اعلم أن للعلل الشرعية طرقا كثيرة في الشرع وقد يكون ذلك من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الاستنباط فأما الطريق من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الصريح وقد يكون من جهة التنبييه فإما الصريح مثل قول القائل: أوجبت عليك كذا لعلة كذا ومثل قوله أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل كذا أو لكى يكون كذا وها دون الأول في
[ ٢ / ١٣٠ ]
التصريح وروى عن النبى ﷺ أنه قال: "إنما نهيتك لأجل الرأفة" ١وقال تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وأما الألفاظ المنبهة على العلة فضروب: منها: فوله ﷺ في المحرم الذي وقصت به ناقته "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القايمه ملبيا" ٢ وهذا من باب تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد تدخل الفاء على العلة والحكم متقدم وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] "ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] "وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهذا دليل على أن العلة في قيام وليه بالإملاء هو أنه لا يتطيع أيمل هو ومن هذا الضرب ما روى أن النبى ﷺ سهى وسجد٣ وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ ومن ضروب التنبيه أن يسأل النبى ﷺ عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك الشئ: مما يجوز كونها علة مؤثرة في ذلك الحكم فيجيب النبى ﷺ عند سماع تلك الصفة يدل أن العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل للنبى ﷺ واقعت أهلى في نهار رمضان وقول النبى ﷺ في الجواب: "أعتق رقبة" ٥ وقد يكون هذا في لفط الإفطار أن يثبت عن النبى ﷺ.
ومن ضروب التنبيه: أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن ععلة فمن ذلك أن يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب.
فقيل له: إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة. فقال: "إنها ليست نجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٦. فلو لك يكن لكونها من الطرفين تأثير في
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: الأضاحي "٣/١٥٦١" ح "١٩٧١" وأبو داود: الضحايا "٣/٩٩" ح "٢٨١٢" والنسائي: الضحايا "٧/٢٠٧" "باب الادخار من الأضاحي". ٢ أخرجه البخاري: الصيد "٤/٧٧" ح "١٨٥١" ومسلم: الحج "٢/٨٦٦" ح "٩٩/١٢٠٦". ٣ أخرجه البخاري: السهو "٣/١١٦" ح "١٢٢٧" ومسلم: المساجد "١/٤٠٣" ح "٩٧/٥٧٣". ٤ أخرجه البخاري: الحدود "١٢/١٣٨" ح "٦٨٢٤" ومسلم: الحدود "٣/١٣١٩" ح "١٧/١٦٩٢". ٥ أخرجه البخاري: النكاح "٩/٤٢٣" ح "٥٣٦٨" ومسلم: الصيام "٢/٧٨١" ح "٨١/١١١١". ٦ أخرجه الدارقطني: سننه "١/٦٣" ح "٥" والبيهقي في الكبرى "١/٣٧٧" ح "١١٧٦" بنحوه.
[ ٢ / ١٣١ ]
طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارته فائدة.
ومن ذلك: أن يوصف المحكم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بتركها فعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها علة وذلك مثل قوله ﷺ: "تمرة طيبة وماء طهور" ١ ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ حسن سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قيل: نعم قال: "فلا إذا" ٢ فلو لم يكن نقصانه عند اليبس علة للمنع من البيع لم يكن لذكره معنى.
ومن التنبية أيضا قوله ﷺ لعمر ﵁ وقد سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" ٣. فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم بالقبلة والمضمضة لآنه لم يحل ما يتبعها من الإنزال والإزدراء.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: "لايرث القاتل" ٤ وقوله ﷺ: " لايقضى القاضي" ٥ الخبر ووجه التنبيه: أنه لما تقدم بيان إرث الورثة فلما قال: "لا يرث القاتل" مفرقا بينه وبين جميع الورثة على أن القتل علة في منع الإرث وكذلك في اللفظ الثانى لما تقدم أمر القاضي بأن يقضى فإذا منع من أن يقضى وهو غضبان علم أن الغضب علة في المنع منه.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد" ٦ فلما قال هذا البعد نهيه عن بيع البر متفاضلا دل أن اختلاف الجنس العلة في أن يجوز٧ البيع.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه أبو داود: البيوع "٣/٢٤٨" ح "٣٣٥٩" والترمذي البيوع "٣/٥١٩" ح "١٢٢٥" وقال: حسن صحيح: والنسائي: البيوع "٧/٢٣٦" "بابا اشتراء التمر الرطب". ٣ تقدم تخريجه. ٤ أخرجه أبو داود: الديات "٤/١٨٧، ١٨٨" ح "٤٥٦٤" والدارمي: الفرائض "٢/٤٧٨" ح "٣٠٨٠" وأحمد: المسند "١/٦١" ح "٣٤٨". ٥ تقدم تخريجه. ٦ أخرجه مسلم "٣١٢١١" ح "٨١/ ١٥٨٧" وأبو داود: البيوع "٣/٢٤٦" ح "٣٣٥٠" ولفظهما: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". ٧ ثبت في الأصل "جواز" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ١٣٢ ]
بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فدل أن تعقيد اليمين علة المؤاخذة.
ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: "للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم" ١ فإذا استأنف أحد السببين بذكر صفة من الصفات فقد ذكر الآخر وتلك الصفة يجوز أن تؤثر في الحكم دل أنه علة.
ومن ضروب التنبيه قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لما أوجب علينا السعى ثم نهى عن البيع المانع من السعى علمنا أنه إنما نهانا لأنه مانع من الواجب.
واعلم: أن هذه الوجوه ذكرها المتكلمون من الأصوليين والكلام على مجال ونحن إذا بينا العلل الصحيحة ووجوه تأثيرها في الأحكام عرف عند ذلك صحيح العلل من فاسدها وعلى الجملة لا بأس بذكر هذه الضروب لأن هذه العلل علل من النصوص وطلب الفوائد من النصوص واجب فإذا أمكن استفادة علة من نص صاحب الشرع فلا مترك لها كما أنه إذا أمكن استفادة حكم منه فلا معرض عنه وقد ذكرنا في مسألة علة الربا أنا عللنا كون الطعم علة بالنص وجعلنا ذلك أحد فوائد النص وذكرنا أن بيان التأثير غير واجب علمنا بعد أن ثبت لنا كونه علة أحد فوائد النص لأن طلب الفوائد لما وجب وكان كون الطعم علة إحدى فوائده سقط عنا بيان تأثيره وهذه طرقة حسنة ذكرناها في الخلافيات ولا بأس بالاعتماد عليها وإن اخترنا بيان التأثير فقد ذكرنا أن التأثير في الطعم وبلغنا غاية الإمكان وكلتا الطريقتين حسنتان معتمدتان ومن الله العون.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: المغازي "٧/٥٥٣" ح "٤٢٢٨" ومسلم: الجهاد "٣/١٣٨٣" ح "٥٧/١٧٦٢" وابن ماجه: الجهاد "٢/٩٥٢" ح "٢٨٥٤" والدارمي: السير "٢/٢٩٧" ح "٢٤٧٢".
[ ٢ / ١٣٣ ]