فصل: قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء.
وأما تخصيص العموم بالشرط١.
فهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] وليس.
_________________
(١) ١ الشرط لغة: هو العلامة ومنه أشراط الشاعة أي علاماتها انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/ وعرفه صاحب جمع الجوامع بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم انظر جمع الجوامع ٢/٢٠ نهاية السول ٢/٤٣٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٩٢.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وليس كونهن فى حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب الأحوال١.
وإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى صحة الصلاة بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ
_________________
(١) ١ قال الآمدي اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له وذلك كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقوله ﷺ "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وقوله ﷺ "فليستنج بثلاثة أحجار" فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر وأن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق وأن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإنابة من يزوجها وأن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية ولم يكن الحكم في محل السكوت أولى بالثبوت وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص أو لا يجب! إن قلنا إنه لا يجب كان التخصيص بالذكر عبثا جليا عن الفائدة وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله وإن قلنا بموجب نفي الحكم لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة. والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص فلا يخلو إما أن يكون مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء أو أن عدمه أظهر من وجوده فإن كان الأولى فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات وعلى هذا فلا مفهوم وإن كان الثاني فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت أن لو كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر وليس كذلك وذلك لأن نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق على نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا انظر إحاكم الأحكام ٣/١٤٦.
[ ١ / ٢٢٣ ]
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز الصيام وجعل العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] أوجب إطلاق العموم استغراق ما انطلق عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين أن كانوا حربيين وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية أن كانوا كتابيين صار هذا١ الشرط مخصصا لعموم الأسماء.
واعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه أن أكرم زيدا بالأمس فهو قبل وجود الشرط وأن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من إكرام زيد بالأمس فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط.
وأما أن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله أن كان زيد قدم فأكرم عمرا فهذا على ضربين.
أحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم يتقدمه أمر يختص بالشرط.
والضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد الأمر لأنه معقود على ماض وليس معقود على مستقبل.
وأما تخصيص العموم بالغاية.
فالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [لتوبة: ٢٩] فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف عنهم بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا.
وقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى إباحة الإصابة.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "صارت هذه" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما.
وأما التخصيص بالتقييد.
مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وكقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] فلما قيد الرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا المؤمنة ومن الصيام إلا المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة وكل صيام متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا لكل عموم ورد به السمع.
ويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر١ وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال إذا قدم زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية.
_________________
(١) ١ اعلم أن الشرط قد يأتي متعددا على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا أو محصنا فارجمه فيحتاج إليهما للرجم وأما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه فيكفي واحد منهما في وجوب القطع انظر نهاية السول ٢/٤٤١ إحكام الأحكام ٢/٤٥٥، ٤٥٦ المحصول ١/٤٢٤ المعتمد ١/٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٩٤، ٢٩٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]