فإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم: يجوز أن يرجع عنه بعضهم ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما أجمعوا عليه ومنهم من قال: لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن إجماعهم قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز الرجوع لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال: يجوز أن يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع١ وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز الرجوع عنه بحال لما سبق بيانه والله أعلم.
مسألة: انقراض العصر ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع في أصح المذاهب لأصحاب الشافعي.
ومن أصحابنا من قال: إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال: إن كان قولا من الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: إنه ينعقد قبل انقراض عصره فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر٢ واحتج من قال: إن انقراض
_________________
(١) ١ وهو مذهب الإمام والأستاذ أبو بكر بن فورك. انظر إحكام الأحكام للآمدي "١/٣٦٦". ٢ اعلم أن انقراض المجمعين: معناه موتهم من غير أن يوجد منهم مخالفة. وقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن موت المجمعين ليس شرطا في صحة الإجماع بل يكون صحيحا وحجة فيحرم على أحدهم المخالفة بعد الإجماع كما يحرم على غيرهم ذلك. وقال أبو بكر بن فورك وأحمد بن حنبل: إن انقراضهم شرط في صحة سماعهم فيجوز لكل منهم الرجوع ما دام حيا متى ظهر له خلاف ما أجمعوا عليه فإذا ماتوا جميعا ولم توجد مخالفة كان الإجماع منعقدا وصار حجة على من بعدهم. وقال إمام الحرمين: إن انقطع المجمعون بالجكم لم يكن موتهم شرطا وإن لم يقطعوا به =
[ ٢ / ١٦ ]
العصر شرط بأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه وفضل في القسم وصحت هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول وكذلك رأى عمر أن لا تباع أمهات الأولاد١ ووافقه عليه الصحابة. ثم إن عليا رضي الله عنه٢ خالفه من بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في حال تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر. وأما دليل من قال: إنه ليس بشرط قول الله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال النبي ﷺ: "لا تجتمع أمتى على الضلالة " ٣ وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل.
ببينة: أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون لموتهم تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي ﷺ تأثير في كون
_________________
(١) = وأسندوه إلى ظنهم فلا بد من تطاول الزمن. ماتوا أو لم يموتوا. وفصل الآمدي فقال: إن كان الإجماع قولا أو فعلا من الجميع لم يكن موتهم شرطا وانعقد الإجماع بمجردالفعل أو القول من الجميع وليس لواحد منهم الرجوع والمخالفة وإن كان الإجماع قولا من البعض وسكوتا من الباقي كان موتهم شرطا وصح لمن سكت أن يخالف. انظر نهاية السول "٣/٣١٥، ٣١٦" انظر المحصول "٢/٧١" إحكام الأحكام للآمدي "١/٣٦٦" المعتمد "٢/٤١، ٤٢" فواتح الرحموت "٢/٢٤٤" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول "٣/٣١٥" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٧٥، ١٧٦". ١ وهو مذهب مالك وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأصحاب الراي والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقد احتجوا بأن عمر منع من بيعهن انظر الأشراف لابن المنذر "٢/٢١٣". ٢ ذكره المنذر قول علي وابن عباس ﵄ انظر الأشراف لابن المنذر "٢/٢١٣". ٣ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ١٧ ]
قوله حجة وإذا بطل الوجهان ثبت الثالث.
ودليل آخر أنا لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد إجماع ما لأنه قد حدث قوم من التابعين في زمان الصحابة كانوا من أهل الاجتهاد وشرط انقراض العصر يجوز مخالفتهم لهم لأن العصر ما انقرض ويجب على هذا انقراض عصر التابعين ومعلوم أنه لا ينقرض عصرهم إلا من بعد أن يحدث من تابعهم من هو من أهل الاجتهاد ويجوز لهم أن يخالفوا التابعين ثم يعتبر انقراض عصر تابعى التابعين ثم كذلك القول في كل عصر إلى قيام الساعة فلم يتصور على هذا انعقاد الإجماع في عصر ما وهذا باطل فيكون شرطا ما يؤدى إليه باطلا ولقائل أن يقول على هذا إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان مجتهدا عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إن أحدث منهم مجتهد بعد حدوث الحادثة والمعتمد أن الدليل قد قام أن الإجماع حجة وقد وجد الإجماع فوجب الحكم لقيام الحجة من غيره اعتبار انتظار لا انقراض العصر أو غير ذلك.
ببينة: أنا لو اعتبرنا انقراض العصر جوزنا أن يكون الأمة حين أجمعت على الخطأ وقد دللنا على أن هذا لا يجوز.
وأما الجواب عما تعلقوا به. أما الأول: قلنا قد كان عمر خالف أبا بكر ﵁ في زمانه وناظره وقال: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرها. فقال أبو بكر ﵁ إنما عملوا لله فأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يروا أن عمر ﵁ رجع إلى قول أبى بكر ﵁ فالظاهر أنه كان يرى التفضيل في زمان أبى بكر فلما صار الأمر إليه فضل على ن كان يعتقده وأما الذى تعلقوا به من فضل أمهات الأولاد قلنا قد روى عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد ومنهم جابر بن عبد الله وغيره١ فلم يكن وجد الاتفاق في زمان عمر ﵁ وأما قول عبيدة السلمانى: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك ليس فيه دليل على أنه قد كان وجد الإجماع بل يدل على أنه قد كان على قول عمر ﵁ جماعة وليس كل جماعة يكون إجماعا وإنما اختار عبيدة أن ينضم قول على إلى قول عمر ﵄ لأنه يرجح قول
_________________
(١) ١ قال ابن المنذر: وقال جابر وأبو سعيد الخدري: كنا نبيعهن على عهد رسول الله ﷺ انظر الأشراف لابن المنذر "٢/٢١٣".
[ ٢ / ١٨ ]
الأكثر على قول الأقل وأما قولهم إن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر قلنا إن أرادوا بنفى الاستقرار نفى كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا أنه لا ينعقد إلا بعد انقراض العصر فليس بشئ لأن الانعقاد إنما يكون باتفاق الأمة من غير خلاف وإنما اختلفوا أنه مع وجود هذا الانعقاد هل يكون حجة أم لا وأما الذى قالوه أنه حال تأمل وتفحص قلنا المسألة فيما إذا قطعت الأمة على الاتفاق إلا أن أهل العصر لم ينقرضوا عليه والناظر المتأمل غير والقاطع على الشئ غير والإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه يعتقد فهو بخلاف ما إذا أخبر عن نفسه أنه متأمل متوقف وقد قال بعض أصحابنا ﵏ إنهم إن أسندوا الإجمع إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم ما لم يتطاول الزمان بذلك وإن كان اتفاقهم لا عن اجتهاد بل عن أصل مقطوع به فإنه يتم الإجماع في الحال وهذا الفرق لا يصح لأنه لا يعرف إلى أى شئ أسندوا الإجماع ولو عرف أنهم أسندوا اتفاقهم إلى دليل مقطوع به فيكون حجة ذلك الدليل لا غير والأصح ما قدمناه بالدليل الذى اعتمدنا عليه.
مسألة: إذا أدرك التابعى عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في صحة الإجماع.
ومن اصحابنا من قال: لا يعتبر١ واعلم أن هذا الخلاف فيما إذا بلغ التابعى رتبة الاجتهاد ثم أجمعوا على حكم خالفهم فيه التابعى فأما إذا تقدم الإجماع على قول التابعى فإنه يكون التابعى محجوجا بذلك الإجماع وأما الذين قالوا: إنه لا يعتد بخلاف التابعى مع الصحابة تعلقوا من ذلك بأن الصحابة قد اختصوا بلقاء الرسول ﷺ ومعرفة التأويل والتنزيل والعلم بسبق الدين ووجوه الدلالة وطريق الاجتهاد فصار غيرهم من التابعين إذا أجتمعوا معهم بمنزلة العامة مع علماء الدين لا يعتد بخلافهم وقد أنكرت عائشة على أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخوله فيما بين الصحابة ومنازعته عبد الله بن عباس وقالت: أراك كالفروخ يصيح مع الديكة٢ وعن
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول "٣/٣٢٣، ٣٢٤" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي "٣/٣٢٣" إحكام الأحكام للآمدي "١/٣٦٨" المحصول "٢/٨٣" فواتح الرحموت "٢/٢٢١" المستصفى "١/١٨٥" المعتمد "٢/٣٣" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٣/١٧٩". ٢ أخرجه مالك في الموطأ: الطهارة "١/٤٦" ح "٧٢".
[ ٢ / ١٩ ]
على: أنه نقض الحكم على شريح١ حين قضى بين ابنى عم أحدهما الأخ لأمه وكان جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم فنقض عليه وأما دليلنا فلأنه من أهل الاجتهاد وقت وقوع الحادثة فيعتبر خلافه ولا ينعقد الإجماع دون قوله: دليله إذا كان صحابيا وهذا لأن العبرة بالعلم دون الصحبة بدليل أن من كان من الصحابة غير مجتهد لا يعتبر اتفاقه لانعقاد الإجماع ولأن الصحابة أقروا التابعين على الفتوى في زمانهم وقد كان على ﵁ قلد شريحا قضاء الكوفة فقضى برأيه وعلى بها لا ينكر وكان سعيد بن المسيب يفتى بالمدينة زمن الصحابة وعطاء بن أبى رباح بمكة وأصحاب ابن مسعود كانوا يفتون بالكوفة في زمن الصحابة وكذلك الحسن البصرى وجابر بن زيد كانا يفتيان بالبصرة زمن الصحابة وروى أن ابن عباس ﵁ وأبا سلمة بن عبد الرحمن اختلفا في عدة المبتوته عنها زوجها إذا كانت حبلى فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقال أبو سلمة: إذا وضعت حملها حلت فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخى٢ يعنى أبا سلمة ولم ينكر أحد قول أبى سلمة [وهو] ٣ خلاف لابن عباس وقد قال أبو هريرة: أنا معه وأما الذي ذكره من قول عائشة ﵂ في هذه القصة قلنا قد نقلنا عن أبى هريرة تصويبه وعلى أنه ليس في قول عائشة ما يدل على أن خلاف التابعين لا يعتد به مع الصحابة ويجوز أنه كان رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فانكرت عائشة ذلك وأما خبر على في نقضه قضاء شريح قلنا: هذا لا يعرف وكيف؟ وقد كان ولاه قضاء الكوفة وكان يقضى برأيه وعلى بها وعلى أنه يحتمل أن يثبت ذلك أنه إنما كان يقضى لأنه كان سبقه الإجماع في المسائل قبل أم يدرك شريح زمان الاجتهاد وأما قولهم إن الصحابة يكونون أعلم بالاحكام قلنا قد يكون أعلم وقد لا يكون والدليل على هذا أن أنسا كان يحيل بالمسائل على الحسن البصرى وكان عمر بن يحيل على ابن المسيب وقد قال ﷺ: "رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٤
_________________
(١) ١ أخرجه الحافظ اليهقي في الكبرى في الفرائض "٦/٣٩٣" ح "١٢٣٧٧" - "١٢٣٧٨". ٢ أخرجه البخاري: التفسير "٨/٥٢١" ح "٤٩٠٩" ومسلم: الطلاق "٢/١١٢٢" ح "٥٧/١٤٨٥"والنسائي: الطلاق "٦/١٥٦" "باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها". ٣ زيادة ليست في الأصل يستقيم بها المعنى. ٤ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٢٠ ]
وعلى أن ما ذكره من الترجيح لا يمنع من مساواة الناس بعين لهم في الاجتهاد. ألا ترى أن من طالت صحبته للنبى ﷺ من أكابر الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الأنس بكلام رسول الله ﷺ وهذا ليس لصغارها ولمتأخريها ثم الجميع في الاجتهاد واحد فبطل ما قالوه ولأن هذا الترجيح إن كان قائما يكون فيما يوجد من التنبيه فأما فيما يوجد من الكتاب وسائر الأصوليين فلا يكون لمن شهد مع النبى ﷺ مزية على غيره فإن قال قائل: إنكم قد قلتم: من قبل إن انقراض العصر ليس شرط من انعقاد الإجماع وإذا لم يكن شرطا وقد انعقد الإجماع فكيف يعتبر خلاف التابعي؟ والجواب: أنا قد قلنا في أول المسألة ما يبطل هذا السؤال لأنا قد بينا أن موضع الخلاف إذا لم تقع الحادثة حتى أدرك التابعى حال الاجتهاد فأما إذا سبق الاتفاق فلا إشكال أن أنعقاده وكونه حجة لا يقف على إدراك التابعى وموافقته لذلك وقد اعتبر ذلك من يشترط انقراض العصر وقد بينا أن هذا الاعتبار يؤدى إلى أن لا ينعقد إجماع.
[ ٢ / ٢١ ]