فصل
وقد ذكرنا من قبل وجوه ما يقع بها النسخ وقد بقيت منها بقية فيما يجوز به النسخ وما لا يجوز نذكره في هذا الموضع لا خلاف بين العلماء أن نسخ القرآن بالقرآن جائز٢ كما نسخ بالقرآن صدقة المناجاة الواجبة بالقرآن وكما نسخ العشرون بمصابرة الاثنين في الجهاد ونسخ الاعتدال بالحول بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولأن جميع القرآن موجب للعمل والعلم فساوى بعضه بعضا فجاز أن ينسخ بعضه بعضا وكذلك نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة٣ لقوة الناسخ وضعف المنسوخ ولا يجوز نسخ المتواتر.
_________________
(١) ٢ إلا أن أبا مسلم الأصفهاني منعه انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٨ المحصول ٥٣٨ جمع الجوامع ٢/٧٨ المستصفى ١٢٣١ تيسير التحرير ٣/٢٠٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٤٣. ٣ انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٨ المحصول ١/٥٥٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٧.
[ ١ / ٤٤٩ ]
بالآحاد١ لضعف الناسخ وقوة المنسوخ وقد ذكرنا طرفا من هذا فأما نسخ القرآن بالسنة فإن كانت السنة أخبار آحاد لم يجز النسخ بها اتفاقا٢ أما إذا كانت السنة ثبوتها بطريق التواتر فقد اختلف العلماء في ذلك على ما سنبين.
مسألة: نص الشافعي رحمة الله عليه في عامة كتبه أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال وأن كانت السنة متواترة ثم اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنه يمنع منه العقل أو الشرع فالظاهر من مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعا والوجه الثاني أنه منع منها الشرع دون العقل ثم اختلف من قال بهذا فقال ابن شريح أن الذي يمنع منه أن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وهذا أصح وقال أبو حامد الإسفرائيني الشرع منع منه ولم يكن مجوزا فيه وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول عامة المتكلمين وقيل أنه اختيار ابن شريح٣ واحتج من جوز بالعقل أنه لو لم يجز لكان لنا أن لا نجوز في القدرة أو في الحكمة والأول لا يجوز لأنه معلوم أن النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام ولو أتى بكلام موضوع لدفع حكم من أحكام الكتاب صح ذلك ودل على ما هو موضوع له والثاني لا يجوز أيضا لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون مسفرا عن النبي ﷺ وموهما أنه ﷺ يأتي بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفر عنه من حيث أن أزال حكما.
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٩ المحصول ١/٥٥٠ نهاية السول ٢/٥٨٦ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٨٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦١. ٢ اعلم أن الكاتبون في هذه المسألة مختلفون في محل النزاع فيهما فجمهورهم كالإمام الرازي وصاحب الحاصل التحصيل والآمدي ذهبوا إلى أن محل النزاع هوالجواز السمعي أي الوقوع وأما الجواز العقل مقدور عليه بمعنى أن الكل متفق على أنه يجوز عقلا نسخ المتواتر بالآحاد وقليل من الكاتبين كابن الحاجب والبيضاوي والكمال بن الهمام ذهبوا إلى أن الخلاف جاد في الجواز العقلي كما هو جاد في الوقوع بمعنى أن من العلماء من يقول: إن نسخ المتواتر بالآحاد غير جائز عقلا ومنهم من يقول بجوازه عقلا. والقائلون بالجواز في الوقوع فمنهم من قال وقع نسخ المتواتر بالآحاد ومنهم من قال بعدم الوقوع انظر نهاية السول ٢/٥٨٦ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٩ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٨٦، ٥٨٧ جمع الجوامع ٢/١٨ المحصول ١/٥٥٠ تيسير التحرير ٣/٢٠٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦١، ٦٢. ٣ نهاية السول ٢/٥٨٠، ٥٨١ إحكام الأحكام ٣/٢١٧ المحصول ١/٥٥٥ جمع الجوامع ٢/٧٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٧، ٥٨.
[ ١ / ٤٥٠ ]
شرعيا وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة فإن قلتم أن القرآن معجز فاتصل به دليل يدل أنه جاء من الله تعالى فهذا لا يسقط هذا الدليل أن نسخ القرآن بالقرآن جائز وأن كان النسخ بما لا يظهر فيه صفة الإعجاز ثم النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك موقوف على أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا ألا ترى أن السنة تنسخ بالسنة وأن لم يكن فيها دليل على الإعجاز يدل عليه أن الحكم إذا كان قابلا للنسخ والدليل محتملا لأن يقع به النسخ لم يكن لمنع الجواز معنى الدليل على أن الحكم الثابت بالقرآن يحتمل النسخ بالسنة أنه لا دليل في أن يكون نسخه بالكتاب فحسب لأن السنة كافية في النسخ بها وليس في أنه يجب أن يكون النسخ بالكتاب دليل يدل عليه قالوا: ولأن النسخ إسقاط الحكم في بعض الأوقات التي يتناولها العموم فأشبه التخصيص فإن إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة فكذا النسخ واحتج أبو زيد في هذه المسألة فقال النسخ بيان انتهاء مدة الحكم قال وكتاب الله حجة وسنة النبي ﷺ حجة يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب فكذلك يجوز أيضا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب وقال فإن قال قائل هذا يوهم الاختلاف فهذا غلط لأنه أن كان هذا يوهم الاختلاف فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله ﷿ وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد قال والذي يوضح هذا أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب ونسخ التلاوة يمحو الحفظ من القلوب أما رفعا وأما بانقراض الذين علموه من غير خلف وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله ﷺ بوحي الله تعالى إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب دليل آخر لهم من حيث الشرع قالوا: يدل على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع والدليل على ذلك أنه كان الوجب على الزائد الحبس في البيوت بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم قالوا: وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ: "لا وصية لوارث" وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] وهذا الحكم منسوخ اليوم بالإجماع.
[ ١ / ٤٥١ ]
ولم يعرف نسخه بالكتاب فقد نسخ بغير الكتاب وقال الله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] وقد نسخ ذلك بقوله ﷺ: "اقتلوا ابن خطل وأن كان متعلقا بأستار الكعبة" ١ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقد ينسخ هذا بما روى النبي ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير٢ وأما دليلنا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرا منه فوجب أن لا يجوز النسخ بها وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فهذا يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان بخير من الآية وذلك لا يكون إلا [نسخا] ٣ والناسخ قرآن وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ يفيد أنه يأت من جنسه وجنس القرآن قرآن والاستدلال بالآية معتمد يدل عليه أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا يدل أن غيره يعجز عنه فإن قيل المراد من الآية نأت بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب وربما يعبرون عن هذا فيقولون معنى الآية نأت بخير منها أو مثلها في النفع وأما قولكم أنه قال نأت فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه قلنا إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة فالذي أتى بذلك هو الله ﷿ ألا ترى أن الله هو الناسخ على لسان نبيه ﷺ كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه ﷺ قالوا: وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أن الله تعالى إذا كان هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه ﷺ فالقدرة في ذلك له دون غيره وأما قولهم أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يقتضي أن يكون ما يأتي من جنسه قال هذا لا يفيد ما قلتم فإن الإنسان إذا قال ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبا أو غيره.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١٩١ ح ٣٠٤٤ ومسلم الحج ٢/٩٨٩ ح ٤٥٠/١٣٥٧ بلفظ "جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه". ٢ أخرجه مسلم الصيد ٣/١٥٣٤ وأبو داود الأطعمة ٣/٣٥٤ ح ٣٨٠٣ والنسائي الصيد ٧/١٨٢ باب إباحة أكل لحوم الدجاج وابن ماجه الصيد ٢/١٠٧٧ ح ٣٢٣٤ وأحمد المسند ١/٣٢١ ح ٣١٩٦. ٣ بياض في الأصل.
[ ١ / ٤٥٢ ]
فقد صدق في قوله ووعده.
ثم ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثم المتكلم وهو أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ليس فيه أنه يأتي بخير منها ناسخا بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في حكم آخر بعد نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية الجواب أن الاستدلال بالآية قائم ونقول على سؤالهم الأول أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقتضي أن الذي يأتي به خير من الآية المنسوخة على الإطلاق وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلا في نسخ القرآن بالقرآن فأما في نسخ القرآن بالسنة لا يوجد لأنه لا تكون السنة خيرا من القرآن على الإطلاق بحال بل يجوز أن يكون خيرا في الثواب أو أنفع منه وهذا لا يقتضي أن يكون خيرا على الإطلاق بل الخير على الإطلاق أن يكون خيرا من كل وجه فإن قيل إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصور أن يأتي بخير من الأول بحال وأن نسخ القرآن بالقرآن لأن القرآن لا تكون بعض آياته خيرا من البعض قلنا يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقي الإخلاص والإخلاص أكثر في الثواب من غيره وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] أبلغ في الإعجاز من غيره فإذا نسخ القرآن بالقرآن يجوز أن يظهر الخيرية المطلقة فأما إذا نسخ القرآن بالسنة فلا يظهر الخيرية المطلقة لأنه أن كان خيرا في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز فإنه كلام الله ﷿ وإنه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك قال الخطابي أن الشيء إذا أطلق أنه خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من الوجوه أما قولهم إنا إذا نسخنا القرآن بالسنة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو الله ﷿ أيضا قلنا لا ننكر هذا لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصا فيه وأما الذي ثبت بالسنة فهو وأن كان صدوره عمن لا ينطق عن الهوى لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته هذا كما أن الوحي يختلف فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهاما ونفثا في الروح ووحي الكتاب مخالف لكل هذا إذ هو الأعلى والمتقدم على سائر أنواعه كذلك ها هنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما يثبت به أما قولهم على قولنا أن قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقتضي أن يكون من جنسه أنه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه قلنا لا بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ فأما قول القائل ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه.
[ ١ / ٤٥٣ ]
إنما يفيد ما ذكرتم لأنه ذكر لفظ ما وهذا اللفظ يقع على الثواب وعلى غيره وليس كذلك الآية لأن الله تعالى لم يقل بما هو خير منها وإنما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فنظير قول القائل ما أخذ منك من ثوبا آتيك بخير منه وهو مفيد ثوبا خير من الثواب الأول وأما الذي نسبوه إلى أبي هاشم من السؤال فليس بشيء لأنه خلاف قول المفسرين بل خلاف قول جميع الأمة وقد قال كل من تكلم في هذه الآية من العلماء أن الآية التي تأتي ها هنا هي الناسخة والأخرى هي المنسوخة وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز أن يعترض به على إجماع المفسرين ونقول أيضا على قولهم أن ما يثبت بالسنة قد يكون أنفع وأفضل في الثواب قلنا هذا محال لأن الثابت بالسنة أن كان أنفع عملا فيبقى أن الكتاب أنفع لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السنة والاعتماد في المسألة على هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] فأخبر أن تبديل القرآن ونسخه يكون من عند الله ﷿ لا من عند نفسه وسؤالهم على هذا بما قالوا: أنه وأن كان من عند الرسول ﷺ بصورة ولكنه من عند الله حقيقة وقد أجبنا عن هذا وهذا لأنه إنما يضاف إلى الله ﷿ ما اختص به ويضاف إلى النبي ﷺ ما اختص به ولو كانا مضافين إلى الله ﷿ لم يجز إضافة أحدهما إلى النبي ﷺ.
واعلم أن المسألة مشكلة جدا وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى اختيار مذهبهم في المسألة والذي يمكن الاعتماد عليه هو ما ذكرنا ولا ينبغي أن يستدل في هذه المسألة من حيث المعنى لأن نهاية ما قالوه هو أن الكتاب أفضل من السنة فلا يجوز نسخ الشيء بما هو دونه في المرتبة كما أنه لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد والكلام على هذا يسهل فإنهم يقولون كل واحد من الكتاب والخبر المتواتر دليل مقطوع به والجواز عقلا موجود فلا سبيل إلى امتناعه ونحن نقول إنما لم يمتنع ذلك عقلا فعلى هذا سقط جميع ما ذكروه من حيث المعقول في الدليل على جوازه وبقي الدليل الشرعي الذي أقمناه في المنع منه وأما تعلقهم بالمواضع التي استدلوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنة فهي دلائل ضعيفة وسنبين الكلام على واحد واحد من ذلك أما آية الإمساك في البيوت قلنا قد قالوا: أن الآية الواردة في الأذى والحبس في البيوت وآية الجلد كل ذلك في الأبكار دون المحصنين وفي ذلك نسخ الكتاب بالكتاب وأما الرجم الذي هو حد.
[ ١ / ٤٥٤ ]
المحصنين ثبت بالسنة ابتداء وهذا جواب ابن شريح وهو حسن جدا فإن قالوا: لا بد على هذا من دليل قلنا لأن الرجم حد المحصن وليس في هذا الموضع ذكر الإحصان ولا ذكر ما يدل عليه الإحصان.
جواب آخر أن سلمنا أن المحصنين والأبكار قد دخلوا في حكم الكتاب لكن بنسخ الحبس والأذى بآية الجلد ثم آية الجلد نسخه في المحصن بقوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد كان ذلك قرآنا يتلى في زمان النسخ وأن رفعت تلاوته من بعد وكان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة.
ووجه ثالث وهو أن حكم الرجم مبني على قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] أن الله تعالى جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس فقد تضمنت الآية أن حكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلا وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة وكأن الله تعالى قال وأمسكوهن في البيوت حتى يتبين فيهن سنة ثم قد ثبت ببينة الرجم فانقضى زمان حكم الحبس مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب فحين وجد وقته ارتفع وأما نسخ الوصية للوالدين والإرث ثبت بآية المواريث وقوله ﷺ: "لا وصية لوارث" ١ بيان أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية فإن الآية أن النبي ﷺ قال: "أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" والفاء تدل على تقدم المسبب كقولك قمت إلى فلان فضربته دل أن القيام سبب لضربه فيكون على هذا الخبر الوارد مثبتا للكتاب لا ناسخا له ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه وسائر ما قالوه من بعد إنما هي عمومات دخلها التخصيص وكذلك أن أوردوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" ٢ فهذا وأمثاله ليس بنسخ وإنما هو عموم خص ونحن نجوز تخصيص الكتاب بالسنة وإنما الكلام فى النسخ وقد منع الشرع من النسخ ولم يمنع من التخصيص وسنبين الفرق بين النسخ والتخصيص من بعد.
ببينه: أن التخصيص جائز للكتاب بخبر الواحد وأجمعوا أن النسخ لا يجوز بخبر الواحد.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وأما قولهم يجوز نسخ التلاوة ونسخ التلاوة يمحو حفظه عن القلوب إلى غير كتاب.
قلنا نحن إنما منعنا بالشرع والشرع إنما منع نسخ الكتاب إذا أتى بشيء آخر أن ينسخه إلا أن يكون الذي يأتي به خير منه وهذا لا يوجد في الموضع الذي صوره وإنما يوجد في موضع الخلاف لأن نسخ الكتاب وإثبات السنة التي هي دونه والشرع قد رفع هذا وأباه نصا على ما سبق ذكره والله أعلم.
مسألة فأما نسخ السنة بالقرآن.
فمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز نسخ السنة بالقرآن فأما إذا منعنا نسخ القرآن بالسنة فقد اختلف في هذه الصورة الثانية وذكر الشافعي رضوان الله عليه في كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولعله صرح بذلك ولوح فى موضع آخر بما يدل على جوازه فخرجه أكثر أصحابنا على قولين أحدهما لا يجوز وهو الأظهر من مذهبه.
والآخر يجوز١ وهو الأولى بالحق.
واستدل من تعلق بالقول الأول بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فلما جعل السنة مبينة للكتاب لم يحتج المبين إلى بيان أو يقال إذا كانت السنة مبينة للكتاب فلا يكون الكتاب مبينا للسنة لأن الشيء الواحد لا يكون مبينا ومبينا ولأنه نسخ للشيء بغير جنسه فلم يجز كما لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة على ما بينا.
واعلم أن الأولى والأصح أنه جائز والدليل على جوازه وجود ذلك فإن النبي ﷺ صالح المشركين عام الحديبية٢ وكان مما شرط في الصلح أن جاء من المشركات مسلمة إلى النبي ﷺ ردها إليهم ثم نسخها الله تعالى ونقض الصلح في ذلك على الخصوص بقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢١٢ جمع الجوامع ٢/٧٨ تيسير التحرير ٣/٢٠٢ المستصفى ١/١٢٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦٠. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وأيضا فإن النبي ﷺ آخر الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوى من الليل ثم صلاها على ترتيب ما فاتت١ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية وأيضا قال النبي ﷺ كان متعبدا في الابتداء بالتوجه إلى بيت المقدس ولم يكن ثبوت ذلك بالكتاب لأنه ليس في القرآن دليل عليه ولم يكن ذلك أيضا لاتباعه شريعة من قبله لأنه لم يقم دليل على أنه يلزمنا اتباع شريعة من قبلنا فقد كان ذلك بمحض السنة ثم نسخ بالكتاب فثبت بما بينا وجود نسخ السنة بالكتاب وإذا وجد صار شرعا جائزا.
وأما الدليل من حيث المعقول فلأنه لا مانع من جوازه لا من حيث القدرة ولا من حيث الحكمة وقد سبق بيان هذا في المسألة المتقدمة ولا يجوز أن يقال أن نسخ السنة بالكتاب يوجب التنفير عن الرسول ﷺ لأنه يوهم أنه لا يرضى بما سنه الرسول ﷺ وقد لا يصح لأن النسخ يرفع الحكم بعد استقراره واستقراره يمنع من هذا التوهم لأنه لم يرض بما سنه لم يقر عليه أصلا وعلى أن ذلك لو نفر عنه لنفر عنه أيضا نسخ السنة بالسنة لأن الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى كلام ينزله الله تعالى ولأن الكتاب أقوى والسنة أضعف ويجوز نسخ الأضعف بالأقوى والمعتمد أنا إنما منعنا نسخ القرآن بالسنة للشرع منع من ذلك ولا يوجد مثل ذلك في هذا الجانب هو نسخ السنة الكتاب لأن نسخ السنة بالكتاب ونسخ الشيء بما هو خير منه ولا دليل في العقل يمنع منه فجاز النسخ إذا لم يكن منه مانع وأما تعلقهم بقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النحل ٤٤ قلنا ليس في قوله لتبين للناس ما نزل إليهم دليل على أن لا يتكلم إلا بالبيان كما أنك إذا قلت: دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر على أنه ليس في كون كلامه بينا للكتاب ما يمنع من نسخه للكتاب إذا قام الدليل عليه كما لا يمنع ذلك من نسخ قوله بقوله وكما لا يمنع أن ينسخ الكتاب بالكتاب وأن كان بعضه يكون بيانا لبعض وأما قولهم أنه ينبغي أن يكون نسخ الشيء بجنسه دعوى لا دليل عليه فسقط والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري المغازي ٧/٤٦٨ ح ٤١١٢ ومسلم المساجد ١/٤٣٨ ح ٢٠٩/٦٣١.
[ ١ / ٤٥٧ ]
مسألة: وقوله اشتبه الفرق تحقيقا بين النسخ والتخصيص على كثير من الفقهاء لا بد من معرفة الفرق بينهما وهما متقاربان لأنهما يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه فلتقاربهما اجتمعا في بعض الأحكام ولاختلافهما افترقا في بعض الأحكام والنسخ يختص بالأزمان والتخصيص يختص بالأعيان ويرفع النسخ بعض الأزمان ويرفع التخصيص بعض الأعيان وهذا الرفع في التحقيق متوجه إلى أحكام الأفعال في الأزمان والأعيان وإنما يرسل القول رفع الأزمان والأعيان على وجه المجاز لأن وجود الأعيان والأزمان في الحالين على سواء وإنما تتغير أحكام الأفعال فيهما ثم يجتمعان وأن كل واحد منهما أعني النسخ والتخصيص بيان ما لم يرد باللفظ فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم والمراد بالنسخ غير مراد من الخطاب.
ثم اعلم أن النسخ والتخصيص يفترقا من وجوه كثيرة.
أما التفريق بينهما في الحد فقيل أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته ثم قد ذكر الأصحاب وجوها من التفريق بينهما.
أحدها: أن النسخ لا يكون إلا بمنفصل عن المنسوخ والتخصيص يصح ويكون بالمنفصل والمتصل.
والثاني: أن نسخ المقطوع به لا يكون إلا بالمقطوع به وهو على قول الشافعي ﵀ لا يكون إلا بجنسه فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا السنة إلا بالسنة على أحد القولين أما تخصيص العموم يجوز للشيء المقطوع به وأن كان العموم مقطوعا به وبغير جنسه.
الثالث: أن النسخ لا يكون إلا قولا وخطابا والتخصيص يجوز بجميع أدلة الشرع والعقل.
والفرق الرابع: قد يصح النسخ فيما علم بالدليل أنه مراد وأن لم يتناوله اللفظ والتخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله باللفظ.
والخامس: أن النسخ يختص بالأحكام ولا يصح في الأخبار والتخصيص يجوز فيهما.
والسادس: أن النسخ رافع لجميع الحكم والتخصيص يثبت لبعض الحكم وكذلك يجوز أن يعود النسخ إلى الشيء الواحد ولم يجز أن يعود التخصيص إلا إلى عدد أقله اثنان.
[ ١ / ٤٥٨ ]
والسابع: أن النسخ يختص بعموم الأزمان والتخصيص يختص بعموم الأعيان وبهذا المعنى فرق أصحابنا بين التخصيص والنسخ فقالوا: النسخ تبديل والتخصيص تقليل١.
وهذه الوجوه كلها ذكرها الأصحاب في الفرق وشرح ذلك يعرف في مسائل متفرقة وقد مضى أكثر ذلك.
مسألة: إذا نزل النسخ على رسول الله ﷺ ثبت النسخ في حق النبي ﷺ وفي حق الأمة.
على قول بعض أصحابنا وقال بعضهم لا يثبت ذلك في حق الأمة٢ حتى يتصل بهم وتعلق من قال بالوجه الثاني بقصة أهل قباء فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة وقد صلوا بعض صلواتهم فاستداروا كما هم إلى القبلة ومعلوم أنهم كانوا قد فعلوا بعض الصلاة بعد النسخ قبل أن يتصل بهم الخبر ومع ذلك لم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة ولأن الله ﵎ لا يكلف إلا ما يكون في وسع العبد وإذا كلف العبد الشيء قبل أن يعلمه يكون قد كلف ما ليس في وسعه وهو باطل ولهذا المعنى لا يأثم بالتأخير إلى أن يعلم ولو كان الخطاب قد توجه عليه لكان يأثم وحين لم يأثم ثبت ما قلنا.
وأما دليل الوجه الأول أن النسخ محض إسقاط فلا يعتبر فيه علم من سقط عنه كالطلاق والعتاق وهذا لأن دليل النسخ قد قام ولا دليل على اعتبار علم من يعمل النسخ في حقه فإذا لم يكن دليل ثبت النسخ على العموم وهذا لأن الخطاب بالشرعيات ثبت بإثبات الله تعالى فإذا كان الله تعالى رفعه فكيف يبقى ثابتا ولأن النسخ يكون بإباحة محظور والإباحة تكون من الله تعالى ويكون من قبل الله تعالى العبد ثم الإباحة من قبل العبد يثبت حكمها قبل علم العبد بالإباحة مثل أن نقول أبحث ثمرة بستاني لبنى فلان ولم يعلموا بإباحته لهم فتناوله واحد منهم قبل العلم لم يجب الضمان.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٥٥٢، ٥٥٣ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٦١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣٧. ٢ اعلم أن الحنفية والحنابلة ذهبوا إلى أنه لا يثبت حكمه قبل التبليغ واختار هذا المذهب الآمدي وابن الحاجب وذهب بعض الشافعية إلى ثبوته قبل التبليغ انظر نهاية السول ٢/٦١٢، ٦١٤ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٢.
[ ١ / ٤٥٩ ]
بالإجماع فكذلك الإباحة من قبل الله تعالى جاز أن تثبت على هذا الوجه وأما حديث أهل قباء قلنا استقبال القبلة يسقط بأعذار كثيرة إلا ترى أنه يسقط في النوافل لعذر السفر فكذلك يجوز أن يسقط عنهم بعذر الجهل وأن كانوا توجه الخطاب عليهم وأما قولهم أنه يؤدي إلى تكليف العبد ما ليس في وسعه ثم يجوز أن لا يأثم والخطاب متوجه إلا ترى أنه لو نسي الخطاب أو نام عن المأمور لم يلحقه الإثم والخطاب متوجه في حقه ولعل هذه المسألة تأتي من بعد بأشرح وأبسط مما ذكرناه أن شاء الله انتهى باب الناسخ والمنسوخ والقول في ذلك ونذكر الإجماع.
[ ١ / ٤٦٠ ]