فصل ونذكر الآن ألفاظ العموم فنقول.
أولها ألفاظ الجموع وسواء فيها جمع السلامة وجميع التكسير١ كقوله اقتلوا المشركين واعمروا المساجد وهذا النوع أبين وجوه العموم ثم بعد هذه الأسماء التى يدخلها الألف واللام للجنس٢ كقولك الحيوان والنبات والجماد يراد بها تعميم هذه الأجناس ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] فلا سارق إلا وعليه القطع بالآية ولا زانى إلا وعليه الجلد بالآية وقد قال بعضهم مثل هذا اللفظ لا يكون للعموم وإنما يكون للعهد قال أبو هاشم يفيد الجنس دون الاستغراق وأما عندنا هو العموم لأن نفس اللفظ وأن كان لفظا مفردا ولا يدل على العموم ولكن دخل عليه ما يوجب عمومه وهو لام الجنس وهذا لأنه لو لم يستغرق قولنا الإنسان جميع الجنس لأفاد واحدا غيره يقينا وإذا قلتم بهذا فقد كان هذا مستفادا بالاسم قبل دخول الألف واللام عليه فلا يبقى لدخول الألف واللام فائدة فدل أن فائدتهما الاستغراق.
قالوا: أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظة واحدة أن يؤكد كل وجميع كلفظ من نحو قوله كل من دحل دارى أكرمته ولا يستقيم أن يقول الرجل رأيت الإنسان كلهم ولا أن يقول: جاءنى الرجل أجمعون وأيضا فإنه يقبح الاستثناء.
ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان للعموم فحسن ذلك.
قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو على طريق المجاز ويحتمل أيضا أن الخسارة لما لزمت جميع الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء.
والجواب أن أصحابنا اختلفوا أن العموم من حيث اللفظ فى هذه الصورة أو من حيث المعنى فالأولى أن نقول أن العموم من حيث المعنى وذلك لأن الألف واللام لا بد أن تفيد التعريف وليس التعريف إلا تعريف الجنس وإذا قلنا أن اللفظ يفيد.
_________________
(١) ١ انظر البرهان لإمام الحرمين ١/٣٢٢ إحكام الأحكام ٢/٢٩٠ انظر نهاية السول ٢/٣٢٢. ٢ المحصول ١/٣٧٨ إحكام الأحكام ٢/٣٠١ روضة الناظر ١٩٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٧.
[ ١ / ١٦٧ ]
واحدا من الجنس خرج الألف واللام من كونهما للجنس ولم يبق لهما فائدة وإذا ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق ولأنه إذا قال الإنسان يفيد دخول كل من كان من جنس الإنسان فى اللفظ ولهذا المعنى صح قولهم أهلك الناس الدينار والدرهم البيض فيعنون كل واحد منهما بالجمع فدل أنهما يفيدان الاستغراق ويقال هلكت الشاة وهلك البعير وهلك الحيوان ويراد به العموم دل أنه مفيد له على الوجه الذى قدمنا وأما الألف واللام إذا دخلا على الجمع فلا بد من كونه مفيدا للاستغراق والدليل عليه حسن الاستثناء فإنه إذا قال اعط المسلمين فإنه يجوز أن يستثنى كل من شاء منهم وكذلك إذا قال رأيت الناس يجوز أن يستثنى أى إنسان أراد من الناس والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه يدل عليه أنه إذا قال رأيت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس ولا يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة إلا الاستغراق.
ومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة نحو من وما والفرق بين من وما أن كلمة من عامة فيمن يعقل لأنك إذا قلت: من فى الدار استقام الجواب بكل من يعقل ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والثوب وإذا قلت: ما فى الدار ولا يستقيم الجواب عنه بالعاقل١ لكن لا يعقل فنقول حمار أو شاة أو ثوب وما أشبه ذلك ومن أسماء العموم الأسماء المبهمة نحو من وما وذلك لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" ٢ "ومن أحيا أرضا ميتة فهى له" ٣ "وما أكلت العافية فهى له صدقة" ٤.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٢٩٠ نهاية السول ٢/٣٢٢ المحصول ١/٣٥٦ روضة الناظر ١٩٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٧. ٢ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١٧٣ ح ٣٠١٧ وأبو داود الحدود ٤/١٢٤ ح ٤٣٥١ والترمذي الحدود الحدود ٤/٥٩ ح ١٤٥٨ والنسائي تحريم الدم ٧/٩٥ باب الحكم في المرتد وابن ماجه الحدود ٢/٨٤٨ ح ٢٥٣٥ وأحمد المسند ١/٣٦٨ ح ٢٥٥٥. ٣ ذكره البخاري الحرث ٥/٢٣ باب من أحيا أرضا مواتا معلقا وأبو داود الخراج ٣/١٧٤ ح ٣٠٧٣ والترمذي الأحكام ٣/٦٥٣ ح ١٣٧٨ وقال حسن غريب ومالك في الموطأ الأقضية ٢/٧٤٣ ح ٢٦، ٢٧ وأحمد المسند ٣/٤١٤ ح ١٤٦٤٨. ٤ أخرجه النسائي في الكبرى ٣/٤٠٤ ح ٥٧٥٦ - ٥٧٥٨ والدارمي البيوع ٢/٣٤٦ ح ٢٦٠٧ وأحمد المسند ٣/٤١٤ ح ١٤٦٤٨ والبيهقي في الكبرى ٦/٢٤٤ ح ١١٨١٤ وابن حبان ١١٣٦/موارد بلفظ العوافي بدل العافية.
[ ١ / ١٦٨ ]
وأين وحيث تعمان الأمكنة ومتى تعم الأزمنة وكل تعم الفرد النكرة لقولنا كل رجل وكل زيد وكل الناس١ وكلما تعم الفعل٢ لقول القائل كلما فعلت فعلا يتناول الأفعال على العموم واعلم أنه لا فرق فى ألفاظ العموم بين الأسماء المشتقة وأسماء الأجناس وأسماء الصفات كقولك اعط المسلمين اعط الناس اعط الطوال فكل ذلك يستغرق كل ما يصلح له.
وأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فإنه عام على البدل غير عام على الجمع.
وإنما قلنا أنه عام على البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل من صاحبه.
وقد قال عامة أهل العلم أن النكرة إذا كانت نفيا استغرقت جميع الجنس كقولهم ما رأيت رجلا وما رأيت إنسانا وأما إذا خرج على الإثبات فلا يقتضى الاستغراق وأما إذا قال رأيت رجالا ولقيت ناسا فأقل ما يقتضيه ثلاثة من جماعتهم فإن قيل أليس أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] وهذا على العموم لأن الله تعالى لم يرد شيئا دون شيء لأن قدرته عامة شاملة جميع الأشياء محيطة بها كلها.
قلنا قد قالوا: فى تأويل الآية وتخريجها وجهين أحدهما أن فيها إضمارا والمعنى أما قولنا لكل شىء أو لشىء شىء فاكتفى بذكر أحدهما لأن فيه دلالة على الأول.
والوجه الآخر أن عمومه من طريق المعنى لا من طريق اللفظ وذلك لأن الأشياء متساوية فى قدرته فإذا أخبر عن نفوذ قدرته فى بعضها فقد دل بالمعنى على نفوذ قدرته فى سائرها وأما كلمة أى فقد قيل هى بمنزلة النكرة لأنها تصحب النكرة لفظا ومعنى يقول القائل أى رجل فعل هذا وأى دار تريدها قال الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وهى نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.
وقد ألحق بعض الأصوليين هذا الباب ما يفيد العموم من جهة المعنى وذلك يكون بأن يقترن باللفظ ما يدل على العموم وأن كان اللفظ لا يدل عليه فمن ذلك أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلته ليقتضى شيوع الحكم فى كل ما شاعت فيه العلة.
ومن ذلك أن يكون المفيد لعموم اللفظ يرجع إلى سؤال السائل.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام ٢/٢٩٠ المحصول ١/ ٣٥٦ نهاية السول ٢/٣٢٥، ٣٢٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير. ٢ انظر نهاية السول ٢/٣٢٦ روضة الناظر ١٩٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
ومن ذلك دليل الخطاب المقتضى للعموم.
فالأول مثل قوله ﷺ فى الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما كان من الطوافين علينا وأمثال هذا تكثر وأما المقتضى للعموم وما يرجع إلى السؤال نحو أن يسأل النبي ﷺ عمن جامع زوجته فيقول: عليه الكفارة فيعم ذلك كل من أفطر وأما العموم مفهوم الخطاب نحو قوله ﷺ فى سائمة الغنم زكاة فدل هذا أن لا زكاة فى كل ما ليست بسائمة.
مسألة: واختلف أصحابنا فى المجاز هل يتعلق به العموم على وجهين:
فقال بعضهم لا يدخل فى العموم إلا الحقائق وقال آخرون يدخل فيه المجاز كالحقيقة لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة واختلف الأصحاب أيضا أن لفظ العموم هل يتناول ما يمنع دليل النقل من إجراء حكمه عليه كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وكقول القائل اضرب كل من فى الدار ونحو ذلك لأن الله تعالى شىء ويمنع العقل أن يكون خالق نفسه وكذلك يمنع العقل أن يكون المأمور يضرب كل من فى الدار مأمورا بضرب نفسه فقال بعضهم أن موضوع اللفظ يتناوله لأن الدليل يوجب إخراجه منه.
وقال آخرون بل هو خارج منه لسقوطه فى نفسه بما ذكرناه وقالت هذه الطائفة أن اللفظ لم يتناوله أصلا فهذا هو الكلام فى ألفاظ العموم ويلحق هذا الموضع ما صح فيه دعوى العموم ما لا يصح وجملة ذلك أن العموم يصح دعواه فى نطق ظاهر يستغرق الجنس لفظه كالألفاظ التى ذكرناها فيما تقدم وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وأن لم تعرف صار مجملا فيما عرفت صفته مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه جمع بين الصلاتين فى السفر فهذا مقصور على ما ورد فيه وهو السفر ولا يحمل على العموم وما لم تعرف مثل ما يروى أنه ﵇ جمع بين الصلاتين فى السفر فلا نعلم أنه كان فى سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا فى سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك تعينه وجب التوقف فيه حتى تعرف ولا يدعى هو العموم وكذلك القضايا فى الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل ما روى أنه ﷺ قضى بالشفعة للجار وقضى فى الإفطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى.
[ ١ / ١٧٠ ]
العموم فيها بل يجب التوقف لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار بصفة تختص بها أو قضى بالكفارة بجماع أو بغيره فيما يختص به المحكوم عليه فلم يكن دعوى العموم وقال بعضهم أن روى أنه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال فلان كان يقرى الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى فى إسماعيل ﵇ وكان يأمر أهله بالصلاة والمراد به التكرار.
[ ١ / ١٧١ ]