القول في العموم والخصوص.
اعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له هذا هو المعقول من كون الكلام عاما.
ألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه يستغرق الرجال دون غيرهم إذا كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظة من فى الاستفهام نحو قول القائل لغيره من عندك فلأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا يتعرض لغير العقلاء ولا لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح فى هذه المواضع لهم وكذلك قولنا كل تستغرق كل جنس يدخل عليه ولا يتناول من لا يدخل عليه لأنه لا يصلح له.
وقد قال بعض أصحابنا العموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقيل ما استقل لفظه بنفسه ولا يشتمل على مسميات بجنسه وقد يستعمل فى شيئين ويستعمل فى جميع الجنس.
أما الأول فكقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء.
وأما الثاني فكقولك عممت الناس بالعطاء وإذا عرف حد العموم فتبين أولا إثبات الصيغة للعموم فى اللغة والشريعة ثم نذكر عقبه ما يتلوه من الفصول المذهبية والمسائل الخلافية أن شاء الله تعالى.
مسألة للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة وشرعا.
وهذا قول جملة الفقهاء وكثير من المتكلمين.
وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه أنه ليس للعموم صيغة موضوعة في اللغة والألفاظ التى ترد فى الباب تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما أريد بها١.
_________________
(١) ١ اعلم أن هذه المسألة هي المعنون عنها في كتب الأصول بأنه هل صيغ العموم حقيقة في العموم؟ فالعلماء الذين يعتد برأيهم اتفقوا على أن صيغ السابقة تستعمل في العموم واختلفوا هل استعمال هذه الصيغ في العموم حقيقة أو مجاز على خمسة أقوال: أحدها: الصيغ حقيقة في العموم مجاز في الخصوص - وإلى ذلك ذهب الشافعي وجمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء واختاره ابن الحاجب والبيضاوي=
[ ١ / ١٥٤ ]
وتعلق من ذهب إلى ذلك بوجوه من الكلام أقواها فى الجدال قولهم أنه لو كان للعموم صيغة موضوعة لكان ذلك معلوما إما بالبديهة أو بإخبار الواضعين كذلك لنا أما بمشافهة أو بنقل عنهم أما بالتواتر أو بالآحاد أو أن يكون طريق ذلك الشرع.
قالوا: وليس الخلاف معكم فى أن ذلك معلوم شرعا لأنكم تدعون العلم بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع ومعلوم أن العلم فى ذلك ليس من حيث البديهة وما شاهدنا الواضعين ليشافهونا بذلك ولو تواتر النقل عنهم باستغراق ألفاظ العموم كعلمنا من ذلك كما علمتم وأخبار الآحاد ليست بطريق العلم فبان أنه لا طريق إلى العلم باستغراق ألفاظ العموم.
وقالوا: أيضا هذه الألفاظ التى يدعون فيها الاستغراق تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد فإنها ترد والمراد منها البعض وترد والمراد منها الكل وليس حملها على أحدهما بأولى من حملها على الآخر فوجب التوقف كما تقول فى الأسماء المشتركة من اللون والعين وغير ذلك بل هذه الألفاظ تستعمل فى أكثر هذه المواضع إلا فى البعض دون الكل.
ألا ترى أنه يقال أغلق الناس أبوابهم وفتح الناس حوانيتهم وافتقر الناس وجاع الناس وجمع السلطان التجار وغير هذا والمراد من كل ذلك البعض دون الجميع ولو كان اللفظ حقيقة فى العموم لكان أكثر كلام الناس مجازا ببينة أنه إذا ثبت استعمال الناس لهذه الألفاظ فى الخصوص فالظاهر من استعمال الاسم فى الشىء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة فيه وإذا كان حقيقة فى البعض وحقيقة فى الاستيعاب كان الاسم من الأسماء المشتركة وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء منه نقصا ورجوعا.
_________________
(١) = والثاني: الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم. والثالث: صيغ العموم مشترك لفظي بين العموم والخصوص - وهو أحد قولين للأشعري. والرابع: الوقف وعدم الجزم لشيء مما سبق من الحقيقة أو المجاز وهو القول الثاني للأشعري ومختار القاضي أبي بكر الباقلاني. والخامس: صيغ العموم حقيقية في العموم في الأوامر والنواهي ولا يدرى أهي حقيقة في العموم أو مجاز فيه إذا كانت في الأخبار انظر نهاية السول ٢/٣٩٥ البرهان ١/٣٢ المستصفى ٢/٣٥ إحكام الأحكام ٢/٢٩٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٩، ٢١٠.
[ ١ / ١٥٥ ]
فإن قلتم لم يكن نقصا وقبيحا نقول لو لم يكن قول القائل ضربت كل من فى البلد إلا بنى تميم نقصا وقبيحا لكان قوله ضربت كل من فى الدار لم أضرب كل من فى الدار غير قبيح ولا مناقصة وحين كان نقصا وقبيحا كان الأول نقصا وقبيحا وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا: لو كان لفظ العموم يستغرق لجرى للاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه شخصا نحو أن يقول: رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخره ثم نقول إلا زيدا فإذا قبح هذا وجب أن يقبح الأول لأنهما فى المعنى واحد على زعمكم ولما حسن الاستثناء علمنا أن لفظ العموم غير مفيد للشمول.
وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكل الجنس لما حسن أن يستقيم المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب فهم ما قد فهم بالخطاب عبث ومعلوم أن الإنسان إذا سمع رجلا يقول: ضربت كل من فى الدار فإنه يحسن منه أن يقول: ضربتهم كلهم أجمعين وأن يقول: ضربت زيدا فيهم وفى حسن ذلك دليل على ما قلناه كما سبق وكذلك يحسن التأكد وإذا أفاد الشمول لما حسن لأن التأكيد يفيد ما أفاده المؤكد وذكروا شبهة فى لفظ من قالوا: لو كان لفظ من يفيد الاستغراق لاستحال جمعه لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وإذا كان لفظ من قد أفاد الاستيعاب عندكم فلا يتصور أن يفيد جمعه شيئا زائدا فينبغى أن لا يصح جمعه وحين صح جمعه دل أن لفظ من لا يفيد الاستيعاب بنفسه والدليل على وجود الجمع فى كلمة من قول الشاعر:
أتوا [بابى] ١ فقلت: [من] ٢ أنتم فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما
قالوا: ولأن اللفظ الذى يقولون لو كان يفيد العموم وجب إذا حمل على الخصوص أن يكون مجازا لأنه يكون مستعملا فى غير ما وضع له واللفظ إذا استعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا كسائر الألفاظ التى استعملت فى غير ما وضع لها وربما يقولون ينبغى أن لا يجوز تخصيص العموم الوارد فى الكتاب بالسنة لأنه إسقاط بعض ما يثبت بالكتاب والسنة أو القياس فينبغى أن لا يجوز كما لا يجوز النسخ وحين جاز دل على ما قلناه.
_________________
(١) ١ ثبت في الأصل "باري". ٢ ثبت في الأصل "منون".
[ ١ / ١٥٦ ]
وأما حجة القائلين بالصيغة للعموم قوله تعالى فى قصة نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] فأخبر الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر جوابه له أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فدل أن مقتضى اللفظ العموم وأن له صيغة يتعلق بها فى الحجة وأيضا فإنه روى أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الانبياء:٩٨] قال عبد الله بن الزبعرى خصمت محمدا ورب الكعبة فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فإن دخلوا النار فنحن ندخل كما دخلوا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١ [الانبياء:١٠١] فاحتج على النبي ﷺ بعموم اللفظ إلى أن أخبر الله تعالى أن الملائكة والمسيح غير داخلان فى عموم اللفظ ولو كان اللفظ لا يقتضى العموم لما احتج به ولكان إذا احتج به أنكر النبي ﷺ ذلك ولأن الله تعالى أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الأعراف: ١١] ثم أخبر ما قال لإبليس بترك السجود ورد الأمر وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [صّ: ٧٥] وقال: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] فلما أخبر تعالى عن مبادرة الملائكة إلى السجود دل أنهم عقلوا من مطلق اللفظ الشمول إذ لولاه لتوقفوا ولم يبادروا ولأن إبليس لما امتنع عن السجود واستكبر وعاقبه الله تعالى وطرده لم يقل معتذرا إنى لم أعرف دخولى فى اللفظ فإن الكلام للعموم والشمول بل عدل إلى شىء آخر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل أن للأمر والنهى والعموم والخصوص صيغة معلومة وقضية مفهومة لا يجوز خلافها بمطلق اللفظ وبمحض الصيغة.
ويدل عليه أن إبراهيم ﵇ لما سمع من الملائكة قولهم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] عقل منه العموم ولذلك خاف الهلاك على لوط فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] ولم يسكن قلبه حتى أخرج الملائكة لوطا وأهله من المهلكين بضرب تخصيص واستثناء فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] .
_________________
(١) ١ عزاه الحافظ السيوطي إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه انظر الدر المنثور ٤/٣٣٨.
[ ١ / ١٥٧ ]
الآية فهذه الآيات دلائل معتمدة وبراهين ظاهرة ونهاية ما يقولون على هذه الألفاظ هو أن هذه الألفاظ محتملة للعموم عندنا وأن لم يكن للعموم صيغة ولأجل الاحتمال حسن موردها وصح السؤال والجواب عن ما ذكرتم فيها ونحن نقول على هذا لو كان فى هذه الألفاظ مجرد الصلاحية للعموم لأنها صيغة فيها لكان السؤال بطريق الاستفهام وهو أن يقول القائل فى هذه القصص الواردة فى الكتاب كلها هل دخل فلان فى الخطاب أو لا ثم إذا عرف الدخول يبنى عليه ما يقوله.
فإن قالوا: أن هذه الألفاظ حملت على العموم لا بصيغتها لكن لقرائن اقترنت بها.
قلنا لا قرينة تعرف وإنما وجد مجرد اللفظ عريا عن الدلائل فمن زاد على القرائن فعليه البيان وقد استدل الأصحاب أيضا بما نقل عن الصحابة من الاحتجاج بالعمومات فى مسائل كثيرة غير أن فيما ذكرناه من الاحتجاج بالآيات غنية وكفاية.
ونستدل فى إثبات ألفاظ العموم فى اللغة فنقول.
الاستغراق معنى ظاهر لكل أحد والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع أن المتكلم أراده فجرى هذا مجرى السماء والأرض والفرس والحمار وما أشبه ذلك فى ظهوره بين الناس ومسة الحاجة إلى العبارة عنها فكما لم يجر مع هذا الداعى الذى هو داعى الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا يضعوا لهذه الأشياء أسماء تختص لكل واحد منها مع أنهم قد وضعوا الأسماء للمعانى ووضعوا للمعنى الواحد أسماء كثيرة كذلك لا يجوز أن لا يضعوا للاستغراق أسماء مختصة وليس يجوز من أمة عظيمة فى أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد ولا يضعون لمعنى ظاهر تشتد إليه حاجة الناس أسماء تخصه.
فإن قيل ليس بممتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة أليس العرب مع كثرتهم لم يضعوا للفعل الحال عبارة تخصه دون الفعل المستقبل ولا وضعوا للاعتماد سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذى هو يمنة أو يسرة عبارة ولا وضعوا لرائحة الكافور أو رائحة العنبر أسماء تخصها والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر فى ذلك ظاهر ثم قالوا: لا حاجة بالمتكلم إلى وضع لفظ الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أن يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعلمهم بالذكر واحدا واحدا.
قالوا: ولأنهم يمكنهم أن يعبروا عن الاستغراق ويذكروه بلفظه مع قرينة وشاهد.
[ ١ / ١٥٨ ]
حال أو يدلوا على الاستغراق بالتعليل بأن يقول: كل من دخل دارى ضربته لأنه دخل دارى فيعرف بالتعليل أنه يريد أن يعم كل من دخل الدار.
والجواب أما الأول فلا يصح لأن الأشياء التى ذكروها غير ظاهرة فيجوز أن لا يضعوا لها عبارات تخصها بخلاف معنى العموم والشمول والمعتمد من الجواب أن تلك الأشياء أن لم تكن لها أسامى مفردة فلها أسامى مركبة.
وبيانه أنه يقال اعتمد سفلا واعتمد علوا أو يقال قال يمنة أو يسرة ويقال رائحة الكافور ورائحة العنبر إلى سائر الروائح ويقال فى الماضى ضرب زيدا وفى المستقبل يضرب زيدا وهذا بخلاف ما تنازعنا فيه لأنه ليس عند خصومنا فى اللغة كلام موضوع ولا مركب منبىء عن الاستغراق من غير قرينة ولا دلالة.
وأما قولهم أنه يعد الأشخاص واحدا واحدا.
قلنا هذا يطول وسبق فلا يجوز المصير إلى مثل هذا.
وقولهم أنه يفيد العموم والشمول بقرينة أو أمارة أو دلالة.
قلنا يبعد أن تضع العرب للشىء الواحد عددا من الأسامى ثم يكتفون فى معنى الشمول والعموم بقرينة أو بإشارة مع اتساع العبارات وضيق القرائن والأشارات وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة ليس مما يصلح لجميع الناس بل هو شىء خاص يقع للبعض دون البعض فلا يجوز أن يقع الاقتناع به فى مثل هذا المعنى الظاهر وكذلك الجواب عن التعليل الذى ذكروه وعلى أنه ليس كل معنى يعرف علته حتى يعلل بها.
ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بأن كل من فى الدار نائم أو ضارب أو آكل وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لم يعرف لذلك علة حتى يعلل بها.
قالوا: إنما يصح هذا الدليل الذى ذكرتم أن لو كانت الأسماء مواضعة من أهل اللسان وأما الأسماء توقيف فليس يوجد فيها هذا الدليل.
قلنا ومن يسلم لكم أن الأسماء توقيف وعلى أنا نقول الأسماء بعضها على التوقيف وبعضها على الوضع وهذا هو الأولى فينبغى إذا لم يوجد فى شىء توقيف واشتدت حاجتهم إلى وضع اسم له أن يضعوا كلاما يكون أسماء له كما أن من أحدث آلة جديدة يجوز أن يضع اسما لها ومن ولد له ولد يجوز أن يضع اسما له فالشخص الواحد إذا جاز له ذلك فالأمم الكبيرة بذلك أولى.
[ ١ / ١٥٩ ]
دليل آخر أن اللغة فائدتها إفهام المراد بالخطاب لأن المتكلم يعلم ما فى نفسه وأن لم ينطق لسانه وإنما يريد بكلامه إفهام غيره والإبانة له عن المراد الذى فى نفسه فما كان كذلك وجدنا أهل اللغة وأرباب اللسان استعملوا فى أبياتهم ألفاظا تعارفونها ووضعوا لكل شىء أرادوا الإبانة عنه سمة ورسموا لكل معنى منه رسما يعلم به المراد ويقع به التمييز بين الشىء وضده فلا يجوز إبطال ما أصلوه منها وإزالته عما وضعوه عليه وحمل ألفاظهم على ما يؤدى إلى التعرى عن الفائدة كما لم يجز ذلك فيما وجد فى أوائل كلامهم من مفرد إلى الأسماء والحروف التى هى أدوات الكلام فهذه الأسماء المفردة والحروف التى هى أدوات كلها مقيدة والأسماء المركبة وكذلك الأفعال مبنية من الأسماء المفردة ومردودة إليها وخالفوا بين السمات وزادوا ونقصوا من الحروف وفاوتوا بين جهات الإعراب لاختلاف ما يوجد تحتها من المراد وقد قالوا: فى باب الأسماء رجل وفى التثنية رجلان وفى الجمع رجال وقالوا: فى المشتق مشرك ومشركان وقالوا: فى أبنية الأفعال للواحد فى باب الأمر افعل وللاثنين افعلا وللجمع افعلوا وكما قيل فى الإخبار عن الفعل الماضى فعل وفى المستقبل يفعل وفيما يدخله التراخى سيفعل وقالوا: فيما يستدعيه من فعل غيره استفعل وقالوا: فيما تكلفه من الفعل من غير مطاوعة تفعل فلكما خالفوا بين الشىء والشىء فى القصد خالفوا بين المصارف فى الشكل والهيئة لنعلم أنهم لم يضعوا قسمة الألفاظ إلا على قسمة المعانى ولم يرتبوا هذه الأسماء إلا على مراتب المسميات وإذا تقرر ما ذكرناه فكان الأمر فى هذا مشهورا عند أهل المعرفة باللغة وبأن من قال للفظ الجمع الذى ذكروه فى الأسامى والأفعال معنى.
وقالوا: تناوله للعدد الشامل للجنس وللبعض من ذلك أو للواحد والاثنين على وجه واحدا فقد رام الجمع بين ما فرقوا والتفريق بين ما جمعوا وحمل بعضها على البعض مع التفريق من أهل اللسان ومن رام هذا فقد رام قلب اللغة وإبطال البيان وإيقاع العلم فى اللبس والتشكيك وهذا فاسد قطعا بلا إشكال ولا مرية.
قالوا: إذا لم يدع قلب اللغة ولا زعمنا أنه لا بيان فى حملها لكن قلنا أن هذه الألفاظ التى ادعيتم لها العموم محتملة فى وضعها معرضة أن يكون المراد بها الشىء وغيره فإنها توجد والمراد بها العموم والاستغراق وتوجد أخرى والمراد بها الخصوص والإفراد فإذا كان كذلك لم يجر القضاء عليها بأحد وجهى الاحتمال إلى أن يقوم عليها.
[ ١ / ١٦٠ ]
دليل المراد وهذا كسائر الأسماء المشتركة.
قلنا قد بينا أن العرب لم تقسم الألفاظ إلا على قسمة المعانى ووجدنا صيغة للعموم صيغة امتاز بها عن صيغة الخصوص ومراتب الأسماء مبنية على مراتب المسميات فلا بد لها من معنى يمتاز بها عن غيرها وقد وجدنا لها ظاهرا يهيأ العلم به فلم وجب التوقف فيه مع وجود سمة امتازت بها عن غيرها من السمات ووضوح دلالة منها يصلح اللفظ لها فهل هذا إلا ضرب الأسماء فى بعضها ببعض وتعكيس اللغة ودفع البيان منها وأما الأسامى المشتركة فهى ألفاظ معدودة وكلمات يسيرة كقولهم حيوان ولون وعين وأمثال ذلك وليس إذا لم يوجد فى اللغة إلا أشياء يسيرة ظاهرة تصار إليه ومعان متعينة لها ما يجب أن تتوقف عن سائر الأشياء التى لها ظواهر معلومة ودلائل معروفة ولهذا إذا ذكر الحيوان واللون والعين لم يتبادر إلى الفهم شىء من معانيها المشتركة دون شىء بل يكون فى موقف واحد من التسابق إلى الفهم والبدار إلى المراد وأما لفظ العموم فيتبادر منه إلى الفهم الشمول والاستغراق وهذا شىء تبين لا خفاء به أصلا.
دليل آخر أن القائل إذا قال من دخل دارى ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل شاب والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فإذا لولا الاستثناء لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من غير مقتضية للشمول والاستغراق لما وجب دخول كل عاقل تحتها ولما صح الاستثناء منها هذا دليل معتمد قالوا: ما أنكرتم أن يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله تحته فعلى هذا صح استثناء كل عاقل لأنه يصلح دخوله كل عاقل تحته لأنه دخل تحته حقيقة.
والجواب أنه لو جاز الاستثناء بهذا الوجه لحسن أن نقول اضرب رجلا إلا زيدا أو رأيت رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصلح دخوله تحت قوله ضربت رجلا فقد صلح دخول زيد فى اللفظ ولم يصح استثناؤه فدل أن الاستثناء إنما يصح فى مسائلنا لدخول المستثنى منه تحته حقيقة نبين ما قلناه أن الاستثناء يحسن دخوله فى العشرة مثل أن يقول القائل لفلان على عشرة إلا واحدا واثنين وإنما حسن دخوله على العشرة لأنه أخرج منها ما لولاه لدخل فيها.
ألا ترى أنه لا يحسن استثناء كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها فكذلك هاهنا لما حسن الاستثناء بأن نقول أعط من دخل دارى إلا الطوال منهم وكان هذا الاستثناء.
[ ١ / ١٦١ ]
حقيقة عرفنا قطعا أن المستثنى كان داخلا تحت الفظ المذكور وأما تعلقهم فى حجتهم بفصل الاستثناء.
وقولهم أنه لو كان اللفظ الوارد فى العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء نقضا ورجوعا.
قلنا لا يكون نقضا ولا رجوعا لأن ظاهر العموم عنده الاستغراق إذا تجرد عن الاستثناء أو ما يجري مجراه وإذا استثنى فلم تجرد.
ونقول أيضا أن لفظ العموم يقتضى استغراق ما دخل عليه وإذا كان معه استثناء فهو داخل على ما عدا المستثنى ولا جرم هو مستغرق له.
وأما قولهم أنه إذا عدد أشخاصا ثم استثنى شخصا واحدا منهم لا يجوز فيجب أن يكون اللفظ العام كذلك.
قلنا هذا كما يلزمنا يلزمكم لأنكم تقولون أن لفظ العموم حقيقة فى الاستغراق وحقيقة فى البعض لأنه اسم مشترك يتناول الكل ويتناول البعض فيكون حقيقة فيها مثل اللون والحيوان ثم قلتم إذا أراد الاستيعاب واستثنى يصح ولو أنه عدد الأشخاص ثم أنه استثنى لا يصح وهذا لأن الاستثناء إنما يحسن فى لفظ واحد يشمل أشخاصا ثم يستثنى بعض الأشخاص فأما إذا تعدد الألفاظ فيصير كل لفظ كالمنفرد عن صاحبه فإذا استثنى فيكون كأنه استثنى الكل من الكل وهذا لا يجوز لأن الاستثناء حقيقة هو استثناء البعض من الكل.
دليل آخر وهو أن أهل اللغة فرقوا بين العموم والخصوص وجعلوا أحدهما فى مقابلة الآخر فقالوا: مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا الخصوص كما فصلوا بين الأمر والنهى وكما وجب أن يكون لكل واحد منهما لفظ يخصه فكذلك العموم والخصوص يدل عليه أنهم خالفوا بين تأكيد العموم والخصوص وجعلو تأكيد أحدهما مخالفا لتأكيد الآخر فقالوا: رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين وقالوا: رأيت القوم أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه وكما أن تأكيدهما مختلفان فكذلك وجب أن يختلفا لأن من حق التأكيد أن يطابق المؤكد.
واعلم أن الفقهاء والمتكلمين قد استكثروا من الدلائل فى هذه المسألة غير أنا اقتصرنا على أعداد منها معتمدة وأصح الدلائل الدليل الأول من الآيات والدليل الثانى من حيث اللغة والدليل الثالث من حيث صحة الاستثناء وقد حرر بعضهم.
[ ١ / ١٦٢ ]
فقال استيعاب الجنس حد هو أحسن التعبير فيكون له صيغة يراد بصيغته من غير قرينة كالفرد والتثنية.
أما الجواب عن كلماتهم أما الأول قلنا قد أجبنا عن هذه الشبهة فى ابتداء باب الأوامر فلا معنى للإعادة.
والحرف أنهم يقولون أن لفظ العموم للاستيعاب ولما دونهم فيدخل عليهم هذه الشبهة كما دخلت علينا وأن ارتكب منهم ما ارتكب وقال إنها غير موضوعة للاستيعاب بحال فهذا محال لأنا نعلم بالضرورة وبالنقل عنهم وفى مستعمل كلامهم أن لفظ كل والجميع إذا استعملت فى الاستغراق لم يكن مجازا ولو لم نعلم ضرورة يمكن أن ينقل بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكامها لا يصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وذكرنا أيضا أن هذا الكلام يدخل على من ادعى التوقف والاشتراك وقد سبق تقرير هذا.
وأما دليلهم الثانى قولهم أن هذه الألفاظ تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد قلنا أن عنيتم أن هذا اللفظ يستعمل فى الاستيعاب وما دونه على الحقيقة فلا نسلم ذلك وكذلك أن قالوا: أنه يستعمل فى كل واحد منهما من غير قرينة لا نسلمه أيضا.
ونقول ليس استعمال لفظ العموم فيما دون العموم كاستعماله فى الاستغراق فإن استعماله فى الاستيعاب بصيغة وفيما دونه بقرينة تنضم إليه وهو من استعمال اسم الحمار فى البهيمة والبليد واسم الأسد فى الحيوان المخصوص والشجاع وليس كثرة الاستعمال دليل على الحقيقة ولا قلة الاستعمال بدليل على المجاز إنما الحقيقة والمجاز يعرفان بوجوه آخر.
ويقال لهم أليس قولنا أمر يستعمل فى الشأن والفعل وليس بحقيقة فيهما وقد كثر استعمال لفظ الأمر فى الشأن والفعل كثرة استعمال لفظ العموم فيما دون الاستيعاب فإن قالوا: إنا عرفنا كون استعمال الأسد فى الشجاع والحمار فى البليد مجازا بطريق الضرورة فهل تعرفون استعمال لفظ العموم حقيقة فى الاستيعاب فإذا استعمل فيما دونه فلا بد أن يكون مجازا وليس كل مجاز يعرف ضرورة ولكن يعرف دليل يقوم عليه فإن قالوا: أنتم لا تقولوا أن العموم إذا طبق يكون مجازا قلنا قد ذهب جماعة من الأصوليين أنه يصير مجازا ووافقهم على ذلك بعض أصحابنا.
[ ١ / ١٦٣ ]
وإن قلنا لا تصير مجازا فلأن المجاز ما استعمل فى غير ما وضع له والعموم والخصوص قد استعمل فى بعض ما وضع له فلهذا لا يوصف بالمجاز عند أكثر الفقهاء واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة مع المتكلمين فينبغى إذا تكلمنا معهم أن نقول أنه يصير مجازا وقد قال الأصحاب على قولهم أن أكثر ألفاظ العموم تستعمل فى البعض قال يجوز أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى ثم يستعمل فى غيره أكثر.
ألا ترى أن الغائط حقيقة فى الموضع المطمئن ثم أكثر ما يستعمل فى الخارج من الإنسان وكذلك الشجاع عن حقيقة فى الحية ثم أكثر ما يستعمل فى الرجل البطل وكذلك العذرة والمفازة إلى ما يشبه ذلك.
وأما تعلقهم بفصل الاستثناء فقد أجبنا عنه.
وأما قولهم أنه يحسن الاستفهام والتأكيد.
قلنا الاستفهام قد يكون طلبا لمطلق الفهم وإزالة الالتباس وقد يكون طلبا لزيادة الفهم وزيادة الفهم فهم وهذا لأن السامع قد يظن أن المتكلم غير متحفظ فى كلامه ويظن به السهو فيستفهمه ويستبينه بمعنى أن كان ساهيا أزال سهوه.
ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل ضربت فلانا فنقول أضربت فلانا أو يقول: ضربت كل من فى الدار فنقول أضربتهم كلهم فيقول: نعم ضربتهم كلهم فنجيبه باللفظ الأول فدل أن المراد من الاستفهام هو الاستثبات لظن الغلط.
وأما التأكيد الذى تعلقوا به فيبطل تأكيد الخصوص مثل قول القائل جاءنى زيد نفسه وكذلك تأكيد ألفاظ الفرد وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذلك قولهم ألف تام فقولهم ألف قد أنبأ عن التام.
فإن طلبوا فائدة التأكيد.
قلنا فائدته زيادة العلم وهذا لأن بالتأكيد يزداد الأمر جلاء وبيانا فيزداد علمنا وقد يكون فى ذلك مصلحة لنا وأن لم نقف عليها.
ألا ترى أن الله تعالى قد أكثر الأدلة على المدلول الواحد وأن كان المقصود قد حصل بالدليل الواحد وأيضا يجوز أن يكون التأكيد لإزالة مجاز أو احتمال مستعمل وعلى الجملة إذا جاز وجود فائدة للتأكيد لا يوجد فى المؤكد بطل تعلقهم بهذا الفصل.
وأما دليلهم الذى ذكروه فى كلمة من قولهم أنه يجمع بمنون.
[ ١ / ١٦٤ ]
قلنا قولهم منون وأن كان لفظه لفظ الجمع فليس بجمع على الحقيقة لأنه يستفاد منه ما يستفاد من قوله من عندنا وعند المخالف ألا ترى أنه لو قال القائل من أنتم كان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله منون استفهام عن جماعتهم وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس فى اللغة لفظ يختص بالاستغراق ولفظ منون عندهم مشترك بين الاستغراق والبعض كلفظ من فلم تفد أكثر ما تفيده لفظ من فيثبت أن هذا الكلام يلزمنا ويلزمهم فلم يكن فيه دليل علينا.
وأما الدليل الأخير الذى قالوه فقد أجبنا [عنه] ١ واعلم أن من المتكلمين من حمل لفظ الجمع على أقل الجمع وهو ثلاثة وتوقف فيما زاد.
وقيل أنه قول أبى هاشم وذهب إليه من الفقهاء محمد بن شجاع البلخى والدلائل التى أقمناها فى إثبات الاستيعاب واستغراق اللفظ لكل ما يصلح له يبطل هذا القول وهذا لأنه إذا كان لاستيعاب كل ما يصلح له فالثلاث وما زاد عليه فى الصلاحية واحد فليتناول الكل تناولا واحدا فلم يجز أن يحمل على بعض ما ينتظمه اللفظ دون البعض.
وتعلق من قال بالقول الثانى بأن دخول الثلاثة فى اللفظ يقين وما زاد يحتمل فلا يثبت دخوله بالشك.
والجواب أن دعوى الشك محال فيما زاد على الثلاث لأن اللفظ الموضوع للاستيعاب والاستغراق جميع ما يصلح له اللفظ ويستحيل أن يقال أن بعض ما يصلح له اللفظ يقين وبعض ما يصلح له مشكوك فيه وهذا لأنه لما يتناول كل الأعداد على وجه واحد فلم يجز هذا التفريق بوجه ما.
فإن قالوا: أليس إذا قال لفلان على دراهم يقبل تفسيرها بثلاثة ولا يقبل فيما دون الثلاثة.
قلنا هذا لا يقتضى الاستيعاب.
قالوا: ما قولكم إذا قال لفلان على الدراهم.
قلنا كذلك نقول ولكن إنما لم يحمل على الجميع لأنه لا يتصور حمله على جميع الدراهم لأنه لا يتصور أن يكون أتلف عليه كل درهم فى الأرض أو استقرض كل درهم فى الأرض فعدل عن العموم لأنه لم يكن حمله على العموم.
_________________
(١) ١ زيادة في الأصل.
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن فروع هذه المسألة:
أن أبا بكر الصيرفى قال إذا ورد لفظ العموم يجب أن يعتقد العموم بنفس الورود.
وقال ابن سريج يتوقف الاعتقاد إلى أن يعرضه على دلائل الشرع فإذا لم يجد الخصوص اعتقد العموم واحتج من ذهب إلى القول الأول بأن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا ورد وجب أن تعتقد ما وضع له اللفظ كلفظ الخصوص وكلفظ الأمر والنهى قال ولأن النظر لا يتناهى فيجوز أن لا يجد مخصصا فى النظر ثم نجد فى النظر الثانى وما لا يتناهى لا يصار إليه قال فلأن الذى صار إليه ابن سريج قول بالوقف وقد ذكرنا بطلانه.
وأما الدليل لما ذهب إليه ابن سريج هو أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة ولا بد من طلب التجرد ليحمل على المعنى الموضوع له اللفظ وهذا الطلب يعرض للخطاب الوارد على دلائل الشرع لتعرف هل وجد هناك دليل يخص اللفظ أو لا ثم إذا لم نجد فقد أصاب اللفظ المجرد عن قرينة مخصصة فيحمل حينئذ على الموضوع له وهو الاستيعاب ونعتقد ذلك وهذا مثل البحث عن عدالة الشهود ووجوب الحكم هناك مثل اعتقاد العموم هاهنا.
وأما قولهم أنه وضع للاستيعاب.
قلنا بلى ولكن إذا تجرد عن قرينة والمقصود من العرض التوقف إلى أن بعرض طلب هذا التجرد.
وأما قولهم أن العرض لا يتناهى.
قلنا ما لا يتناهى يقطع فى بدايته.
ألا ترى فى البحث عن عدالة الشهود لا يؤمن أن يطلع على جرح عند إعادة البحث ولكن لا يعتبر ذلك لأنه لا يتناهى وكذلك المجتهد إذا رفعت إليه حادثة يعرض الحادثة على الكتاب والسنة لطلب النص ويبحث مرة واحدة وأن كان يجوز أن يجد النص عند إعادة العرض ولكن لا يعتبر ذلك لما بينا وأما الذى قالوا: أن هذا قول بالوقف فليس كذلك لأن الواقفية لا يجعلون العموم صيغة يخصها أصلا وأما ابن سريج فيجعل العموم صيغة إذا تجردت عن قرينة ويطلب التجرد وإذا وجدها لأن تحقق صيغة العموم بها اعتقد العموم والله أعلم.
[ ١ / ١٦٦ ]