فصل: وأما الكلام فى وقت البيان.
اعلم أن لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا اختلاف أيضا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل لأن المكلف قد يؤخر النظر وقد يخطىء إذا نظر فهذان الضربان متفق عليهما لا اختلاف بين أهل العلم فيهما.
وإنما اختلفوا فى تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل فى بيان المجمل وتخصيص العموم ولهذا قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وطائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أبى الحسن الأشعرى واختيار القاضى أبو بكر.
والمذهب الثانى: أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب فى بيان المجمل وتخصيص العموم وبه قال من أصحاب الشافعى أبو إسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفى والقاضى أبو حامد ومذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر المعتزلة.
والمذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير تخصيص العموم وهذا قول أبى الحسن الكرخى وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد وبهذا قال أصحاب الشافعى.
والمذهب الرابع: أنه يجوز تأخير تخصيص العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل وبهذا قال بعض أصحاب الشافعى ﵀.
والمذهب الخامس أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهى ولا يجوز تأخير بيان الأخبار١ حكاه الماوردى عن الكرخى وبعض المعتزلة وعندى أن مذهب الكرخى هو ما قدمنا من قبل قال الماوردى ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعى رحمة الله عليه.
مسألة: واعلم أن الذى ننصره جواز التأخير فى الكل وهو المذهب الأول خلافا لما ذهب إليه طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المعتزلة ونصره عبد الجبار الهمذانى فى العمد وحكاه عن أبى على وأبى هاشم رجلى رجال المعتزلة من المتأخرين.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ١/٤٧٧ نهاية السول ٢/٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٤١، ٤٢، ٤٣ المعتمد ١/٣١٥ روضة الناظر ١٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال أبو زيد فى أصوله بعد أن جعل البيان أربعة أقسام أن بيان المجمل إذا لم يكن تبديلا ولا تغييرا يجوز مقارنا وطارئا وذكر أن بيان الاستثناء بيان تغيير ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن الخلاف بيننا وبين الشافعى فى بيان الخصوص فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعى هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا إذا قال أوصيت لفلان بهذا الخاتم ولهذا بفصه بكلام متصل فالفص كله لصاحب الفص ويكون تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل وقال وأوصيت لهذا بفصه كان الفص بين الأول والثانى ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا جائز إلا ترى أن أصحابنا قالوا: فيمن أقر لفلان على شىء يكون البيان إليه متصلا ومنفصلا وهو تفسير منهم قالوا: لذلك إذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه ويجوز متصلا ومنفصلا وذكر مسائل سوى ما ذكرنا واحتج من أثبت تأخير بيان المجمل بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال لا يخلو أما أن يكون أراد منها الاعتداد بالطهر أن شاءت أو بالحيض أن شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد منهما بعينه وأى الأمرين أراده فقد أراد منهما ما لا سبيل إلى فهمه من اللفظ لأن اللفظ لا يجنى عن التخير ولا عن واحد منهما بعينه وأن قلتم أنه لم يرد منها شيئا فهو محال ولم يقل به أحد.
وقالوا: أيضا لو حسن الخطاب المجمل من غير بيان فى الحال لحسن خطاب العربى بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية وكذلك مخاطبة الزنجى بالعربية فيخاطب ثم لا يبين فى الحال وحين قبح ذلك فليقبح هاهنا أيضا لأنه لا يعرف السامع مراد المخاطب بكلامه فإن قلتم لم يحسن مخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى لا يعرف بكلام الزنج شيئا ويعرف بكلام المجمل شيئا وهو أن المتكلم أراد بخطابه إيجاب شىء عليه أو نهيه عن شىء فى الاسم المشترك يعلم أن المتكلم أراد بخطابه أخذ معنى الاسم المشترك قالوا: هذا لا يصح لأنه لا يخلو لنا أن يعتبروا فى حسن الخطاب العلم بكل المراد ويعتبروا العلم ببعض المراد فإن اعتبرتم المعرفة بنقد المراد لزمكم أن لا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه لا يمكن مع فقد معرفة كمال المراد وأن اعتبرتم المعرفة ببعض المراد لزمكم حسن المخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى إذا عرف بحكمه الزنجى المخاطب له علم أن أراد بخطابه له شيئا أما الأمر وأما النهى وأما غيرهما فهذا دليلهم المعتمد.
وقال بعضهم أن المجمل مع البيان بمنزلة الشىء الواحد مثل المبتدأ مع خبره ثم لا.
[ ١ / ٢٩٦ ]
يجوز فصل المبتدأ من خبره مثل أن يقول زيد ثم يقول بعد مدة قائم كذلك هاهنا لا يجوز أيضا تأخير البيان عن المبين قالوا: وأما تأخير بيان النسخ فنسلم أنه يجوز ولكن للفصل بينهما أن تأخير بيان النسخ لا يخل بالمعرفة بصفة العبادة فلم يمكن أداؤها وأيضا فإن النسخ بيان مدة الحكم وحقيقته سقوط الأمر عنه عند وجود مدة ينتهى إليها والخطاب المطلق يعلم قطعا أن حكمه يرتفع عنه لعلمنا بانقطاع التكليف وليس كذلك العموم لأنا لا نعلم خصوصه بإطلاقه وكذلك المجمل لا نعلم بيانه بإطلاقه.
وأما الذين منعوا تأخير بيان العموم وتأخير المجمل فقد قالوا: بهذا المذهب فى كل كلام له ظاهر وذكروا أنه لا يجوز تأخير بيانه.
واستدلوا فى ذلك وقالوا: أن بيان العموم خطاب لنا فى الحال بالإجماع ولا يخلو المخاطب أما أن يقصد أنها منا فى الحال أو لا يقصد ذلك فإن لم يقصد أنها منا بطل كونه مخاطبا لنا ونحن نعلم أنه باللفظ العام قصد اتهامنا وأنه لو لم يقصد اتهامنا كان عبثا لأن الفائدة فى الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو جاز لا يقصد إفهام المخاطب بالخطاب لجازت مخاطبة العربى بالزنجية وهو لا يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطب على زعمكم وليس من هذا الخطاب إلا ترك إفهام المخاطب وأن كان أراد اتهامنا فى الحال فلا يخلو أما أن يريد أن يفهم مراده على ظاهر اللفظ وعلى غير ظاهر اللفظ فإن أراد منا أن نفهم على ظاهر اللفظ فلفظه فظاهره العموم وهو مخصوص عنده فقد أراد منا اعتقاد غير الحق وأن أراد منا أن نفهم على غير ظاهره وهو بعد لم ينصب دليلا على تخصيصه فقد أراد منا أن من ما لا سبيل إليه فيكون تكليف لنا كما ليس فى وسعنا وطاقتنا وهذا باطل قالوا: فعلى هذا لا بد أن يبين لنا الخصوص متصلا بالعموم أو يشعر بالخصوص وكذلك النسخ لا بد أن يشعر بالنسخ وهذا لأن الخطاب مع هذا الإشعار يصير مفيدا فى الجملة ولا يكون إغراء باعتقاد غير الحق قالوا: والإشعار بالتخصيص أن يقول: اعلموا أن هذا العموم مخصص لا يبين ما الخارج عن العموم أو يقول: جوزوا خصوصه حتى أبينه وقال صاحب هذه الطريقة يجوز تأخير بيان المجمل لأن المجمل لا ظاهر له فلا ينكر الإجمال ثم تأخير البيان لأنه لا يجوز من الحكيم أن يفيد غير مراده على الجملة كما يجوز أن يفيد مراده على التفصيل إلا ترى أن زيدا قد يعلم أن فى الدار عمرا بعينه فيكون له غرض أن يعرفه أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعلم خالدا أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعرفه أن فى
[ ١ / ٢٩٧ ]
الدار رجلا ويكره أن يعرفه أنه عمرو فيقول: أن فى الدار رجلا ولا يبين له أنه عمرو ولغرض له كذلك فى المجمل يكون الأمر هكذا وهو أن يريد المخاطب أن يعلم المخاطب أن عليه حقا فى الجملة ولا يبين فى الحال لمعنى له ثم يبين ذلك فى ثانى الحال فهذا معتمد هؤلاء الطائفة
وأما أبو زيد فقال فى هذا الفصل أن لفظ العموم للعموم والاستيعاب على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم للعدد لكن ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما فى الألف إذا استثنى منها شىء فيكون بيان تعيين مثل الاستثناء ولا يجوز الاستثناء إلا متصلا باللفظ كذلك هذا البيان هذا كله وأما دليلنا فيدل أولا على وجود بيان تأخير المجمل والعموم فى الشرع ويتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] وكلمة ثم للتراخى وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الانبياء:٩٨] وكان المراد بذلك الأصنام دون عيسى والملائكة ﵈ وإنما بين ذلك ببيان التراخى فإن من المزهر الشاعر خاصم فى ذلك على ما ورد فى القصة المعروفة وقال أن دخلها عيسى والملائكة فنحن ندخل أيضا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الانبياء:١٠١] وهم يقولون على هذا الدليل أن الملائكة وعيسى لم يكونوا دخلوا تحت الآية لأنه تعالى قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وما لا يعقل ومن لم يعقل وقد كانت الكفرة متعنتين معارضتهم فيمكن أن يقال أن الاحتجاج صحيح ولو كان الأمر كما قالوا: لبين النبي ﷺ ذلك ولم يسكت حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ وتعلق الأصحاب أيضا بقوله تعالى مخبرا عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] والمراد غير لوط وأهله وتأخير البيان إلى أن قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله قال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠] يعنى فى السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك والمراد غير ابنه وتآخر إلى أن قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] وهم يقولون على هذا أن البيان كان معروفا بالخطاب لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] وهذا اللفظ يخرج لوطا ومن أسلم معه من الخطاب وقد قال تعالى فى.
[ ١ / ٢٩٨ ]
موضع آخر مخبرا عن الملائكة: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٨، ٦٠] وكذلك قالوا: فى قصة نوح أن البيان كان مقرونا لأن الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ والجواب عن السؤال ممكن بمراجعة إبراهيم ونوح ﵉ ولو كان البيان مقرونا لم يكن لمراجعتهما وجزائهما عن ذلك معنى وتعلق الأصحاب بقوله تعالى فى خمس الغنائم: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] تآخر البيان فى إخراج بنى عبد شمس وبنى نوفل إلى أن سأل عثمان بن عفان ﵁ وجبير بن مطعم عن ذلك وهم يقولون على هذا أن آية القربى لا عموم لها لأن القربى تحتمل ضروب قرب وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم ﵇ فلم يمكن تعميمها وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيصبح البيان فيه متراخيا وهذا ضعيف لأن القرن معلوم يعرف الاستعمال ولم يكن يخفى عليهم وإنما خفى على هؤلاء الأعتام الجهال الذين خلوا من بعد وعلى هذا الدليل فى المجمل قائم.
وتعلق الأصحاب أيضا بأمر الله تعالى بذبح بقرة مطلقة فى بنى إسرائيل وتأخير بيان أوصافها إلى أن سألوا وهم يقولون على هذا أنه قد روى عن ابن عباس ﵄ أنهم لو عمدوا إلى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم١.
ونحن نقول هذا خلاف ظاهر الآية لأن بنى إسرائيل قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ثم قالوا: ثالثا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ولو كان البيان حصل لم يكن لهذه الأسئلة معنى.
وتعلق الأصحاب أيضا بما روى أن جبريل قال للنبى ﷺ فى ابتداء الوحى اقرأ فقال وما أقرأ ولست بقارىء إلى ثلاث مرات وجبريل ﵇ يكرر القول وهو يجيب هذا وروى أنه كان يغطه حتى بلغ منه الجهد إلى أن قال اقرأ باسم ربك٢ فقد آخر البيان قال الشافعى محتجا أن الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم أن النبي ﷺ بين إلا ميراث بين الكفر والإسلام وبين أيضا أن الله تعالى أمرنا بالصلاة مطلقا والزكاة.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قاله الحافظ السيوطي انظر الدرر المنثور للسيوطي. ٢ أخرجه البخاري التعبير ١٢/٣٦٨ ح ٦٩٨٢ ومسلم الإيمان ١/١٣٩ ح ٢٥٢/١٦٠ وأحمد المسند ٦/٢٥٩ ح ٢٦٠١٤.
[ ١ / ٢٩٩ ]
مطلقا وتآخر بيان ذلك وأمرنا بالحج مطلقا وتآخر بيان ذلك حتى حج حجة الوداع وقال: "خذوا عنى مناسككم" ١ وسأل عمر النبي ﷺ عن الكلالة فقال: "يكفيك آية القيد" ٢ وهى الآية التى فى آخر سورة النساء وكان عمر ﵁ يقول: اللهم من يبين لهم فإن عمر لم يبين وأمثال هذا تكثر فهذه الظواهر والنصوص دلائل سمعية وفيها مقتصر لو اقتصرنا عليها ثم مع هذا نبين من الدلائل العقلية ما يدل على ما ذكرناه فنقول أن البيان ما يجب لتمكن المكلف من إذا ما كلف والتمكين من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب وإنما يحتاج إليه قبل التعليق بلا فعل فلم يجب تقديمه عند الخطاب وهو كالاقتصار على الفعل فإنه لما كان ليتمكن من أداء الفعل لم يجب تقديمه على وقت الحاجة إلى الفعل وأيضا لو صح تأخير البيان لكان وجه متجه فقد بين المكلف ما أمر به وذلك يقتضى فتح الخطاب إذا لم يبين المكلف وأن بين له ولا يقال أنه إذا لم يبينه فقد أتى بالجهل من قبل نفسه بخلاف إذا لم يبين له ذلك وذلك لأن الجهل لا يختلف سواء أتى الإنسان ذلك من قبل نفسه أو من قبل غيره إلا أن الإنسان سقط تكليفه إذا مات سواء أماته الله تعالى أو قتل نفسه.
ودليل آخر معتمد أنه لو قبح تأخير البيان لكان وجه متجه أنه لا يمكن للسامع له أنه يعرف به كمال المراد ولو قبح ذلك لقبح تأخير بيان النسخ أيضا لأنه فى معناه وهو أنه لا يعرف به كمال المراد مثل التخصيص.
يبينه أن النسخ تخصيص من حيث الزمان وتخصيص العموم تخصيص من حيث الأعيان.
أما الجواب عن دلائلهم أما ما تعلقوا به من أنه أمر بالاعتداد.
قلنا نقول أن الله ﷿ إنما أراد بالآية اعتداد النساء بواحد بعينه من الطهر والحيض إلا أنه لو لم يرد من المخاطبين أن يفهموه فى الحال لأنه لم يدلهم فى الحال بلفظ الحيضة فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو يريد منهم فهم الجملة كما لو كان اعتد بواحد من أحد شيئين بعينه أما الطهر وأما الحيض وسأبين ذلك وكما لو قال.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم الحج ٢/٩٤٣ ح ٣١٠/١٢٩٧ وأبو داود المناسك ٢/٢٠٧ ح ١٩٧٠ وأحمد المسند ٣/٣٩٠ ح ١٤٤٣٢. ٢ أخرجه مسلم الفرائض ٣/١٢٣٦ ح ٩/١٦١٧ وانن ماجه الفرائض ٢/٩١٠ ح ٢٧٢٦ وأحمد المسند ١/٣٣ ح ١٨٠.
[ ١ / ٣٠٠ ]
القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل معين وسأبين ذلك وكما لو علم أن زيدا فى الدار وأراد إعلام عمرو أن فى الدار رجلا فإنه قد عنى به زيدا ولم يرد أن يعرفه أنه زيدا.
وأما الثانى الذى قالوه وهو تعلقهم بكلام العربى الزنجى بالعربية أو الزنجى العربى بالزنجية فهذا تعلق فاسد والفرق بين الموضعين أن العرب لا تعرف ما وضع له خطاب الزنج فلم يحسن أن يخاطبه به منفصلا عن بيان ذلك الخطاب أما أن يكون أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع من العرب غير متمكن من معرفة ذلك وأما هاهنا فإن المخاطب بالمجمل متمكن من معرفة ما يفيده الخطاب فى الجملة فإنه يعلم أنه أمر أو نهى أو خبر أو استخبار أو غير ذلك وكذلك يعرف ما وضع له الاسم المشترك لأنه وضع لواحد من هذين على انفراده وتصور هذا فى القرء فإنه يعلم أنه يريد بالخطاب أما الاعتداد بالطهر أو الاعتداد بالحيض ألا ترى أن القائل إذا قال للمرأة أريد منك أن تعتدى بشىء يعنى من شيئين أما الطهر وأما الحيض فإنها قد فهمت معنى هذا الخطاب من التردد بين الطهر والحيض وأنها مأمورة بالاعتداد بأحد هذين وكذلك فى قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يفهم المخاطب أن المراد بالخطاب إيجاب شىء فى ماله وهذا مثل قول القائل فى الدار رجل فإنه يعلم بهذا وجود شخص بوصف الدخول فى الدار وأن لم يعلم حقيقة وهذا لأن الأمر ابتلاء فإذا لزمه أن يعتقد أن الله تعالى أراد منه حقا فى ماله وقد حصل الابتلاء وهذا لعلة أعظم من الابتلاء بالعقل.
قال أبو زيد فى أصوله وهذا كما أن فى القرآن ما هو متشابه أجبنا عن بيانه وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة فى الجملة قال ولهذا لو قال لفلان على شيئا يكون البيان إلى المقر منفصلا ومتصلا لأنه تكلم بكلام مجمل وإذا قال لفلان على ألف درهم وفى البلد نقد يختلف كان البيان إليه منفصلا ومتصلا وإذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا وأما كلامهم فى منع تأخير بيان التخصيص للعموم فنحن نقول إذا ثبت جواز بيان تأخير المجمل ثبت جواز تأخير بيان التخصيص لأن فى الموضعين الموجود بيان متصل بما يحسن فيه البيان.
والذى قالوا: أنه يريد إفهام المخاطب أو لا يريد.
قلنا يريد به إفهامه وقد فهم بالمجمل شيئا فى الجملة وهو الخطاب بإيجاب شىء.
[ ١ / ٣٠١ ]
عليه وفارق هذا فصل المتكلم بالزنجى مع العربى لأنه لا يفهم منه شيئا ما.
وأما قوله أنه كيف يريد إفهامه مقتضى اللفظ من العموم وأن لم يتصل به دليل يوجب التخصيص والخطاب على هذا الوجه حسن إلا ترى أن لو صرح به حسن فكذلك إذا لم يصرح به وأراده صح أيضا وعلى أن فصل النسخ داخل على ما قالوه وليس لهم على فصل النسخ عذر بيان وقولهم أنه يموت هوش لأن أمده ينقضى بموته إذا مد كل إنسان مدة حياته وأما النسخ فيه قطع الأمد الموت إنهاء الأمد فكيف يتشابهان وأما الذى قالوا: أنه لا بد من إشعاره بالنسخ فنقول مخترع لم يقل به أحد ويبطل بما ورد من نسخ تحليل الخمر ونسخ التوجه إلى بيت المقدس وما أشبه ذلك فإنه قد صح هذه الوجوه من النسخ ولم يتقدم إشعار بذلك من قبل ولا يمكنهم دعوى وجوده فبطل هذا وأما طريقة أبى زيد فضعيفة ولا نسلم أن لفظ العموم فيما يتناوله من الأعيان مثل لفظ الألف فى الأعداد التى اشتمل عليها وإنما العموم مجرد ظاهر فيما يتناوله من الأعيان وهو محتمل الخصوص وتأخير بيان التخصيص عنه لا يمنع منه شرع ولا عقل وهذا خير الكلام فى البيان وما يتصل به القول فى أفعال الرسول ﷺ وما يتصل بها يذكر أو لا مقدمة فنقول اعلم أن الأفعال على ضربين.
أحدهما ما لا صفة له زائدة على وجوه وهو كبعض أفعال التناهى وبعض أفعال الناس فقد لا توصف بحسن ولا قبح وهذا الفعل الذى لا مضرة فيه ولا منفعة من فعل النائم والساهى وأما ما يكون من أفعال الساهى فيه مضرة أو منفعة فقد قال بعضهم أنه لا بد أن يوصف بالحسن أو القبح وقال بعضهم لا يوصف بشىء من ذلك وهذا هو الأولى لأن الحسن والقبح يتبع التكليف فمن لا يكون عليه تكليف لا يوصف فعله بشىء من هذين وعلى هذا كل فعل يفيد زمن لا تكليف عليه.
وأما الضرب الثانى وهو أفعال المكلفين فينقسم خمسة أقسام واجب وندب ومباح ومحظور ومكروه وقال بعضهم ينقسم إلى قبيح وحسن ثم ينقسم القبيح إلى مكروه ومحظور والحسن إلى مباح وندب وواجب وقد بينا حدود هذه الأشياء ثم اعلم أن الواجب والندب والمباح يصح وقوعها من جميع المكلفين فأما المحظور فقد اتفقوا على صحة وقوع ذلك من بنى آدم وهل يصح وقوع ذلك من الملائكة فذهبت.
[ ١ / ٣٠٢ ]
المعتزلة١ وكثير ممن سواهم إلى أنه لا يصح وقوع ذلك منهم وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وعند أهل السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم بدليل قصة إبليس وقد كان من الملائكة وقصة هاروت وماروت وقد كانا من الملائكة وأما قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فيجوز أن يكون ذلك فى طائفة منهم أو فى زمان مخصوص والله أعلم وأما الأنبياء ﵈ فلا يصح منهم وقوع الكبائر لعصمة الله تعالى إياهم عن ذلك فأما الصغائر فقالوا: لا يصح منهم وقوع ما ينفر عنهم مثل الكذب وما يضع من أقدارهم وما يدعوا إلى البعد عنهم مثل الغلظة والفظاظة ولا يصح منهم أيضا وقوع ما ورد السمع بحظره عليهم من الكبائر وقول الشعر فى حق نبينا ﷺ.
وعندى أن هذا الحد لا يصح فى حق سائر الأنبياء وقد ورد السمع بحظر الأكل من الشجرة وصح منه ذلك وأما ما عدا ما ذكرناه من الصغائر فقد أبى بعض المتكلمين وقوع ذلك من الأنبياء أيضا والأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية وأما الخطأ والسهو فيجوز وقوع ذلك من الأنبياء وقد حمل كثيرا مما فعلوه مما حكى الله تعالى على ذلك وفى الباب خطب كثيرة وليس هذا موضعه.
وإذا تقرر هذا رجعنا إلى أفعال الرسول ﷺ فنقول أفعاله على ثلاثة أضرب.
أحدها: حركاته التى تدور عليها هواجس النفوس كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فلا يتعلق بذلك أمر باتباع ولا نهى عن مخالفة.
والضرب الثانى: أفعاله التى لا تتعلق بالعبادات كأحواله فى مأكله ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب.
وأما الضرب الثالث: ما اختص بالديانات وهو على ثلاثة أضرب.
أحدها: ما يكون بيانا.
والثانى: ما يكون تنفيذا وامتثالا.
والثالث: ما يكون ابتداء شرع فأما البيان فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان المبين واجبا كان البيان واجبا وأن كان ندبا كان البيان ندبا ويعرف أنه بيان بأن يصرح بأنه بيان كذلك ويعلم فى القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن.
_________________
(١) ١ انظر المعتمد ١/٣٤٢ المحصول ١/٥٠١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٤٢ نهاية السول ٣/٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٨٧.
[ ١ / ٣٠٣ ]
هذا الفعل بيان لها والثانى أن يفعل امتثالا وتنفيذا له فيعتبر أيضا بالأمر وأن كان الأمر على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وأن كان الفعل على الندب علمنا أنه فعل ندبا والثالث أن يعمل ابتداء من غير سبب ولم يوجد منه فى ذلك أمر باتباع ولا نهى عنه فاختلف أصحابنا فى ذلك على ثلاثة مذاهب وكذلك سائر الفقهاء والمتكلمين وهذا الاختلاف فيما يرجع إلى حقوق الأمة.
المذهب الأول: أن اتباعه فى هذه الأفعال واجب على الأمة إلا ما خصه ذلك وهذا مذهب مالك والحسن وبه قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وهذا هو الأشبه بمذهب الشافعى رحمة الله عليه وبهذا قال من أصحاب أبى حنيفة أبو الحسن الكرخى وهو قول طائفة من المتكلمين.
والمذهب [الثانى] ١: المستحب للأمة اتباعه فى هذه الأفعال ويندب إلى ذلك ولا يجب وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر أهل المعتزلة وبه قال من أصحاب الشافعى أبو بكر الصيرفى وأبو بكر القفال.
والمذهب [الثالث] ٢ أن الأمر فى ذلك على الوقف حتى يقوم دليل على ما أريد منا فى ذلك وإلى هذا ذهب أكثر الأشاعرة واختاره من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق وأبو القاسم بن كج٣.
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ ثبت في الأصل "الأول". ٣ لا خلاف بين العلماء في أن أفعله ﷺ إذا كانت مما تقتضيه الجبلة والطبيعة كالقيام والقعود والأكل والشرب لا تدل على الإباحة بالنسبة له ولأمته. ولا خلاف بينهم أيضا في أن ما ثبت خاصا به ﵇ لا يتعداه إلى أمته كتزوجه بأكثر من أربع سنوة ودخوله حلالا ووجوب التهجد والمشاورة. ولا نزاع بينهم أيضا في أن فعله المبين للمجمل الذي علمت صفته من الوجوب والندب يكون حكمه حكم ذلك المجمل الذي بينه الفعل فإن كان واجبا كان الفعل واجبا وإن كان مندوبا كان الفعل مندوبا لأن المبين يأخذ حكم المبين. وإنما الخلاف بينهم في أفعاله ﵇ التي لم يقم دليل على اختصاصها به وليست من الأفعال التي تقتضيها الطبيعة البشرية ولم تكن بيانا لمجمل معلوم الصفة. وجملة ما قالوه في ذلك أن الفعل إذا لم تعلم صفته من الوجوب أو غيره إما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر فيه ذلك=
[ ١ / ٣٠٤ ]
_________________
(١) = فإن ظهر فيه قصد القربة ففيه أقوال ثلاثة: أحدها: أنه يفيد الندب وهو المختار للإمام الرازي والبيضاوي وابن الحاجب. ثانيهما: أنه يفيد الوجوب وهذا القول نقله القرافي عن مالك ﵁. وإن لم يظهر في الفعل قصد القربة: ففيه أقوال الأول: يدل على الإباحة وإليه ذهب الإمام مالك وابن الحاجب وجماعة. ووجتهم في ذلك: أن الفعل باعتبار صدوره عن النبي ﷺ لا يخلو حكمه عن واحد من أمور ثلاثة: الوجوب أو الندب أو الإباحة ولا يكون فعله محرما لأنه كبيرة والرسل معصومون من الكبائر ولا يكون مكروها كذلك لأن صدور المكروه من عدول المسلمين نادر فكيف بمن هو أشرف الخلق أجمعين ولا سك أن كلا من الوجوب والندب جانب الفعل فيه أرجح وجانب الترك مرجوح والأصل استواء الفعل والترك من غير رجحان لأحدهما على الآخر: فلا يكون الفعل واجبا ولا مندوبا لأن ذلك خلاف الأصل وهو لا يثبت إلا بدليل والمفورض أنه لا دليل لواحد منهما فلم يبق إلا الإباحة نوقش هذا: بأن الغالب في أفعاله ﵇ التي علمت صفتها الوجوب أو الندب والإباحة قليلة بالنسبة إليهما فإذا وجد فعل لم تعلم صفته وجب أن يلحق بالكثير الغالب وهو الوجوب أو الندب ولا يلحق بالقليل وهو الإباحة لأن الحمل على القليل فيه عمل بالمرجوح وترك للراجح وهو مخالف لما تقتضيه العقول السليمة وبذلك تنتفي الإباحة ويثبت إما الوجوب أو الندب. القول الثاني: يدل على الندب وإليه ذهب الشافعي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ووجه الدلالة من الآية: أن الله قال "لكم" ولم يقل: "عليكم" وهذا مشعر بأن الاقتداء به ﵇ في الفعل الذي لم يقم دليل عليه وجوبه ليس واجبا لانتقاء ما يدل على الوجوب وهو "عليكم" ووصف الأسوة بأنها حسنة وذلك يوجب رجحان الاقتداء به ﵇ على ترك الاقتداء به فتنتفي الإباحة لانتفاء استواء الطرفين "الاقتداء وعدم الاقتداء" كما ينتفي كل من التحريم والكراهة لأن جانب الترك فيها راجح والثابت من الآية ترجح جانب الفعل فلم يبق بعد ذلك من الأحكام إلا الندب وهو المطلوب. نوقش بأن التأسي والاقتداء والمتابعة ألفاظ مترادفة معناها: الإتيان بمثل الفعل الذي فعل على الوجه الذي فعل عليه من الوجوب أو الندب أوالإباحة فهذه الأمور الثلاثة لا تكون إلا في الفعل المعلوم الجهة وبما أننا نتكلم في الفعل الذي لم تعلم جهته تكون الآية في غير محل النزاع. القول الثالث: يدل على الوجوب وإليه ذهب بعض الشافعية كابن سريج وابن خيران وأبي سعيد الإصطخري. واستدلوا على ذلك بالكتاب والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ ووجه الاستدلال أن: ﴿اتَّبِعُوهُ﴾ في الآية أمر والأوامر يدل على الوجوب لأنه لا قرينة تصرفه=
[ ١ / ٣٠٥ ]
مسألة: التأسى برسول الله ﷺ عندنا واجب فى القرب.
وعند من ذكرناه لا يجب١ واستدل من ذهب إلى ذلك بوجوه من الدليل وقالوا: تقدم أولا معنى التأسى فمعناه أن يفعل صورة ما فعله على الوجه الذى فعله لأجل أنه فعل وما لم يكن على هذا الوجه لا يكون تأسيا وقالوا: يدل أولا أنه لا يجب علينا أن.
_________________
(١) = عنه إلى غيره فكانت متابعة الرسول واجبة من غير فرق بين ما علمت صفته وما جهلت وبذلك يكون الفعل غير معلوم الصفة واجبا ويجاب عن هذا بأن الآية ويجاب عن هذا بأن الآية في غير محل النزاع لأن المتابعة كما تقدم لا تتحقق إلا في الفعل الذي علمت جهته وموضوع الخلاف الفعل مجهول الجهة. وأما الإجماع فإن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون إنزال بعد أن كانوا مختلفين فيه ومستندهم في الاتفاق قول عائشة ﵂ لمن سألها عن ذلك فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا فلو كان فعله ﵇ غير مفيد للوجوب ما أجمع الصحابة على وجوب الغسل مما ذكر لمجرد فعله ﵇ ذلك ولوجد منهم من يقول بالندب أو الإباحة لأن الفعل من حيث هو محتمل وأجيب عن هذا بأن الصحابة لم يجمعوا على ذلك لمجرد الفعل بل لأن فعل الرسول ﷺ هذا يعتبر من باب المناسك وهم مأمورون بأخذ المناسك عنه لقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" فيكون فعله ﵇ مبينا لواجب فيكون واجبا تبعا لما بينه وبذلك يكون الدليل في غير محل النزاع كذلك لأن الفعل المبين لما هو معلوم الصفة ليس من محل النزاع. القول الرابع: وهو المختار للبيضاوي والصيرفي وجماعة الوقف بمعنى أنه لا يحكم لا بالوجوب ولا بالندب ولا بالإباحة حتى يدل الدليل الخاص على واحد من هذه الأمور. ووجهتم في ذلك أن فعله ﵇ محتمل للوجوب والندب والإباحة وأنه ليس خاصا به بل الأمة مثله في ذلك ومحتمل لأن يكون خاصا به فلا تكون الأمة تابعا له فيه وليس هناك ما يعين واحدا من هذه الأمور السابقة فوجب التوقف وعدم الحكم بشيء بخصوصه حتى يقوم الدليل عليه دفعا للتحكم ويمكن لأصحاب المذاهب السابقة أن تناقش هذا الدليل فتمنع احتمال الخصوصية بأن الأصل عدمها ثم يعين كل واحد منهم ما اختاره من الندب أو الإباحة أو الوجوب بالدليل الذي ساقه عليه. فلا يتم للواقف مدعاه وللواقف أن يرد هذه المناقشات بأن الأدلة السابقة لم تسلم من المناقشات فلم تثبت مدلولاتها فلا عبرة بها وبذلك يسلم دليل الواقف مما ورد عليه ويترجح مذهبه لترجيح دليله انظر البرهان ١/٤٨٧، ٤٨٨، ٤٨٩ وإحكام الأحكام للآمدي ١/٢٤٥ والمعتمد ١/٣٤٣ نهاية السول ٣/١٧ المحصول ١/٥٠٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٨، ٨٩، ٩٠. ١ انظر البرهان ١/٤٨٨ المحصول ١/٥١١ إحكام الأحكام للآمدي ١/٢٤٥ المعتمد ١/٣٥٣، ٣٥٤ نهاية السول ٣/١٨، ١٩.
[ ١ / ٣٠٦ ]
نفعل مثل ما فعله على جهة الواجب فنقول أنه لا يجوز أن يعلم ذلك بالعقل لأنه لو علم ذلك بالعقل لكان من أحد الوجهين أما أنه لا يجوز أن يختص بوجوب شىء عليه وما وجب عليه لا بد من كونه واجبا علينا أو لأنا إذا لم نتبعه فى أفعاله أدى ذلك إلى التنفير عنه والأول باطل لأنه ﵇ إنما تعبد بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة حتى نعلم شياعه فى جميع الناس وهذا لأنه ليس يجب اشتراك المكلفين فى المصالح فيجوز أن يكون هذا الفعل مصلحة له ولا يكون مصلحة لنا إلا ترى أنه قد أبيح له ما لم يبح لنا مثل العدد فى الأنكحة والصفى من المغنم وغير ذلك وقد أوجب عليه ما لم يوجب علينا مثل قيام الليل والوتر والتضحية وغير ذلك والثانى باطل لأنه أما أن يقال أن التنفير يحصل إذا فارقناه فى فعل واحد أو يحصل إذا فارقناه فى جميع الأحوال والأول لا يصح لأن المفارقة قد حصلت فى أشياء كثيرة مثل المفارقة فى صلاة الضحى والمناكح فقد حصل التنفير إذا والثانى لا يصلح لأنه إذا كان التنفير يحصل بالمفارقة فى جميع الأفعال لا فى بعض الأفعال فلا بد من دليل غير العقل يميز لنا ما تعبدنا به من أفعاله وبين ما لم نتعبد به ولأنه لو قال اعلموا إنما تفعلوه مصلحة لكم دونى أو ما أفعله مصلحة لى دونكم لم يكن هذا مؤديا إلى التنفير فكذلك ما ذكرناه لا يؤدى إلى التنفير أيضا.
قالوا: وليس الأفعال كالأقوال من الأوامر والنواهى لأن الأقوال موضوعة لمعان معلومة على ما ذكرناه من قبل فإذا لم يقتض ذلك الإيجاب أو التحريم علينا إذا كان أمرا ونهيا يطلب معانيها وهذا لا يوجد فى الأفعال لأن الأفعال مفيدة صحيحة فى حق فاعليها فالقول فى ترك إيجاب أمثالها علينا لا يؤدى إلى إبطالها وإلغائها وإذا ثبت أنه لا يجب التأسى به من حيث العقل وأن عرفنا أنه فعل واجبا فكيف يجب علينا أنه فعل ما فعل على وجه الوجوب وهذا لأنا إذا لم نعلم الجهة التى فعل عليها لم يكن ما يفعله تأسيا لوجه ما إلا ترى أنه لو صار واجبا فتطوعنا لم نكن متأسين به وكذلك إذا فعل تطوعا وفعلنا فرضا لم نكن متأسين به أيضا وحرفهم فى هذا الدليل أنه لا دليل على ما قلتم من وجوب التأسى لا من حيث العقل ولا من حيث السمع فسقط لعدم الدليل واستدلوا أيضا بأنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه وحين لم يكن دليلا عليه فلا يكون دليلا علينا لدل أنه كان واجبا عليه لأنا إنما نفعله تبعا له فإذا لم يدل على أنه كان واجبا عليه فالأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا.
[ ١ / ٣٠٧ ]
مثله وإذا ثبت انتفاء الوجوب علينا مجرد فعله فقد قال بعضهم أن فعله١ يدل على الإباحة لأنها أقل الأحوال٢.
وقل بعضهم٣ يدل على الندب٤ لأن الكلام فى القرب وأدنى أحوال القرب الندبية فأخذنا بها أخذ باليقين ومنهم من يوقف ليقوم الدليل على أحد هذه الأمور وأما دليلنا فاعلم أن المعتمد هو الاستدلال بالشرع فى وجوب الاتباع والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأمر الله تعالى فى هذه الآيات باتباعه واتباعه قد يكون فى قوله وقد يكون فى فعله فكان بيان الشريعة من جهته واقعا بالأمرين جميعا إلا ترى أنه ﷺ قال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" ٥ وقال: "خذوا عنى مناسككم" ٦ والصلاة والحج من الأحكام المجملة وقد حصل بيانها بالفعل فثبت أن مجمل الفعل فى البيان محل القول وأن من اتبعه فى فعله كان كمن اتبعه فى قوله وإنما يكون بيان الفعل أوكد من بيان القول.
ألا ترى أنه إذا أمر بشىء فأراد تحقيقه حققه بفعله كحلقه حين أحصر عام الحديبية وقد كان أمر فلم يفعلوا وتربصوا وتوقفوا فلما فعل رسول الله ﷺ تبادر الناس عند ذلك إلى الحلق فدل أن الفعل من المكانة فى القلوب ما ليس للقول ومما يدل أن محل فعله محل قوله أنه ﵇ لما سئل عن القبلة للصائم فقال أنا أقبل وأنا صائم فقال السائل إنك لست كأحدنا فغضب وقال: "أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله" ٧ ولما قيل لابن عمر أن ناسا يقولون إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل.
_________________
(١) ١ أي المجرد. ٢ وهذا مذهب مالك وجزم به الإمام الرازي انظر نهاية السول ٣/٢١. ٣ وهو قول الشافعي انظر نهاية السول ٣/١٢. ٤ وقد قال بالوجوب أبو سعيد الإصطخري وابن خيران من الشافعية واختاره الإمام فخر الدين الرازي في معالم السنة انظر نهاية السول ٣/٢١، ٢٢. ٥ أخرجه البخاري الأذان ٢/١٣١ ح ٦٣١ والدارمي الصلاة ١/٣١٧ ح ١٢٥٣ وأحمد المسند ٥/٦٥ ح ٢٠٥٥٥. ٦ تقدم تخريجه. ٧ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٧٩ ح ٧٤/١١٠٨ ومالك في الموطأ الصيام ١/٢٩١ - ٢٩٢ ح ١٣.
[ ١ / ٣٠٨ ]
القبلة ولا تستدبرها قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على اليقين مستقبل بيت المقدس لحاجته١ فاستدل ابن عمر بذلك على جواز فعله ودل به على بطلان قولهم وأجزأه مجزءا قوله لوروده بإطلاقه وإباحته وقد قال عامة أهل العلم قوله ﷺ: "إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين" ٢ بفعله حين أم قاعدا فى مرضه الذى توفى فيه وهم قيام وغفلوا أن نسخ القول واقع بالفعل منه وأنهما فى بيان الشريعة على السواء وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أصبح جنبا فقد أفطر" ٣ ثم زاد أنه منسوخ بما روى أنه كان يصبح جنبا ثم يغتسل ويتم صومه وكذلك زاد أنه قوله ﷺ: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ٤ منسوخ بترك جلد ماعز والغامدية وأن قوله فى السارق: " فإن عاد فاقتلوه" ٥ منسوخ بترك قتله حين أتى فى المرة الخامسة ومن هذا الباب جلوسه ﷺ: "بين الخطبتين يوم الجمعة" ٦ وليس فيه إلا فعله فقط وروى الشافعى ﵀ فساد الصلاة بتركه٧ ومما يزيد ما قلناه بيانا أن النبي ﷺ لما خلع نعله فى صلاته خلع أصحابه نعالهم فلما سلم قال: "ما لكم خلعتم نعالكم" فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فقال: " أن جبريل أخبرنى أن بهما قذرا" ٨ وأيضا فإن عمر ﵁ لما قبل الحجر قال إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك٩ فيرى أن متابعته على الظاهر من فعله واجبة مع علمه أنه لا يقع فيه أكثر من الاتباع وأمثال هذه الأخبار كثيرة فهذه الأخبار تبين أن أفعاله جارية فى بيان الشرع.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الوضوء ١/٢٩٧ ح ١٤٥ ومسلم الطهارة ١/٢٢٤ ح ٦١/٢٦٦. ٢ أخرجه البخاري الأذان ٢/٢٠٤ ح ٦٨٩ ومسلم الصلاة ١/٣٠٨ ح ٧٧/٤١١. ٣ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٧٩ ح ٧٥/١١٠٩ بلفظ "من أدركه الفجر جنبا فلا يصم" ومالك في الموطأ الصيام ١/٢٩٠ ح ١١ ولفظ الحديث عند مالك. ٤ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣١٦ ح ١٢/١٦٩ وأبو داود الحدود ٤/١٤٢ ح ٤٤١٦ والترمذي الحدود ٤/٤١ ح ١٤٣٤ وابن ماجه الحدود ٢/٨٥٢ ح ٢٥٥٠. ٥ أخرجه أبو داود الحدود ٤/١٤٠ ح ٤٤١٠ والنسائي السارق ٨/٨٣ باب قطع اليدين والرجلين من السارق انظر نصب الراية ٣/٣٧١. ٦ أخرجه البخاري الجمعة ٢/٤٧١ ح ٩٢٨ ومسلم الجمعة ٢/٥٨٩ ح ٣٤/٨٦٢. ٧ انظر روضة الطالبين ٢/٢٧. ٨ أخرجه أبو داود الصلاة ١/١٧٢ ح ٦٥٠ والدارمي الصلاة ١/٣٧٠ ح ١٣٧٨ وأحمد المسند ٣/١١٣ ح ١١٨٨٣. ٩ أخرجه البخاري الحج ٣/٥٤٠ ح ١٥٩٧ ومسلم الحج ٢/٩٢٥ ح ٢٥/١٢٧.
[ ١ / ٣٠٩ ]
مجرى أقواله ومن الصحابة ﵃ كانوا يعتقدون ذلك ويرون أن المبادرة إلى أفعاله فى المتابعة مثل المبادرة إلى أقواله وقد دل على هذا الأصل الكبير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] وأمره هو شأنه وذلك مشتمل على أفعاله وأقواله ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] أى شأنهم وإلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أى شأنه وطريقته ومذهبه وقال النبي ﷺ: "من أدخل فى أمرنا ما ليس فيه فهو رد" ١ يريد دينه وشريعته وأقواله وأفعاله وأن ادعوا أن الأمر حقيقة فى القول مجاز فى الفعل نقول فى هذا الموضع لما كان المعنى الثانى كان منتظما بالقول والفعل على وجه واحد ودل أيضا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا على الإلزام والإيجاب بدليل أن أتبعه قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا وعند التعقيب بالمواعيد دليل الوجوب ويبين هذا الجواب عن قولهم أنه لو كان المراد بالآية الإيجاب لقال لقد كان عليكم ولم يقل لكم لأن الذى قلناه من ذكر الوجوب واللزوم والشىء الواجب علينا إذا فعلناه كتب لنا أمره فهو لنا من هذا الوجه وقد دل أيضا على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فجعل فعله ﷺ علما على القدرة والأسوة وثبت بالآية أن الائتساء به ﷺ ثابت على العموم حتى ورد دليل الخصوص إلا ترى أنه لما جاء الخصوص قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فثبت أن الائتساء وجب شرعا والذى ذكرناه يعرف من الدلائل القطعية التى يحرم خلافها ولا يدخل الاجتهاد فى تجاوزها وعلى هذا الأصل الذى ثبتناه لا يحتاج إلى الجواب عن شىء من كلامهم لأنهم إذا ادعوا انتفاء الوجوب من حيث العقل ونحن ادعينا وجوبه من حيث الشرع ولا ملاقاة بين طرفى الدليلين فوقعت الغنية عن الاشتغال بم ذكروه وأوردوه والله المشكور بالهداية إلى ما يوافق السنة فإن ذكروا شيئا اختص به النبي ﷺ نقول قام دليل التخصيص مع ذلك فلا يدخل على الأصل الذى أصلناه.
فإن قيل لو كان الفعل منه ﷺ على الوجوب لكان الترك على الوجوب قلنا نقول.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الصلح ٥/٣٥٥ ح ٢٦٩٧ بلفظ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ومسلم الأقضية ٣/١٣٤٣ ولفظه لفظ البخاري.
[ ١ / ٣١٠ ]
إذا ترك النبي ﷺ شيئا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه إلا ترى أنه ﷺ لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم إنى أعافه وأذن لهم فى تناوله وهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد تبين جدا وقد رأيت لبعض المتأخرين فى هذه المسألة كلاما مختلطا ورأيته متردد الرأى فى المسألة وأشار إلى طرف مما ذكرناه من أن الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون إلى أفعاله ﷺ ابتدارهم إلى أقواله وهو ﷺ إمام الخليقة فى جميع أموره وذكر أنه يبنى فعله على الإيجاب والإلزام أخذا بالأحوط ثم رأيته يميل إلى القول بالإباحة على معنى أنه إذا ظهر منه ﷺ فعل لم يكن على الأمة حرج أن يفعلوا مثل فعله قال وأما القول بالإيجاب والندب فلا دليل عليهما ونحن نحمد الله عليهما قد دللنا على ذلك بأبين وجه وأظهر مسلك فليعتقد المرء ذلك يجد نفسه على سواء الصراط والله المغنى بمنه.
وإذا فعل الرسول ﷺ شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على التخصيص بذلك فقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه هكذا ذكر الأصحاب وعندى أن ما فعل فى القرب سواء عرف أنه فعله على جهته أو لم يعرف فإنه شرع لنا إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه والذى ذكرناه فى المسألة الأولى دليل في هذه المسألة ولا معنى للإعادة والمعتمد رجوع الصحابة إلى أقواله وأفعاله جميعا على السواء.
وإذا ثبت هذا فنقول اعلم أنه يحصل بالفعل جميع أنواع البيان من بيانه المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما روى من فعله ﷺ الصلاة والحج وتصمن فعله بيان المجمل الذى فى القرآن وأما تخصيص العموم فهو كما روى أنه ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس١ ثم روى أنه ﷺ صلى بعد العصر صلاة لها سبب٢ وكان ذلك تخصيص عموم النهى وأما تأويل الظاهر فهو كما روى أنه ﷺ نهى عن القود فى الطرف قبل الاندمال ثم روى أنه أفاد قبل الاندمال فيعلم أنه ﷺ أراد بالنهى الكراهة فى وقت دون التحريم وأما النسخ فقد بيناه فى موضعين فلا يفيد
وإن تعارض قوله وفعله فى البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى من.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري المواقيت ٢/٧٣ ح ٥٨٦ ومسلم المسافرين ١/٥٦٧ ح ٢٨٨/٨٢٧. ٢ أخرجه البخاري السهو ٣/١٢٦ ح ١٢٣٣ ومسلم المسافرين ١/٥٧١ ح ٢٩٧/٨٣٤.
[ ١ / ٣١١ ]
الفعل لتعديه بصيغته.
ومنهم من قال الفعل أولى لأنه أدل وأقوى فى البيان على ما سبق من خبر حلق الرأس فى الحديبية.
ومن أصحابنا من قال هما سواء١ وعندى أن هذا هو الأولى ولا بد من دليل آخر لترجيح أحدهما على الآخر ووجه التسوية بينهما ما ذكرنا فى المسألة الأولى وهو اتفاق الصحابة ﵃ على التسوية بين القول والفعل وأخذهم بيان الشرع منهما على وجه واحد من غير ترجيح والكتاب يدل أيضا على ذلك وهو فى المواضع التى ذكرناها والله أعلم.
ونذكر حكم ما أقر عليه رسول الله ﷺ فى عصره فنقول وإذا شاهد رسول الله ﷺ الناس على استدامة أفعال فى بيعات أو غيره من معاملات يتعاملونها فيما بينهم أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو أبنية أو مقاعد فى أسواق فأقرهم عليها ولم ينكرها منهم فجميعها فى الشرع مباح إذا لم يتقدم إقراره إنكار لأن النبي ﷺ لا يستجيز أن يقر الناس على منكر ومحظور كما وصفه الله تعالى فى قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فدل أن ما أقرعليه داخل فى المعروف خارج عن المنكر فإن مدح فاعله وذم تاركه دل على وجوبه وأن ذم فاعله ومدح تاركه دل على حظره وهكذا لو أمره بالتوبة لأنه لا يأمر بها إلا فى معصية وأن مدح فاعله ولم يذم تاركه دل على استحبابه وهكذا لو وعد فاعله بالثواب أو لم يتوعد تاركه بالعقاب دل على استحبابه وأن لم يمدح فاعله ولم يذم تاركه دل على إباحته وأن أقر فاعلا بعد ذمه على فعل مثله دل على.
_________________
(١) ١ اعلم ان في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو رأي الجمهور أن القول هو المبين سواء علم تقدمه وتأخر الفعل أو بالعكس أو لم يعلم شيء من ذلك. القول الثاني: لأبي حسين البصري: وهو أنه عند علم التقدم والتأخر يكون المتقدم هو المبين قولا أو فعلا وعند عدم العلم يجعل القول لجحانه من جهة أنه لا يفتقر في إفادته البيان إلى غيره بخلاف الفعل فإنه يفتقر إلى واحد من الأمور الثلاثة السابقة. القول الثالث: وهو المختار للآمدي: أنه إن علم تقدم القول على الفعل كان القول مبينا وكان الفعل على استحباب الطواف الثاني انظر نهاية السول ٣/٤٥، ٤٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨، ١٩.
[ ١ / ٣١٢ ]
إباحته بعد حظره وأن ذم واحدا على فعل وأقر آخر على مثله فإن علم افتراقهما فى السبب تعلق الحظر والإباحة بالسبب الذى افترقا فيه وأن جهل بسبب الافتراق عليه حكم الآخر منهما فإن كان الآخر الإقرار بعد الذم دل على الإباحة بعد الحظر وأن كان الآخر الذم بعد الإقرار دل على الحظر بعد الإباحة وإذا علم من حال مرتكب المنكر الإنكار أن كان الإنكار عليه يزيده إغراء على فعل مثله فإن علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار لئلا يزداد من المنكر بالإغراء.
وإن علم به الرسول ففى وجوب إنكاره وجهان أحدهما لا يجب لهذا التعليل وهو قول المعتزلة والوجه الثانى يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة وهذا الوجه أظهر وهو قول الأشعرية من هذا الوجه يكون الرسول مخالفا لغيره لأن الإباحة والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره.
مسألة وإذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا فهو على ثلاثة أضرب.
أحدها أن يضيفه إلى عصر الرسول ﷺ والآخر إلى عصر الصحابة ﵃ والثالث أن ينطق فإن أضافه إلى عصر الرسول ﷺ وكان مما لا يخفى مثله حمل على إقرار الرسول وصار شرعا وأن كان مثله يخفى كأن يكرر منهم وكثر حمله على إقراره لأن الأغلب فيما كثر منهم أنه لا يخفى عليه كما روى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال كنا نخرج صدقة الفطر فى زمان رسول الله ﷺ صاعا من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر١ الخبر وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير بأن قالوا: كانوا يفعلون كذا حمل الرواية على علمه وإقراره فصار المنقول شرعا وأن تجرد عن لفظ التكثير كقوله فعلوا كذا فهو محتمل ولا يثبت شرع باحتمال وأما أن أضيف الفعل إلى عصر الصحابة ﵃ نظر فإن كان مع بقاء عصر الصحابة لم يكن حجة وأن كان انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم فيكون حجة وأن أطلقه ولم يضفه إلى أحد العصرين نظر فإن كان عصر الصحابة باقيا فهو مضاف إلى عصر الرسول ﷺ وأن كان بعد عصر الصحابة فالماضى قبله عصر الصحابة.
وإذا قال الراوى من السنة كذا كما قال على ﵁ من السنة أن لا يقتل حر بعبد فقد اختلف فيه الفقهاء فعند أبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وأبى.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الزكاة ٣/٤٣٤ الحديث ١٥٠٦ ومسلم في الزكاة ٢/٦٧٨ الحديث ١٧/٩٨٥.
[ ١ / ٣١٣ ]
الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أنه لا يحمل ذلك على سنة الرسول١ لأن الصحابة ربما سنوا بالقياس والاجتهاد أحكاما كما قال على ﵁ جلد رسول الله ﷺ فى الخمر أربعين وجلد أبو بكر ﵁ ثمانين فى كل سنة٢ وقد قال النبي ﷺ: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ٣ وأما مذهب الشافعى ﵀ أن مطلق السنة ما سنه الرسول ﷺ وأضافها إلى غيره٤ فجاز لا قتدائه فيها بسنة النبي ﷺ فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه وأما قول على ﵁ وكل سنة يعنى بالزيادة أنها تقرير جاءت به السنة وقوله ﷺ: "وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ما أخبروكم به عن سنتى وأن كان ذلك حجة نظر فإن كان الراوى لذلك صحابيا كان روايته مسندة يجب العمل بها وأن كان تابعيا كان روايته مرسلة فحكمها حكم المراسيل.
مسألة: وإذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فلا يوجب هذا أن يقطع بأنه عن الرسول ولا يقطع بأنه ليس عن الرسول ﷺ لجواز الأمرين.
واختلفوا فيما يوجب هذا الظاهر فحكى عن أبى الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى أنه يحمل على أنه من الصحابة دون الرسول صلوات الله عليه إلا أن يقوم دليل على أنه من الرسول ﵇.
ومذهب الشافعى أنه يحمل على أنه من الرسول صلوات الله عليه دون الصحابة٥ لأن الصحابة لقربهم من عصر الرسول ﷺ كانوا يستعملون هذه اللفظة فى أوامره ونواهيه فوجب أن يحمل على عرف الاستعمال وهذا مثل ما روى عن أنس أنه قال.
_________________
(١) ١ انظر إحاكم الأحكام ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٧، ١٨٨ البرهان ١/٦٤٩ المحصول ٢/٢٢٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠. ٢ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣٣١ ح ٣٨/١٧٠٧ وأبو داود الحدود ٤/١٦٢ ح ٤٤٨٠ وابن ماجه الحدود ٢/٨٥٨ ح ٢٥٧١. ٣ أخرجه أبو داود السنة ٤/٢٠٠ ح ٤٦٠٧ والترمذي العلم ٥/٤٤ ح ٢٦٧٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/١٦ ح ٤٣ وأحمد المسند ٤/١٥٦ ح ١٧١٤٩. ٤ انظر إحاكم الأحكام ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٧، ١٨٨ البرهان ١/٦٤٩ المحصول ٢/٢٢٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠. ٥ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٦ المحصول ٢/٢١٩،. ٢٢٠ روضة الناظر ٨٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠.
[ ١ / ٣١٤ ]
"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"١ وهذا محمول على أن الأمر هو النبي ﷺ.
ومنهم من جعل الأمر على الوقف حتى يقوم دليل والصحيح ما قدمنا ومما يلحق بالفصل الذى ذكرناه من قبل أن تقرير النبي ﷺ غيره على ما يشاهده منه شرع استدل به الشافعى فى إثبات القافة٢ من خبر محرز المدلجى ونظره إلى أسامة بن زيد وهما نائمان وعليهما قطيفة وقد بدت أقدامهما فقال هذه الأقدام بعضها من بعض٣ وسرور النبي ﷺ بذلك وذكره لعائشة ﵂ مستبشرا بقوله ووجه الاحتجاج بالخبر أن النبي ﷺ لا يسره إلا الحق وقد قال محرز ما قاله بالقافة فإنه كان معروفا بهذا العلم فلما سره قوله تبين أنه مسلك صحيح وقوله مصدر عما صدر عنه حق وهذا هو الجواب عن قول من قال معترضا على الخبر أن قول محرز كان موافقا للشرع فإن أسامة ولد على فراش زيد والقول الصادر على وفق الشرع لا يكون دليلا على أنه فى نفسه حق وحجة ألا ترى أن الفاسق لو قال أن هذه الدار لفلان وعزاها إلى مالكها فلو قرر الشرع مثل هذا على قولكم لم يكن دليلا على أن قول الفاسق مقبول محكم به.
والجواب على هذا ما سبق ويقال: أن الرسول ﷺ لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفال وما يقال بالحدس والتخمين ولما أبعد أن يخطىء فى تواضع أن أصاب فى هذا الموضع وكان ينبغى أن لم يكن القافة حقا أن ينبهه على غلط وهو قوله بهذا الطريق حتى لا يتخذه مسلكا يسلكه فى سائر المواضع فيخطىء فى غير هذا الموضع وأن أصاب فى هذا الموضع فمقداره الاحتجاج بالخبر وهو وجه حسن واضح داخل فى أستار القلوب والله أعلم.
مسألة: ويلحق بهذا الفصل الكلام فى تعبد نبينا ﵇ بشريعة من قبله
اعلم أنه يجوز أن يتعبده الله تعالى بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهى عن اتباعها ولا لبس فى وجوب هذا أو عدمه استبعاد ولا استنكار ولأن.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري الأذان ٢/٩٢ ح ٦٠٣ ومسلم الصلاة ١/٢١٦ ح ٢/٣٧٨. ٢ انظر البرهان ١/٤٩٨. ٣ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٥٧ ح ٦٧٧١ ومسلم الرضاع ٢/١٠٨٢ ح ٣٩/١٤٥٩.
[ ١ / ٣١٥ ]
مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشىء مصلحة فى زمان النبى الأول دون الثانى ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الثانى دون الأول ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الأول والثانى وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة من قبل قلنا الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى أن فيه فوائد كثيرة منها أنهما وأن اتفقا فى بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا فى بعضها ومنها أنه يجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ومنها أن يندر من شريعة الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث فى الأول بدع فيزيلها الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا ﷺ باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة.
والمذهب الثانى: أنه ﷺ كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من المتكلمين.
والمذهب الثالث: أنه ﷺ لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم ﵇ على الخصوص دون غيره١ وهو قول شاذ والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان المذهب الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى فى بعض كتبه وقيل أنه بنى عليه أصلا من أصوله فى كتاب الأطعمة غير أنا نقول أن العقل لا يحل اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من أحكام الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] فهذا نص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة فى الحال فثبت أنها ملة له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله ﷺ ويدل عليه.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٣/٤٧ انظر البرهان ١/٥٠٣ وانظر المحصول ١/٥١٨ انظر الإبهاج في شرح المنهاج ٢/٣٠٢ شرح المنار ٢٥١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٩٧، ٩٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] والهدى اسم الإيمان والشرائع جميعا لأن الاهتداء بها كلها ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله النبيون الذين أسلموا قد دخل فيها النبي ﷺ وقيل أنه أراد بها النبي ﷺ على الخصوص وقوله فى قصة اليهوديين اللذين زنيا ورجوع النبي ﷺ إلى التوراة وحكمه بها على هذا القول أكثر أهل التفسير وبه وردت الرواية ويدل عليه أن ابن عباس ﵄ سئل عن سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن يقتدى به١ وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] والدين اسم لما يدان الله به من الشرائع ولأن ما أنزله الله تعالى من الشرع شرع ثبت لكل الناس ما لم يثبت نسخه وليس فى بعث الرسول الثانى ما يدل على نسخ ما كان شرعا من قبل لما بينا أنه غير ممتنع أن يكون شرع الأول شرعا للثانى فعلى هذا شرائع من قبلنا شرائع الله تعالى ولم يعرف نسخها ثبت حقا وشرعا إلى أن يعرف نسخها قال أبو زيد فى أصوله والصحيح هذا المذهب وهو أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد مبعث النبي ﷺ إلا لحكايته أنها ثابتة لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعها وخانوا فى النقل فصاروا مردودين الشهادة ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم واتهموا بالحيل واللبس فيما يظهرون من شر لبعض فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ وأخبرنا أنها ثابتة بوحى متلو وغير متلو قال فالشرائع التى كانت من قبل تبقى حقا فى نفسها لأنها كانت مطلقة غير مقبولة فبعث نبى آخر ولكن لا يثبت شرعهم بنقلهم ولكن بنقل الثانى.
قال وفيه كان عرف المصطفى ﷺ حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء قالوا: ولهذا لم يرجع إليهم ولم يراجعهم فى معرفة الأحكام وربما يستدل من ذهب إلى هذا المذهب بحال النبي ﷺ قبل الوحى بأنه كان متبعا شريعة من قبله بدليل أنه ﷺ كان يحج ويعتمر ويفعل وجوه الخيرات ويذبح وينحر ويطوف ويعظم البيت ولا بد أن هذه الأفعال كانت منه باتباعه شريعة من قبله لأنه لم يكن ينزل عليه الوحى بشرع يدل عليه أن الله تعالى لا يخلى زمانا من شرع وإذا لم يكن عليه شرع فلا بد أن يكون الذى عليه شريعة من قبله فأما دليلنا قوله تعالى.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري التفسير ٨/٤٠٥ ح ٤٨٠٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] والرسول الذى ذكر هاهنا هو رسولنا ﷺ فقد جعلهم بعد مبعثه بمنزلة أمته فدل أن شرائعهم قد انتهت بمبعثه ويدل عليه قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة ٤٨ قال أبو زيد على هذه الآية فيه دليل على جواز النسخ فى الجملة وليس فيه دليل على انتساخ كلى فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير الأحكام ولا شك أن بعض الأحكام قد تغيرت بتبدل الطريقة فاستقام قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال يبينه أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة بالإيمان بالله تعالى وطاعتهم إياه فى أوامره ونواهيه ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال أن هذه الآية تقتضى تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل والدليل على أن شرائع من قبلنا انتهت بمبعث نبينا ﷺ ما روى أن النبي ﷺ رأى صحيفة فى يد عمر ﵁ فقال له ما هذه الصحيفة فقال فيها شىء من التوراة فغضب رسول الله ﷺ وقال أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى١ فجعله بمنزلة واحد من أمته لو كان حيا فهذا نص أن شريعته انتهت ببعثه ولأن أصحاب الرسول ﷺ كانوا يرجعون فى الحوادث إلى الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا من الكتاب والسنة والدليل عليه قول معاذ حين بعث إلى اليمن الخبر المعروف ولم يرو أن أحدا منهم رجع إلى شىء من أحكام الكتب المنزلة من قبل ولا بحث عنها ولا أمر أحدا بالبحث عما فيها ولو كانوا متعبدين بذلك لنقل عنهم أو نقل عن النبي ﷺ ذلك ولو فعل لنقلوا عنه ﵇ ذلك وهذا دليل معتمد لكن نبسط بساطا لهذا الدليل ليظهر وجه الاعتماد عليه فيقول القائل بوجوب اتباع شريعة من تقدمه لا يخلو أما أن نقول أن الله تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات التى تعبد بها من قبله وأوحى إليه تلك العبادات وصفاتها وهيئاتها فرجع إلى ما أوحى إليه منها ولم يرجع إلى النقل عمن تقدم أو يقول: أنه رجع فى معرفة شرع من تقدم إلى النقل كما نفعله نحن فى شرع نبينا صلوات الله عليه أو نقول رجع فى البعض إلى الوحى وفى البعض إلى النقل ولا يجوز الأول لأن هذا مجرد دعوى ولا بد.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد المسند ٣/٤٧٣ ح ١٥١٦٤ وقال الحافظ الهيثمي فيه مجالد بن سعد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما وعزاه أيضا إلى أبي يعلى والبزار انظر مجمع الزوائد ١/١٧٩ ٨/٢٦٥.
[ ١ / ٣١٨ ]
فى ذلك من نقل وأما الظن والتخمين لا يثبت ولأنه لا يخلو أما أن نقول أن جميع ما أوحى إليه شرع نبي متقدم أما موسى ﵇ أو غيره وأما أن نقول أن بعض ما أوحى إليه شرع نبى متقدم والبعض لا والأول باطل لأن كثيرا من شرعه لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وهذا معلوم قطعا وأما الثانى فغير ممتنع أن يكون بعض شرعه موافقا لشرع من تقدمه ولكن وقوع الاتفاق لا يدل أنه متعبد بشريعة من تقدمه لأنه ﵇ إنما علمه بالوحى فصار شريعته وإذا صار شريعته بالوحى ولا سند إلى أنه شريعة له بكونه شريعة من قبله وأن قال أنه أنزل إليه أن هذه شريعة من قبلك وأنت متعبد بها فاتبعها فهذا لا بد فيه من نقل على هذا الوجه وأن رجعوا إلى الآيات التى ذكروها فليس فيها ذكر شرع من شرائعهم وحملها على جميع شرائعهم لا يمكن لما ذكرنا من قبل ولا يجوز الثانى وهو أن النبي ﷺ رجع إلى نقل من تقدم وهو باطل لما بينا أنه لم ينقل أن النبي ﷺ رجع فى شىء من الحوادث إليها بل كان ينتظر الوحى مثل ما انتظر فى الظهار والإيلاء واللعان وغير ذلك ولم يرو أنه سأل أحد من أهل التوراة والإنجيل عن حكم من الأحكام ولو كان متعبدا بما فيها لم يتصور أن لا يرجع ولذلك أحد من السلف لم يرو أنه رجع إلى نقل أحد من أهل الملل ولا سألهم عن شرائعهم ولو كانوا متعبدين كما قلتم لكانت كتب الأنبياء المتقدمين ﵈ فى الأحكام بمنزلة الكتاب والسنة فكان ينبغى أن يجب الرجوع إلى ذلك كما أوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة فإن ذكروا الرجوع إلى أمر الرجم سنجيب عنه فإن قالوا: إنما امتنع ذلك لأن أهل الأديان السالفة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه التى عليها نزلت قلنا إذا ثبت أن الرجوع إلى نقل من تقدم ممتنع ولم ينقل الوحى بذلك ولا ثبت فساد الرجوع فإذا سقط عرفنا قطعا أنه لم يكن متعبدا بشرع من قبله ولأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله على ما زعموا وكانوا قد حرفوا وغيروا ونحن نعلم قطعا أنهم لم يحرفوا الجميع فكان ينبغى أن يقع التنبيه من الله تعالى على مواضع اللبس والتمويه والتحريف حتى لا يتعطل مرجع الأحكام ويدل عليه أنه كان قد أعلم من أحبارهم جماعة مثل عبد الله بن سلام وزيد بن شعبة وغيرهما فى زمان النبي ﷺ ومثل كعب الأحبار وغيره بعده فكان يمكن أن يعرف مواضع التحريف من غير مواضع التحريف منهم وقد استشهد الله تعالى بعبد الله بن سلام فى نص التنزيل وهو قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] وهو عبد الله بن سلام فى قول جماعة المفسرين فإن قالوا.
[ ١ / ٣١٩ ]
بقول الواحد والاثنين لا نعرف قلنا فيما طريقة العلم يعرف وعلى أنه كان يخالط أهل العلم النقل للكتب المتقدمة ليعرف ما فيها بطريق التواتر حتى لا يذهب عليه شرع من الشرائع التى تعبد به والذى قاله أبو زيد فى حجتهم أنه لا يثبت بما شرعهم إلا بقول من الرسول ﷺ قلنا فإن ذلك القول وكان ينبغى أن يوقفه الله عليه وليس أوقفه الله عليه وكان ينبغى أن يعلمنا ذلك حتى لا يذهب علينا شريعة من الشرائع التى تعبدنا الله تعالى بها وقد قال بعض من ذهب إلى هذا المذهب أنه لو كان متعبدا بشرع من سلف لم ينسب جميع شرعه إليه كما لا ينسب شرعه ﵇ إلى بعض أمته وفيما قالوه جعل الرسول كأنه أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط عظيم من مرتبته ومنزلته واعتقاد أنه تبع لكل نبى من تقدمه وهذا لا يستجيزه أحد من أهل الملة بل فيه التنفير عنه لأنه يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن كان داعيا أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما الآية الأولى فلا تعلق لكم بها لأن المذكور اسم الملة واسم الملة لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص لله تعالى بالعبادة وغير ذلك ولا يقع هذا الاسم على فروع الشرائع التى يقع اختلافنا فى ذلك ولهذا لا يقال ملة أبى حنيفة وملة الشافعى ويقال مذاهبهما مختلفة ولا يقال ملتهما مختلفة ويدل عليه أن الله تعالى قال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] فعلمنا أنه أراد بالملة أصل الدين ويدل عليه أن شريعة إبراهيم قد انقطع نقلها وكيف يحثه الله تعالى على اتباع ما لا سبيل له.
وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فقد أمر الله تعالى باتباعه هدى يضاف إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى جماعتهم هدى التوحيد الذى اجتمعوا عليه دون الشرائع التى اختلفوا فيها وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] قلنا ظاهر هذا يقتضى أن يحكم بها كل النبيين فعلى هذا لا بد من حمله على التوحيد ليدخل جميع النبيين فيه لأننا نقطع أن بعض الشرائع قد تنسخ بعضا على تفاصيل معلومة وأما قولهم أنها نزلت فى شأن اليهوديين اللذين زنيا قلنا قد يسقط استدلالكم بالطريق الذى قلناه ويجوز أن يكون المراد بالذين أسلموا جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعثوا على شرع التوراة والدليل على أن المراد بالآية ما ذكرنا أنه لم ينقل رجوع النبي ﷺ إلى التوراة فى طلب الأحكام وأما قصة اليهوديين فليس يعلم أن النبي ﷺ رجع إليها مستفيدا لحكم منها ويجوز أن نرجع إليها لنتبين كذبهم فيما ادعوا أنه ليس حد الزنا.
[ ١ / ٣٢٠ ]
هو الرجم فى التوراة وقد كان إلى ذلك لأن اليهود كانوا يموهون على المسلمين ويقولون أنه لم يوجد صفة محمد ﷺ فى التوراة فأراد أن يبين كذبهم فيما ادعوا من حكم الزانى ليعرف كذبهم فى غير ذلك مما يدعونه وأيضا يجوز أنه ﵇ حكى أن الرجم هو حد الزانى فى التوراة فرجع إليها ليقررهم على صدقه فى حكاية أن الرجم موجود فيها ولو رجع فى استفادة الحكم منها لرجع إليها فى غير ذلك من الأحكام ورجع إليها في شرائط الإحصان وغيره.
وأما قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] قلنا اسم الدين يقع على الأصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعى ويراد به مذهبه ولا يقال دينه ودين أبى حنيفة مختلف وعلى أن قوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] دليل على أن الدين شرعه لنا ما وصى به نوحا وهو ترك التفرق وأن يتمسك بما شرع وأما قولهم أن الشريعة التى شرعها الله تعالى وأنزلها لا يثبت نسخها إلا بدليل قلنا قد قام الدليل على نسخها على ما سبق وقد أقمنا الدلالة على ذلك وهذا لأن جميع الشرائع السابقة قد انتهت بشرع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه ونستدل بما ذكرناه على انتهائها وقد سبق بما فيه وأما قولهم أن النبي ﷺ كان متعبدا بشرع من قبله قبل الوحى قلنا هذا لا نسلمه أيضا والدليل عليه أنه لو كان متعبدا بذلك لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك كان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى واليهود وغيرهم ولو فعل معهم ما كانوا يفعلونه وقد نقلت أفعاله قبل البعث وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يخالط أحدا من النصارى واليهود أو يفعل شيئا من أفعالهم والحق أنه لو تعبد بها لفعلها ولو فعلها لظهرت منه ولو ظهرت لاتبعه فيها الموافق لنازعه فيها المخالف وقد عدم هذا كله فدل أنه لم يكن متعبدا بذلك وأما قولهم أنه كان يحج ويعتمر ويطوف قلنا لم يثبت أن النبي ﷺ حج واعتمر قبل المبعث ولم يثبت أنه تولى التذكية وأمر بها ويمكن أن يقال أنه وجد قومه على أدب من أدب إبراهيم ﵇ فوافقهم فيما فعلوه من الأفعال التى كانوا فيها على طريقة إبراهيم وهذا غير ممتنع فعله وموافقته قومه فيها خصوصا إذا كانوا قوما نشأ فيهم وكان فيما بينهم ولم يكن الفعل مما هو محرم فى شريعة معروفة فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة والله أعلم.
[ ١ / ٣٢١ ]