فصل والكلام يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول.
الذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع.
فأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا: هو مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فدليل العقل قد خص هذه الآية لأنه تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] فعلم بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية.
ومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص١ وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى.
والثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وكذلك فى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وأن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه ويقال لمن منع منه أتحمل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] على الاستيعاب فى كل ما يتناوله اسم الشىء.
فإن قالوا: هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه بالاستثناء وأن قالوا: هو مخصوص فقد قيل ما قلناه.
وأما تخصيص العموم بالشرع فضربان.
أحدهما يتصل به.
والثانى ينفصل عنه.
وأما المتصل به فسنفرد له بابا.
وأما تخصيصه بالمنفصل منه٢ فنقول هو على أربعة أضرب.
_________________
(١) ١ انظر البرهان ١/٤٠٨ ونهاية السول ٢/٤٥١ المستصفى ٢/٩٨ إحكام الأحكام ٢/٤٥٩ روضة الناظر ٢١٤ انظر المحصول ١/٤٢٧ المعتمد ١/٢٥٢. ٢ المخصص المنفصل: هو ما استقل عن الكلام الذي دخله التخصيص بحيث لا يحتاج إليه في النطق انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
أحدها: تخصيصه بالكتاب.
والثانى: بالسنة.
والثالث: بالإجماع.
والرابع: بالقياس.
فأما تخصيصه بالكتاب.
فلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة فإن كان بالكتاب فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] خص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] خص بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق ٤ ومثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خص بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١ [الأحزاب: ٤٩] .
وإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب٢ وأما النسخ فيستبين فى باب النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل الخطاب من الكتاب أما فحوى النص٣ فهو جار مجرى النص وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من مذهب الشافعى٤ لأنه مستفاد من النص فصار بمنزلة النص ومثاله من الكتاب قوله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٧ إحكام الأحكام ٢/٤٦٥ المحصول ١/٤٢٨ المعتمد ١/٢٥٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠١. ٢ انظر إحكام الأحكام ٢/٤٧٠ روضة الناظر ٢١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٥. ٣ أي مفهوم الموافقة وهو لا خلاف فيه بين علماء الأصول في تخصيص للعام لأنهم متفقون على حجيته وعند تعارضه مع العام يخصص به العام انظر نهاية السول ٢/٤٦٧ المستصفى ٢/١٠٥ انظر إحاكم الأحكام ٢/٤٧٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٦. ٤ أي مفهوم المخالفة والحنفية لا يرونه حجة ولذلك لا يخصصون به العام انظر نهاية السول ٢/٤٦٨ إحكام الأحكام ٢/٦٨ المستصفى ٢/١٠٥ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فكان عاما فى كل مطلقة ثم قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها فى أظهر قوليه عموم المطلقات وامتنع من التخصيص فى القول الآخر وأما تخصيص عموم الكتاب والسنة بالسنة.
فإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى الكتاب أو فى السنة وسواء كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو بالآحاد لأن السنة المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز بالسنة المتواترة١.
وأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد.
فأخبار الآحاد ضربان.
أحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله ﵇: "لا ميراث لقاتل" ٢ "ولا وصية لوارث" ٣ وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وابنة أخيها فيجوز تخصيص العموم به ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على حكمتها وأن لم ينعقد الإجماع على روايتها.
وأما الضرب الثانى: من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو المسألة التى اختلف العلماء فيها.
مسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد عندنا وعند الكثير من المتكلمين.
وقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء.
وقال عيسى بن أبان أن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وأن كان لم يخص.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٦ انظر إحكام الأحكام ٢/٤٧٢ المحصول ١/٤٢٩. ٢ أخرجه الترمذي الفرائض ٤/٤٢٥ ح ٢١٠٩ وابن ماجه الديات ٢/٨٨٣ ح ٢٦٤٥ والدارقطني سننه ٤/٩٦ ح ٨٦ والبيهقي في الكبرى ٦/٣٦١ ح ١٢٢٤٣. ٣ أخرجه أبو داود الوصايا ٣/١١٣ ح ٢٨٧ والترمذي الوصايا ٤/٤٣٣ ح ٢١٢٠ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الوصايا ٢/٩٠٥ ح ٢٧١٣ ونصب الراية ٤/٤٠٣.
[ ١ / ١٨٥ ]
لا يجوز١ وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن يخص بما يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز بخبر الواحد دليله النسخ.
وأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل.
وأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد الظن.
وأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو الدليل على جواز التخصيص به وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك دليل إذا أمكن العمل به وإذا قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين وإذا قلنا لا يجوز التخصيص تركنا دليل السنة.
وبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم وأما إذا خصصنا العموم فلم نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص.
فإن قالوا: تركتم القول بالاستيعاب فى العموم.
قلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا حينئذ نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما يقتضيه العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ورد مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة على تخصيص قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإن عمومه يقتضى إباحتها قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله ﵇: " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٢ وكذلك خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٩ إحكام الأحكام ٢/٤٧٢ المحصول ٤٣٢ المستصفى ٢/١١٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٦. ٢ أخرجه البخاري اللباس ١٠/٢٧٦ ح ٥٧٩٢ ومسلم النكاح ٢/١٠٥٥ ح ١١١/١٤٣٣ وأبو داود الطلاق ٢/٣٠٣ ح ٢٣٠٩ والنسائي الطلاق ٦/١١٨ باب الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها وابن ماجه النكاح ١/٦٢١ ح ١٩٣٢.
[ ١ / ١٨٦ ]
﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ١ الخبر وكذلك قوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" ٢ وخصوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بنهيه ﵇ عن قتل النساء.
وأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين وعلى أن خبر الواحد معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم أصله كما أن جهة القبلة معلومة وأن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى عليه حكم أصلها وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز بدليل مظنون إذا كان ثبوت المرفوع بدليل مقطوع به وأما التخصيص فليس برفع للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان بالعموم فصار بمنزلة اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني وابن السكن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر رواه الترمذي واشتغربه وفيه ابن ليلى وانظر تلخيص الحبير ٩٧١٣. ٢ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٨ ح ٦٧٣٠ ومسلم الجهاد ٣/١٣٧٩ ح ٥١/١٧٥٨ بلفظ "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" وأبو داود الإمارة ٣/١٤٢ ح ٢٩٦٨ والترمذي السير ٤/١٥٨ ح ١٦١٠ والنسائي الفئ ٧/١١٧ كتاب قسم الفئ ومالك في الموطأ الكلام ٢/٩٩٣ ح ٢٧ وأحمد المسند ٦/١٦٣ ح ٢٥١٧٨.
[ ١ / ١٨٧ ]