فصل: وقد قال أبو زيد: إن شرط القياس أربعة:
إحداها: أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر.
والثانى: أن لا يكون معدولا به عن القياس.
والثالث: أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.
والرابع: أن يبقى الحكم في الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.
أما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص.
وأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به.
[ ٢ / ١١٢ ]
وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما بالمقايسة.
وأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص.
قال ومثال الأول أن الله ﵎ شرط العدد في جميع الشهادات وثبت بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ﷺ تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم في الدين بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال: وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: لما صح نكاح النبى ﷺ بلفظ الهبة على سبيل الخصوص بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بطل التعليل قال وقلنا بل التخصيص في سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه في المرأة بألا تحل لأحد بعده وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع سهولة ذكر لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان في التجارات ولم يجعل كذلك عندنا في الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع معادلة مالية الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر تتبقى أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى فيهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى المنافع إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل في ذلك أن لا يوجد فلم تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان قال: وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان فصار حكمها مخصوصا بموضع الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال: وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما كان معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى في الصوم فإنه معدول به عن القياس وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ناسيا
[ ٢ / ١١٣ ]
أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم الركن وهو الكف معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه أنما كان لأن الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف عن قضاء شهوتى بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ركن العبادة وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد في حق الإفطار.
[ ٢ / ١١٤ ]