وقد سبق بيان هذا ومما يتصل بهذا أن من الناس من قال: إذا أجمع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين الكوفة والبصرة لم يعتد بخلاف غيرهم١ وما ذكرنا من قبل يدل على بطلان قول من زعم هذا. وقال بعضهم: إذا أجمع الخلفاء الاربعة لم يعتد بغيرهم وذهب إلى هذا القاضي أبو حازم من أصحاب أبى حنيفة وحكاه الضميرى عنه٢. وقالت الرافضة: إذا قال على كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بخلاف
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول "٣/٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٥" إحكام الأحكام "١/٣٤٩" المستصفى "١/١٨٧" روضة الناظر "١٢٦" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي "٣/٢٦٤، ٢٦٥" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٥٤، ١٥٥". ٢ الخلفاء الأربعة: هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لقوله ﵇: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملكا ثم عضوضا وكانت مذة هؤلاء الأربعة ثلاثين سنة. وقد اختلف العلماء في إجماعهم فالجمهور على أن إجماعهم على شيء مع وجود المخالف لا يكون حجة على غيرهم وقال الإمام أحمد والقاضي أبو حازم من الحنفية أنه حجة وإن وجد مخالف انظر نهاية السول "٣/٢٦٦، ٢٦٧" إحكام الأحكام "١/٣٥٧". انظر روضة الناظر =
[ ٢ / ٢١ ]
غيره وقال بعض الرافضة: إذا اتفق أهل بيت رسول الله ﷺ على شئ كان حجة مقطوعا بها ولم ينظر إلى خلاف غيرهم١ وقد تعلق من قال بالقول الاول بقوله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ٢ وتعلق من قال بالقول الثاني بقوله ﷺ: "أنا من على وعلى مني" ٣ وقال: "أنا مدينة العلم وعلى بابها" ٤ وقال حين بعث عليا خلف أبى بكر في الحجة التي استخلف أبا بكر عليها ليقرأ أوائل سورة براءة على الناس في الموسم: " لا يبلغ عنى إلا رجل من أهل بيتى" ٥ وتعلق من قال بالقول الثالث بقوله ﷺ: "تركت فيكم شيئين إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله ﷿ وأهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" ٦ وقال ﷺ: "مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح من ركبها نجا" ٧ وتعلقوا بخبر الكسائى وهو أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] دعا عليا وفاطمة
_________________
(١) = "١٢٧" فواتح الرحموت "٢/٢٣٢" المحصول "٢/٨٣" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٥٦". ١ اختلف العلماء في إحماع العترة فالجمهور على أن إجماعهم ليس حجة على غيرهم عند المخالفة وقال الشيعة الزيدية والإمامية: إن إجماعهم مع وجود المخالف لهم حجة انظر نهاية السول "٢/٢٦٥، ٢٦٦" انظر إحاكم الأحكام "١/٣٥٢" فواتح الرحموت "٢/٢٢٨" المحصول "٢/٨٠" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٥٥". ٢ أخرجه أبو داود: السنة "٤/٢٠٠" ح "٤٦٠٧" والترمذي: العلم "٥/٤٤" ح "٢٦٧٦" وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة: المقدمة "١/١٥" ح "٤٢" والدارمي: المقدمة "١/٥٧" ح "٩٥" وأحمد: المسند "٤/١٥٦" ح "١٧١٤٧"اتنظر تلخيص الجبير "٤/٢٠٩" ح "١٤". ٣ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦٣٦" ح "٣٧١٩" وقال: حسن غريب وابن ماجة: المقدمة "١/٤٤" ح "١١٩" وأحمد: المسند "٤/٢٠٤" ح "١٧٥١٧". ٤ أخرجه الحاكم في المستدرك "٣/١٢٦" والطبراني في الكبير "١١/٦٥" ح "١١٠٦١" وقال الحافظ الهيثمي في المجمع "٩/١١٧": رواه الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح الهروي وهو ضعيف. ٥ أخرجه الترمذي: التفسير "٥/٢٧٥" ح "٣٠٩٠" وقال: حسن غريب وأحمد: المسند "٣/٢٦٠" ح "١٣٢١٩" انظر الدر المنثور للسيوطي "٣/٢٠٩". ٦ أخرجه مسلم: فضائل الصحابة "٤/١٨٧٣" ح "٣٦/٢٤٠٨" من حديث طويل وأحمد: المسند "٣/٣٣" ح "١١٢١٧" بنحوه. ٧ أخرجه الطبراني في الكبير "١٢/٣٤" ح "١٢٣٨٨" وذكره الهيثمي في المجمع "٩/١٧١" وقال: رواه البزار والطبراني وفيه: الحسن بن أبي جعفر وهو متروك وأبو نعيم في الحلية "٤/٣٠٦" والحاكم في المستدرك "٢/٣٤٣" وانظر الدر المنثور للسيوطي "٣/٣٣٤".
[ ٢ / ٢٢ ]
والحسن والحسين ﵃ وأدار عليهم كساء وقال: " هؤلاء أهل بيتى" ١.
وأما الدليل على تصحيح ما قلنا: أن الشرط اتفاق جميع الصحابة في عصرهم لينعقد الإجماع ويصير حجة لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فتعلق الوعيد بترك سبيل المؤمنين دل أنه لا يتعلق بترك سبيل بعضهم وقال النبى ﷺ: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢ ولأن الدليل على أن الإجماع حجة ليس من طريق العقل إنما هو من طريق السمع وإنما ورد السمع بعصمة جميع الأمة لأنه ﵇ قال: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" ٣ يدل على أن الخطأ يجوز على بعضهم وإنما لا يجوز على جماعتهم وأما الأخبار التي رووها فيما ادعوه٤ فتلك الأخبار تدل على اختصاص هؤلاء القوم بفضائل من بين سائر الصحابة وتدل على نوع يميز لهم من غيرهم ولا تدل على أن قولهم حجة مقطوع بها.
وقد ورد في غيرهم من الصحابة أخبار ورويت لهم فضائل عن النبى ﷺ لو تتبعناها وعلقنا معانيها دل أيضا أن أقوالهم حجة وأنه يجب علينا أن نتبعهم ونترك قول غيرهم منها ما ورى في أبي بكر وعمر ﵄ أنه قال ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر" ٥ وقال ﷺ: "إن الحق لينطق على لسان عمر" ٦ وفى رواية أنه قال ﷺ: "السكينة" ٧ بدل لفظة "الحق" وقال: "لو كان بعدى نبي لكان عمر" ٨ وقال: " اهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦٩٩" ح "٣٨٧١" وقال: هذا حديث حسن وأحمد: المسند "٦/٣٣٧" ح "٢٦٦٥٣". ٢ تقدم تخريجه. ٣ تقدم تخريجه. ٤ في الأصل: ادعوها. ٥ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦٠٩" ح "٣٦٦٢" وقال: هذا حديث حسن وابن ماجه: المقدمة "١/٣٧" ح "٩٧" وأحمد: المسند "٥/٤٤٧" ح "٢٣٣٠٧" انظر تلخيص الحبير "٤/٢٠٩" ح "١٣". ٦ أخرجه أبو داود: الإمارة "٣/١٣٨" ح "٢٩٦١" والترمذي: المناقب "٥/٦١٧" ح "٣٦٨٢" وابن ماجة: المقدمة "١/٤٠" ح "١٠٨" وأحمد: المسند "٢/٥٣٠" ح "٩٢٣٥" بألفاظ نحوه. ٧ أخرجه أحمد: المسند "١/١٣٢" ح "٨٣٧". ٨ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦١٩" ح "٣٦٨٦" وقال: حسن غريب والطبراني في الكبير "١٧/١٨٠" ح "٤٧٥".
[ ٢ / ٢٣ ]
مسعود" ١ وقال: "رضيت لأمتى ما رضى لها ابن أم عبد" ٢ يعنى ابن مسعود وقال ﷺ "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقرأكم أبى"٣ وقال: "إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ٤ وهذا يوجب الرجوع إلية لاختصاصه بالأمانة ولكل ما ذكروه معنى وتأويل ذكره أهل العلم في كتبهم ولا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضوع واقتصرنا على هذا القدر ورفعنا بهذه المعارضة كلامهم والله المعين على التمسك بالحق والمرشد إليه.
مسألة: إجماع أهل المدينة على انفرادهم لا يكون حجة عندنا.
وقال مالك: إذا أجمع أهل المدينة على شئ لم يعتد بخلاف غيرهم٥. وقال الأبهرى من أصحابنا: إنما أراد بهذا فيما طريقه الإخبار. وقال بعضهم: أراد به ترجيح قولهم٦ وقد أشار الشافعى ﵁ في هذا في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم وقال بعضهم: أراد بذلك في زمان الصحابة والتابعين وتابعى التابعين فأما من نصر قول مالك على الإطلاق تعلق بقوله ﷺ: " المدينة طيبة وأنها ينفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد" ٧ قال: والخطأ من الخبث فكان منتفيا عن أهل المدينة. وقال ﷺ: "إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها" ٨
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦٧٢" ح "٣٨٠٥" وقال: حسن غريب. ٢ أخرجه الطبراني في الكبير: "٩/٨٠" ح "٨٤٥٨" والحاكم في المستدرك "٣/٣١٧". ٣ أخرجه الترمذي: المناقب "٥/٦٦٤" ح "٣٧٩٠ وقال: حسن غريب وابن ماجة: المقدمة "١/٥٥" ح "١٥٤" وأحمد: المسند "٣/٣٤٤" ح "١٣٩٩٨". ٤ أخرجه البخاري: المغازي "٧/٦٩٦" ح "٤٣٨٢" ومسلم: فضائل الصحابة "٤/١٨٨١" ح "٥٣/٢٤١٩". ٥ المقصود بأهل المدينة هنا أي: الصحابة والتابعين دون غيرهم انظر نهاية السول "٣/٢٦٤". ٦ انظر نهاية السول "٣/٢٦٤" إحكام الأحكام للآمدي "١/٣٤٩" انظر المحصول "٢/٧٨" روضة الناظر "١٢٦" فواتح الرحموت "٢/٢٣٢" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي "٣/٢٦٤" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٥٤". ٧ أصله في البخاري ومسلم بلفظ "المدينة تنفي كما ينفي الكير خبث الحديد" أخرجه البخاري: فضائل المدينة "٤/١٠٤" ح "١٨٧١" ومسلم: الحج "٢/١٠٠٦" ح "٤٨٨/١٣٨٢". ٨ أخرجه البخاري: فضائل المدينة "٤/١١١" ح "١٨٧٦" ومسلم: الإيمان "١/١٣١" ح "٢٣٣/١٤٧".
[ ٢ / ٢٤ ]
والأخبار في فضل المدينة تكثر ولأن الممدينة منزلة الرسول ﷺ إلى أن قبض ومهبط الوحى حتى انقطع ودار الهجرة ومنها ظهر العلم ومنها صدر وهى منازل الصحابة ومستقر الإسلام ومتبوأ الأيمان مجموع هذا يدل أن الحق معهم وأنه لا يعدوهم وأما من قال: إن روايتهم أولى فلأنهم أعرف بأمر رسول الله ﷺ حيث كان بينهم من أفقه أهل كل بلد يكونون أخبر وأعرف مما يجرى فيه من غيرهم وأما دليلنا فظاهر وذلك لأن الإجماع إنما كان حجة بالأدلة السمعية التي بيناها وتلك الدلائل تتناول أهل المدينة كما تتناول أهل غيرها من البلاد على الانفراد ولأن الأماكن غير مؤثرة في كون الأقوال حجة دليله الحرم والمسجد الحرام ويقال لأصحاب مالك: ما الذى أوجب قصر الإجماع على أهل المدينة؟ فإن قالوا: لأنهم مخصوصون بالعصمة فهذا كلام باطل بالإجماع ونحن نعلم قطعا أنه يجرى بالمدينة من الفضائح والكبائر مثل ما يجرى في سائر البلاد وإن قالوا: لأنها مهبط الوحى ومنزل النبى ﷺ وأهلها يتوارثون السنة قرنا فقرن فهذه أمور لا توجب قصر الإجماع على أهلها وتخصيصهم به دون أهل سائر البلدان لأن المجتمعين على الحكم إنما يجمعهم عليه دليل يوجب اتفاقهم عليه والدليل إما بتوقيف أو إجتهاد وأهل العلم حيث كانوا من بقاع الأرض وأقطارها المشاركون لأهل المدينة في أنواع الأدلة ووجوه الاستدلال وقد كان النبي ﷺ ينزل الوحى عليه بالمدينة وهو مقيم بها وفى أسفاره وهو طاعن عنها وقد نزل عليه بمكة قرآن كثير ولعله يبلغ شطر القرآن فثبت أن أهل المدينة وأهل سائر البلاد في الشرع سواء وثبت أن أدلة الإجماع في الكل سواء وليس لها تخصيص بأهل المدينة دون غيرهم.
ببينة: أن المناسك بينها النبى ﷺ بمكة. وقال: "خذوا عنى مناسككم" ١ ثم لم يقل أحد: إن أهل مكة إذا أجمعوا على شئ من المناسك يكون إجماعهم حجة وأنهم يمتازون بهذا عن سائر البلاد. ثم نقول: إن كثيرا من الصحابة قد تفرقوا عن المدينة ورحلوا عنها إلى العراق والشام ومصر وسائر البلدان وإنما رحل كل واحد منهم بما معه من السنة فبينه في أهل تلك البلاد التي أقام فيها وقد أقام بالشام جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وغيرهم وانتقل على
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: الحج "٢/٩٤٣" ح" ٣١٠/١٢٩٧" والبيهقي في الكبرى "٥/٢٠٤" ح "٩٥٢٤" ولفظه للبيهقي.
[ ٢ / ٢٥ ]
بالكوفة وهو أحد الخلفاء الأربعة وأقام بها إلى أن توفاه الله ﷿ وكان بها ابن مسعود وحذيفه وسعد بن أبى وقاص وسلمان وغيرهم وحين بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة كتب إليهم بعبد الله على نفسى وورد البصرة من الصحابة طلحة والزبير وعائشة فمن كان معهم من الصحابه فأقام بهها ابن عباس مدة وكان بها أبو موسى الأشعرى وعمران بن حصين وأنس وغيرهم وهؤلاء من أعيان أصحاب رسول الله ﷺ وكان مع كل واحد منهم طائفة من أمر الدين وقطعة من السنة وقد تلقاها عنهم أهل هذه البقاع وحصلوها عندهم فكيف يجوز أن يختزلوا دون الإجماع ويفتات عليه في ذلك ولا يكون لهم منه حظ ولا يعتبر منهم خلاف هذا أمر قبيح وخطة مستشنعة ثم نقول إن المدينة كما أنها كانت مجمع الصحابة ومهبط الوحى فقد كانت أيضا دار المنافقين ومجمع أعداء الدين منهم عبد الله بن أبى ابن سلول وحلاس بن سويد ويجمع بن حارثة الثقفى وطعمه بن أبيرق غيرهم وكان من رؤسهم أبو عامر الراهب وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وفى المدينة قال القائلون المنافقون: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفيها الماردون على النفاق الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] وفيها طعن عمر وحوصر عثمان حتى قتل وعلى أهلها كانت وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية ففنى الخلق وهلك عامة أهل الفضل ثم انجلى عنها أكثر من بقى منهم وبها غيرت السنن زمن مروان بن الحكم حين كان أميرها من قبل معاوية ﵁ وقدم خطبتى العيد على الصلاة وأقام الحرس حتى منعوا الناس عن تحية المسجد حين كان يخطب وأخرج المنبر يوم العيد وغير ذلك مما يكثر والخطب جسيم والداء دوى والشر قد تم وجرى منذ قتل عثمان بالمدينة سنة خمس وثلاثين من الهجرة إلى بعد المائة من الهجرة بالمدينة ومكة والعراق١ وغيرها من بلدان الإسلام ما ترتاع النفوس سماعها وتقشعر القلوب من هولها وشدتها وظهر من الجرأة على الله تعالى وهتك جهات الدين والتهاون بشعائره وتغيير رسومه وسننه ونقض عرى الإسلام وسفك الدماء المحترمة وانتهاك المحارم والإقدام على العظائم التي لا يقدر قدرها ما لو حكى عشر ذلك بل أقل القليل منه بنى إسرائيل لتعاظمه هذه الأمة فكيف وهم
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "العراقيين".
[ ٢ / ٢٦ ]
الفاعلون لذلك المقدمون عليه ولله أمر بالغه وهو لعباده وهو بالمرصاد ونسأل الله تعالى العصمة وهذا الذى قلنا فيما سوى سيئات سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز أما سليمان فقد قيل: إنه فتح بخير وختم بخير أما افتتاحه بخير فهو هلاك الحجاج واختتامه بخير استخلافه عمر بن عبد العزيز وأما عمر فقد ضم إلى الخلفاء الراشدين وحسبك بهذا شرفا ونقول في مجموع ذلك ما قاله بعض سلفه: وهو أنه سئل عن الأمور التي جرت بين الصحابة ومن بعدهم وقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البقرة: ٢٨٦] وأما رواية أحدهم تقديم أهل المدينة فقد قاله بعض أصحابنا على ما قدمناه والأصح أن روايتهم ورواية غيرهم سواء وذلك أن ما يوجب قبول الأخبار يستوى القولفيه أهل المدينة وأهل سائر البلدان ولأن شهادة أهل المدينة وشهادة غيرهم واحد وكذلك الرواية ولأنا قد بينا أنه لا يقدم في المناسك رواية أهل مكة وإن اختصوا بها على معنى أن الكعبة عندهم والمشاعر في بلدهم واختصاصهم بمناسك الحج [أخص] ١ من أهل المدينة بالسنن فأهل المدينة وغير أهل المدينة في السنن والشرع سواء وقد حكى بعضهم عن مالك أنه قال: "يخرج العلم من عندنا شبرا ويرجع ذراعا" يعنى أنه يزاد فيه ولا يمكن إطلاق هذا القول وفيه أن الظن بنقلة الأخبار وقد قال بعض أهل المدينة لبعض أهل العراق. وعندي أن من عندنا خرج العلم فقال: بلى ولكن لم يعد إليكم وأيضا يجوز أن يصير ذراعا [وذلك] ٢ بالمدينة أيضا بأن يزيد فيه بعض الفسقة ويجوز أن يكون في الخير زيادة ثابته يقع الزيادة عند بعض العلماء من غير أهل المدينة والأولى هو التسوية [بين] ٣ أهل المدينة وغير أهل المدينة في الرواية وفي الاجتهاد وفى مسألة الإجماع على ما سبق هذا مع اعترافنا للمدينة بالفضل الذي خصها الله تعالى به على ما نقل في الأخبار مثل ما نعترف لمكة بالفضل الذى خصها الله به على ما ورد في الأخبار ومن الله العصمة ونسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا وحولنا وقوتنا بمنه وجوده.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "اختص". ٢ ليست واضحة في الأصل. ٣ ثبت في الأصل من.
[ ٢ / ٢٧ ]