اعلم أنا بينا أن الكلام ينقسم إلى الحقيقة والمجاز والصريح والكناية والمبين والمجمل والمفسر والمبهم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد وقد بينا ذلك وهذه الوجوه كلها بلسان العرب وجاء الكتاب والسنة بها والبيان المطلوب متعلق بجميع ذلك وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [صّ: ٢٣] وكنى عن الوطء بالإفضاء وكنى عن النساء بالحرث وكنى عنهن باللباس وكنى عن ما يخرج من الإنسان بالغائط وكنى النبي ﷺ عن الوطء بالعسيلة وكنى عن النساء بالقوارير وكنى عن قرب المشركين بلفظ النار وقال ﷺ: "لا تستضيئوا بنار المشركين" ١.
وقد قيل أن الكناية عند العرب أبلغ من الصريح فى معنى البراعة وأكثر أمثال العرب على مجاز من الكنايات ويقولون فلان عفيف الإزار طاهر الذيل وكنوا عن الاقتضاض بثقب اللؤلؤ وكنوا عن بنت الرجل بكريمته وعن الصغير بالريحانة وعن الأخت بالشقيقة وعن الأعمى بالمحجوب وعن الأبرص بالوضاح وعن الأسود الذى قد شاب رأسه بالغراب وعن البخيل بالمتقصد وكنوا عن البخيل بأنه جعد الأصابع وقالوا: فيمن اكتهل سدل الأدهم٢ بالأبلق٣ وقالوا: استبدل المسك بالكافور وأمثال هذا كثير.
واعلم أن المجاز على وجوه كثيرة ويذكر بعضها من ذلك تسمية الشىء باسم غيره٤ إذا كان لسبب كتسميتهم البنت ندى لأنه من الندى يكون بما سموا النجم ندى لأنه عنه.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي الزينة ٨/١٥٤ باب لا تنقشوا على خواتيمكم عربيا وأحمد المسند ٣/١٢٢ ح ١١٩٦٠. ٢ الأدهم: الأسود القاموس المحيط ٤/١١٥. ٣ الأبلق: الأبيض القاموس المحيط ٣/٢١٤. ٤ انظر المحصول ١/١٣٥.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ينعقد ومن هذا تسميتهم الوطء نكاحا لأن العقد الذى هو حقيقة النكاح سبب له فسمى باسم سببه كتسميتهم المطر سماء لأنه من السماء ينزل.
تقول العرب ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم وقال الشاعر
إذا سقط السماء بأرض قوم وأرض القوم ليس لهم حجاب
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧] يعنى الجنة لأن دخولهم الجنة برحمته يكون.
ومن المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقارنه ويجاوزه قال امرؤ القيس.
إذا ما الثريا فى السماء تعرضت
وفى شعر زهير سمى عاقر الناقة أخا عاد وأراد ثمود لقرب ما بينهما وسموا أهداب العين أشفارا وإنما الأشفار مبيت أهداب العين وعبروا أيضا عن الجفن بالعين وبالمحاجر عن الوجه قال الشاعر.
هن الحرائر الأرباب لعمرى سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وقال بعض أصحابنا أن الوجه يعبر به عن العين مجازا ومن هذا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] معناه أعين يومئذ ناضرة ويعبرون عن الوجه بالناصية فيقولون فلان مبارك الناصية أى مبارك الوجه ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم ما يؤول إليه١ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وقال تعالى لهما يأكلون في بطونهم نارا ومن هذا قوله ﷺ فى الذى يشرب فى آنية الذهب والفضة: "إنما يجرجر فى بطنه نار جنهم" ٢.
ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم مكانه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [قّ: ٣٧] أى عقل فكنى عن العقل بالقلب لأنه مكان العقل ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] أى بالقوة لأن اليمين محل القوة ومن هذا أيضا تسميتهم قضاء الحاجة غائطا والشىء النجس عذرة ومن هذا تسمية الولد لهوا قال الله تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا أى ولدا لأنه وضع اللهو.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ١/١٣٤. ٢ أخرجه البخاري الأشربة ١٠/٩٨ ح ٥٦٣٤ ومسلم اللباس ٣/١٦٣٤ ح ١/٢٠٦٥ وابن ماجه الأشربة ٢/١١٣ ح ٣٤١٣ ومالك في الموطأ صفة النبي ﷺ ٢/٩٢٤ ح ١١ وأحمد المسند ٦/٣٣٩ ح ٢٦٦٦٧.
[ ١ / ٢٨٥ ]
ومن المجاز تسميتهم باسم بعض١ يقول القائل من على رأس كذا يريد نفسه وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ النساء ٣ أى ملككم ومن ذلك قوله فظلت أعناقهم لها خاضعين الشعراء ٤ أى فظلوا ومن ذلك قوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى ترد" ٢ وقد فرع مشايخنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد والرجل وقد بينا فى الخلافيات وعلى هذا الأصل تفريعات كثيرة.
ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم الشىء على معنى التشبيه٣ قال النبي ﷺ لخالد بن الوليد: "هو سيف من سيوف الله ﷿" ٤ أى كالسيف فى إمضائه وركب فرسا لأبى طلحة فقال وجدناه بحرا شبهه به لسعة الجرى ومنه تسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا والشرير كلبا.
ومن وجوه المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقابله٥ مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] سمى الثانى سيئة وأن كان جزاء السيئة حقيقة لأنه يقابله وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فسمى الثانى اعتداء لمكان المقابلة ومن المجاز تسمية الشىء باسم غيره إذا قام مقامه وسد مسده وقد ورد هذا فى الأشعار.
ومن المجاز حذفهم بعض الكلام على وجه لا يؤدى إلى الالتباس قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أى أهل القرية وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أى وقت الحج أشهر معلومات.
ومن المجاز أيضا الاستعارة فإن العرب تستعير الشىء لنوع مقاربة بينهما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
_________________
(١) ١ انظر المحصول ١/١٣٦. ٢ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٩٤ ح ٣٥٦١ والترمذي البيوع ٣/٥٥٧ ح ١٢٦٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الصدقات ٢/٨٠٢ ح ٢٤٠٠ وأحمد المسند ٥/١٢ ح ٢٠١٠٩ انظر نصب الراية ٤/١٦٧. ٣ انظر المحصول ١/١٣٥. ٤ أخرجه البخاري فضائل الصحابة ٧/١٢٦ ح ٣٧٥٧ ومسلم الزكاة ٢/٧٤٣ ح ١٣٥/١٠٦٤ ولفظ الحديث عند البخاري والترمذي المناقب ٥/٦٨٨ ح ٣٨٤٦ وأحمد المسند ٤/١١٢ ح ١٦٨٢٩. ٥ انظر المحصول ١/١٣٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
فالاستعارة فى لفظ الخيط ومن الاستعارة قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] وإنما الاشتعال للنار ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤] فاستعار اسم الجناح وهو العلو المعروف وقال الرسول ﷺ: "رجل أخذ بعنان فرسه كلما سمع ضيعته طار إليها" ١ أى أسرع إليها فاستعار اسم الطير للإسراع.
ومن المجاز المعروف قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] أى قارب وأشرف قال الشاعر:
إن دهرا يلف شملا بشملى لزمان قد هم بالإحسان
ووجوه المجاز كثيرة فاقتصرنا على ذكر بعضها وتركنا الباقى لئلا يطول.
واعلم أنه قد ذكر أبو زيد ومن نظر طريقته فصلا فى الحقيقة والمجاز لا بد من ذكره لأنه يتعلق بذلك أصل كبير فى مسائل الخلاف الذى بينهم وبيننا قال أبو زيد فى تقويم الأدلة أنواع استعمال الكلام أربعة حقيقة ومجاز وصريح وكناية.
أما الحقيقة كل كلام أريد به ما وضع واضع اللغة الكلام له.
والمجاز كل كلام أريد به غير ما وضع واضع اللغة الكلام به يقال حبك لى مجازا أى هو باللسان لا بالقلب الذى هو معدنه وهذا الوعد منك مجاز لأنه لم يرد به التحقيق قال وقد ظهر المجاز ظهورا عظيما فى كتاب الله ﷿ ورسائل الكتبة وأشعار العرب حتى كاد يغلب على الحقيقة وجودا واستحسانا وبه توسعت اللسان وصلحت ثم قال فالحقيقة تبقى ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص فى باب الشرع وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى سماعه ثبت لغه فلا يعتبر فيه السماع بل يعتبر المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فإذا تكلم على ذلك المعنى صح والمجاز آت والاستعارات أمر شائع بين الخطباء والكتبة والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع اللغة فإذا تكلم بالاستعارات والتعريضات دل أنه ليس بسمعى قال ومن الناس من ظن أن المجاز لا عموم له وهو غلط لأن ما أمكن اعتبار العموم فيه يعتبر ولأن الاستعارة تقم المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذى استعير له ولولا هذا لكان المتكلم به مخلا بالغرض وكان لا يحسن به المتكلم فلما كان المستعار أحسن من.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم الإمارة ٣/١٥٠٣ ح ١٢٥/١٨٨٩ وابن ماجه الفتن ٢/١٣١٦ ح ٣٩٧٧.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الحقيقة دل أنه مثله فى البيان أو أكثر.
قال ويتبين مما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون عارية وملكا قال ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فبطل أن يكون الحقيقة مرادا وكذلك قال علماؤنا أن النص المتناول لتحريم الخمر لا يتناول سائر الأشربة لأن الاسم الذى من العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجاز لاتصال بمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعا تحت هذا الكلام وهذا كلام أبى زيد وخرج على هذا سائل له وذكر غيره ممن ينظر طريقته من جملة العصريين وهو أن المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فى المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار اشتراك فى المعنى وذلك المعنى فى المستعار منه أبلغ وأبين هكذا قاله أهل اللغة فيما زعمه وحكاه على بن عيسى الريانى صاحب التفسير قال وإنما شرطنا هذا لأن ترك الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل إلى المجاز وفيه نوع إيهام وتلبيس لا يجوز إلا لفائدة لا تجوز إلا فى الحقيقة وذلك ما بينا وهو أن يكون فيه زيادة بيان لا توجد فى الحقيقة قال وهذا مثل قوله فاصدع بما تؤمر ومعناه امتثل بما تؤمر فقد استعار قوله فاصدع فى مكان قوله امتثل والصدع هو الشق والصدع بمعنى الشق مستعار منه والامتثال مستعار له وقوله فاصدع مستعار والمعنى المشترك بين الشق هو التأثير فإن الشق له أثر فى الشقوق والامتثال له أثر فى المأمور به إلا أن تأثير الشق فى المشقوق أبين من تأثير الامتثال فى الشق وكأن فى المجاز زيادة بيان فإن طلب الامتثال بقوله فاصدع بما تؤمر أبلغ من طلب الامتثال بقوله فائتمر وكذلك يقال فى بنى آدم أسد لاشتراكهما فى المعنى وهو الشرط فيه وهذا المعنى فى الأسد أبلغ لأنه أشجع الحيوانات وكذلك أيضا استعارة اسم الحمار فى البليد وزعم على هذا أنه لا يجوز أن يجعل لفظ الطلاق كناية ومجازا عن العتق لأن هذا الشرط لا يجوز أن يوجد فى هذه الصورة لأن العتق أبلغ فى الإزالة والطلاق دونه١ وأما لفظ الهبة أو التمليك يجوز أن يجعل مجازا فى النكاح٢ لأن.
_________________
(١) ١ في هذه المسألة قولان للعلماء: الأول: وهو رواية عن أحمد لا تعتق وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني: تعتق به الأمة إذا نوى العتق وهو قول مالك والشافعي انظر المغني ١٢/٢٣٧. ٢ وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد وجاود انظر المغني ٧/٤٢٩.
[ ١ / ٢٨٨ ]
لفظ الهبة والتمليك لإثبات الملك أبلغ من لفظ النكاح إلا ترى أنه يفيد من التمليك ما لا يفيده لفظ النكاح قالوا: ولهذا قلنا فى قوله لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابنى أنه يعتق ويصير قوله هذا ابنى مجازا عن العتق لاشتراكهما فى المعنى فإن كل واحد من اللفظين يوجب حرية العبد وقوله هذا ابنى أبلغ فى إفادة الحرية لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير لأنه يولد حرا لو ثبت ما قال وقوله أنت حر يوجب الحرية فى الحال وكان المعنى فى المستعار منه أبلغ منه فى المستعار لذلك وصحت الاستعارة قال وإنما استعملنا على جهته المجاز لأن المجاز أحد فسمى الكلام استعمالا على ما مر إلا أن الحقيقة ما سبقهما ثبوتا فإذا تعذرت الحقيقة بصرفه دلالة تعين المجاز مرادا وحمل الكلام عليه وهذا الذى ذكره لا يعرف فى استعمال المجاز ولم يذكر فى كتاب من كتب اللغة وإنما الاستعارة فى الكلام ضرب من التوسع وليظهر براعة المتكلم وحسن تصرفه في الكلام واقتداره عليه وليس لأن الاستعارة أفادت معنى زائدا على ما يفيده حقيقة الكلام إلا ترى أنهم تكلموا بالصريح والكناية وقد استكثروا من الكناية على حسب ما استكثروا من الاستعارة ومعلوم أن الكناية لا تفيد زيادة على ما يفيده الصريح ولا يقال أنهم لما تركوا الصريح مع قدرتهم عليه وجب أن يكون تركهم الصريح إلى الكناية لنوع فائدة لا توجد فيه بل قيل أنه ضرب من التوسع فى الكلام ونوع من البراعة واللمس واقتدار على تصاريف الكلام وفنونه والدليل على أن ما قالوه ليس بشرط أنهم استعاروا لفظ المس للوطء ولفظ القربان للدخول ونحن نعلم قطعا أنه ليس فيه زيادة على ما يفيده لفظ الجماع بل للفظ الجماع والوطء وصريح لفظ النيل من الزيادة على هذه الألفاظ وكذلك لفظ الخيط الأبيض والأسود استعير لضوء النهار وسواد الليل وليس لمعناه زيادة على معنى الضوء والظلام إلا أنا مع هذا كله لا ننكر أن يتفق مثل ما قالوه اتفاقا فإما أن يكون ذلك من شرطه فلا وأما قولهم أنه يقال للشجاع أسد وللبليد حمار وللشرير كلب والمعنى الذى استعير لأجله هذه الأسامى أبلغ فى هذه المعانى قلنا فى هذه الصورة قدر كاف التشبيه فكأنه قيل شجاع كالأسد وللبليد كالحمار أو شرير كالكلب وإنما يشبه الشىء بالشىء فى المعنى إذا كان المشبه به أبلغ فى ذلك المعنى فأما الاستعارة باب آخر وقد ذكرنا أن ما ظاهره ليس بشرط بوجه عام وأما الذى قالوه فى أول الفصل أن الكلام لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد بينا وجه صحة ذلك وذكرنا من أصولهم ما ينقض أصلهم الذى زعموه وأما استعمال لفظ.
[ ١ / ٢٨٩ ]
الهبة والبيع فى عقد النكاح فلا يجوز لأن الاشتراك فى المعنى لم يوجد وكذلك السببية التى يدعونها لم توجد أيضا لأن ملك المتعة نكاحا غير ملك المتعة يمينا ويظهر ذلك بأحكامها فعلى هذا لا تكون الهبة والبيع سببا لملك المتعة الذى ثبتت بعقد النكاح بوجه ما وأما لفظ الطلاق فقد بينا صلاحيته كناية ومجازا عن لفظ العتاق وأما إذا قال لغلامه وهو أكبر سنا منه هذا ابنى فإنما لم يصح عندنا مجازا عن العتق لأن اللفظ إنما يصلح مجازا إذا كان له حقيقة وهذا اللفظ فى هذا المحل لا حقيقة له لأنه لغو وهذا باب الكلام وأن قلتم أن النسب فى الجملة يوجب العتق فإنما يوجب فى محل يتصور فيه النسب فأما فى محل لا يتصور فيه النسب فلا يوجب العتق وإذا لم يوجب العتق لم يمكن استعمال اللفظ مجازا فى هذا المحل نعم يجوز هذا المجاز فى معروف النسب لأن النسب فيه متصور فإن لم يثبت كان مجازا عن العتق فأما فى هذه المسألة فبعيد جدا.
أيضا قد بينا وجوه الكلام بقدر ما ذكر فى أصول الفقه والبيان يتعلق بجميعها فنعود الآن إلى ذكر المجمل وما يقع به بيانه وما ألحق بالمجمل وليس منه فنقول قد ذكرنا حد المجمل وحد المبين وقد قيل أن المجمل ما لا يستعمل بنفسه فى معرفة المراد به وقيل أيضا أنه الكلام المبهم الذى لا يطاوع التقييد أولا ببيان ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى فضائه تعين كشف هذه.
وقد قال الأصحاب أن المجمل على أوجه١.
منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شىء بعينه٢.
كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
كقول رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿" ٣ فإن الحق يشتمل على أشياء كثيرة وهو فى هذا الموضع مجهول لا يعرف ولا بد فيه من بيان يتصل به.
_________________
(١) ١ أي أقسام المجمل. ٢ انظر نهاية السول ٢/٥٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٩، ١٠ المحصول ١/٤٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٥. ٣ أخرجه البخاري الإيمان ١/٩٤، ٩٥ ح ٢٥ ومسلم الإيمان ١/٥٢ ح ٣٤/٢١.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض والطهر فيفتقر إلى البيان١.
ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أن دخلها شيئا مجهول كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فإنه قد صار مجملا ما دخله من الاستثناء وفى هذا المعنى العموم الذى علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه ومنها أيضا أن يفعل رسول الله ﷺ فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روى أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين٢ فى السفر فهو محتمل لأن السفر يحتمل الطويل والقصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك ما روى أن رجلا أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة٣ وهذا مجمل لأنه يجوز أنه أفطر بجماع ويجوز أنه أفطر بالأكل ولا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر لا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها لافتقارها إلى البيان واختلف المذهب فى ألفاظ فمنها قول الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فعلى حد قول الإمام الشافعى ﵀ هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وبيان ما يحرم وعلى القول الثانى ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول فى اللغة فحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل ومنها الآيات التى ذكر فيها الأسماء الشرعية وهى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن أصحابنا من قال هذه الآيات عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه ومن أصحابنا من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وهذا هو.
_________________
(١) ١ نهاية السول ٢/٥٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١١ المحصول ١/٤٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣،٥. ٢ أخرجه البخاري تقصير الصلاة ٢/٦٧٥ ح ١١٠٧ ومسلم المسافرين ١/٤٨٨ ح ٤٢/٧٠٣. ٣ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٨٢ ح ٨٣/١١١١ وأبو داود الصوم ٢/٣٢٤.
[ ١ / ٢٩١ ]
الأصح لأنا بينا هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشريعة ومنها الألفاظ التى علق التحليل والتحريم فيها على البيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل ولا بالتحريم وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال وما لا يحرم ومنهم من قال إنها ليست مجملة١ وهو الأصح لأن التحريم والتحليل فى مثل هذا إذا [] الأفعال مقصورة فى هذه الأيمان ولا يراد أنه إذا قال لغيره هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وكذلك إذا قال حرمت عليك هذا الشراب يعقل منه الشراب فصار المراد معقولا من هذا اللفظ وما عقل من اللفظ لا يكون مجملا فصار هذا الطريق أولى من الأول.
ومنها الألفاظ التى تتضمن النفى والإثبات كقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" ٢ وكقوله ﷺ: "لا نكاح إلى بولى" ٣ وكقوله ﷺ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ٤ وكقوله ﷺ: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل" ٥ وما شبه هذا.
فقد زعم بعض أصحاب أبى حنيفة أن هذا مجمل لأن الذى نفاه هو العمل أو النكاح أو الصلاة وهذه الأشياء موجودة لا يمكن نفيها فيكون المراد بالنفى نفى صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة وقال الكرخى وأبو عبد الله البصرى إذا لم يكن المراد به نفى صوة الصلاة والصوم كان المراد بذلك نفى الحكم شرعا فيجوز أنه أراد به نفى حكم الجواز ويجوز أنه أراد به نفى الفضيلة فلا يمكن الحمل عليها جميعا لأن نفى الفضيلة من ضرورته وجود الجواز ولأنه مضمر ودعوى العموم فى المضمر لا يجوز وإذا لم يصح دعوى العموم وجب التوقف إلى أن يعلم المراد وأما أصحابنا فقد زعموا أن هذه الألفاظ ليست مجملة وهو الأصح٦ لأن صاحب الشرع لا يثبت ولا.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ١/٤٦٦ إحكام الأحكام ٣/١٤ نهاية السول ٢/٥١٩، ٥٢٠. ٢ أخرجه البخاري بدء الوحي ١/١٥ ح ١ مسلم الإمارة ٣/١٥١٥ ح ١٥٥/١٩٠٧. ٣ أخرجه أبو داود النكاح ٢/٢٣٦ ح ٢٠٨٥ والترمذي النكاح ح ٨٢/ ٣٩٨ ح ١١٠١ وابن ماجه النكاح ١/٦٠٥ ح ١٨٨١ والدارمي النكاح ١/١٨٤ ح ٨٢/٢ وأحمد المسند ٤/٤٨١ ح ١٩٥٣٧. ٤ أخرجه البخاري الأذان ٢/٢٧٦ ح ٧٥٦ ومسلم الصلاة ١/٢٩٥ ح ٣٤/٣٩٤. ٥ تقدم تخريجه. ٦ انظر نهاية السول ٢/٥١٤، ٥١٥ المحصول ١/٤٦٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠، ٢١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧، ٨.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ينفى المشاهدات وإنما يثبت وينفى الشرعيات فكأنه ﷺ قال لا عمل فى الشرع إلا بالنية ولا نكاح فى الشرع إلا بولى وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا.
وزعم جماعة من أصحاب أبى حنيفة أن قوله ﷺ رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه مجمل لأن ظاهر اللفظ رفع الخطأ والنسيان والإكراه وهذه الأشياء موجودة قطعا فيجب أن يكون المراد منه معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان.
وأما عندنا فالأصح أنه ليس مجمل لأن معقول المعنى فى الاستعمال١ ويمكن أن يقال أنه معقول المعنى لعلة أيضا لأن المراد من مثل هذا اللفظ رفع المؤأخذة ألا ترى أنه إذا قال لعبد رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤأخذة ورفع كل ما يتعلق بهذه الأفعال من التبعات وقد روى أن النبي ﷺ قال لأبى رمثة وابنه حين قدما عليه: " أما أنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه" ٢ وليس المراد منه رفع صورة الجناية ولكن المراد منه نفى المؤأخذة فإن معناه لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك وزعم بعض أصحاب أبى حنيفة أيضا فى قوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فقوله أيديهما مجمل لأنه يجوز أن يقال أنه أراد من المنكب ويجوز أنه أراد من المرفق ويجوز أنه أراد من الزند لأن الجميع تناوله باسم قطع اليد ويقال أيضا إذا برى القلم وجرح شيئا من أصابعه قطع فلان يده.
وقيل فى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] أنه أراد بذلك خدش اليدين لا القطع حقيقة.
والصحيح أن الآية ليست بمجملة بل هى عامة وحملها على القطع من المنكب صحيح لو لم ترد السنة بالقصر على الزند فقد خص ذلك بدليل دل عليه وقال دليل على التخصيص لا يخرج اللفظ من عمومه.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/١٨، ١٩ المحصول ١/٤٧٢ نهاية السول ٢/٥١٨. ٢ أخرجه أبو داود الديات ٤/١٦٧ ح ٤٤٩٥ والنسائي القسامة ٨/٤٧ باب هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ وأحمد المسند ٤/٢٠٢ ح ١٧٥٠٥. ٣ إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٣ المحصول ١/٤٧١ نهاية السول ٢/٥٢٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١.
[ ١ / ٢٩٣ ]