فصل: ولما عرفنا ما ينعقد به الإجماع من الأدلة فنتكلم الآن فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة
أما إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة فليست بحجة وقد بينا ثم اعلم أنه لا اعتبار بالكافرين في الإجماع لأن الإجماع إنما صار دليلا بالسمع والأدلة السمعية التي
[ ١ / ٤٧٩ ]
ذكرنا لم تتناول الكافرين١ وإنما تتناول المؤمنين على الخصوص ولأن الإجماع حجة بمعرفة الأحكام الشرعية والكفار لا يمكنهم معرفة الأحكام الشرعية فلا يجوز اعتبارهم في حجة الأحكام الشرعية والاعتبار أيضا في الإجماع بكل المؤمنين إلى انقضاء التكليف ولأنا لو اعتبرنا جميع المكلفين إلى انقضاء التكليف خرج الإجماع أن يكون حجة لأنه لا يكون بعدهم تكليف حتى يكون إجماعهم حجة فيه ولأنا قد دللنا أن إجماع أهل كل عصر حجة والدلائل دلت أن الإجماع حجة فدلت على هذا كما سبق بيانه ولا اعتبار أيضا بمن ليس من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين الذين يدعون علم الأصول وقال بعض المتكلمين اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول القاضي أبي بكر وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين والمتكلمين٢ وتعلق من هذا اعتبر غير الفقهاء بقوله ﵇ لا تجتمع أمتي على الضلالة وهذا يتناول الكل وهذا لأنه إنما كان قول الأمة حجة لأنهم عصموا عن الخطأ وليس يمتنع أن يكون جماعتهم العامة والخاصة معصومة عن الخطأ وإذا لم يمتنع ذلك وكانت الظواهر هي الراجحة على أن الإجماع حجة عامة في الخاصة والعامة اعتبر جماع الكل لكونه حجة ولأن الله تعالى قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وهذا سينال الفقهاء والعامة والصحيح ما قدنا لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون فلا يعرفون طرق الأحكام وأن عرفوا البعض لا يعرفون جميعها فصاروا كالفقهاء الذين لا يعرفون طرق أصول الفقه والذي استدلوا به فأكثر ما فيه أنه عام فنخصه ونحمله على الفقهاء الذين يعرفون طرق الأحكام ونقول أيضا أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا قالوه عن استدلال وهي إنما عصمة عن الخطأ في استدلالها والعامة ليست من أهل النظر والاستدلال حتى تعصم عن الخطأ فصار وجودهم وعدمهم بمنزلة يدل عليه أن العامة يلزمهم المصير إلى قول العلماء فصار العلماء كأنهم المتصرفون فيهم فيسقط اعتبار قولهم وقد ظهر بهذا الجواب عن المعنى الذي قالوه وقد روى أن أبا طلحة.
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٢١ روضة الناظر ١٢١ المحصول ٢/٩٢ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٣٢٤ المعتمد ٢/٢٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨٠. ٢ انظر نهاية السول ٣/٣٠٦ إحكام الأحكام ١/٣٢٢ المحصول ٢/٩٢ روضة الناظر ١٢٠ المعتمد ٢/٢٤، ٢٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٧٠.
[ ١ / ٤٨٠ ]
الأنصاري رحمة الله عليه كان يستبيح أكل البرد في الصوم ويقول: أنه لا يفطر ولم يعد خلافه خلافا لأنه لم يكن من فقهاء الصحابة ﵃.
وقد قال بعض أصحابنا إنما يشترك الخاصة والعامة في معرفته فلا بد من إجماع الكل في الشيء لينعقد عليه الإجماع وقد ذهب إليه بعض المتكلمين وعندي أن هذا باطل ولا يعتبر قول العامة في شيء من الأحكام سوى أن كان من الأحكام الظاهرة التي يعرفونها أو من الأحكام التي لا يقفون عليها وما ذكرنا من الدليل يعم الكل فيوجب إخراج العامة وإطراح قولهم في الأحكام اجمع وعلى هذا نقول أن العلماء في النحو والعربية واللغة لا نعتبر قولهم أيضا في انعقاد الإجماع عن الأحكام وكذلك العلماء الذين لا يعرفون إلا التفسير وإنما يرجع إليهم في الوقوف على أقوال المفسرين من السلف وكذلك أمر المحدثين الذين لا يعرفون إلا الرواية فيرجع إليهم فيما يصح من الأخبار وما لا يصح.
وأما الفقهاء الذين يرجع إلى قولهم في انعقاد الإجماع فهم المجتهدون وسنذكر شرائط الاجتهاد من بعد.
وأما الذين يتكلمون في الجواهر والأغراض وعرفوا بمحض الكلام ولا يعرفون دلائل الفقه فلا عبرة بقولهم في الإجماع وهم بمنزلة العوام.
وأما المتفردون بأصول الفقه فإن وافقوا الفقهاء في ترتيب الأصول وطرق الأدلة كان خلافهم مؤثرا يمنع من انعقاد الإجماع وأن خالفوهم فيما يقتضيه استنباط المعاني وعلل الأحكام وغلبة الأشباه لم يؤثر خلافهم وانعقد الإجماع بدونهم والله أعلم.
وعلى الجملة إذا أجمع المفتون على المسألة وبقى قوم لا يستقلون بأنفسهم في معرفة حكم حادثة تقع لهم ويتعين عليهم في ذلك تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم في المسألة التي اتفق عليها الفقهاء المجتهدون محال.
ونقول في تقسيم الفقهاء أن من يعرف الفروع والأحكام ولا يعرف دلائلها وعللها فهذا ناقل يرجع إلى حفظه ولا يعول على اجتهاده ولا يرتفع الإجماع بخلافه.
وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها مشرفا على الأصول في ترتيبها ولوازمها عارفا شبهها وأدلتها وعللها فهذا أكمل الفقهاء علما وأصحهم فيه اجتهادا وهذه الطبقة هم الذين يرجع إليهم في الإجماع والاختلاف.
وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها غير عارف بالأصول وترتيبها.
[ ١ / ٤٨١ ]
ولوازمها فيصح اجتهاده فيما يقتضيه التعليل والسنة ولا يصح اجتهاده فيما يقتضيه دلائل الأصول فيما يصح اجتهاده فيه ويقع الإجماع بخلاف ما لا يصح اجتهاده لم يرتفع الإجماع بخلافه وهذا التقسيم ذكره المعرف بأقضى القضاء أبو الحسن الماوردي.
وأما الكلام في اعتبار الورع فقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع وقالوا: أن الفسقة وأن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم لأنهم بفسقهم خارجون عن محل الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقوله وافق أو خالف وقد قال بعض أصحابنا يعتبر قوله ولا ينعقد الإجماع بدونه لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يتبع فيما يقع له يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلده غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه ويجوز أن يقال أنه عالم في حق نفسه مصدق على نفسه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره وغير ممتنع هذا الانقسام وقد قال بعض أصحابنا أن الفاسق يدخل في الإجماع من وجه ويخرج من وجه١ وبيان ذلك أن المجتهد الفاسق إذا أظهر خلافه فسئل عن دليله فلجواز أنه يحمله فسقه على اعتقاده خرج بغير دليل فإذا ظهر من استدلاله على خلاف ما يجوز أن يكون محتملا يرتفع الإجماع بخلافه وصار داخلا في جملة أهل الإجماع وأن كان فاسقا لأنه من أهل الاجتهاد وأن لم يظهر من استدلاله محتملا لم يقيد لخلافه قال هذا القائل وفي هذا يفارق العدل الفاسق لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله لأن عدالته تمنعه من اعتقاد شرع بغير دليل وهذا التقسيم لا بأس به وهذا كلام يقرب من مأخذ أهل العلم فليعول عليه.
قال ورأيت في كتاب الشيخ أبي إسحاق الشيزاري ﵀ أن كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا يعتد بخلافه لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك والأحسن هو الأول وأما الفسق بتأويل فلا يمنع من اعتبار من يعتد به في الإجماع والاختلاف وقد نص الشافعي ﵀ على قبول شهادة أهل الأهواء وهذا ينبغي أن يكون في اعتقاده بدعة لا تؤديه إلى التكفير فأما إذا كان يؤديه إلى.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ٣/٣٢٤ روضة الناظر ١٢٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٢٦ المستصفى ١/١٨٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨٠.
[ ١ / ٤٨٢ ]
التكفير فلا يعتد بخلافه ووفاقه وأما الكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به طويل الذيل ضيق المجال وقد أكثر العلماء الكلام في ذلك وليس هو بأمر هين لأن تكفير الناس لا يجوز بما يجازف فيه وأسرع الناس إلى تكفير الناس الخوارج ثم المعتزلة وقد يطلق بعضهم فيقول: من خالف الإجماع يكفر وهذا أيضا فيه نظر وقد بينا طرفا من ذلك والكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ليس هذا موضعه فنتجاوز عنه وقد ذكر الأصحاب طرف ذلك في كتاب الشهادات ونذكر ذلك في التعليق وقد ذكر في كتاب منهاج أهل السنة ما نقل عن بعض السلف الصالح والأئمة المقتدى بهم ونصصت على المواضع التي طلب الكفر فيها المتواطئ واتباعهم أسلم والله المرشد والموفق بمنه.
[ ١ / ٤٨٣ ]