[فصل] ٢ ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد.
فنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة٣ حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى إسقاط الحدود ولذلك.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٢١٥، ٢١٦ نهاية السول ٣/١٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٦. ٢ بياض في الأصل. ٣ التصريح على التوضيح ٢/١١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٨ روضة الناظر ١١٥.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قالوا: فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات وفرقوا بين ابتداء النصب وبين توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال أنه لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه لأن إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين الحدود والنصب وغيرهما وقولهم أن الحدود تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول الشهادة وأما عذرهم عن الشهادة فليس بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت العلم بخبر الواحد وهذا المعنى موجود فى الشهادة وقولهم أن العمل بالشهادة وجب بدليل موجب للعلم قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم أنه لم ينقل عن الصحابة صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى منه وقول من قال أن وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول مخالف لقول عامة الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد قبلتم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة أهل الذمة فإن قالوا: قد أجمعوا أن النبى ﷺ رجم اليهوديين بشهادة اليهود وفعله ﷺ موجب للعلم قلنا ومن قال أن انعقد الإجماع على ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود شهدوا بطريق شاذ فسقط ما.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر الواحد فإن قالوا: لا فمحال لأنه حق من حقوق الآدميين فثبت كسائر حقوقهم.
ببينة: أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر الواحد وأن قالوا: يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال أن الخبر الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا: لا يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا قد بيناه من قبل.
ويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة١ وعلى مذهب أبى حنيفة أن كانت السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم٢ واستدلوا بما ذكرنا لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من الشرائع فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب اختلاف القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى إبراز ذلك فى هذا الموضع وأما الذين يقولون أن الناس لما ساووا هذا الواحد فى النظر والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد الواحد بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة قلت: وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته أو خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا الواحد من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه الراوى إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى ﷺ فحكمه ما بيناه وأما إذا لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى ﷺ فإن كان مما يجرى مجراه مثل إضافة الفتوى إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما أن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار التى تحتاج إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها من قبل وقد ألحق بعض.
_________________
(١) ١ انظر روضة الطالبين ٢/٢٤٥. ٢ انظر الهداية للمرغيناني ١/١٣١.
[ ١ / ٣٧٥ ]
الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع الماء فى الطريق على بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم فى يد المسكين يبيح له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ذلك بسط المائدة بين يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس أمثال هذا على سنن القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا مجرى الأقوال وعلى هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول يوجد من الجانبين لا يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك فعلى وقع على التراضى ولا نقول أنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله أصحاب أبى حنيفة وإنما فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ولم ينقل فى ذلك إنكار من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس فجرى معدولا من سنن القياس.
مسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل:
فالمسانيد حجة مقبولة.
واختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول ﷺ هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى ﵀ إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ويقال أنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه١ واحتج هؤلاء.
_________________
(١) ١ اعلم أن المراسيل جمع مرسل وهو لغة المطلق عن التقييد وفي اصطلاح المحدثين ما سقط منه الصحابي مثل أيقول التابعي قال رسول الله ﷺ وهو بهذا الإطلاق يغاير المنقطع والمعضل لأن المنقطع ما سقط منه قبل الصحابي راو أو أكثر في موضع واحد والمعضل ما سقط منه اثنان فصاعدا في موضع واحد. أما المرسل عند الأصوليين: فهو قول العدل الثقة قال رسول الله ﷺ وهو بهذا الإطلاق يشمل المرسل والمنقطع والمعضل وغيرها عند المحدثين. وإنما سمي المرسل مرسلا لأن الراوي أطلق الحديث ولم يذكر من سمعه منه وقد اختلف الأصوليون في قبول المرسل على أقوال أربعة: القول الأول: لا يقبل المرسل مطلقا سواء كان من أئمة النقل أو من غيرهم إلا إذا تأكد بما يرجح صدق الراوي وذلك واحد من ستة أمور:=
[ ١ / ٣٧٦ ]
الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال المرسل العدل الحديث يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ذكر كذلك يقبل حديثه كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز أن يخبر عن النبى ﷺ شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته مانعته عن إقدامه إلا على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار بذلك إلا بعد أن يخبره عدل عنه حتى أن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب على ظنه أنه قاله.
ببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا قالوا: وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف فى الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا وذهب الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح واستدلوا على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة الحديث يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون عدلا إذا اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو.
_________________
(١) = ١ - أن يكون من مراسيل الصحابة.
(٢) أن يسنده راو آخر غير الذي أرسله.
(٣) أي يرسله راو آخر يروي عن شيوخ الراوي الأول.
(٤) أن يعضده قول أكثر الأمة.
(٥) أن يعضده قول صحابي.
(٦) أن يكون المرسل ممن عرف منه أنه لا يرسل إلا عمن يقبل قوله كسعيد بن المسيب وهذا القول للشافعي وهو المختار للرازي والبيضاوي ونقله ابن الصلاح عن جمهور المحدثين. القول الثاني: لا يقبل المرسل مطلقا وهو رأي الأئمة الثلاثة وجمهور المعتزلة وهو المختار للآمدي. القول الثالث: يقبل من أئمة النقل ولا يقبل من غيرهم وهو مختار ابن الحاجب. القول الرابع: يقبل مرسل العصور الثلاثة عصر الصحابة والتابعين وتابع التابعين ولا يقبل في غيرها من العصور إلا من أئمة النقل وهو قول عيسى بن أبان انظر نهاية السول ٣/١٩٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٧٧، ١٧٨ المحصول ٢/٢٢٨ المعتمد ٢/١٤٣ روضة الناظر ١١٢ البرهان ١/٦٣٢، ٦٣٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٣، ١٣٤.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وجب ذكر أعيان ذلك لوجب ذكر أعيان ذلك فى الزمان الطويل مخافة أن يكون منها ما لا يسلم معه عدالة الإنسان وهذا متعزز قطعا قالوا: وأن لزمتم على هذا الشهادة فنقول قضية إطلاق الشهادة على هذا أيضا لكن الدلالة منعت من قبول الشهادة على الشهادة حتى يسمى شهود الأصل وليس يجب إذا منعت الدلالة من ذلك فى الشهادة ما يجب أن يمنع قبل ذلك فى الرواية إلا ترى أنه قد دلت الدلالة أن من شرط الحكم بشهادة الشهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة ولم يجب أن يعتبر مثل ذلك فى الرواية.
ببينة: أنه ما وجب فى الشهادة ذكر شاهد الأصل لم يجب أن يشهد على وجه يجوز إلا يكون سمعه منه وهو أن يقول عن فلان وأما هاهنا فتجوز الرواية مع جواز كونها مرسلا وهو إذا قال الراوى عن فلان ويجوز فى هذا أن يكون سمع منه ويجوز أن يكون سمع من غيره عنه وهذا حجة مبتدأة لهم فى المسألة هينة وهذا لأنا جعلنا إرسال الحديث كأنه ذكر من يروى عنه وعدله وفى الشهادة لا يكتفى بمجرد ذكر شاهد الأصل وقوله هو عدل بل لا بد من تعديل القاضى وفى الرواية يكتفى بما ذكرناه فظهر الفرق بينهما ودليل آخر وهو أنهم ادعوا إجماع الصحابة روى عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به سمعناه من رسول الله ﷺ غير أنا لا نكذب وروى عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما سئل عن ذلك ذكر أن الفضل بن عباس ﵄ أخبره وروى ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ قال: "لا ربا إلا فى النسيئة" ١ ثم ذكر أن أسامة روى له ذلك وروى ابن عباس أيضا أن النبى ﷺ ما زال يلبى حتى رمى جمرة العقبة ثم ذكر أن الفضل بن عباس أخبره ذلك.
ببينة: أن أحداث الصحابة الذين كانوا صبيانا فى زمن النبى ﷺ قد أكثروا الرواية عنه ﷺ خصوصا ابن عباس ومعلوم أنهم لم يسمعوا إلا القليل ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك والتفحص عنه والبحث أن هذا الصحابى ممن سمعه فصار ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك وأن قلتم يجوز عندنا فى الصحابة ولا يجوز فى التابعين فهو من التمنى الباطل ولا فرق بين صحابى يرسل وتابعى يرسل خصوصا إذا كان الإرسال من.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٤٥ ح ٢١٧٨، ٢١٧٩ ومسلم المساقاة ٣/١٢١٧.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وجوه التابعين والطبقة العالية منهم مثل عطاء بن أبى رباح من أهل مكة ومثل سعيد ابن المسيب من أهل المدينة وبعض الفقهاء السبعة ومثل الشعبى والنخعى من أهل الكوفة ومثل الحسن وأبى العالية من أهل البصرة ومثل مكحول من أهل الشام فهؤلاء قد نقل عنهم مراسيل ولا يظن بهم إلا الصدق وقد كان النخعى يقول: إذا قيل لكم حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى روى لى ذلك وإذا قلت: لكم قال لى عبد الله فقد رواه لى غير واحد ولهذا قال بعضهم أن المرسل أقوى من المسند فهذا وجه تعلقهم بهذا الدليل وهو معتمد جدا دليل آخر لهم هذا أن الناس من زمان النبى ﷺ إلى يومنا هذا ما زالوا يردون المراسيل من غير تحاش وامتناع قد ملأوا الكتب منها ولم يروا أن أحد من الأئمة أنكر عليهم ذلك ولم يزل العلماء من سلفهم إلى خلفهم يقولون قال رسول الله ﷺ كذا وقال فلان كذا للواحد فالواحد من الصحابة وهذا إرسال منهم للخبر ولو كان المرسل مردودا لامتنعت الأمة من روايته ولكانوا لا يقرون من فعل ذلك عليه فصار ذلك إجماعا منهم وعرف بما فعلوا أنهم قد سووا بين المرسل والمسند وقد تعلقوا أيضا بما قاله الشافعى رحمة الله عليه فى مراسيل ابن المسيب وغيره فإن قلتم أن مراسيله قد تتبعت فوجدت مسانيد قال فإذا لم تستحسن مسانيده لا مراسليه قال الشافعى أيضا إذا عملت الأمة بالمرسل فإن المرسل مقبولا قال أبو بكر فإذا يكون الإجماع هو المقبول فهل المجموع هو ما ذكرهم وهى دلائل قوم لا بد من صرف العناية إلى إيضاح الجواب عنها خصوصا وقد وجدت بعض من ضعف بكلام أبى بكر الباقلانى وبجعله الإمام والقدوة فى عامة ما ذكره فى أصول الفقه حتى كأنه رضى لنفسه أن يقلده وينصبه إماما لنفسه فى عقائده قد قال أن كان عرض الشافعى عن المراسيل على معنى تقديم المسانيد عليها وقد وجد من كلامه مما يدل على أنه إذا لم يجد أولا المراسيل مع الاقتران بالتعديل عن الإجماع يعمل عليها وبها عندى أن هذا خلاف مذهب الإمام الشافعى وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة مع كل العراقيين الخراسانيين أن على أصله لا تكون المراسيل حجة وهو فيما بين الفقهاء من الفريقين أشهر مسألة من خلافيات الأصول ولا عجب من أبى بكر الباقلانى أن كان يتصل القول بالمراسيل فإنه كان مالكى المذهب ومن مذهب مالك قبول المراسيل فأما من انتصب لذب عن مذهب الشافعى رحمة الله عليه فلا يجوز أن يعدل عن قوله إلى قول من لا يعرف تفسيره فى العلم فإن كان الأمر بالمحاجة على المذهب فالحجة سنبينها ونبين عند ذلك أن هذا القول.
[ ١ / ٣٧٩ ]
هو الحق وأن رضى إنسان بالتقليد فلا يشك عاقل أن تقليد الشافعى أولى من تقليد المتأخرين الذين يعم بضاعتهم الجدال والله المرشد إلى الصواب والعاصم من الزلل عنه وأما حجة القائلين بقبول المراسيل وهو الصحيح على ما سنبين ونقيم البرهان عليه ونتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ونحن إذا قلنا خبر من لا يعلم حاله فى الصدق والعدالة من حاله فى خلاف ذلك فقد قفونا ما ليس لنا به علم وقلنا على الدين والشرع ما لا نتحققه فإن قيل هذا ينعكس عليكم فإنكم إذا رددتم المراسيل فقد قلتم ما لا علم لكم به وتبعتم ما لا يتحقق به فقد دخلتم فيما نقمتم منا قلنا لا يلزم ما قلتم لأن الأصل أنه لا يلزمنا حكم إلا حجة والحجة لا تثبت إلا من ناحية العلم وعلمنا بصدق المرسل عنه معدوم فنحن متمسكون بهذا الأصل ما لم ينقلنا دليل يصح به الحجة الشرعية فى الخبر والحجة الشرعية إنما تثبت بالخبر عند معرفة صدق الراوى وعدالته فتبين بهذا أنا برد المرسل لم نكن قابلين متبعين لما لا علم لنا به والمعتمد من الدليل أن سكوت الراوى عن تسمية من سمع منه يوهم ضعفه وعدم عدالته فيمتنع به قبول روايته وإنما قلنا ذلك لأنه قد جرت عادة الرواة بإظهار اسم من يروون عنه ليتصل السند إلى النبى ﷺ ولا ينقطع بعض الرواة عن البعض فيذهب روا الخبر وبهاؤه وطلاوته وحلاوته.
ببينة أن رواية الحديث بالإسناد أحد محاسن هذه الأمة وقيل أنه لم يعط هذا غير هذه الأمة ولهذا ما زال سلف هذه الأمة يطلبون الأسانيد وكانوا يسمون الأحاديث التى تعرت عن الأسانيد بترا وعن عتبة بن أبى حكيم قال كنت عند إسحاق بن أبى فروة وعنده الزهرى فجعل إسحاق يقول قال رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ فقال الزهرى قاتلك الله يابن أبى فروة ما أجرأك على الله إلا تسند حديثك تحدثنا بأحاديث ليست لها خطم ولا أزمة وجريان عادة السلف بتسمية من يروون عنه شىء لا ينكره أحد فهذا الراوى حين سكت عن تسمية من روى عنه الخبر ولم يكن مقصوده الاقتصار على ما يعتاده الفقهاء فى الحجاج وإنما كان مقصوده محض الرواية وأداء العلم وتبليغه والائتمار لما أمر به النبى ﷺ من قوله: "نضر الله أمرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي العلم ٥/٣٤ ح ٢٦٥٨ وابن ماجه المقدمة ١/٨٤ ح ٢٣٠ - ٢٣١ وابن ماجه المقدمة ١/٨٦ ح ٢٢٨ وأحمد المسند ٤/٩٩ ح ١٦٧٤٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فصان سكوته فى هذه الصورة عن تسمية من يروى عنه اتهاما عظيما قادنا ما يقال فى هذا الباب أنه يقال يجوز أن يكون تركه اسمه لثقته بعدالته فاستغنى بها عن تسميته ويجوز أن يكون لجليل علمه منه لم يحب الكشف عنه وإذا احتمل هذا واحتمل الأول يصير كما لو قال حدثنى من لا أعرفه بعدالة ولا تصديقا بل من نظر فى المقدمة التى ذكرناها عرف أن الظاهر من الستر وطى الاسم ما قلناه من الوجه الثانى خصوصا إذا طرد الإرسال طردا ولم يبين من سمع منه الحديث فى شىء من تارات روايته لهذا الحديث فإن سألوا على هذا بما ذكرنا من كلامهم من قبل وهو أنه إنما سكت عنه لثقته بعدالته قالوا: وهذا هو الأولى والأليق بأمر المرسل أنه عمن لا يتهمه بالكذب والراوى ثقة ولا يروى عن ثقة كيف وقد قال النبى ﷺ: "من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" وربما يقولون أن الأصل فى المسلمين العدالة فلا يحمل حال المروى عنه على عدم العدالة إلا بدليل يقوم عليه الجواب إنما نبين أولا قاعدة الإخبار ليتبين الجواب وهو أن الأخبار كلها متضمنة أمور الدين أما العلمية وأما العملية وما كان بهذا السبيل لا يجوز قبوله من كل أحد ولهذا لا تقبل الفتوى من كل أحد ولا بد أن يكون صادرا من أهل الفتوى وكذلك أمر الشهادة وهذا معنى قول ابن سيرين أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه وإذا كان الأمر على هذا السبيل فى الإخبار لم يجز قبولها إلا عن عدل ثم يعتبر أن يكون عدلا عند المروى له لأن الرواية إذا شرع إليه كإلزام يتصل به وهو كالشهادة فإنه يعتبر عدالة الشهود عند الحاكم لأنهم يؤدون إليه الشهادة ولا تثبت عدالته عند المروى له إلا بعد معرفته بعينه فى صفته فإذا لم يعرفه أصلا كيف يحكم بعدالته عنده وقولهم أن روايتهم تعديل للمروى عنه قلنا للعدالة شرائط وأوصاف لا تحصل بمجرد الرواية وأيضا فإن الراوى قد يروى عمن عنده مقبول وعند غيره مجروح فلو قبلنا الرواية عنه من غير كشف عنه لكنا قد قبلناه تقليدا لا علما وأما قولهم أن الأئمة والعلماء لا يروون إلا عن ثقة قلنا هذا مجرد حسن الظن ونحن أيضا نحسن الظن بهم ولكنا مع هذا نجوز عليهم السهو والغلط وهذا سكوت عن اسم المروى عنه أمر محتمل فيجوز أنه سكت عنه لأنه نسى اسمه ويجوز أنه سكت عنه لأنه جهل حاله فلم يحب أن يذكره بجهله بحاله ويجوز أنه سكت عنه لأنه لم يحمد أمره فلم يحب أن يهتك ستره ويكشف حاله ويجوز أنه سكت لما قالوا: وأولى هذه الوجوه أن يكون سكت لضعفه وريبته فى أمره لما بينا أنه قد كان المعتاد منهم ذكر من.
[ ١ / ٣٨١ ]
يروى عنه وقد كان يجوز أن يذكر مرة ويترك مرة فأما السكوت عن تسميته فى جميع تارات الرواية فهو موضوع ريبة عظيمة وقد كتبوا حديثا وقديما عمن لم يحمدوا فى الرواية أمره مرة قال الشعبى حدثنى الحارث وكان كذابا وروى شعبة وسفيان عن جابر الجعفى مع ظهور أمره فى الكذب وروى عنه أبو حنيفة وقال ما رأيت أكذب من جابر وروى الشعبى عن إبراهيم بن أبى الحسن وكان قدريا رافضيا ورمى بالكذب أيضا وقد كان جماعة من السلف لشغفهم بالحديث لا يسألون عمن أخذوا وكانوا ينتقدون ويميزون أن سئلوا عن ذلك وقال ابن سيرين حدثوا عمن شئتم إلا عن أبى الحسن وأبى العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا الأحاديث وأرسل الزهرى حديثا ثم سئل فقيل له من حدثك فقال رجل على باب عبد الملك بن مروان وأكثر المراسيل عن الحسن والنخعى وعطاء ومكحول وابن المسيب وسعيد وأبى هلال والشعبى والزهرى فى بعض الأحاديث وقد رووا عامة هؤلاء عن قوم مجاهيل وهذا لا يشكل عن أهل صنعة الحديث فكيف يمكن أن يقال أن المرسل إذا أرسل حديثا فيصير كأنه سمى من روى عنه وعدله والأمر على هذا الوجه وقد قلنا أنه لو جعل هكذا على البعد فيجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ومجروحا عند آخر والمعتبر عدالته عند المروى له فأما إذا صرح فقال حدثنى فلان وهو عدل فالذى ذكرناه يوجب قطع الشبه بين هذه الصورة وبين ما إذا أطلق ولم يذكر وعلى أنا قلنا أن الاعتبار بجانب المروى له فينظر المروى له الحديث فإن سكنت نفسه إلى قوله فقبله وتقوم الحجة عليه وأن لم تسكن نفسه إلى قوله ويجوز أن يكون مجروحا فلا بد من البحث والتفحص فإن قيل قد اعتمدتم فى هذا كله على حرف واحد وهو أن السلف كانوا يروون عمن ليس بثقة وإنه إنما ترك اسمه لقدح عرفه فيه وهو الذى ذكرتم ليس بصحيح لأن من أشكل عمن ليس بثقة وأن كان عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح فى عدالته كما أنه إذا ذكر وقال هو ثقة عندى وعلمنا أنه ليس عنده ثقة وكما أن الغالب أنه لا يزكى غير مزكى كذلك الغالب أنه لا يروى عمن ليس بثقة وأن كان يظن أنه ثقة وليس بثقة وهذا لا يقدح أيضا كما لو قال هو ثقة فإنه تجوز روايته وأن كان يجوز أنه قال عمن ظن أنه ثقة وليس بثقة والجواب أن روايته عمن ليس بثقة لا توجب قدحا فى الراوى لما بينا أنهم كانوا يفعلون وإذا سألوا بينوا وعلى أنا قد ذكرنا عن صاحبهم وعن جماعة من السلف أنهم رووا عن قوم وليسوا بثقات ولم يوجب ذلك قدحا فيهم فيجوز أنهم نقلوا لحسن ظن منهم فى.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ذلك الحديث الواحد أو نقلوا وأرادوا بعد ذلك أن يفتشوا عن حال الراوى عنه وعن حال الحديث أنه رواه غيره ممن يوثق بحديثه أو لا فإذا جازت هذه الوجوه لم يجز أن يجعل روايته قدحا فى الراوى مع علمنا بثقته وعدله وهو دليل استدل به الشافعى رحمة الله عليه والدليل على اعتبار الرواية فنقول أجمعنا على أن الشهادة المرسلة لا تقبل وهو إذا لم يذكر من شهد على شهادته فكذلك الرواية المرسلة ثم وجه التقرير فى إلزام الشهادة وهو أن الشاهدين إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين يخفيان ذكرهما وهما عدلان مثل الرواية سواء ومع ذلك لا يصير تركهما ذكرهما دليلا على تعديلهما بل لا بد من ذكرهما مع الشهادة على شهادتهما كذلك لا بد فى الرواية من ذكر المروى عنه مع الرواية عنه وقد ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الشهادة والرواية ونحن نقول لا ننكر وجود الفرق بين الرواية والشهادة فى مواضع كثيرة ولكن لا فرق بين الموضعين فى شرط العدالة والخلاف فى قبول المراسيل وعدم قبولها راجع إلى العدالة على ما سبق بيانه وقولهم أن فى الشهادة لو شهد على شهادة إنسان وقال هو عدل لم يثبت عدالته وفى الرواية يثبت قلنا لا نسلم فى الرواية على ما سبق ويجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند آخر إلا ترى أن عليا ﵁ لم يقبل رواية من يروى خبر بروع بنت واشق وقبله ابن مسعود وهذا لأن العدالة تعرف بالاجتهاد والناس يختلفون فى الاجتهاد وقال أبو عبد الله البصرى أن القياس يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة فلم يجز قياس المراسيل على ذلك لأنه لا يجوز القياس على المخصوص من القياس ويجاب عن هذا فيقال لا نسلم أن قبول الشهادة على الشهادة بخلاف قياس الأصول ولا نسلم أنه لا يجوز القياس على المخصوص بالقياس وسنبين هذا وعلى أنا نقيس المرسل على الشهادة فى المنع لا فى الجواز فلم يكن هذا قياسا من الوجه الذى يمنع منه القياس فإن قالوا: أن الحاكم فى الشهادة يحكم بشهادة شهود الأصل فلهذا وجب ذكرهم قلنا والحكم بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فوجب ذكره وقال بعضهم فى الفرق بين الموضعين أن شهود الفرع فى كلا شهود الأصل لأنه لا يجوز أن يشهدوا على شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى يحملوهم الشهادة كما لا يجوز للوكيل التصرف إلا بعد أن يوكله الموكل فلهذا اشترط ذكر شاهد الأصل كما اشترط ذكر الموكل ونحن نقول هذا الفرق غير مؤثر لأنا جمعنا بين الرواية والشهادة فى العلة التى ذكرها المخالف فى المراسيل وهى أن عدالة الراوى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
تقتضى إنما أرسل الحديث إلا وهو على غاية الثقة بعدالة من روى عنه وهذه العلة موجودة قائمة فى الشهادة على ما بيناه.
دليل ثالث وهو أنه لو جاز العمل بالمراسيل وجعلت كالمسانيد لم يكن لذكر أسماء الرواة فى الأخبار وفحص الأئمة عن عدالتهم معنى لأن الإرسال سهل والحوالة فى العدالة على ما ذكروه أمر هين فإذا حصل المراد من هذا الوجه فلأى معنى وجب تحمل المشقة وذكر أسماء الرواة ومعناه الفحص عن عدالتهم وهل هذا إلا تحمل متاعب ومشاق أغنى الله العباد عنها فيكونون قد شددوا على أنفسهم فيما سهله الله عليهم فيعتبرون بمنزلة بنى إسرائيل فى أمر الله تعالى إياهم بذبح البقرة وإلحاحهم فى طلب أوصافها وكان ينبغى أن يقتصروا ويقولوا قال رسول الله ﷺ وبلغنا عن رسول الله ﷺ ويتورعوا ويترفهوا وقد لقوا المؤنة وطرح عنهم التعب وقد ذم الشرع من دخل فى أمر لا يعنيه فكيف بمن دخل فى أمثال هذا.
فإن قيل لطلب اسم الراوى معنى صحيح من وجهين أحدهما أنه إذا ذكر المحدث اسم من روى عنه أمكن السامع أن يتفحص عن عدالته فيكون ظنه بعدالته فى هذه الصورة أقوى من ظنه بعدالته عند إرسال المراسيل لأن طمأنينة الإنسان إلى فحصه وبحثه أكثر من طمأنينته إلى خبر غيره والثانى هو أن الراوى للحديث قد نسبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على جرحه وتزكيته فيذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره.
الجواب أما الأول قلنا فقد تبين أن إرساله غير مغنى عن طلب العدالة وعلى أنا قد ذكرنا أن الاجتهاد والاجتهاد قد يختلف فلا بد من ذكره لتوهم اختلاف الاجتهاد فى جرحه وتعديله وأما قوله يذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره ويكون قد اشتبه علينا قلنا قد جرت عادتهم بذكر أسماء الرواة على الإطلاق وجرت عادة طلب الحديث بطلب ذكرهم وجرت العادة بالبحث عن عدالة الرواة وإذا عرف هذا من حالهم سقط السؤال الذى قالوه والاعتماد على الدليل الأول من حيث التحقيق وعلى الثانى من حيث التعلق بالحكم والدليل الثالث لإيضاح الكلام والاستبيان به أما الجواب عن كلامهم الأول فقد دخل جوابه فيما ذكرناه.
والحرف الوجيز أن روايته عنه إنما تدل على عدالته إذا لم يتوهم فى السكوت عنه غير هذا فأما إذا توهمنا غيره فلا وأما إذا قال هو عدل فقد قيل هذا الإطلاق لا يقبل وأن قلنا يقبل على ظاهر المذهب فيقول: فلان عدل لا يحتمل غير ما وضع له اللفظ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وأما السكوت عن اسم الراوى يحتمل ما قالوا: ويحتمل غيره وأما قولهم أنه تقبل الرواية بالعنعنة قلنا نحن لا نقبل إلا أن تعلمه أو يغلب على الظن أنه غير مرسل وهو أن يقول: حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو يقول عن فلان ويكون قد أطال صحبته لأن ذلك أمارة تدل على أنه سمعه منه فأما بغير هذا فلا يقبل حديثه وأما مراسيل الصحابة قلنا جميع الصحابة عدول وليس لنا الاجتهاد فى تعديلهم وقد عدلهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] وقال ﵇: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ١ وأما من بعدهم فإن موضع الاجتهاد فى تعديلهم باق فلم يجز العمل إلا بخبر من علمنا عدالته منهم أما تعلقهم بمراسيل ابن المسيب قلنا أما نقل هذا عن الشافعى فى كتبه القديمة ولم يرد بذلك تخصيص ابن المسيب دون غيره ممن مذهبه مذهب ابن المسيب فى ذلك لكن ظهر للشافعى من مذهب ابن المسيب أنه لا يرسل حديثا ليس له أصل فى المتصل ولم يظهر له مثل هذا فى غيره فإن عرف مثل هذا فى مراسيل عطاء والحسن والنخعى ومكحول فتكون مرسلاتهم مثل مرسلات ابن المسيب.
واعلم أن الشافعى إنما رد المرسل من الحديث لدخول التهمة فيه فإن اقترن بالمرسل ما يزيل التهمة فإنه يقبله وذلك أن وافق مرسله مسند غيره من الرواة ومثل أن يتلقى الأئمة المرسل بالقبول ويعملوا به فيكون قبولهم وعملهم مزيلا للتهمة وكذلك أن انتشر فى الناس ولا يظهر له منكر وحكى بعضهم أن من جملة ما يقوى به المرسل فيصير حجة أن يشترك فى إرساله عدلان ثقتان من أهل العلم أو أكثر فيقوى حال المرسل ويكون المرسل موافقا للقياس أو يكون المرسل كثير التحرز شديد التحفظ مشهور الرجال بالرضى كالذى قاله الشافعى فى القديم فى ابن المسيب رحمة الله عليهما فقال مرسل ابن المسيب خمس فى تحريم بيع اللحم بالحيوان وقد قال بعض أصحابنا أن مرسل ابن المسيب لا يكون حجة أيضا مع ما قاله الشافعى رحمة الله عليه كما لا يكون مرسل غيره حجة إنما قول الشافعى فى ابن المسيب يدل على أن إرساله يكون ترجيحا للدليل الموجب للحكم لا أنه يكون موجبا للحكم واعلم أن ما حكيناه أولا من موافقة مرسل المرسل مسند غيره أو تلقى الأئمة إياه بالقبول أو انتشار المرسل فى الأمة من غير منكر أسباب مخيلة فى قبل المرسل إلا أن الحجة تكون فى المسند أو تكون فى.
_________________
(١) ١ عزاه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير إلى عبد بن حميد في مسنده والدارقطني في غرائب مالك والبزار والقضاعي في مسند الشهاب وأبو ذر الهروي في كتاب السنة انظر تلخيص الحبير ٤/٢٠٩، ٢١٠ ١٥.
[ ١ / ٣٨٥ ]
إجماع الناس على العمل بالحكم الذى تضمنه المرسل فأما البواقى التى ذكروها فعندى أنه ليس فى شىء من ذلك دليل على قبول المرسل فالأولى هو الإعراض عنها والاقتصار على ما قلناه والله أعلم هذا الذى ذكرناه حكم المرسل.
فأما المنقطع فقال بعضهم أن المرسل والمنقطع معنى واحد ومنهم من فرق بينهما١.
وقال المرسل ما ذكرناه والمنقطع هو أن يكون بين الروايتين رجل لم يذكر فمن منع من قبول المراسيل كان من قبول هذا أمنع ومن جوز قبول المراسيل اختلفوا فى المنقطع الذى ذكرناه فقبله بعضهم كالمرسل ومنع منه بعضهم وأن عمل بالمرسل والفرق صعب جدا لمن يرون الفرق اللهم إلا أن يقول: أن الإرسال على الوجه الذى قلناه معتاد متعارف وهو من حسب المتعارف دليل على تعديل من روى عنه فى الصورة التى بيناها ببينة أن الإخلال يذكر هذا الراوى الواحد مع ذكر الراوى قبله دليل على ضعفه وقال أصحاب الحديث مرسل ومنقطع ومعضل فالمرسل ما ذكرنا والمنقطع أن يسقط واحد من الوسط والمعضل أن يسقط أكثر من واحد واعلم أن الثقة إذا روى عن المجهول لم تدل روايته عنه على عدالته ومن أصحابنا من قال يدل ذلك على عدالته ومن ذهب إلى هذا أن هذا المجهول لو كان غير ثقة لبين العدل ذلك فى روايته حتى لا يغتر بروايته وحين لم يبين العدل ذلك دل أن روايته تعديل له والأصح أنه لا يدل على تعديله لأن شهادة شاهد الفرع لا تدل على تعديل شاهد الأصل فكذلك الرواية لأنا بينا أنهم كانوا يروون عن غير الثقة فلا تدل الرواية على التعديل وهذه المسألة فيما إذا سمى من روى عنه إلا أنه مجهول الحال فأما إذا لم يسمه فقد بينا من قبل وأما إذا أسند الرواة الحديث وأرسله غيره فلا شبهة أن من يقبل المراسيل فهو يقبل هذا وأما من لا يقبل المراسيل فينبغى فى هذا الموضع أن يقبل رواية من يسند الخبر لأن عدالة المسند تقتضى قبول الخبر وليس فى إرسال من يرسله ما يقتضى أن لا يقبل إسناد من يسنده لأنه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا ومن أسنده سمعه مسندا فليس يقدح إرسال من يرسله فى إسناد الآخر ويحتمل أيضا أن هذا المرسل سمع الحديث مسندا إلا أنه نسى من يروى عنه وعلم ثقته فى الجملة فأرسله لهذا المعنى وأما إذا أرسله فى وقت وقد أسنده فى وقت فإن إرساله لا يمنع أيضا من كونه مسندا لأن إرساله يجوز أن يكون لما بيناه فلا يقدح ذلك فى إسناده وأما إذا وصل الراوى الحديث بالنبى ﷺ مرة وجعله موقوفا على بعض الصحابة فإنه يكون أيضا متصلا بالنبى ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر فتح المغيث ١/١٧٤.
[ ١ / ٣٨٦ ]
لجواز أن يكون سمعه من الصحابى تارة يذكره عن نفسه على طريق الفتوى وتارة يذكره عن النبى ﷺ وليس فى الأول ما يقدح عن الثانى وحين وصلنا إلى هذا الموضع نذكر شروط صحة الإسناد إلى النبى ﷺ أنا بينا من قبل تنوع الأخبار وانقسامها إلى مسند ومرسل وقد بينا المرسل.
فأما المسند فهو الخبر المتصل بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث النقل١ واتصاله معتبر بثلاثة شروط.
أحدها أن يرويه ناقل عن ناقل حتى ينتهى إلى صحابى يصله بالنبى ﷺ فإن اختل اتصال النقل فى وسط أو طرف بطل الاتصال.
والثانى أن يسمى كل واحد من ناقلى الحديث بما هو مشهور به مما سمى به وسمى به عن غيره حتى لا يقع التدليس فى اسمه فيمكن الكشف عن حاله فإن لم يسمه وقال أخبرنى الثقة أو من لا أتهمه لم يكن حجة فى النقل وقبول الرواية فإن قيل أليس أن الشافعى ذكر مثل هذا فى أحاديث رواها قيل له بلى ذكر الشافعى مثل ما قلتم ولكن قد اشتهر من عناه فقالوا: أراد بمن يثق به إبراهيم بن إسماعيل وبمن لا يتهمه يحيى بن حسان فصارت الكناية كالتسمية وقيل أن الشافعى قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله فى حق نفسه أن يعمل بما يثق بصحته وأن لم يكن له فى حق غيره.
الشرط الثالث وهو أن يكون كل واحد من جماعة الرواة على الصفة التى تقبل خبره من الضبط والعدالة فإن اختلت هذه الصفة فى حق أحدهم وكملت فيمن سواه رد الخبر ويعتبر فى حق كل واحد من الرواة أن يكون معلوم الاسم والنسب معلوم الصفة من العدالة فإن اختل شىء من ذلك اختلت الرواية عند اجتماع الشرائط التى ذكرنا يكون الخبر مسندا.
فإن قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا يكون مسندا ويكون حجة وقال أبو بكر الصيرفى لا يكون مسندا ولا يكون حجة وهو قول الكرخى من أصحابى أبى حنيفة وقد ذكرنا طرفا من هذا من قبل فهم يقولون قد تطلق السنة ويراد بها سنة النبى ﷺ وقد تطلق السنة ويراد بها غيره والدليل عليه أن عليا ﵁ قال فى جلد شارب الخمر جلد النبى ﷺ أربعين وجلد أبو بكر ﵁.
_________________
(١) ١ فتح المغيث ١/١١٧، ١١٨.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أربعين وجلد عمر ﵁ أربعين وكل سنة١ فقد أطلق السنة على ما فعله عمر ﵁ كما أطلق على ما فعله الرسول ﷺ وفى الخبر: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ٢ وقال ﵇: "من سن سنة" ٣ وأما دليلنا فنقول قول الصحابى فى الأمر والنهى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا مطلقا يرجع إلى النبى ﷺ لأن الأصل أنه الأمر فى الشرائع خصوصا إذا كان الصحابى قال هذا القول للنبى ﷺ وعلى هذا قول أنس ﵁ أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ولهذا لو قال الصحابى رخص لنا أن نفعل كذا ينصرف إلى النبى ﷺ بالاتفاق فكذلك قول الصحابى من السنة كذا فمطلق السنة منصرف إلى النبى ﷺ ولهذا يقال كتاب الله تعالى وسنة النبى ﷺ وإذا قيل الكتاب والسنة وإنما يفهم من السنة سنة النبى ﷺ ولأن السنة هى الطريقة المتبعة لأهل الدين والطريقة المتبعة لأهل الدين هى المشروعة فى الدين والمشروع فى الدين إنما يكون من الله تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا يدل عليه أن من التزم طاعته وبين فإذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فإنه يفهم منه من يلتزم طاعته ولا يتعدى أمره إلا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال فى دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان أمر ونهى عما ذكروه وأيضا فإن غرض الصحابى من هذا القول أن يعلمنا الشرع أو يفيدنا الحكم صحب كمال ذلك عمن يصدر الشرع منه دون الأئمة والولاة لأن أمرهم غير مؤثر فى الشرع وهذا راجع إلى الدليل الذى قدمناه فيكون تقريرا له وأما قول على ﵁ فالمراد بالسنة سنة النبى ﷺ لأن الزيادة على الأربعين مفعولة عندنا تعزيرا والتعزير من سنة النبى ﷺ وأما قوله ﷺ: "سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"٤ فتلك السنة.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣٣١ ح ٣٨/١٧٠٧ وقال "وعمر ثمانين" وأبو داود الحدود ٤/١٦٢ ح ٤٤٨١ ولكنه قال "وكملها عمر ثمانين" وأحمد المسند ١/١٠٣ ح ٦٢٦ لفظه لفظ أبو داود. ٢ أخرجه أبو داود السنة ٤/٢٠٠ ح ٤٦٠٧ والترمذي العلم ٥/٤٤ ح ٢٦٧٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/٥١ ح ٤٢ وأحمد المسند ٤/١٥٦ ح ١٧١٤٩ انظر تلخيص الحبير ٤/٢٠٩ ح ١٤. ٣ أخرجه مسلم الزكاة ٢/٧٠٤ ح ٦٩/١٠١٧ والنسائي الزكاة ٥/٥٦ باب التحريض على الصدقة وابن ماجه المقدمة ١/٧٤ ح ٢٠٣. ٤ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٨٨ ]
المذكورة فى الخبر سنة مقيدة والكلام فى السنة المقيدة.
وإذا قال الصحابى كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ فهو بمنزلة المسند إلى رسول الله ﷺ وقال بعض أصحاب أبى حنيفة لا يكون بمنزلة المسند وعلى هذا الخلاف إذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا على عهد النبى ﷺ وذهب من قال أنه لا يكون مسندا إلى أنهم كانوا يفعلون شيئا ولا يسندون ذلك إلى رسول الله ﷺ إلا ترى أنهم لما اختلفوا فى "الماء من الماء" ومن التقاء الختانين وزعم بعضهم أنهم كانوا يفعلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ يعنى أنهم لا يغتسلون إلا من الماء١ قال عمر ﵁ أو علمه رسول الله ﷺ فأقركم على ذلك قالوا: لا قال فلا إذا وإنما نحن نقول أن الظاهر من أمر الصحابة أنهم كانوا لا يقدمون على شىء من أمور الدين والنبى ﷺ بين أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم كنا نفعل كذا فى زمان النبى ﷺ بمنزلة المسند لهذا الظاهر والظاهر حجة ولأن الصحابة إنما تضيف مثل هذا القول إلى زمان النبى ﷺ لفائدة وهو أن يبين أن النبى ﷺ علم ذلك ولم ينكره ولا فائدة لهذه الإضافة سوى هذا ولو عرف هذا كان هذا القول بمنزلة الخبر المسند كذلك هاهنا وأن شئت عبرت عن هذا فقلت: إذا قال الصحابى كنا نفعل كذا فالظاهر منه أنه قصد بهذا الكلام أن يعلمنا حكما ويفيدنا شرعا ولن يكون كذلك إلا إذا كانوا يفعلونه على عهد رسول الله ﷺ على وجه يظهر له ذلك ولا ينكره وأما الذى ذكروه من اختلاف الصحابة فى الماء من الماء أو من التقاء الختانين فقد كان لا يجب الغسل بالتقاء الختانين فى ابتداء الإسلام ثم نسخ وأوجب به فلما نسخ لم يعلم بعضهم بالنسخ واستمر على ما كان عليه من قبل وقال الاستمرار والاستدامة يجوز أن يخفى أمره فأما الإقدام على ابتداء النهى فلا يفعل ذلك إلا عن إذن النبى ﷺ.
وأما إذا قال الصحابى قولا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه لا يجعل ذلك مسندا إلى النبى ﷺ وقد قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه يجعل بمنزلة المسند.
وحرفهم فيما ذهبوا إليه هو أن حسن الظن بالصحابة واجب فإذا قال قولا يحسن الظن أنه لم ينقله جزافا وإنما قاله عن طريق فإذا لم يكن للاجتهاد فيه مجال فليس إلا أنه سمعه من النبى ﷺ ونحن نقول أن إثبات الإسناد بهذا لا يمكن لأنهم لم يكونوا.
_________________
(١) ١ اتفق الفقهاء على وجوب الغسل عند التقاء الختانين ولو لم ينزل وخالفهم داود الظاهري وقال لا يجب الغسل ووافق ابن حزم الظاهري رأي الجمهور انظر المغني ١/٢٠٣ المحلى لابن حزم ٢/٢.
[ ١ / ٣٨٩ ]
يكتمون الأخبار ولا كان ذلك من عادتهم وبعد أن يقول الصحابى قولا ويستمر الزمان به ولقوله حجة من قول النبى ﷺ ولا ينكر.
ببينة: أنه كان من عادتهم الرواية عن النبى ﷺ فيما يعين به من الحوادث إلا ترى أن الأخبار التى ذكرناها من قبل فإنهم رووها عن وقوع الحوادث فلما كانوا يظهرون الأحاديث ويروونها لأقوال غيرهم فكيف كانوا يكتمونها وهى حجة لأقوالهم أما قولهم أن حسن الظن بهم واجب قلنا نعم يجب علينا إحسان الظن بهم ويجب علينا أيضا أن لا نضيف إلى رسول الله ﷺ قولا وفعلا إلا عن تثبت ولا ثبت فى هذا الخبر الذى تظنون ثبوته وعلى أنهم لم يكونوا معصومين عن السهو والغلط فإن نقل عن واحد منهم شىء بخلاف القياس يجوز أن يكون قال عن قياس فاسد أو ظن ظنه ولم يكن صحيحا أو وقع له غلط فيما قاله وزلة فيما صار إليه فعرفنا أنه لا وجه لإثبات الخبر بمجرد ما قالوه وحين ذكرنا ما يكون مسندا أو ما لا يكون مسندا فنذكر بعد هذا ما يتعلق بمعرفة الصحابة ومعرفة طباقتهم بعون الله تعالى.
[ ١ / ٣٩٠ ]