيص العام بالقياس وقالوا في الفرق إن القياس أقوى من خبر الواحد فلا يشترط في الأقوى ما يشترط في الأضعف وقد استدل عيسى بن أبان بما استدل به في خبر الواحد. القول الرابع: إن خصص بمتصل أو لم يخصص أصلا لم يجز في تخصيصه بالقياس وإن خصص بمنفصل جاز تخصيصه به - وهذا لأبي الحسن الكرخي. القول الخامس: إن كان القياس جليا بأن قطع فيه نفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع كقياس=
[ ١ / ١٩١ ]
وأما التخصيص بدليل الخطاب.
فيجوز تخصيص العموم به.
قال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل والكلام معهم يجىء أن شاء الله.
وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما كان يجوز التخصيص به.
وأما فحوى الخطاب.
فيجوز التخصيص به وقد بيناه.
ثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ..﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم خص منها بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على جزاء الصيد فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع.
فهذا بيان ما قدمناه.
_________________
(١) = العبد على الأمه بجامع الرق ليثبت له تنصيف الحد في الزنا كما ثبت له ذلك لأن الفارق بينهما هي الذكورة والأنوثة وهي غير مؤثرة في الحكم - جاز تخصيص العام به وإن كان القياس خفيا. بأن لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق كقياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار ليثبت له التحريم كما ثبت في الخمر حيث لم يقطع بنفي تأثير الفارق لجواز أن يكون كونه خمرا هو المؤثر - لم يجز تخصيص العام به وهذا القول لا بن سريج من الشافعية. القول السادس: لحجة الإسلام الغزالي: العام والقياس متعارضان في الفرد الذي دل عليه القياس فإن ترجح أحدهما على الآخر عمل بالراجح منهما وإن تساويا لم يعمل بواحد منهما فيه بل يتوقف عن العمل بواحد منهما فيه حتى يوجد المرجح. القول السابع: الوقف وعدم الجزم بشيء حتى يوجد المرجح فيعمل به وهو لإمام الحرمين انظر المحصول ١/٤٣٦ وإحكام الأحكام ٢/٤٩١ ونهاية السول ٢/٤٦٣ المستصفى ٢/١٢٢ البرهان ١/٤٢٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١١.
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما التخصيص بالعادة والعرف١.
فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به٢ لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم.
مسألة إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ولا يستقل بنفسه.
وليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه.
_________________
(١) ١ العادة هي الأمر المتكرر وتعرف عند الحنفية بالعرف. والعرف نوعان: قولي وعملي. العرف القولي: هو ما ثبت باستعمال اللفظ في معنى خلاف المعنى الذي وضع له لغة مثل لفظ الدابة. العرف العملي وهو ما ثبت بالعمل والعفل لا بالاستعمال اللفظي انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٧، ٣١٨. ٢ اعلم أن المقصود بالعرف هنا هو العرف العملي حيث إن العرف القولي لا خلاف أنه يخصص به العام. والعرف العملي قد اختلف فيه الحنفية والشافعية فذهب الحنفية إلى أنه كالعرف القولي يخصص به العام والجامع بينهما أن كلا منهما يتبادر من اللفظ عند الإطلاق - غاية الأمر أن منشأ التبادر في العرف القولي هو استعمال اللفظ وذلك يعتبر فرقا مؤثرا في الحكم. وأما الشافعية فقالوا: إن مجرد العرف العملي الذي لا يستند إلى قرار من الرسول ﵊ لا يكون مخصصا للعام الوارد على لسان الشرع لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع فإن استند إلى قرار منه ﵇ يكون المخصص هو الإقرار وسيأتي الكلام عليه. مثال ذلك أن ينهى الشارع عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا - ويتعارف الناس على طعام خاص فيما بينهم كالبر أو الذرة مثلا - فالطعام إذا أطلق في عرفهم يتبادر منه هذا النوع بخصوصه فهل يكون العام مخصصا بهذا العرف أو لا يكون مخصصا به في ذلك الخلاف. انظر نهاية السول ٢/٤٦٩ انظر المحصول ٤٥١ انظر البرهان ١/٤٤٥ إحكام الأحكام ٢/٤٨٦ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٤١٧، ٤١٨.
[ ١ / ١٩٣ ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم١ أو سها النبي ﷺ فسجد٢ وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى أن النبي ﷺ سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ٣ فاقتضى الجواب أن يكون الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي ﷺ سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال: "الخراج بالضمان" ٤ فكان قوله الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره وكذلك الرخصة فى العرية إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به الرطب فأجاب رسول الله ﷺ بالرخصة فى العرية فكان الجواب عاما فى الفقراء والأغنياء واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن يحمل على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب فأما إذا لم يفد ما لم يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه وهذا كما روى أنه ﵇ قال فى جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا٥ [] ٦لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل بنفسه فى الإفادة [] ٧ على سببه.
وقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق وقد.
_________________
(١) ١ مسلم الحدود ٣/١٣١٩ ح ١٧/١٥٩٢ وأبو داود الحدود ٤/١٤٤ ح ٤٤٢٢ وأحمد المسند ٣/٤٦٦ ح ١٥٠٩٨. ٢ أخرجه البخاري السهو ٣/١١١ ح ١٢٢٤ ومسلم المساجد ١/٣٩٩ ح ٨٥/٥٧٠ وأبو داود الصلاة ١/٢٧٠ ح ١٠٣٤ والنسائي السهو ٣/١٧ باب ما يفعل من قام من اثنتين ناسيا ولم يتشهد؟ ٣ أخرجه أبو داود الطهارة ١/٢١ ح ٨٣ والترمذي الطهارة ١/١٠٠ ح ٦٩ وقال حسن صحيح والنسائي المياه ١/١٤٣ باب الوضوء بماء البحر وابن ماجه الطهارة ١/١٣٦ ح ٣٨٦ ومالك في الموطأ الطهارة ١/٢٢ ح ١٢ والدارمي الطهارة ١/٢٠١ ح ٧٢٨ وأحمد المسند ٢/٣١٨ ح ٧٢٥٢. ٤ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٨٣ ح ٣٥١٠ والترمذي البيوع ٣/٥٧٢ ح ١٢٨٥ - ١٢٨٦ والنسائي البيوع ٧/٢٢٣ باب الخراج بالضمان وابن ماجه التجارات ٢/٧٥٤ ح ٢٢٤٣ وأحمد المسند ٦/٢٣٣ ح ٢٥٨٠٠. ٥ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٤٨ ح ٣٣٥٩ والترمذي البيوع ٣/٥١٩ ح ١٢٢٥ وقال حديث حسن صحيح والنسائي البيوع ٧/٢٣٦ باب اشتراء التمر بالرطب وابن ماجه التجارات ٢/٧٦١ ح ٢٢٦٤ ومالك في الموطأ البيوع ٢/٦٢٤ ح ٢٢. ٦ كشط بالأصل بمقدار كلمتين. ٧ كشط بالأصل بمقدار كلمتين.
[ ١ / ١٩٤ ]
أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر المروى فى بئر بضاعة وقال قوله ﷺ: "الماء طهور لا ينجسه شىء" ١ مقصور على سبببه وقال فى قوله: "لا قطع فى ثمر وكثر" ٢ أنه خرج على عادة أهل المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة وسائر الأصحاب قالوا: إنما قال الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم يكن هناك دليل يدل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه.
واحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى بيانه على السؤال وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا فى الجواب فيخصص الحكم به.
ببينة: أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول بالعلة.
قالوا: ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا.
يدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام وإذا جرينا على ما قلتم كان ابتداء الكلام ولم يكن جوابا ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله لا أتغدى يكون اليمين مقصورا على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث وإنما كان كذلك لما بيناه قالوا: ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب فلا بد له من فائدة وليس فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم فى المسألة.
وأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال خاص وجب إجراؤه على العموم وأن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ الشارع وخصوصه وهذا كلام.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٧ ح ٦٦ والترمذي الطهارة ١/٩٥ ح ٦٦ وقال حديث حسن والنسائي المياه ١/١٤١ باب ذكر بئر بضاعة وأحمد المسند ٣/٣٨ ح ١١٢٦٣. ٢ أخرجه أبو داود في الحدود ٤/١٣٤ - ١٣٥ الحديث ٤٣٨٨ والترمذي في الحدود ٤/٥٢ - ٥٣ الحديث ١٤٤٩ والنسائي ٨/٨٦ وابن ماجه ٢٥٩٣ والدارمي ٢/١٧٤ والإمام أحمد في مسنده ٣/٤٦٣.
[ ١ / ١٩٥ ]
لا بأس به إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل التخصيص فى الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق وقال عنيت بعض نسائى لم يصدق بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا عليه على الخصوص وصح ذلك والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة للسبب وغيره حتى يوجد الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم لاستيعاب كل ما يصلح له فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب إجراؤه على عمومه إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا ببينة أنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ولا من حيث الشريعة ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى ﵇ عما فى يمينه فقال ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ طه ١٧ فأجاب موسى ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ طه ١٨ فأجاب وزاد فثبت أن السؤال عن شىء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه.
يدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى شىء ما ولم يجريه التخصيص وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على الأول.
وأما الجواب عن كلماتهم قولهم أن السؤال والجواب كالشىء الواحد.
قلنا أن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال وأما فيما يزيد عليه فلا ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع إلا على هذه المرأة على الخصوص.
وأما قولهم أن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة.
قلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به.
وأما قولهم أن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب.
قلنا أن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط الجواب وقد بيناه وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة من.
[ ١ / ١٩٦ ]
غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى ﵇ عن عصاه وسؤال النبي ﷺ عن التوضؤ بماء البحر.
وأما قولهم أن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام.
قلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل عنه.
فأما أن يمنع الزيادة عليه فلا وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى وأما إذا قال تغد معى فقال والله لا أتغدى قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب الشافعى فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا على حقائق الألفاظ.
وأما قولهم أن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة.
قلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم.
وقد قال بعضهم فى أصوله أن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من مذهبه١.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٤٧٦ المحصول ١/٤٤٨ وإحكام الأحكام ٢/٤٨٨ روضة الناظر ٢٠٥ القواعد لابن اللحام ٣٦٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٣٢١.
[ ١ / ١٩٧ ]