فصل
وإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله ﷺ فالذى صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى ﷺ فى موجبه وقد أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا٢ وقال من ذهب إلى هذا إن.
_________________
(١) ٢ في هذه المسألة قولان: الأول: وهو قول عامة الأصوليين من الشافعية والحنفية أن الخطاب لا يتناول الأمة. القول الثاني: أن خطاب الرسول خطاب لأمته وهذا القول منقول عن أبي حنيفة وأحمد بن=
[ ١ / ٢٢٦ ]
الأصل أن النبي ﷺ وأمته فى الشرائع على التسوية والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع البعض فى الشرع سواء فإن جرى تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل خاص دل عليه وقد روى أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال له فى بعض الأمور إنك لست مثلنا أنه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر فغضب وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره وقال فى آخره: "فمن رغب عن سنتى فليس منى" ١ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فدل أنه ﷺ قدوة الأمة فى كل شىء.
وقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين٢ وكذلك قال للبراء بن عازب فى الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك٣ ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة به٤ ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن نقول أن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ارتياب أنه مختص بالرسول ﷺ ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه خصائص الرسول ﵇ كالنكاح والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به ﷺ فهو مخصوص به وعلى هذا ينبغى أن نص بأصحاب النبي ﷺ أنهم اعتقدوه وإنما صرنا إلى هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول ﷺ فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن يكون الأمر على ما قاله.
_________________
(١) = حنبل ﵄ وأصحابهما انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٧٩ نهاية السول ٢/٣٥٨ البرهان ١/٣٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٢٤، ٢٢٥. ١ أخرجه البخاري النكاح ٩/٥ ح ٥٠٦٣ ومسلم النكاح ٢/١٠٢٠ ح ٥/١٤٠١ والنسائي النكاح ٦/٤٨ ح باب النهي عن التبتل وأحمد المسند ٣/٢٩٥ ح ١٣٥٤٠. ٢ أخرجه البخاري الجهاد ٦/٢٦ ح ٢٨٠٧ وأبو داود الأقضية ٣/٣٠٦ ح ٣٦٠٧ والنسائي البيوع ٧/٢٦٥ باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع وأحمد المسند ٥/٢٢٣ ح ٢١٦٩٦. ٣ أخرجه البخاري الأضاحي ١٠/٥ ح ٥٥٤٥ ومسلم الأضاحي ٣/١٥٥٣ ح ٧/١٩٦١ وأبو داود الضحايا ٣/٩٦ ح ٢٨٠٠ وأحمد المسند ٤/٣٧٢ ح ١٨٧١٧. ٤ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١١٨ ح ٢١٩١٩ ومسلم اللباس ٣/١٦٤٦ ح ٢٥/٢٠٧٦ وأبو داود اللباس ٤/٤٩ ح ٤٠٥٦ والترمذي اللباس ٤/٢١٨ ح ١٧٢٢.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به وقد أمر الله ﷺ تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن وربما يؤدى قطع المشاركة فى الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه فالأولى ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.
وأما إذا خصص الرسول ﷺ واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير.
وأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وأن كنا إذا نظرنا إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا.
مسألة: ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد.
اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وأن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وأن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى معنى١.
وإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٣ روضة الناظر ٢٣٠ المحصول ١/٤٥٧ التصريح على التوضيح ١/٦٣ حاشية الشيخ بخيت المطيعي ٢/٤٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٣.
[ ١ / ٢٢٨ ]
كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى المطلق عليه ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف بيانه فى الموضع الآخر١.
وأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل المطلق على المقيد.
واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود ومنهم من قال من جهة القياس٢.
وأما إذا اتفق السبب فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده مثل ما اختلف بالسبب ومنهم من قال يحمل المطلق على المقيد فى هذه الصورة أما دليلهم قالوا: أن المطلق خطاب على حاله والمقيد خطاب على حاله وربما يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد منهما موجب للعمل بنفسه وبصيغته قالوا: وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد فى سببين مختلفين أو سبب واحد يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما يعقل بعضنا من كلام البعض لأن الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم مع البعض ثم الواحد منا لو أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا نحمل المطلق على المقيد بل يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته ألا ترى من قال لامرأته أن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال أن دخلت الدار راكبة فأنت طالق فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير راكبة.
وكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء والثانى لا يملك إلا.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ١/٤٥٧ إحكام الأحكام للآمدي ١/٤ التصريح على التوضيح ١/٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٣، ٣٣٤. ٢ انظر المحصول ١/٤٥٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٥ روضة الناظر ٢٣١ التصريح على التوضيح ١/٦٣ حاشية الشيخ بخيت المطيعي ٢/٤٩٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٥.
[ ١ / ٢٢٩ ]
إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد فكذلك ما جاء من الشرع يكون كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد المقيد فيكون فى حمل المطلق على المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد وحكمه.
وبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى.
قالوا: ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولم يحمل على صوم اليمين ولا على صوم الظهار وكذلك عندكم لا يحمل الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة القتل والظهار.
قالوا: وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا بالعدالة بدليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والأمر بالتثبت يمنع القبول وكذلك فى زكاة الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله ﵇ لا زكاة فى المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر سورة النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين والوصية بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المطلق عام وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص لأن دعوى العموم باطلة فى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من وجوه منها أن قوله: ﴿رَقَبَةٍ﴾ اسم لرقبة واحدة لأنها نكرة فى الإثبات فتخص ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى يشتمل على مسمى فرد ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك أنه اسما مفردا.
ألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا تشتمل عليها اسم الرقبة فإن الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من إقرار بوجه ما وإنما هو.
[ ١ / ٢٣٠ ]
معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه لم يتصور أن يشتمل عليه اسم الرقبة.
قالوا: ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة فلا يجوز دعوى العموم فيها وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة وتخصيص المسمى الواحد محال.
قالوا: وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص.
وأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد وكذلك قياس التيمم على الوضوء باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة الظهار باطلة فى إثبات الإطعام والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام.
ببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد به.
ببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر التقييد وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن يكون المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما الإطلاق بينما الآخر.
[ ١ / ٢٣١ ]
التقييد يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد أن الآخر مطلق من غير أن يكون بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن يقيد الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص.
قالوا: وقول بعضكم أن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به البعض الآخر مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] لا يصح لأن قولهم أن القرآن كالكلمة الواحدة أن أرادوا بذلك أن كله حق ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح.
وإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه وهو أما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه.
فأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة أن التقييد زيادة فى أحد الخطابين ورد من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف التقييد.
فإن قالوا: وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق قلنا لا يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا لصفة التقييد أصلا فإن قوله ﵇: "فى سائمة الغنم زكاة" ١ إذا لم يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب واجب وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من بعد.
ونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا اعتبرنا.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٣٧١ - ٣٧٢ وأبو داود الزكاة ٢/٩٨ ح ١٥٦٧ والنسائي الزكاة ٥/١٩ باب زكاة الغنم وأحمد المسند ١/١٦ ح ٧٣.
[ ١ / ٢٣٢ ]
المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على المطلق ولا بد من واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف التقييد أعنى السوم أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف.
وأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر هذا هو الكلام فى المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من المثالين فى مسألة الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على مذهبهم.
وأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة ومثال ذلك فى كفارة القتل وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن يدل على أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] لفظ عام يشتمل على جميع الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن تخصيص العموم بالقياس جائز والدليل على أنه لفظ عام أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] صالح لكل رقبة لأن الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث العرف فهو إذا صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة وإذا صلح لكل الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من حيث البدل على معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ما من رقبة توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو قصدها فيحررها تخرج عن عهدة الأمر فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل الرقاب لا من حيث يدخل جميع الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال الأمر على الرقاب بوصف التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث المعنى أن لم يكن عاما من حيث صورة اللفظ ويمكن أن يقال أنه عام فى الأوصاف لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة.
وقولهم أن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه قلنا الأوصاف لا تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم فيها.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن يقول: أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول: أعط هذا الدرهم فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه عام لم يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ والذى يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه الجواب عن قولهم أنه اسم فرد فهو وأن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف أو نقول هو وأن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا من قبل بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا الوجه ونزيد ما قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض المسميات من اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ من المسميات.
والوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وأن شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت: رأيت زيدا العالم فقد أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم.
وإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط قول أن تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون نقصانا ولا يكون زيادة.
وقولهم أن اسم الرقبة للبنية بأجزائها قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة وقد قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ولا كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة وعلى أنه يدعى أن الإيمان والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا البنية وادعينا العموم من حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف.
واعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم رد وكلام عليه والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان لكن يدعى أن الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى قلتم وقد بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة فى النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ وأما المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل لأن الإجماع منع منه.
وأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين فإنما لم نحمل المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان أعنى صوم المتعة حيث نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله.
والكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا الموضع فقد انتهت المسألة والذى قالوا: أن قياس كفارة الظهار على كفارة القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه فى بعض فصوله والله الموفق للصواب.
[ ١ / ٢٣٥ ]