اعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلوا أما أن يمكن الجمع بينهما أو يمكن ترتيب أحدهما على الآخر فى الاستعمال فإنه يفعل أيضا فإن لم يمكن وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فإنه يفعل فإن لم يمكن رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ومثال الخبرين المتعارضين الذى يمكن استعمالهما ما روى أن النبى ﷺ قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ١ وقال النبى ﷺ: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٢ فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعد الدباغ فيستعمل السنتان على الوجه الممكن ولأنه يطرح أحدهما بالآخر.
وأما ترتيب أحد الخبرين على الآخر فهو مثل الخاص والعام إذا تعارضا يرتب العام على الخاص وقد ذكرنا هذه المسألة.
وأما الناسخ والمنسوخ فكثير وسيأتى بيانه.
وأما الترجيح لأحد خبرين على الآخر فيدخل من جهة الإسناد ويدخل من جهة المتن.
فأما الترجيح من جهة الإسناد فمن وجوه.
أحدها أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا٣ فنقدم رواية الكبير لأنه يكون أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته على رواية أنس فى إفراد الحج وقرانه مع العمرة فقال أن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن منكشفات وأنا أخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٧٧ ح ١٠٥/٣٦٦ وأبو داود اللباس ٤/٦٥ ح ٢٣/٤ ولفظهما: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" والترمذي اللباس ٤/٢٢١ ح ١٧٢٨ ولفظ الحديث عنده والنسائي الفرع ٧/١٥١ باب جلود الميتة والدارمي الأضاحي ٢/١١٧ ح ١٩٨٥. ٢ أخرجه أبو داود اللباس ٤/٦٦ ح ٤١٢٨ والترمذي اللباس ٤/٢٢٢ ح ١٧٢٩ وقال حديث حسن والنسائي الفرع ٧/١٥٤ باب ما يدبغ به جلود الميتة وابن ماجه اللباس ٢/١١٩٤ ح ٣٦١٣ وأحمد المسند ٤/٣٨١ ح ١٨٨٠٥. ٣ المحصول ٢/٤٥٧ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٧٥ المستصفى ٢/٣٩٥.
[ ١ / ٤٠٤ ]
فيسيل على لعابها.
والثانى: أن يكون أفقه فتقدم روايته على من دونه فى الفقه لأنه أعرف بما سمع١.
والثالث: أن يكون أقرب إلى رسول الله ﷺ فيكون أولى لأنه يكون أوعى لما سمعه.
والرابع: أن يكون أحدهما باشر القصة أو تعلق القصة به٢ فيقدم روايته لأنه أعرف بالقصة من الأجنبى عنه ومثال هذا فى مسألة نكاح المحرم ورواية أبى نافع أن النبى ﷺ كان حلالا٣ وكذلك رواية ميمونة٤ فيكون أولى من رواية ابن عباس أنه كان محرما٥.
والخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فتقدم على الخبر الذى يكون أقل رواة ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا يقدم الشهادة بكثرة العدد٦ وكذلك لا يقدم أحد الفتويين بكثرة المفتين والأول أصح لأن الترجيح يكون بوجود قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر ومعلوم أن كثرة الرواة نوع قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد من السهو من قول الواحد وأيضا أقرب إلى إفادة العلم وهو إذا بلغ عددا يقع به تواتر الخبر وأما الشهادة والفتوى فقد منعوا والمذهب التسليم والفرق بين الرواية والشهادة مقدرة فى الشرع بعدد معلوم فكفينا الاجتهاد فيها وأما الرواية فقد بنى أمرها على الاجتهاد وفى الرواة يوجد إذا كثروا ما لا يوجد إذا قلوا وهو سكون النفس من طمأنينتها فإنه يوجد عند كثرة الرواة ما لا يوجد عند قلتهم.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٤٥٤ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧، ٣٢٨ نهاية السول ٤/٤٧٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٦. ٢ انظر المحصول ٢/٤٥٤ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٧٨ روضة الناظر ٣٤٩ المستصفى ٢/٣٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٦. ٣ أخرجه الترمذي الحج ٣/١٩١ ح ٨٤١ وقال حديث حسن. ٤ أخرجه مسلم النكاح ٢/١٠٣٢ ح ٤٨/١٤١١ وأبو داود المناسك ٢/١٧٥ ح ١٨٤٣ والترمذي الحج ٣/١٩٤ ح ٨٤٥. ٥ أخرجه البخاري النكاح ٩/٧٠ ح ٥١١٤ ومسلم النكاح ٢/١٠٣١ ح ٤٦/١٤١٠. ٦ المحصول ٢/٤٥٣ نهاية السول ٤/٤٧٤ روضة الناظر للمقدسي ٣٤٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٥، ٢٠٦.
[ ١ / ٤٠٥ ]
والسادس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة فتكون روايته أولى لأنه يكون أعرف بما داوم عليه الرسول من السنن١.
والسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم خبره لأنه كان أحسن عناية بالخبر من الآخر فلهذا قدمنا جابر فى إفراد الحج.
والثامن: أن يكون أحدهما متآخر الإسلام فتقدم روايته لأنه يحفظ أحد الأمرين من رسول الله ﷺ ولذلك إذا كان أحدهما متآخر الصحبة فيدل ذلك على تآخر سماعه وهذا والأول واحد وقد قال أصحاب أبى حنيفة لا يقدم بهذا٢ لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبى ﷺ فلا يكون للمتآخر ترجيح عليه والذى قلناه أولا أولى لأن سماع المتآخر متحقق لغيره وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتآخر فما تآخر سماعه يتبين يكون أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أوامر رسول الله ﷺ ومثال ذلك ما فعله الشافعى من تقديم رواية ابن عباس فى التشهد على رواية ابن مسعود.
والتاسع أن يكون أحد الراويين أورع وأشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته لاحتياطه فى النقل.
والعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب لفظه فيكون الذى لم يضطرب لفظه أولى٣.
والحادى عشر أن يكون أحد الخبرين رواه أهل المدينة والخبر الآخر رواه غيرهم٤ فيكون الأول أولى لأنهم يروون أفعال رسول الله ﷺ وسنته التى مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم.
والثانى عشر أن يكون أحد الروايين اختلفت عنه الرواية والآخر لم تختلف عنه الرواية فمن أصحابنا من قال بتعارض الروايتان اللتان اختلفتا وينفى رواية من لم.
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٢٧. ٢ المحصول ٢/٤٦٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٩٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٨. ٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٦، ٣٢٨ انظر المحصول ٢/٤٥٦ انظر نهاية السول ٤/٤٨٨، ٤٩٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٧، ٢١١. ٤ المحصول ٢/٤٥٩ نهاية السول ٤/٤٩٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٥٩.
[ ١ / ٤٠٦ ]
تختلف عنه الرواية ومنهم من قال يرجح رواية من لم تختلف عنه الرواية لمكان الاختلاف وعدم الاختلاف.
وأما ترجيح المتن فمن وجوه.
أحدها: [أن يكون أحد] ١ الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس فيقدم على الخبر الآخر الذى لا يوجد له هذه القوة٢.
والثانى: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فيكون أولى لأن عملهم به يدل على أنه أحد الأمرين٣ وكذلك إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فيكون أولى لأن عملهم يدل على أن الشرع استقر عليه ويدل أنهم دونوه عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ ولهذا قدمنا رواية الإفراد على رواية التثنية فى الإقامة.
والثالث: أن يكون أحدهما مجمع النطق والدليل فيكون أولى ما وجد فيه أحدهما لأنه يكون أبين.
والرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فيكون النطق أولى من الدليل٤ لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه ومعنى هذا الدليل دليل الخطاب.
والخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدثهما فالذى يجمع القول والفعل أولى لأنه أقوى من حيث تظاهر الدليلين وأن كان أحدهما قولا والآخر فعلا ففيه أوجه وقد سبق فى باب الأفعال.
والسادس: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب والذى ورد على غير سبب أولى لأنه يكون متفقا على عمومه والوارد على سبب مختلف فى عمومه.
والسابع: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت زيادة علم والأخذ بروايته أولى.
والثامن: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا على الأصل فيكون الناقل عن الأصل.
_________________
(١) ١ زيادة بالأصل. ٢ روضة الناظر ٣٤٩ المستصفى ٢/٣٩٦. ٣ المستصفى ٢/٣٩٦ المحصول ٢/٤٧٠ روضة الناظر ٣٥٠ نهاية السول ٤/٥٠٧ إحكام الأحكام ٤/٣٥٩. ٤ انظر المحصول ٢/٤٦٤ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٤٤.
[ ١ / ٤٠٧ ]
أولى لأنه يفيد حكما شرعيا ليس فى الآخر١.
والتاسع: أن يكون فى أحدهما احتياط لا يوجد فى الآخر فيكون الأحوط أولى لأن الأحوط أسلم للدين.
والعاشر: أن يكون أحدهما يقتضى الحظر والآخر يقتضى الإباحة ففيه وجهان.
أحدهما: أنهما سواء لأنهما حكمان شرعيان.
والوجه الآخر: وهو الأصح أن الذى يقتضى الحظر أولى لأنه أحوط٢.
وقيل فى القسم الأول إذا تعارض خبران من روايتين ورويا من واحد وأحدهما أعلم ممن يروى عنه فيكون أولى كالرواية فى زوج بريرة فالذى روى أنه كان عبدا القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة والذى روى أن زوج بريرة كان حرا الأسود عن عائشة وعروة والقاسم أعلم بعائشة ﵂ من الأسود لأنهما قريباها والأسود أجنبى منها وقيل أيضا إذا تعارض الخبران أن يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر لأن الصحابة تلقته بالقبول وأن لم يعرف من الصحابة فى ذلك شىء فإن كان عوام أهل الحديث عملوا بأحدهما يقدم على الآخر وقيل أنه يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحدهما أشبه بمعانى الكتاب والثانى أشبه بمعانى السنة وهذا قد بينا فإن لم يوجد فى واحد من الخبرين ترجيح بوجه ما وعدم الكل طرحا ويرجع إلى ما كان عليه الإفراد أولا اعلم أن الذى تضمنه الخبر أن ليس من دين الله إذ لو كان من دين الله لم يقع بينهما التنافى أو كان أحدهما من دين الله لم يخل من دليل يدل عليه فإذا لم يدل الدليل على واحد منهما من الوجوه التى قدمناها علمنا أنه ليس من عند الله تعالى وتقدس فأسقطناهما جميعا وقد رجح عيسى بن أبان المرسل على المسند لأن الراوى قال قال النبى ﷺ وكأنه قطع به والآخر إحالة على غيره ونحن قد بينا أن المرسل ليس بحجة فكيف يرجح بهذا الوصف قال القاضى عبد الجبار هذا الكلام الذى قاله عيسى بن أبان وهو أن الراوى لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد وثق أن النبى ﷺ قاله إنما.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٤٦٤. ٢ قال الرازي: إذا تعارض خبران في الحظر والإباحة وكانا شرعيين فقال أبو هاشم وعيسى بن أبان: إنهما يستويان وقال الكرخي وطائفة من الفقهاء: خبر الحظر راجح انظر المحصول ٢/٤٦٨ وقال الآمدي ذهب الأكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الحاظر أولى وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى التساوي والتساقط إحكام الأحكام ٤/٣٥١.
[ ١ / ٤٠٨ ]
يصح إذا قال قال النبى ﷺ فأما إذا قال عن النبى ﷺ فلا يتأتى هذا الكلام وأيضا فإن قول الراوى قال النبى ﷺ يحسن مع الظن لكونه قائلا لذلك كما يحسن مع العلم فمن أين أنه لم يقل قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة وظنه أكثر من الظن الحأصل برواية المسند المعارض له فإن قالوا: أن الذى يرسل لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة قلنا هذا لا يعرف وقد بينا أن السكوت عن اسم المروى عنه محتمل لوجوه كثيرة وقد رجح قوم الخبر بالذكورة والحرية أما الحرية فلا تأثير لها فى قوة الظن وأما الذكورة فيجوز أن يقال أن الضبط معها أشد وظاهر المذهب أن لا يرجح بهما وقد قال قوم أن أحد الخبرين إذا كان يقتضى إيجاب حد والآخر يقتضى نفيه فالنفى أولى لأن الحد يسقط بالشبهة وقد قيل إنهما حسان لأن الحد إنما يسقط عن الأعيان بالشبه فأما إثباته فى الجملة فمساو لإثبات سائر الشرعيات وفى تعارض الخبرين فى إثبات الشىء ونفيه كلام كثير وقد ذكر قوم موافقته دليل العقل فى النفى لأنه الأصل فيكون أولى ويمكن أن يعارض فيقال أن الشرع ناقل كما كان عليه فى الأصل فيكون الخبر الذى يتضمن النقل أولى من الذى يتضمن نفيه الشىء على ما كان عليه فى الأصل وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية والآخر الرق فقد قال بعضهم أن المثبت للحرية أولى وقال بعضهم هما سيان لأنهما حكمان شرعيان يتقابلان ويتماثلان والأول أحسن وهو أن الحرية أولى لأن الحرية لا يعترضها من الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق والحرية لا يبطلها شىء بعد ثبوتها بخلاف الرق ومثل أيضا فيما لو تعارض خبران أحدهما على قضية العقل والآخر على قضية الشرع أن الذى على قضية الشرع أولى لأنه ناقل على ما سبق وقال بعضهم إذا تعارض خبران أحدهما معلل فيكون أولى وفى الباب كلام كثير اقتصرنا على هذا والله أعلم.
[فصل] ١ اعلم أنا قد فرغنا من القول فى الأخبار وقد شرحنا الكلام فيها على حسب ما أذن الله تعالى فى ذلك وأرجو أن يكون قد وقع به الغنية عن كثير من تطويلات الأصوليين وقد رأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ضم إلى أبواب الأصول المعروفة بابا فى تأويل الأخبار وسمى الباب باب التأويل وذكر أن التأويل هو رد الظاهر إلى الله تعالى فى دعوى المسئول وذكر أن الذى يطرق إليه التأويل وهو الظاهر قال وظهوره أن يكون اللفظ فى معناه مظنونا غير مقطوع وأما النصوص فلا يتطرق إليها.
_________________
(١) ١ بياض في الأصل.
[ ١ / ٤٠٩ ]
تأويل قال ولا يجوز الاستدلال بالظواهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع فلا يسوغ الاستدلال به فى الأمر المقطوع وأما فى أحكام الشرع فيسوغ الاستدلال بالظواهر وقد كانت الصحابة يتعلقون فى تفاصيل الشرع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون فى استدلالهم على النصوص ومن استراب فى تعلقهم بالقياس فلا يستريب فى تعلقهم بالظواهر وعلى القطع نعلم أن الظاهر فى إفادة غلبة الظن فوق الأقيسة فإذا جاز التعلق بالقياس جاز التعلق بالظواهر ودليل كون الظاهر حجة فى العمليات هو الإجماع مثل ما هو الحجة فى أخبار الآحاد سواء كانت ظواهر أو نصوصا ثم تأويل الظواهر فى الجملة سائغ إذا قام الدليل عليه ولا بد من دليل يقوم عليه لأن التحكم بالتأويل معتضل عليه من غير أن يعضد شىء لا يجوز لأنه لو جاز ذلك لبطل التمسك بالظواهر أصلا فصار التحكم بالتأويل مردودا وأصل التأويل مقبولا إذا لم يكن على وجه التحكم بل كان مستندا إلى دليل وقد ذكر كلاما طويلا فى المقدمة اختصرنا ما نحتاج إليه ثم ذكر أخبارا رويت فى مسائل من الخلافيات التى تثار بين أصحاب أبى حنيفة وذكر تأويل المخالفين لها وبدأ بمسألة النكاح بلا ولى وذكر الخبر الذى روى فى الباب من قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"١ ورد تأويلهم للخبر من حملهم على الصغيرة والمكاتبة ورد تأويلهم بالكلام المعهود وعلى ما عرف فى مسائل الخلاف واعتمد فى رد كثير من تأويلات الخصوم بحرف واحد وهو أن الشارع صلوات الله عليه إذا ذكر أبلغ الصيغ فى العموم لا يجوز أن يحمل على موضوع نادر في الوجود قال ويستحيل أن يقصد الرسول ﷺ أعم الصيغ وهو قوله أيما امرأة نكحت فإن أعم الصيغ كل وأى وما فيذكر أعم الأدوات ويكون قصده تأسيس شرع ثم زيد والحالة هذه مكاتبة أو صغيرة دون الحرائر البالغات اللاتى هن الغالبات المقصودات ومن ظن هذا التخصيص فى مثل هذا العموم فقد ظن محالا وما كان إلا كمن يقول لبوابه لا تدخل على أحد فلو دخل البواب كل مبرم ثقيل ولم يدخل قوما مخصوصين زاعما إنى حملت لفظك على الذين منعتهم لم يقبل هذا الكلام من البواب وكان حريا أن يؤدب ويصفع وقد ذكر من هذا النوع لرد هذا التأويل وأمثاله كلاما طويلا وذكر عن أبى بكر محمد بن الطيب أنه قال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلوات الله عليه لم يعن بقوله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها المكاتبة دون غيرها أو الصغيرة دون المبالغة ثم قال وقد سلم الرسول.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤١٠ ]
ﷺ الموافق والمخالف أنه كان على الغاية القصوى من الفصاحة وحمل كلامه على مثل هذه المحامل يحط كلامه عن رتبة الفصاحة والجزالة ويكون التكلم بمثل هذا الكلام وهو قول أيما امرأة نكحت ثم يريد المكاتبة والصغيرة حظرا وعيا وما هذا إلا كمن يقول: رأيت جمعا من العلماء ثم إذا روجع يفسره بقطيع من الغنم ذهابا منه إلى أنهما على علوم يتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك إذا فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء فى كثير من الأشياء لم يقبل ذلك منه وعد هازلا لاعبا قال فإن قال قائل أن الصغائر والمكاتبات داخلات تحت قوله أيما امرأة فإذا دخلت تحت ظاهر اللفظ ولم يبعد تنزيل لفظ العموم عليهن تخصيصا يدل عليه أن التخصيص فى اللفظ العام يجرى مجرى الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه باستثناء شاذ نادر فليكن الأمر فى التخصيص كذلك والجواب أن التأويل ليس يسوغ بما قلتم وإنما يقبل التأويل إذا سوغه الفصحاء وأهل اللسان وإذا سمعوا أن يستنكروا ذلك والتخصيص فى الجملة للعموم غير مستنكر وإنما المستنكر إرادة الأخص والأخص باللفظ الأعم الأشمل وأما الاستثناء فنقول ليس يساغ التأويل بالقياس حتى يحمل التخصيص على الاستثناء وإنما يساغ التأويل بالوجه الذى قدمنا وهو أن لا يكون اللفظ متباينا له وذكر أبلغ العموم فى سياق الشرعيات وبنائها وتأسيسها متأتى لحمله على أخص الخصوص وقد منع القاضى أبو بكر جواز مثل هذا فى الاستثناء أيضا وإذا صدر من الرسول وغير الرسول صلوات الله عليه إنما يجوز فى صيغة ركيكة والرسول ﷺ مبرأ من مثل ذلك وذكر بعد هذا تأويلهم فى قوله ﷺ: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ١ وعلى هذا اللفظ أورد فى أكثر التعاليق والمعروف قوله: "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" ٢ وقال قد أولوا هذا على النذر المطلق أو القضاء وقال وهذا تأويل يسبه تأويلهم فى المسألة الأولى فإن هذا الكلام كلام بالغ فى اقتضاء العموم فإذا قال النبى ﷺ ابتداءا الإنباء على سؤال ولا تنسيقا للكلام على حال فإذا ظن ظان أن الصوم الذى هو ركن للإسلام وهو القاعدة الأصلية لم يعيبه الرسول ﷺ ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرضا للفرائض.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه أبو داود الصوم ٢/٣٤١ ح ٢٤٥٤ والترمذي الصوم ٣/٩٩ ح ٧٣٠ والنسائي الصيام ٤/١٦٦ باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك ومالك الصيام ١/٢٨٨ ح ٥ وأحمد المسند ٦/٣١٩ ح ٢٦٥١٣ انظر نصب الراية ٢/٤٣٣.
[ ١ / ٤١١ ]
الشرعية كالمنذور أو فرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد كل الإبعاد وانصرف عن مأخذ الكلام وذكر تأويلهم الآخر لهذا الخبر وهو أنه أراد إذا نوى اليوم أن يصوم غدا قال وهذا أيضا صورة شاذة نادرة تجرى فى أدراج الوساوس ومن يفعل مثل هذا وربما لا يقع فى الدهور الكثيرة مرة واحدة وحمل كلام رسول الله ﷺ على الشاذ النادر باطل يدخل عليه أن مثل هذا اللفظ إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحسانا على تقديم التبييت وهذا يعلم بأول البديهة ولا ينكره محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهى عن التقديم على الليل كان ذلك يقتضى مقصود الخطاب وذكر تأويلهم فى حمل اللفظ على نفى الكمال وأجاب عنه بأن حمل اللفظ على نفى الكمال غير ممكن فى القضاء والنذور وهما من متضمنات الحديث فإذا تعين حمل اللفظ على حقيقتها فى بعض المسميات تعين ذلك فى سائرها لأن الإنسان الفصيح لا يرسل لفظه وهو يريد حقيقته من وجه ومجازه من وجه وعلى الجملة أقول قوله لا صيام حقيقة لنفى أصل للصوم كقوله لا رجل فى الدار نفى أصله فحمله على نفى وصف من الصوم مع تبقية أصله مجاز ولا بد فيه من دليل ثم ذكر مسألة نكاح المشركات وإسلام الرجل والعدد أكثر من الأربع والأخبار المروية فى الباب وتأويل الخصوم لذلك وبين وجه بطلانه وهو وجه بين وفساده ظاهر ولا يحتاج فيه إلى كثير إطناب وقد بينا فى الخلافيات للفروع فلا معنى لذكر ذلك هاهنا ثم ذكر التأويل الذى ذكره الأصحاب وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وحمل الكثير على الجواز كقولهم جحر ضب وكقول الشاعر:
كبير أناس فى نجاد مزمل
وزيف هذا التأويل بكلمات قالها وذكر وجها آخر فى الكلام على هذه القراءة والصحيح إيجاب الغسل ثم ذكر أن قراءة النصب أمثل وهذا التزييف لا ينبغى أن يسلم لهذا القائل وقد ذكر أهل اللغة فى كتبهم والقراءتان معروفتان والغسل واجب فى الرجلين بلا ريب وترا وقد صنف القاضى أبو الطيب الطبرى ﵀ فى هذه المسألة تصنيفا حسنا وبلغ الغاية ولم يحتمل هذا الكتاب إيراد ما أورده ومن طلب ذلك أو طلب تصحيح ما قاله الأصحاب لم يعدم الدليل عليه قال أبو الحسين بن فارس فى كتاب حلية الفقهاء فأما غسل الرجلين فواجب ولا صلاة إلا بغسلهما والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لأنه رده إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فإن قال قائل فقد قرئت بالخفض قيل له قد يعطف الاسم على الاسم
[ ١ / ٤١٢ ]
ومعناهما مختلف إلا أنه عطف هذا عليه لقربه منه فإن الله تعالى قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨] ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] وهؤلاء يطاف بهن على أزواجهن وقد قال شاعر العرب.
ورأيت زوجك فى الوغا متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد فى نظرنا فوجدنا الغاسل ماسحا غاسلا فقد جمع الأمرين فوجدنا الماسح لا يأتى إلا بأحد الشيئين فأخذنا بالغسل ويمكن أن يقال أيضا أن الله تعالى قال فى اليدين: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقال فى الرجلين: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فقد ربط منتهى الفرض فى الرجلين بالكعبين وربط واجب اليدين بالمرفقين ومن يكتفى بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده ثم ذكر أن المخالفين قالوا: يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف لأن المرعى هو الحاجة قال وهذا تأسيس معنى يعطل تقييدا من الله تعالى فى الآية بذكر الأصناف الثمانية ولو كانت الحاجة هى المرغبة لكان ذكرها أولى وأحسن وأشمل فلما نص الرب عز اسمه على الأصناف الثمانية كان التأويل باعتبار الحاجة تعطيلا لا تأويلا فإن الحاجة قد لا تستمر فى بعض الأصناف كالعاملين وبعض الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة الثائرة والفتن الثائرة وقد ذكرنا وجه كلامهم على هذه الآية وانفصالنا عما قالوه فى كتاب الاصطلام فتركنا ذكره هاهنا وأوردنا ما ذكره القائل على كلام مشائخهم ثم ذكر الآية الواردة فى خمس الغنيمة وذكر عن أبى حنيفة أنه اعتبر الحاجة لا القرابة قال والذى ذكره مضادة ومحادة وقد ذكرنا وجه كلامهم أيضا فى كتاب المسمى علم الآية وانفصلنا عنه فاستغنينا عن ذكر ذلك هاهنا وقد ذكرنا أنهم لا يعتبرون مجرد الحاجة ثم ذكر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] وقبول الخصم من وساوس أن معناه فإطعام ستين مسكينا وزيف هذا الكلام بوجه من العربية ونحن قد ذكرنا بطلانه فى المسائل قال ومن الظواهر أيضا قوله ﵇ فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا قال وأن لم يكن هذا أيضا فى وضع اللسان للتعليل لكنه ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان مردودا لأن ما يظهر من كلام الرسول ﷺ فى التعليل مقدم على ما يظهر فى ظن المستنبط وهذا لأن القياس تعلق بمسلك من الظن فيكون ما ظهر من كلام الرسول صلوات الله عليه فى التعليل أولى منه وهذا الكلام يوجب أن لا يصح تخصيص العموم بالقياس ونحن قد بينا جوازه على أصلنا فى هذه المسألة قوله ﵇ فلا إذا نص.
[ ١ / ٤١٣ ]
فى فساد البيع وليس مما يتطرق إليه تأويل حتى يقال أنه يعضد بالقياس ويؤيد به وذكر مسألة الشغار ومسائل تشبهها وحمل الخصوم النهى فيها على الكراهة ثم قال وقد ثبت من عادات السلف الماضيين حمل أمثال هذا على الفساد والامتناع عنه بالكلية فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان فى حكم المخالف لهم قال وهذا لا يبلغ فى السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات واعلم أنه لم يكن غرضنا ذكر هذه التأويلات لأن هذا الكتاب يشتمل على ذكر أصول الفقه وليس هذا من أصول الفقه فى شىء إنما هذا الكلام يورد فى الخلافيات وفى التعاليق غير أنا ذكرنا طرفا من ذلك ولا يعدم الناظر فيه نوع فائدة وعلى الجملة لا يجوز حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستكرهة للأخبار وينبغى للعالم الورع أن يتجنب ذلك ويحترز عنه غاية الاحتراز لأن الكلام على كلام الشارع صعب والزلل فيه يكثر وقد ورد فى الخبر يحمل هذا العلم من كل خلف عدولهم وقال فى وصفهم ينفون عنه تأويل الجاهلين والله العاصم بمنه والمرشد إلى الصواب بفضله وعونه ونسأله تعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء القوم فقد بين النبى ﷺ أن الجهل يحمل الإنسان على التأويلات المستكرهة وذكر أن العدول من علماء الأمة ينفون ذلك وذكر أيضا أنهم ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وإلى الله الملاذ وبه المعاذ من وساوس النفس وخواطر السوء فما ضل من ضل ولا هلك من هلك إلا بأمثال ذلك والله المستعان.
مسألة١ هذه مسألة تتصل بالأخبار وهى ما يشتمل على القراءة الشاذة من الحكم هل تكون القراءة الشاذة حجة فيه.
اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى ﵀ أن القراءة الشاذة٢ التى لم تنقل تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزل الخبر الواحد ولهذا نقول أن التتابع لا يجب فى صيام الكفارة وأن كان قد وجد فى القراءة الشاذة المنسوبة إلى ابن مسعود ﵁ فصيام ثلاثة أيام متتابعات وأما أصحاب أبى حنيفة يعلقوا هذه القراءة الشاذة.
_________________
(١) ١ بياض في الأصل. ٢ القراءة الشاذة: هي التي لم تنقل بطريق التواتر كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين "فمن لم يحد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءته في آية السرقة "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" انظر نهاية السول ٣/٢٣٢، ٣٣٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤١ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٢٣٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
فزعموا أن هذه القراءة وأن كان النقل قد انقطع فيها فلا يكون دون الخبر الواحد فلا بد أن يكون حجة.
قالوا: وقد كانت قراءة ابن مسعود مستفيضة فى الأتباع وأتباع الأتباع ثم انقطع النقل فبقيت بطريقة الآحاد فجعلنا مواجبها بمنزلة مواجب أخبار الآحاد وتعلقوا أيضا بما نقل فى قراءته فى آية السرقة والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما وفى مسألة نفقة المبتوتة بما وجد فى قراءة ابن مسعود فى صورة الطلاق أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وأن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وإذا وضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن هكذا قراءته فى المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فظاهرها يقتضى وجوب النفقة على الإطلاق ويقتضى أن ذكر مدة الحمل ليس لأن النفقة واجبة وأن طالت مدة الحمل وقد حملوا القراءة المعروفة على هذا وأثبتوا فيها تقديما وتأخيرا ذكر ذلك أبو زيد فى الأسرار.
ونحن نقول أن الاحتجاج بالقراءة الشاذة ساقط والدليل عليه شيئان أحدهما القرآن قاعدة الإسلام ومنبع الشرائع وإليه الرجوع فى جميع الأصول ولا أمر فى الدين أهم منه والأصل أن كل ما جل خطره وعظم موقعه فى أمر الدين فأهل الأديان يتواطئون ويتفقون على نقله وحفظه وتتوفر دواعيهم على ذلك فلو كانت هذه القراءة من القرآن الذى أنزله الله تعالى لنقل نقلا مستفيضا ولشاع ذلك فى أهل الإسلام وحين لم ينقل دل أنه ليس بقرآن وإذا لم يكن من القرآن الذى أنزله الله تعالى لم يقم به حجة لأنه لو كان حجة لكان حجة من هذه الجهة.
ببينة: أن لا خبر عن النبى ﷺ فيما أعدوه من الأحكام لا من جهة التواتر ولا من جهة الآحاد وكونه موجودا فى بعض المصاحف لم يثبت أنه قرآن فمن أى وجه يدعون قيام الحجة به وقولهم أن القراءة الشاذة تنزل منزلة الخبر الواحد هذا دعوى ولا يعرف هذا وبأى دليل تنزل منزلة الخبر الواحد ونحن نعلم أنه لا نقل فى هذه القراءات لا من قبل التواتر ولا من قبل الآحاد ويقول أصحاب النبى ﷺ أجمعوا فى زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على هذا المصحف الذى يدعى الإمام وهو الذى بين أظهرنا وأطرحوا ما عداه وروى أنهم حرقوا الباقى وقيل أنه دفن وقد نقل اضطراب ابن مسعود فى ذلك غير أن الصحابة لم يلتفتوا إلى اضطرابه واتفقوا على ما.
[ ١ / ٤١٥ ]
اتفقوا عليه ويروى أنه ناله تأديب عمر ولم ينكر على عثمان فى ذلك منكر يدل عليه أنه لما تجمعت عليه الطائفة المعروفة من الكوفة والبصرة وادعوا أشياء عليه وزعموا أنه غير وبدل لم يرو أنه ذكر أحد منهم أمر المصحف ولو كان ذلك أمرا ينكر لكان الأهم فى ذلك أن يخصوه بالذكر ولا يدعوه جانبا وذكروا أشياء لا تدانى هذا فثبت أن القرآن ما يحويه المصحف للمهام واعلم أن الأولى عندى أن لا يتعرض لتلك القراءة وأشباهها أصلا ولا يذكر أنه قرآن أو ليس بقرآن لأنه فى كلا الأمرين خطأ وقد اشتمل الصحاح على أشياء لا توجد إلا فى قراءة ابن مسعود ولكن مع هذا نقول لا يقوم بما فيه حجة لعدم النقل ولأنه لو كانت تشتمل تلك القراءة على أحكام لا توجد فى القراءة المعروفة لم يعرض عنها الأئمة ولنقلوا ذلك أما بتواتر أو بآحاد حتى لا تضيع ولا تتعطل تلك الأحكام فهذا وجه الكلام فى هذا والله أعلم.
وأما الإعراب الذى اختلف فيه القراء فليس كذلك مخالف المصحف الإمام وقد ادعى أهل القراءة أن ذلك منقول بطريق يوجب العلم ولولا ذلك لم يقروا بها حين انتهى الكلام فى الأخبار وما يتصل بها بعون الله وتوفيقه نذكر.
[ ١ / ٤١٦ ]