فصل: إذا عرفنا معنى النسخ وجوازه سنذكر ما يجوز نسخه وما لا يجوز فنقول:
أن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله ﷿ فلا يصح فيه النسخ وعبر بعضهم عن هذا فقال أن النسخ لا يقع فى موجبات العقول وإنما يقع فى مجوزات العقول١ ولذلك قال النبى ﷺ: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ٢ وذلك أن الحياء غريزة فى الإنسان محمودة حسنة فى العقول وهو قائم بعينه ونفسه فلم يجز أن يتناسخه الأديان والشرائع فكان ذلك مستمر فى الشرائع على وجه واحد باقيا ما بقى التكليف وفى هذا كلام كثير ومرجعه إلى الكلام ولا حاجة بنا إليه ومما لا يجوز النسخ فيه ما أخبر الله تعالى من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة وكذلك ما أخبر من الكوائن فى المستقبل من خروج الدجال وغير ذلك لا يجوز فيه النسخ وجوز بعض الأشعرية نسخ الخبر فى المستقبل ويمنع من ذلك فى الماضى وأجاز قوم نسخ الأخبار فى الماضى والمستقبل جميعا٣.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ نهاية السول ٢/٥٧٥ المحصول ١/٥٤٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨١. ٢ تقدم تخريجه. ٣ نهاية السول ٢/٥٧٦، ٥٧٧ إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ المحصول ١/٥٤٨ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٦.
[ ١ / ٤٢٣ ]
والصحيح أنه لا يجوز النسخ فى الأخبار بوجه ما لأنه يؤدى إلى دخول الكذب فى أخبار الله تعالى وأخبار الرسول ﷺ وذلك لا يجوز فإن قال قائل ما قولكم فى الأخبار الواردة فى الوعيد لمرتكبى الكبائر قلنا يجوز العفو عنها قالوا: فهذا نسخ قلنا هذا ليس بنسخ إنما هو من باب التكرم والعدول عن المتوعد بالفضل وقد يتكلم المتكلم بالوعيد وهو لا يريد إمضاءه ولا يعد ذلك خلفا بل يعد عفوا وكرما وقال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد حين تكلما فى هذا إنك رجل أعجمى القلب أن العرب تعد الانصراف عن الوعيد كرما والانصراف عن الوعد لؤما وأنشد:
وإنى إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى ومنجز موعدى
وقال الأصمعى ما سمعت أعرابيا يقول: سبحان من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى وقال بعض أصحابنا أن وقوع العفو عن المذنبين مع أن الوعيد إنما جاء من ترتيب الخطاب بعضه على بعض فإن الله تعالى قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [لأنفال: ١٦] إلى أمثال هذا وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقال فى موضع آخر: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وأمثال ذلك فكانت الآيات المتقدمة مرتبة على هذا والآيات المشتبه فيها مضمرة وإذا ورد الأمر بلفظ الخبر مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فنسخه جائز فى قول الأكثرين ومنع منه من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق فعلق الحكم بالخبر على معنى الأمر وهذا فاسد لأن الأمر بلفظ الخبر يجرى على حكم الأمر من وجهين.
أحدهما: اختصاص الأمر بالإلزام والخبر بالإعلام.
والثانى: اختصاص الخبر بالماضى والأمر بالمستقبل فلما تعلق بما ورد من الأمر بلفظ الخبر حكم الأمر دون الخبر من هذين الوجهين كذلك حكم النسخ ولأنه أمر وضح نسخه كسائر الأوامر وما لا يجوز نسخه بالإجماع لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله ﷺ والنسخ لا يجوز بعد موته ﷺ وكما لا يجوز الإجماع بنسخه فلا يكون ناسخا أيضا١ لأن الإجماع لما كان ينعقد بعد زمان النبى ﷺ لم يتصور أن ينسخ ما.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٥٨٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٢٦، ٢٢٧ المعتمد ١/٤٠٠ روضة الناظر ٨٠ تيسير التحرير ٣/٢٠٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦٦ المحصول ١/٥٥٩.
[ ١ / ٤٢٤ ]
كان من الشرعيات في زمانه ولأن الأمة لا تجتمع على مثل هذا لأنه يكون اجتماع على ضلاله وقد أخبر النبي ﷺ أنهم لا يجتمعون على الضلالة.
فان قيل قد نسختم خبر الواحد بالإجماع وهو الخبر الذي روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ" ١.
قلنا إنما استدل من مخالفة الإجماع له على تقدم نسخه فصار منسوخا بغير الإجماع لا بالإجماع فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا عن النسخ ولم يقع به النسخ وأما نسخ الإجماع با لأجماع فمثل أن يجمع الصحابة في حكم على قولين ثم يجمع التابعون بعدهم على قول واحد منهما فيكون الصحابة مجمعة على جواز الاجتهاد فيها والتابعون مجمعون على نسخ الاجتهاد فيها.
وفي هذه المسألة قولان للشافعي على ما سنبينه في مسائل الإجماع وعلى القول الذي يجوز صحة الإجماع لا يكون نسخا كما تقدم لأن الصحابة وأن سوغوا الاجتهاد ولكن إنما سوغوا إذا لم يمنع منه مانع كما سوغوا الاجتهاد من صحابي عن حضرة الرسول ﷺ فكان منع الاجتهاد في إجماع التابعين لهذه العلة لا أنه منسوخ.
واما دليل الخطاب فيجوز نسخ موجبة ولا يجوز النسخ بموجبه لأن النسخ أقوى من دليله.
واما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز لأنه مثل النطق وأقوى منه٢ وقد جعل الشافعي فحوى الخطاب في قوله ﷿: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ مع تحريم الضرب قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به لأن القياس لا يجوز به نسخ النص.
وأما نسخ الفحوى فإنه توجه النسخ إلى النطق كان نسخا له ولفحواه ولمفهومه وأن توجه النسخ إلى الفحوى والمفهوم فقد اختلفوا في جوازه مع إبقاء نطفه فجوزه أكثر المتكلمين كالنصين يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر ويمنع من ذلك أكثر الفقهاء لأن.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود الجنائز ٣/١٩٧ ح ٣١٦١ وأحمد المسند ٢/٥٩٨ ح ٩٨٧٦ بلفظ "من غسل ميتا فيغتسل ومن حمله فليتوضأ". ٢ انظر نهاية السول ٢/٥٩٦، ٥٩٧ المعتمد ٤٠٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٣٥ المحصول ١/٥٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ثبوت نطفه موجب لفحواه ومفهومه فلم يجز نسخ الفحوى والمفهوم مع بقاء موجبة١ كما لا يجوز نسخ القياس مع بقاء أصله.
وأما الحكم الذي ثبت بالقياس فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور الفقهاء وقال بعض أصحاب أبي حنيفه يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتا في فروعه وهذا لا يصح لأن زوال الموجب يقتضي زوال الموجب ولأنه ما ثبت تابعا لغيره يزول بزواله لآن المتبوع أصل والتابع فرع ولا يصح بقاء الفرع مع زوال أصله لأنه إذا بقى لا يكون فرعا.
وأما نسخ القياس مع بقاء أصله فعلى وجهين وهو مثل ما إذا نسخ الأصل هل يكون ذلك نسخا للقياس وعلى وجهين أيضا وصورته وهو أن ثبت الحكم في عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم فى تلك العين المقيس عليها والأصح أن يبطل الحكم في الفروع لأن الفرع تابع للأصل فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع.
وأما النسخ بالقياس فلا يجوز لأن القياس مستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز النسخ بالقياس الجاري في أخبار الآحاد٢ والأصح هو الأول لما ذكرنا ولأن القياس إنما يصح إذا لم يعارضه نص فإذا كان نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٢/٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠ المعتمد ٤٠٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٣٧ المحصول ١/٥٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧١، ٧٢ تيسير التحرير ٣/٢١٤. ٢ نهاية السول ٥٩٤، ٥٩٥ المعتمد ١/٤٠٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٨، ٣٩ المحصول ١/٥٦١، ٥٦٢ تيسير التحرير ٣/٢١٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧٤.
[ ١ / ٤٢٦ ]