منها أن العلة التي لا تتعدى هل تكون صحيحة أم لا؟ وهل التعدية شرط صحة العلة أو لا؟
ومنها: أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا؟.
ومنها: أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا في الأصل بالنص والعلة جميعا وهل يدل ثبوت الحكم في موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة أو لا؟ وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل الشروع في هذه المسألة نقول إنا وإن ذكرنا أن استعمال القياس في الحدود والكفارات والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد في الشرع ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه وعلى هذا فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من القسم الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح فيه مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير أو الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن أبدا معنى في أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد التعليل في التفاصيل.
ومنها قسم آخر: لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل في جملته ولا تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ذلك وربما
[ ٢ / ١١٤ ]
يدخل في هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص وقد قيل أيضا: إنه لا محال القياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل يتبع محض النص وقد قيل: إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية وقيل إن الصلاة يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما الشهادة فقد قالوا: أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود من مزيد العدد زيادة الثقة ومما يعقل في الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا تقبل لما غلب عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى معلومة ولكن لا سبيل إلى طرد التعليل في التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه بالخيار يأخذ أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا يجوز١ وإن كنا لا نعقل فيه معنى فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة في أن الجهالة إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل فإن هذه الجهالة لا تؤدى إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال: بعتك عبدى بما باع به فلان أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة في مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها في المعاملات كما يلزم في العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات أصلها جاريا في حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه في المسائل تكثر وقد ذكر الأصحاب أمثلتها في الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التي وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية.
_________________
(١) ١ انظر الشرح الكبير "٤/٢٩".
[ ٢ / ١١٥ ]
مسألة: يجوز تعليل الأصل بعلة لا تتعداه عندنا وتكون علة صحيحة١.
وقال أصحاب أبى حنيفة: هى باطلة وقد ذهب إليه بعض أصحابنا وبين المتكلمين في ذلك خلاف مذهب أبو عبد الله البصرى إلى ابطالها وأما عبد الجبار بن أحمد وحزبه يصححونها واستدل من قال ببطلانها ذلك لأن هذا تعليل غير مفيد فيكون باطلا وإنما قلنا غير مفيد لأن فائدة التعليل ليس إلا التعدية فإن حكم الأصل ثابت بالنص فصار تعليل الأصل بحكم الأصل مستغنى عنه بالنص فلا فائدة للتعليل في الأصل ولا فرع له حتى تظهر فائدته فيه فثبت أن هذا تعليل غير مفيد وما لا فائدة فيه يكون عبثا والعبث حرام يدل عليه أن ما لا فائدة فيه لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة فإذا كانت العلة قاصرة علمنا أن الله تعالى لم ينصب عليها أمارة وما لا أمارة عليه لا يجوز أن يكون علة هذا حجة أبى عبد الله البصرى وقد قال أيضا: إن الصلة الشرعية أمارة ولا أمارة كالدلالة في أنها كاشفة عن شئ ولا يتصور دلالة ولا إمارة ولا يكشف عن شئ والتعليل عن الأحكام والعلة القاصرة لا يكشف عن حكمه في أصل ولا فرع فلم يكن أمارة ولا علة واحتج أبو زيد في هذه المسألة بأن التعليل إنما يصار إليه بكونه حجة زائدة بعد النص وحجج الله تعالى إنما تكون حججا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأى لا يكون موجبا علما وإنما صير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد علما فيما لم يتناوله النص ولا فيما تناوله النص أما فيما لم يتناوله النص فلأنه لا فرع له وأما فيما تناوله النص فلأن النص فوق التعليل
_________________
(١) ١ اتفق الأصوليون على أن الوصف القاصر إذا ثبت عليته بنص أو إجماع فإنه يكون علة الحكم ويصح التعليل به. واختلفوا فيما إذا ثبت عليه بطريق من طرق الاستنباط كالسبر والتقسيم أو المناسبة أو الدوران فهل يصح التعليل به أو لايصح؟ على مذهبين: المذهبد الأول: يجوز تعليل الحكم بالعلة القاصرة ولا كن لا يعدى الحكم بها إلى محل آخر لعدم تحققها فيه وهذا هو المعروف عند جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأحمد وهو المختار للبيضاوي. المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بها مطلقا -وهذا المذهب قد نسب إلى جمهور الحنفية انظر نهاية السول "٤/٢٧٧" سلم الوصول "٤/٢٧٧" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٤/١٥٨".
[ ٢ / ١١٦ ]
وإذا ثبت بالنص لم يثبت بالتعليل. فإن قلتم: يثبت بالنص والعلة جميعا لم يصح لأن التعليل لا يصح لتغير حكم النص فكيف يصح لإبطاله؟ وهذا الذي قلتم يتضمن إبطال حكم النص لأن الحكم كان ثابتا بالنص على الاستقلال فبطل ثبوته على هذا الوجه حيث صار ثابتا به وبغيره. قالوا: وإذا لم يتضمن الإبطال فلابد أنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته وإذا لم يتغير بقى الأول بعيينه وهو ثبوت الحكم بالنص وقصره عليه قال: وهذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعينه ولأن هذا التعليل لا يوجب الحصر لأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بأخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين إحديهما أكثر تعديا من الأخرى يدل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما سنبين فإذا لم يوجب قصر الحكم على النص قالوا: ولا يجوز أن يقال: فائدته معرفة الحكمة من المشروع لأن معرفة الحكمة لا تفيد عملا وقد بينا أن التعليل للعمل ولأن الحكمة لا تكون بسبب الحكم وأما حجتنا نقول إن الدليل الذى دل على صحة العلة لم يخص موضعا دون موضع والأصل إنما يمكن تعليله صح تعليله ولأن الدليل قام على العلة والتعدى نافى صحة العلة لأن صحة العلة بدليلها وقد وجد الدليل من التأثير على ما عرف في مسألة تعليل الربا في الدراهم والدنانير بالثمنية وهذا لأن المسألة متصورة في علة تكون على هذا الوجه وقد عبر بعضهم عن هذا وقال: العلة مستجمعة لشرائطها إخالة١ ومقايسة وسلامة عن الاعتراضات في معارضات النصوص وهى على مساق العلل الصحيحة وليس فيها إلا اقتصارها وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا تئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد على صحتها أولى من أن يدل على فسادها وقد استدل عبد الجبار في هذه المسألة. وقال: إن العة إذا دلت عليها الأمارة غلب على ظننا وجه المصلحة وإن لم يتعد لأن وجوه المصلحة قد تخص نوعا واحدا وقد يتعداه كما تقول في وجه القبح والحسن كلها. يدل عليه: أن حقيقة كلام الخصم هو أن صحة العلة موقوفة على أن يجتاز الإنسان إلى الخلاف في الفرع حتى يتعدى إليه فيعمل بهذا أمر مستشنع مستقبح فأما دلائلهم فمجموع كلامهم يئول إلى أن هذا التعليل لا يفيد
_________________
(١) ١ الإخالة: هي المناسبة لأن المجتهد يخالو أي: يظن أن الوصف علة. واعلم أن الإخالة شرط لوجوب العمل دون الجواز حتى لو عمل بها قبل ظهور التأثير نفذ ولم ينفسخ انظر حاشية التلويح على التوضيح "٢/٦٩".
[ ٢ / ١١٧ ]
قلنا: نقول: أولا إن المستنبط للعلة طالب لها وهو في حال الاستنباط لا يدرى ما علة الحكم وهل هى متعدية أو لا؟ حتى يقال له: لا تتكلف هذا البحث والطلب وإنما تعلم أن العلة التي بحث عنها إلا بتعدى بعد استيفاء الطلب ونقول أجمعنا على أن النص لو ورد بمثل هذه العلة تكون صحيحة ولو جاز أن يكون الطلب لها عبثا لأنها ليست بطريق إلى الحكم لا في أصل ولا في فرع لكان النص عليها عبثا وقوله إن النص يغنى عن القياس قلنا: وقوع الغنى عن الشئ لا يفسده ألا ترى أنا قد نستغنى بالقرآن في بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن القياس ولا يوجب ذلك فسادهما فإن قيل: خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى الحكم الذى دل عليه القرآن ولا يمكن أن تكون العلة القاصرة طريقا إلى الحكم أصلا قلنا: أنما تكلمنا بهذا على قولكم إن النص مغنى عن التعليل فيفسد وهذا الكلام الذي ذكرتم الآن هو الرجوع إلى ما قلتم أنه غير مفيد وقد أجبنا عن هذا ويجب بجواب آخر وهو أن العلم بعلة الحكم فائدة لأنا إذا علمنا ذلك لو ظننا صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن عالمين به مما تتشوف النفس إلى معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا في ظن ذلك مصلحة وفائدة أخرى وهى أن يمتنع من قياس فرع على هذا الأصل وقولهم إن هذا يوجد بمجرد النص قلنا: لا وذلك لأن مجرد النص لا يمتنع من القياس عليه لأنه يجوز أن يعلل بوصف آخر متعدى فيقاس به فرع من الفروع عليه فإذا علمنا أن ما لا يتعدى هو العلة لأن الدليل دل عليه رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ذلك الأصل شيئا وأما قولهم إن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها. قلنا: هذا لا يرد على ما قلنا: لأن صورة الخلاف في تعليل الدراهم والدنانير بالثمنية١ ولم يكن له فرع فلابد أن ينحصر الحكم في محل النص ولا يجرى في غيره فيفيد التعليل على ما سبق وأما قولهم إن العلة لابد أن تكون كاشفة عن شئ قلنا: نبطله بالعلة المنصوصة إذا كانت قاصرة تكون علة صحيحة ولا تكشف عن شئ وعلى أن قولهم إن شرط صحة العلة أن تكون كاشفة عن شيء. قلنا: إن عنيتم أنها تكشف عن الحكم فهو نفس الخلاف وأن قلتم تكشف عن معنى الحكم وعلته فقد كشفت ويجوز أن يتعلق به مصلحة وأما قولهم إن العلة دليل عامل فلابد له من عمل. قلنا: هذا هو الكلام الأول وهو أنا هذا تعليل غير مفيد وعلى أنا قد بينا فائدة هذا التعليل وإذا ثبت فائدة عمله ويجوز أن يقال: إن الحكم ثبت بالنص والعلة
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "بالنميمة" والصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ١١٨ ]
جميعا وقولهم: إن هذا تغيير حكم النص قلنا: ليس فيه تغيير أصلا لأن الحكم على ما سبق من غير تغيير وتبديل وقولهم إنه لا يضاف إلى النص قلنا: يضاف فيقال النص مقيد لهذا الحكم والعلة مقيدة له ويجوز أن يتوالى دليلان على حكم واحد ولا تغيير لأن النص يدل على ما يتعلق الحكم بالنص ولا يدل على عدم تعلقه بدليل آخر وهذا كالحكم يثبت بالكتاب وبخبر الواحد فإنه يجوز ولا يقال: إن ثبوته بخبر الواحد يغير حكم الكتاب بل لا يعرف تغيير بهذا.
مسألة: يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل.
والمحكى عن أصحاب أبى حنيفه أنهم لم يجوزا هذا القياس وقد [ذكره] الكرخى ومنع من جوازه إلا بإحدى خلال ثلاث١:
إحداهما: أن يكون ما ورد به بخلاف الأصول قد نص على علته نحو ما روى عن النبى ﷺ أنه علل طهارة سؤر الهرة أنها من الطوافين عليكم والطوافات٢. وقال: لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عنه.
والثاني: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في عليته.
والثالث: أن يكون الحكم الذى ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفا للقياس٣ على بعض الأصول كالخبر الواحد بالتحالف في المتبايعين إذا تبايعا
_________________
(١) ١ أي: خصال. ٢ تقدم تخريجه. ٣ في مسألة هل يجوز القياس على مايكون حكمه مخالفا للأصول والقواعد الواردة من جهة الشرع كالعرايا أم لا؟ فيه خلاف. ذهب جماعة من الشافعية والحنفية إلى جواز القياس عليه مطلقا إذا كان حكم الأصل مخالفا لبعض الأصول والقواعد كالعرايا ويجوز القياس عليه متى كان معقول المعنى سواء وافق أصلا آخر أو لم يوافقه. ومنهم من قال: متى كان حكم الأصل مخالفا لبعض الأصول والقواعد امتنع القياس عليه مطلقا كان معقول المعنى أو تعبديا نص على علته أو لم ينص عليها وافق أصلا آخر أو لم يوافقه ومن هؤلاء الآمدي وابن الحاجب أما الكرخي فقد اشترط الشروط التي ذكرها المصنف المحصول "٢/٤٢٩" انظر نهاية السول "٤/٣٢٠" سلم الوصول "٤/٣٢١" إحكام الأحكام "٤/١٤٢" المستصفى "٢/٣٤٧" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٤/١٦٩".
[ ٢ / ١١٩ ]
فإنه يخالف قياس الأصول ويقاس عليه الإجارات لأنه يوافق بعض الأصول وهو أن ما يملك على الغير فالقول قوله فيه في أنه أى شئ ملك عليه وقالوا: إذا كان في الشرع أصل يبيح القياس وأصل يحظره وكان الأصل جواز القياس وجب القياس وقالوا أيضا يجوز القياس على الأصل المخصوص إذا كان أحد لم يفصل بينه وبين المخصوص فيكون حكمه على ما خص من جملة القياس مثل جماع الناسى وأكل الناسى وقال محمد بن شجاع البلخى من أصحابهم: إذا كان الخبر الواحد بخلاف قياس الأصول غير مقطوع به لم يجز القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن مثال الذي يمنع من القياس عليه انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة١ وجواز التوضؤ بنبيذ التمر٢ وجواز الثبات على الصلاة فيما إذا سبقه الحدث٣ وذكروا أمثلة سوى هذا وذهبوا في تصحيح ما صاروا إليه إلى إثبات الشئ لا يصح مع وجود ما ينافيه.
ببينة: أنه إذا جاز القياس على هذا الأصل لم يكن فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس قالوا وليس كما إذا ورد النص معللا لأنه إذا كان معللا يصير كل ما وجدت فيه تلك العلة كالمنصوص عليه وكان النبى ﷺ قد أمرنا أن نقيس عليه كل ما شاركه في العلة فصار نصه عليه من قياس الأصول وكذلك إذا كان شيئا لا يفصل أحد بينه وبين المخصوص فإن الحكم في أحدهما يكون حكما في الآخر واحتج أبو بكر الرازى لهم وقال: إن القياس لما وجب القول به وجب أن يكون حكما ثابتا في جميع الأحوال حتى يخصه دليل يسقط حينئذ حكم القياس في الموضوع المخصوص ويبقى حكمه فيما عدا المخصوص على ما كان عليه وهذا معنى قول فقهائهم: إن القياس على الأصل المخصوص من القياس لا ينفك
_________________
(١) ١ انظر الهداية للميرغياني "١/١٦". ٢ قال أبو حنيفة ﵀: يتوضأ بنبيذ التمر ولا يتيمم بالصعيد وقال في كتاب الصلاة: يتوضأ بنبيذ التمر وإن تيمم معه فهو أحب إلي. وقال أبو يوسف ﵀: يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ بحال وقال محمد ﵀: يجمع بينهما احتياطا - وروى أسد بن نجم ونوح بن أبي مريم والحسن عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف انظر الفتاوى الهندية "١/٢١، ٢٢". ٣ مذهب الحنفية أنه إذا أصابه الحدث في ركوعه أو سجوده نوضأ وبنى ولا يعتد بالتي أحدث فيها انظر الهداية "١/٦٥".
[ ٢ / ١٢٠ ]
عن أصل يعارضه يكون ساقطا لأن من شرطه انفكاكه عن المعارض لأن معارضة الدليل بالدليل توجب توقفه عن العمل قال أبو زيد في هذه المسألة حكم النص إذا ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثبات ذلك الحكم في فرع بالقياس عليه لأن القياس جاء نافيا لهذا الحكم فلم يجز إثباته كالنص إذا جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به وأما دليلنا هو أن ما ورد به الخبر أصل يجب العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس عليه دليله إذا لم يكن مخالفا للأصول والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول فقد تعارض قياسان قياس على هذا الأصل وقياس على سائر الأصول فكما يجوز أحدهما يجوز الآخر ثم على المجتهد أن يرجح أحد القياسين على صاحبة ويجوز أن يرجح القياس على سائر الأصول على القياس على هذا الأصل إذا كان هذا الأصل ثبت لا بدليل مقطوع به لأن القياس على ما طريقه يفيد العلم أولى من القياس على ما يفيد الظن فأما إذا كان هذا الأصل فقد صح القياس عليه ولا ترجيح بما قلنا: لأن الكل ثبت بدليل يفيد العلم فنطلب الترجيح بدليل آخر وهذا لأن أصول الشرع كلها سمعية فعلى هذا لا فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول ويكون القياس على الكل واحد وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: في بعض كتبه ملزما إياهم على هذا الأصل الذى ذكروه وهو أن المعدول من القياس لا يقاس عليه غيره قال: قد زعمتم أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء واعتقدتم أن هذا معدول به عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاته ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولا ينقدح لكم فرق معنوى ولكنكم اعتمدتم قصة جرت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص. ثم قلتم: إن القهقهه تبطل صلاة النفل وإن لم تجز القصة في النفل فليت شعرى ما الذى عن لكم من التخصيص من وجه والإلحاق من وجه وقال أيضا في مساق هذا الكلام اعتقدتم في التوضؤ بنبيذ التمر مع اشتمال كلام رسول الله ﷺ لو صح الحديث على التنبيه على ذلك فإن ﷺ قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" ١. وهذا في الزبيب يوجد فيقال: زبيب طيب وماء طهور وقد قال: بعضهم محتجا لنا في
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: الطهارة "١/٢١" ح "٨٤" والترمذي: الطهارة "١/١٤٧" ح "٨٨" وابن ماجة: الطهارة "١/١٣٥" ح "٣٨٤" وقال: مدار الحديث على "أبي زيد" وهو مجهول عند أهل الحديث: المسند "١/٥٨٢" ح "٤٢٩٥".
[ ٢ / ١٢١ ]
هذه المسألة: إنه إذا كان عموم الكتاب لا يمنع من قياس في تخصيص فبأن يكون القياس على العموم لا يمنع من القياس على أصل مخالف للعموم أولى لأن العموم أقوى من القياس عليه فإذا كان العموم نفسه لا يمنع من قياس على أصل فإن أدى إلى تخصيصه فوجود القياس على ما يثبت بالعموم أو بأصل من الأصول كيف يمنع من القياس على أصل آخر فإنه أدى إلى تخصيص الأصول أما الجواب عن دلائلهم قوله إنه إثبات الشئ مع وجود ما ينافيه قلنا: ولم؟ قالوا: لأن القياس على الأصول يمانع القياس على ما ورد بخلاف الأصول. قلنا: هلا كان القياس على ما ورد بخلاف قياس الأصول يمانع القياس على الأصول. قالوا: إذا كان القياس على ما يخالف الأصول يمنع أن يدل أمارة على علة الحكم. قلنا: هذا دعوى لا دليل عليها وإذا جاز أن يدل على علة هذا القياس النص جاز أن يدل عليه دلالة غير النص فإن قيل: ما ورد بخلاف قياس الأصول وإن كان ورد بطريق يفيد العلم وصار أصلا لكن لا يجوز أن يكون في القوة بمثل القياس على سائر الأصول قلنا: وهذا دعوى أيضا وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد بخلاف قياس الأصول قد غير الحكم عما كان عليه من قبل لأنه لما كان ثبت بطريق معلوم صار أصلا في نفسه فلا يمتنع أن يقع التنبيه على علة ويكون التنبيه على علة أقوى من التنبيه على علة مطلوبة من سائر الأصول ثم يقال: لهم أليس قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الأصول فلم لا يجوز أن يدل عليهما دليل آخر ويكون أقوى من دليل علة الأصول وأما قولهم إن القياس إذا كان دليل الله وجب أن يثبت حكمه في جميع الأحوال حتى يخصه دليل قلنا: إذا كان القياس دليل الله ﷿ فالقياس الذى وجد على الأصل المخصوص قياس أيضا وجب أن يكون دليل الله تعالى فإن رجعوا وقالوا إن القياس على سائر الأصول يمنع من هذا القياس فقد أجبنا عن هذا وقلنا إنه ليس هذا القول باولى من قول من يقول إن القياس على هذا الأصل يمنع من القياس على سائر الأصول وقولهم إن القياس على المخصوص لا ينفك عن أصل يعارضه قلنا: هذا قول المتفقهة الذين لا تمييز لهم فليس لهم من الدرك ما يعرفون به الصحيح من السقيم ويميزون به الخبيث من الطيب وإلا فوجود المعارض لا يمنع صحة القياس لكن يقال: للمستدل سيره إلى الترجيح وإلى تقديم أحد العلتين على الأخرى بنوع دليل وأما الذى قاله أبو زيد فليس بشئ لأن القياس على سائر الأصول ليس يمنع من القياس على هذا الأصل لكن يعارضه ثم لابد
[ ٢ / ١٢٢ ]
من طلب الترجيح على ما سبق وليس إثبات هذا الفرع بالقياس إثبات شئ بالقياس يمنعه القياس بل الدليل الذى دل على كون القياس صحيحا مطلق لهذا القياس مصحح إياه ذلك الدليل لم يخص أصلا دون أصل ولا مانع فجاز القياس من غير تخصيص وما ينحسم به القول في هذه المسألة أن التعليل قد يمنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص لأمكن التعليل وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقال ﷺ: "إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والارض"١.
وقال لأبى بردة بن يسار وقد جاء بجذع من شعر "يجزيك ولا يجزئ عن احد بعدك" فمهما منعنا نص عن القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس أمكنا به على الشرائط التي ذكرنا من قبل والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأبيه وقد قال الشافعى ﵁ في بعض كتبه: ولا يقاس على المخصوص ويجوز أن يؤول فيقال أنه أراد هذا في الموضع الذى لا يمكن القياس عليه والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز أن ينظر إلى المخصوص ويمتحن فإن كان يتعدى معناه قيس عليه غيره كقياس الخنزير على الكلب في حكم الولوغ وقياس خف الحديد والخشب على خف الأدم على المسح عليه وإن لم يوجد في المخصوص وجه يمكن القياس عليه كالجنين لا يقاس عليه الشخص الملفوف في الثوب لأنه لا يعرف معنى في الجنين فقياس به الملفوف عليه والله أعلم.
فصل
واعلم أن الفصل الآخر الذى أشار إليه مما مرجوعه إلى مسألة إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات وهو قوله: إن الأصل إذا علل ثبت الحكم في الفرع بالعلة وفي الأصل بالنص وقوله إن الأصل لا يتغير عما كان عليه والتعليل لا يتعرض له أصلا فهذا فصل لم أر أحدا من أصحابنا أورده ويجوز أن نسلم له ذلك ويجوز أن نخالف فيقال: إن التعديه بالعلة لا يتصور إلا بعد ثبوت العلة في الأصل المنصوص عليه وتحققها فيه ألا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: العلم "١/٢٣٨" ح "١٠٤" ومسلم: الحج "٢/٩٨٧" ح "٤٤٦/١٣٥٤" بنحوه.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ترى أن الأشياء الستة لما عللت لم يكن بد من ثبوت الطعم عندنا والكيل عندكم في الأصل. ثم تعدية كل واحد على اختلاف المذهبين في الفروع وأقل ما في العلل أنها أمارات على الأحكام فإذا علل الأصل فلابد أن يصير أمارة عليه ثم يتعدى فيصير أمارة على الأحكام في الفروع وإذا ثبت أن الوجود لابد منه في الأصل فنقول بعد هذا يجوز أن يقال: على ما زعموا ويجوز أن يقال: إن الحكم في الأصل يثبت بالنص للمعنى الذى تناوله التعليل وتصير العلة كالمنصوص عليها وقد ورد النص في مواضع دالا على الحكم مع ذكر المعنى فأما في الفرع يكون ثبوته بمحض المعنى وهذا جائز وروده مستقيم وجهه.
وأما في مسألة إزالة النجاسة فعندنا إنما يعلل التعليل في تلك المسألة لأنا بينا أنه لابد من وجود العلة في الأصل: ثم التعدية وإذا عللنا للطهارة بالأدلة فلا شك أن طهارة الحدث تناولها النص ولم يوجد فيها الإزالة لأنه لا شئ يزال فبطل التعليل بالإزالة وإذا بطل لم يقبل التعدية وقد ذكر بعض أصحابنا فصلا في هذه المسألة أعنى مسألة النجاسة وأودعه أصول الفقه الذى صنفه. فقال: الذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به أن طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى. وذهب أبو حنيفه ومتبعوه إلى أن إزالة النجاسة معقولة المعنى١. وبنوا على هذا الفرق بين طهارة الحدث إذا تعين الماء لها وبين إزالة النجاسة فإن الغرض منها رفع عينها واستئصال أثرها فإذا رفع ذلك بأى مائع كان وقع موقعه قال واضطرب متبعوا الشافعى في ذلك فمذهب المتأخرين إلى أن طهارة الحدث مقعولة المعنى والغرض منها النظافة والتنقى عن الأدران والأوساخ وأوضحوا ذلك بتخييل يبتدره من يكتفى بظواهر الأمور فقالوا الأعضاء الظاهرة وهى الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان وبعض الساق في المهن والتصرفات تبدو وتظهر ويصادفها الغبرات وغيرها فورود الشرع بغسل هذه الأعضاء في مظان مخصوصة ومواقيت معلومة ومحاسن الشريعة تؤل في نهاياتها إلى أمثال ذلك والرأس مستورا بالعمامة غالبا وقد تبدو الناصية والمقاديم من المستروح إلى تحتية عمامته إلى هامته فلما كان ذلك أبعد اكتفى بالمسح فيه وعضد هؤلاء ما ذكروه بقوله تعالى: في سياق آية الوضوء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولا مسلك في نصب المظنونات إلى إثبات العلل أوقع وانجع من إيماء الشارع إلى
_________________
(١) ١ انظر البرهان لإمام الحرمين "٢١/٩١١".
[ ٢ / ١٢٤ ]
التعليل وقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ظاهر في التعليل١ بما ذكرناه وأورد هؤلاء في هذا المعنى على أنفسهم التيمم وأجابوا عنه وقالوا: إن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين له أن الغرض في إقامة التيمم مقام الوضوء إدامة الدربة في إقامة [وظيفة] ٢ الطهارة فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعوازا لها فيه ليس بالنادر فلو أقام الرجل الصلاة من غير طهارة ولا بدل عنها مرنت نفسه على إقامة الصلوات من غير طهارات والنفس ما عودتها تتعود فقد تفضى النفس إلى ركونها إلى هواها وانصرافها عن سراسم التكليف ومغزاه.
ويسأل عن هذا فيقال: لو كان المعنى هذا وجب أن يقال: إذا توضأ وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فيعفر به أو تطلى بالطين وجب أن بنتقض وضوءه فإنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فلأن يجب بتحقيقه أولى.
وقد أجابوا عن هذا وقالوا: إن الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يندر ويشذ ويقل في الناس من يتطلى وينتضح بالقاذورات فلا يعتبر هذا النادر الفارد٣.
فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص بوقوع الحدث وقد أجمع العلماء في الشرع أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة لأعضاء الوضوء وقد أجابوا عن هذا فقالوا غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ينافى كون أصله معقولا قال الإمام جمال الإسلام ﵀: وعندي أن هذا التعليل وتكلف الأسئلة ثم تكلف الجواب عنها شئ عظيم والأصح أنه لا يتمشى تعليل صحيح في إيجاب الوضوء بل الأصح أنه تعبد محض وتكليف من الله ﷿ لعباده من غير أن يتطرق إليه تعليل ولئن أمكن على التعبد وجه من المعنى فإذا لم يمكن تمشيته وطرده على المعنى المذكور فالأولى الإعراض عنه والنظر فيما سواه.
_________________
(١) ١ ذكره إمام الحرمين بنصه انظر البرهان "٢/٩١١، ٩١٢". ٢ ثبت في الأصل: "وصيفة" والصواب ما أثبتناه. ٣ الفارد: أي المتفرد انظر القلموس المحيط "١/٣١٩".
[ ٢ / ١٢٥ ]