فصل
وذكر أصحابنا فى أصحاب الأعذار الذين لا يحتم عليهم الصوم فى الحال مثل المريض والمسافر ومن لا يجوز له صوم فى الحال مثل الحائض والنفساء أن الصوم واجب عليهم فى حال العذر.
وقال أصحاب أبى حنيفة لا يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض والمريض فى
[ ١ / ٩٤ ]
حال العذر١.
وأما المسافر فالصوم واجب عليه وله الفطر بترخيص الشرع وحكوا عن بعض من ينسب إلى الكلام أن الصوم لا يجب على المريض والحائض وأما المسافر فعليه صوم أحد الشهرين أما شهر الاداء وأما شهر القضاء وأيهما صام كان أصلا مثل الأنواع الثلاثة فى كفارة اليمين.
واحتج الأصحاب فيما صاروا إليه بأن الله تعالى علق قضاء الصوم بفطر مضمر فى الأية إجماعا وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومعناه فانظروا عدة من أيام آخر فدل أن وجوب القضاء معلق بالفطر ولو لم يكن الوجوب ثابتا عند الفطر لما تعلق به القضاء ولأن المفعول لما كان يسمى قضاء لا أداء فالقضاء اسم لواجب قام مقام واجب آخر فأما أداء الواجب فى وقته فلا يسمى قضاء بحال ولأن هذه العبادة مفروضة فى هذا الوقت فلو لم يجب على هؤلاء فى الوقت لم يجب شيء بعد فوات الوقت كالحائض لما لم يجب عليها الصلاة فى.
_________________
(١) ١ قال الشيخ الآمدي اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم فنفاه أصحابنا وأثبته آخرون انظر إحاكم الأحكام ١/٢٢١ وفي شرح المنار لابن مالك الحنفي والحيض والنفاس وهما لا يعدمان الأهلية لا أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء فكان ينبغي أن لا يسقط بهما الصلاة كما لا يسقط الصوم انظر المنار لابن مالك ٣٥٠. وهذا يدل على أن الذي ذكره المصنف هو عكس ما قلناه فعند الأحناف يجوز أن يجب الصوم على المعذور وأما عندنا نحن الشافعية فالحيض مانع من أهلية الوجوب وقت الحيض اهـ. ثم سطر الشيخ الآمدي قوله فقال: والحق في ذلك إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع فهو حق وإن أريد بكونها مكلفة به بتقدير نزول الحيض المانع فهو حق وإن أريد به أنها مكلفة بالإتيان بالصوم حال الحيض فهو ممتنع وذلك لأن فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا به لما بينهما من التضاد الممتنع دالا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق. فإن قيل فلو لم يكن الصوم واجبا عليها فلم وجب عليها قضاؤه؟ قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه في الصوم ولم يجب لمانع الحيض انظر إحاكم الأحكام ١/٢٢١، ٢٢٢ التلويح على التوضيح ٢/١٧٦، ١٧٧. تنبيه: اعلم وفقك الله أنه من الممكن أن يكون هناك خطأ في عبارة المصنف والصحيح "أن الصوم غير واجب عليهم في حال العذر وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض في حال العذر والله أعلم".
[ ١ / ٩٥ ]
الوقت لم يجب بعد الوقت.
قال من يخالف هذا كيف يتصور وجوب الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى الأداء ولا إلى إزالة المانع إلى الأداء بل هي منتهية عن فعل الصوم لا إيجاب فعل لا سبيل للمأمور إلى التوصل إليه بحال.
ببينة أنه لو جاز إيجاب الصوم على المرأة فهى منتهية عنه لجاز إيجاب سائر المنهيات عليها هذا فى الحائض وكذلك قالوا: للمريض الذى يستضر بالصوم لا يجوز له فعل الصوم فلا يجوز أن يقال بوجوبه عليه وأما المسافر فالصوم له جائز إلا أنه رخص له تركه والقضاء من بعد.
وأجاب الأصحاب عن هذا وقالوا: المحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأنى له الأداء والوجوب ملاق إياه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور منه الأداء ولا التسبب إليه ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران لأنه خطاب وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها وهذا لأن الحيض نوع حدث والمرض والسفر نوع عذر والحدث والعذر إنما يؤثران فى الأداء ولا يؤثران فى أصل الوجوب مثل سائر الأحداث والأعذار إلا من الأحداث ما يكون العبد بسبيل إلى إزالته ومنها لا سبيل له إلى إزالته ومن الأعذار ما يكون الأداء جائزا معه وربما يكون الأداء هو الأولى ومنها ما يكون ترك الأداء أولى وذلك فى المريض الذى يستضر بالصوم.
واعلم أن القول بإيجاب الصوم على الحائض مشكل جدا والحرف الذى يمكن الاعتماد عليه أن الخطاب بالإيجاب عام فى حق كل من هو من أهل الخطاب إلا أن هؤلاء أصحاب أعذار وموانع فيعمل العذر والمانع بقدره ولا يفوت الخطاب أصلا والحيض حدث دائم وعمل الأحداث فى المنع من الأداء والمرض عذر مضر بصاحبه والضرر فى الأداء فى الإيجاب والسفر جعل عذرا لأنه سبب المشقة فالمشقة فى الأداء لا غير فهذا الطريق كان عمل هذه الأشياء فى الأداء لا فى الوجوب فيبقى أصل الوجوب وظهرت فائدته من بعد وهو عند زوال هذه الأعذار وهذا غاية ما يمكن ذكره فى هذا الفصل وللقاضى أبى زيد فى كل هذه الأعذار كلام مفرد ذكره فى أحد أصوله الذى صنفه وسنحكى ذلك من بعد ونتكلم عليه مع أخواته التى ضم إليها ونتكلم فيها ونبين الصواب من ذلك والله المعين بمنه.
[ ١ / ٩٦ ]
مسألة: الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء.
مثل الأمر الوارد فى كفارة اليمين وما يشبه ذلك فالذى عليه جمهور الفقهاء أن الواجب أحد ذلك لا بعينه فأيها فعل يعين واجبا بفعله فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله١.
وقال كثير من المعتزلة وشرذمة من فقهاء العراقيين أن جميعها واجب دون أحدها فإذا فعل أحدها سقط به وجوب باقيها٢.
وقد قال بعض أصحابنا أن من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان الواجب أحدها وهو أعلاها ثمنا لأنه مثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب فانصرف الواجب إلى أعلاها دون أدناها ليكثر ثوابه وأن ترك جميعها كان معاقبا على أحدها.
وهو أدناها ليقل وباله ووزره ولأن الواجب يسقط بفعل الأدنى فينظر فى إلحاق الوزر إلى ذلك القدر ولا وزر فيما زاد عليه٣ احتج عبد الجبار الهمدانى لمن قال إن.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٣٢ إحكام الأحكام ١/١٤٢ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٧٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/٩٣. ٢ انظر المعتمد في أصول الفقه للقاضي حسين ١/٧٩ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٧٣. ٣ هذا المذهب لم اجده ولكن ما وجدته في كتب الأصول هو مذهب لبعض المعتزلة - أن الخطاب يقتضي إيجاب واحد معين عند الله تعالى غير معين للناس وأصحاب هذا المذهب ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: ترى أن المعين عند الله الذي تعلق به الإيجاب هو ما يختاره المكلف من الخصال التي ورد فيها للتخيير - فتعيين الواجب عند الله تابع لاختيار المكلف - ومن هنا كان الواجب مختلفا لاختلاف المكلفين فيما يختارون والواجب على كل مكلف هو ما يختاره. الطائفة الثانية: ترى أن المعين عند الله تعالى الذي تعلق به الإيجاب شيء واحد بالنسبة لجميع المكلفين هو الإطعام مثلا أو الإعتاق - فإن اختاره المكلف وفعله فقد فعل الواجب وإن لم يختره بل اختار غيره وفعله فقد سقط عنه الواجب لأنه فعل ما يقوم مقامه. الطائفة الثالثة: ترى أن المعين عند الله تعالى متعد فليس شيئا واحدا لجميع المكلفين كما تقول الطائفة الثانية وليس التعيين تابعا لاختيار المكلفين كما تقول الطائفة الأولى وإنما التعيين راجع إلى والله تعالى والله تعالى قد عين لكل طائفة من المكلفين ما يناسبهم فعين لطائفة منهم الإطعام وعين لطائفة أخرى الإعتاق وعين لطائفة ثالثة الإكساء وعند الحنث يلهم الله كل طائفة أن تفعل ما عينه لها انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٩٣.
[ ١ / ٩٧ ]
جميعها واجب وقال أن الكفارات الثلاث كل واحدة منها قد أرادها الله ﷿ كما أراد الأخرى وأمر بها كما أمر بالأخرى والصلاح فى إحداها كالصلاح فى الأخرى كان الأمر والصلاح والإرادة اتصل بكل الثلاث على وجه واحد وجب أن يكون وجوب الجميع على وجه واحد وربما يقول: ليس إيجاب البعض بأولى من إيجاب البعض فوجب أن يجب الكل وأيضا فإن كل واحد منها إذا فعله جاز ويكون مؤديا للواجب وهذا صفة بالواجب وحكمه وقالوا: لوكان الواجب أحدها لا بعينه وجب أن يبينه الله تعالى.
لأنه إذا لم يتبين أدى إلى أن يكلف أحد شيئا من غير أن يسأله وهذا لا يجوز.
يدل عليه أنه لو أوجب أحدها لنصب عليه دليلا وميزه من غيره حتى لا يؤدى إلى التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلما لم يميزه ولم ينصب عليه دليلا دل أنه أوجب الكل.
قالوا: أيضا أن الكفارات إنما أمرنا الله تعالى بها لأنها مصالح لنا ولا يجوز أن تكون المصالح موقوفة على اختيارنا لأن العبد لا يهتدى إلى مصالح نفسه لأن رأيه عن عقل مشوب برأيه عن هوى ولا يحصل بمثل هذا الرأي الاهتداء إلى المصالح.
وأما حجتنا هى أنا أجمعنا أنه لو عين أحد الأنواع بالفعل وأداه سقط الواجب عنه ولا يلزم الإتيان بعده وهذا الواجب ما لا يسع تركه إلى غير بدل ولا شك أن المؤدى واحدا من الأنواع تارك غيره بلا بدل فدل أن عليه الذى أداه ليس بواجب وأن شئت قلت: انعقد إجماع المسلمين أنه لو ترك جميع الأنواع لا يستحق العقاب على جميعها وإنما يستحق العقاب على أحدها ولو كان الجميع واجب استحق العقاب على الكل.
قالوا: عندنا يجب الكل على طريق الجمع لكن على طريق التخيير فإذا إدى المكلف إحدها يخرج الباقى عن صفة الوجوب.
قلنا هذا هو الدليل عليكم لأن الجميع لو كان واجبا لم يسقط بفعل أحدهما كالصناعات والصلوات والزكوات المجتمعة عليه لا تسقط بأداء الواحد منها وإذا تركها عوقب على جميعها وقولهم أن الكل واجب على طريق التخيير.
قلنا لو وجب الكل وجب أن لا يثبت التخيير فيها على وجه إذا فعل الواحد منها سقط الكل كسائر الواجبات التى تجتمع عليه فى الوجوب.
قالوا: يجوز مثل هذا كفرض الكفاية فإنه واجب على الكل ومع ذلك إذا فعله.
[ ١ / ٩٨ ]
البعض سقط عن الكل.
قلنا فرض الكفاية دليل عليكم لأنه لما وجب على الكل من وجه ظهر لذلك أثر بوجه ما فإنه العقاب كما إذا كان واجبا على الكل لا على طريق التخيير وأما هاهنا لو ترك الكل لم يكن عقاب وإثم إلا بترك أحدها فلم يكن لوجوب الكل ظهور أثر بوجه ما وإذا كان كذلك لم يكن فيما قالوه إلا مجرد تسمية الواجب أن غير معنى ولا عبرة للأسامى إذا كانت خالية عن المعانى وقد دل على ما قلنا قوله ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وأجمع أهل اللغة أن أو للتخيير والواو للجمع فلو قلنا أن جميع الكفارات الثلاث واجبة لم يبق فرق بين أو وبين الواو مع إجماع أهل اللغة على التفريق بينهما أما الجواب عن كلماتهم.
أما قولهم أن الإرادة تعلقت بكل الثلاث.
قلنا الأمر ليس بأمر بالإرادة حتى يقال أن الإرادة إذا اتصلت بالكل صار الكل واجبا إنما الأمر بصيغة قوله افعل أو بما يقتضى الفعل لا محالة وصيغة طلب الفعل إنما اتصلت بإحدى الكفارات الثلاث لا بعينها بدليل أنه إذا فعل إحداها سقط عنه الطلب وأيضا يقال لهم الأمر أمر بالإرادة والله تعالى إنما أراد من المكلف فعل إحدى الكفارات لا فعل جميعها بدليل أنه لا يلزمه فعل جميعها ولو أريد منه فعل كل الكفارات لزمه فعل كل الكفارات.
ويقال أيضا أن الإرادة اتصلت بمبهم غير معين فى حق المكفر وأن تعين ما يكفر به فى سابق علم الله تعالى.
وأما قولهم أن إيجاب البعض ليس بأولى من إيجاب البعض.
قلنا لم وقد قام الدليل على إيجاب بعضها على إيجاب كلها والعبرة بما قام الدليل عليه.
وأما قولهم أنه لو كفر بكل واحدة يكون مؤديا ما هو الواجب عليه.
قلنا هذا لا يدل على أن الكل واجب وإنما هو دليل على أن الواجب مفوض إلى اختيار العبد هذا كما نقول فى الرقبة والإطعام فإن من ملك مائة رقبة فإنه إذا أعتق يقع عن الكفارة أو ملك ألف مد أي عشرة أمداد أعطى وقع عن الواجب ولا يدل.
[ ١ / ٩٩ ]
على أن الكل واجب وكذلك لوباع قفيزا من صبرة فإنه اى قفيز سلم يكون مبيعا ولا يدل على أن الكل مبيع كذلك هاهنا.
وأما قولهم أنه لو كان الواجب واحد ما لميزه ونصب عليه دليلا قلنا هذا إنما يجب إذا كان الواجب معينا قبل الفعل فيجب أن يكون عليه دليل ليتوصل المأمور إلى معرفته وأداء فرضه بفعله فأما إذا لم يكن معينا وإنما يتعين بفعله فلا حاجة إلى غيره لأن ما يتأدى به فرضه هو ما يختاره منها.
جواب آخر أن ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه واحد بالإجماع ولم يجب تمييزه عن غيره ونصب الدليل لكل جواب للمخالف على هذا فهو جوابنا فى وجوب الواحد.
وأما قولهم أن الكفارات كلها مصالح.
قلنا قد تكلمنا على فصل المصلحة من قبل فلأن المصلحة فى كونها واجبا تعلقت بإحداها لا بالكل بدليل أنه لو فعل الكل لا يكون مؤديا للواجب ولو كانت مصلحة الواجبية تعلقت بالكل لوجب أن يجعل هو مؤديا للكل عن صفة الوجوب واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى فى هذه المسألة وإنما الخلاف خلاف عبارة ونحن نمنعهم من إطلاق عبارة الواجب على الكل لأنه يؤدى إلى ما بيناه من قبل ولأن العبارات التى ليس لها معنى لا يجوز التمسك بها لا إجماعا ولا اختلافا فثبت أن الصحيح ما قدمناه والله أعلم.
[ ١ / ١٠٠ ]