ذهب الجمهور إلى أن الله تعالى قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز ونفى بعض أهل الظاهر ذلك١ وقالوا: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للعجز عن التكلم بالحقيقة وذلك يستحيل على الله تعالى ولو خاطب الله تعالى بالمجاز والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز فى خطابه وبأنه مستعير ولأن المجاز لا يغنى عن معناه بنفسه فورود القرآن به يؤدى إلى الالتباس ولأن القرآن كله حق فيكون كله حقيقة لأن الحق والحقيقة معنى واحد.
أما دليلنا فنقول فى الدليل على حسن ذلك أن القرآن أنزل بلسان العرب وفى.
_________________
(١) ١ نهاية السول ٢/١٤٨، ١٤٩ المحصول ١/١٤٠ المستصفى ١/١٠٥ شرح المنار لابن مالك ١٠٨ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٦٤، ٦٥.
[ ١ / ٢٦٧ ]
إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب يقتضى حسن خطابه إيانا فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير والتنفير يكون بالكلام السخيف الذى ينسب قائله إلى المجون والغى وليس هذا سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز والاستعارة ثم الدليل على أن فى القرآن مجازا كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [لكهف: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الإسراء ٢٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أى شدة وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أى ذاهبا وقال تعالى فى حل النساء: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة ٦٤ فليس يخلو أما أن يقول هذه الألفاظ وضعت فى الأصل للمعانى التى أراد الله ﷾ وهذا قد أفتاه من قبل وأما أن يقول: هذا الكلام كان مجازا فى اللغة بهذه المعانى ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التى أرادها الله ﷿ كما يسبق إلى أفهامهم الصلاة الشرعية ومعلوم أنه لا يسبق إلى الأفهام فى قوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [لكهف: ٧٧] الإرادة التى توجد للإنسان وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] الصدع الذى هو الشق وكذلك فى قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤] الجناح الذى يكون للطائر فثبت بطلان ما ادعوه وعرف قطعا وجود المجاز فى القرآن.
فأما قولهم أن العدول إلى المجاز عجز إنما يقتضى العجز عن الحقيقة أو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز يحسن لما فيه من زيادة اللفظ والمبالغة فى التشبيه والتوسع فى الكلام والاختصار والحذف على ما هو عادة العرب فدل أن ذلك ليس بعجز.
وأما قولهم أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الرب ﷿ متجوزا أو مستعيرا.
قلنا عندنا لا يجوز أن يسمى الرب تعالى أو يوصف بوصف إلا الذى ورد به القرآن والسنة ولأنه لما يقال فى العادة فلان متجوز فى أفعاله وأقواله إذا كان يسمى بالقبح منها.
وأما قولنا مستعير فإنما يفهم من إطلاقه إذا استأذن غيره فى التصرف فى ملكه.
[ ١ / ٢٦٨ ]
لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله ﷿.
وأما قولهم أنه يؤدى إلى الالتباس قلنا لا التباس مع القرينة الدالة على المراد.
وأما قولهم أن كل القرآن حق فيكون كله حقيقة.
قلنا ليس الحقيقة من الحق فسنبين أن الحق فى الكلام أن يكون صدق وأن يجب العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له وسواء كان صدقا أو كذبا إلا ترى أن قول النصارى ثالث ثلاثة ليس بحق وهو حقيقة فيما أرادوه وقوله ﷺ: "يا أنجشة رفقا سوقا بالقوارير" ١ ليس بحقيقة فيما قيلت فيه وهو صدق وحق فدلنا أن أحدهما غير الآخر ويقول: أن القرآن نزل بلسان العرب قلنا اشتمل القرآن على أقسام كلامهم فيما عدا المجاز اشتمل أيضا على المجاز ليكون كلام الله تعالى جامعا لأقسام الكلام فيكون أبلغ فى الإعجاز مع التحدى وهذا الكلام وجيز حسن والله الهادى بمنه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الأدب ١٠/٥٩٧ ح ٦٢٠٢ ومسلم الفضائل ٤/١٨١١ ح ٧٠/٢٣٢٣ وأحمد المسند ٣/١٣١ ح ١٢٠٤٧.
[ ١ / ٢٦٩ ]