[مسألة استصحاب الحال]
مسألة: استصحاب حكم الإجماع أو غيره من الدلائل إن أمكن في موضع الخلاف أو عند تغيير الحال:
ليس بدليل على الصحيح من المذهب وقال أبو ثور وأبو داود وهو دليل وبه قال المزنى والصيرفى وابن سريج وابن خيران من أصحابنا١. وقال بعض أصحابنا في تفسير استصحاب الحال: أنه استصحاب حكم العموم فيما ورد به وحمله على جميع الأزمان والأوقات مثل أن يقول: صلوا أو صوموا فيحمل ذلك على حكم الصلاة والصوم في عموم الأوقات على الدوام والاتصال فيستصحب حكمه إلى أن يدل الدال على رفعة ونسخه وهذا التفسير ليس بصحيح وهذا الموضع نتفق عليه ولا يجوز أن يسمى هذا استصحاب الحال لأن لفظ العموم دل على استغراقه جميع ما يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان فأى عين وجدت ثبت الحكم فيها وأى زمان وجد ثبت الحكم فيه يكون اللفظ دال عليه وتناوله بعمومه فيكون ثبوت الحكم في هذه الصورة من ناحية العموم [لا] ٢ من ناحية استصحاب الحال وإنما استصحاب الحال أن يدل الدليل في اثبات حكم ثم يستصحب حكم ذلك الدليل في موضع من غير أن يكون لفظ الدليل تناوله ودل عليه ويقال: تفسيرا استصحاب الحال هو أن يثبت حكم في حالة من الحالات فيتغير الحال فيستصحب المستدل ذلك الحكم بعينه في الحالة المتغيرة ونقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ومثال ذلك في المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه التوضؤ فيستصحب هذا الحكم بعد الدخول في الصلاة ويقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل وقد يكون ذلك في الدليل العقلى أيضا وذلك مثل ما اختلف الناس في أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظرأو الإباحة أو الوقف وكل قول من هذه الأقوال قد انتحله فريق وزعم أن العقل يدل عليه فالاستصحاب أن تستصحب
_________________
(١) ١ انظر إحكام الأحكام "٤/١٨٥" امحصول "٢/٥٤٩" نهاية السول "٤/٣٥٨" حاشية الشيخ المطيعي "٤/٣٥٨، ٣٥٩" المستصفى "١/٢٢٤" روضة الناظر "١٣٩" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير "٤/١٧٧". ٢ ثبت في الأصل: لأن.
[ ٢ / ٣٥ ]
حكم ذلك في موضع على ما كان عليه من إباحة أو حظر أو وقف إلى أن يقوم الدليل الشرعى على خلاف ذلك الحكم فينقله عن حكمه وقد قال الأصحاب: إنه لا خلاف في هذا الموضع أيضا ويجوز الاستدلال بما ذكرناه حتى يقوم الدليل الشرعى على خلافه وإنما الخلاف في الحكم إذا ثبت بدليل وقع الخلاف في استدامته بحادث يحدث مثل ما ذكرنا في المتيمم ومثل المكفر يدخل في الصوم عند عدم القدرة على العتق ثم يجد الرقبة فقال قوم: يخرج من الصوم بالعتق وقال قوم: يمضى فيه ومثل الحائض ثبت في حقها أحكام الحيض قبل العشر فإذا جاوزت العشر لم تستصحب تلك الأحكام ولا يحكم بانقطاعها واستدل من تعلق باستصحاب الحال بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليته فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ١ فقد قضى استدامة الحكم وهو استصحاب الحال ويدل عليه أنه لا خلاف أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقين الطهارة وشك في الحدث فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك فكذلك إذا عرض الشك لوقوع الاختلاف في الحادثة لم يجز أن يرفع ما تقدم من اليقين فيها واستدل أبو بكر الصيرفى وقال: إن ابتداء الحكم ثبت بقيام الدليل عليه وفى موضع الخلاف لا يحكم بانتفاء الحكم لعدم قيام الدليل على نفيه وبيان هذا أن المتيمم إذ دخل في الصلاة فقد حكم الإجماع بصحة صلاته فإذا رأى الماء في خلال صلاته اختلفنا في حكمه فقال بعض الناس: يخرج منها وقال بعضهم: يمضى فيها والخروج حكم والمضى حكم وكل واحد منهما يحتاج إلى دليل فإذا عدم الدليل على وجوب الخروج وعدم الدليل على المضى تقابل الأمران وتساويا ولا يجوز أن يحكم بأحدهما ووجب [إبقاء] ٢ الحال على ما كانت عليه وإذا ثبت أن الخروج لا يجب وأن الحال باقية على ما كانت عليه ثبت أن المضى في الصلاة وإتمامهاواجب وقال الصيرفى ولست أقول إن الإجماع مستصحب ودل على بقاء الصلاة ووجوب المضى فيها لأن الإجماع قد زال [عند] ٣ رؤية الماء فلا يستصحب حكمه لكني أقول: لا يجب الخروج أو لا يخرج لعدم الدليل عليه ووجب تبقية الحال على ما
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الكبرى "٢/٣٦١" ح "٣٣٧" والطبراني في الكبير "١١/٢٢٢" ح "١١٥٥٦" من حديث ابن عباس نحوه. ٢ كشط في الأصل. ٣ ثبت في الأصل: عنه.
[ ٢ / ٣٦ ]
كانت عليه فقالوا: ولأن ما ثبت بالعقل من براءة الذمم يجب استصحابه في مواضع الخلاف فكذلك ما ثبت بالإجماع وجب وأن يكون كذلك هذا لأن الحكم إذا ثبت بدليل من دلائل الشرع لا يجب استدامة الدليل لبقاء الحكم بل يبقى الحكم ويدوم إلى أن يقوم الدليل على قاطع يقطعه ومسقط يسقطة فإذا لم يقم الدليل على سقوطه بقى ثابتا على ما كان من قبل ومن ادعى سقوطه فعليه الدليل ألا ترى: أن من ادعى النبوة وأقام المعجز على ثبوته فإن تجدد إنكار منكر لنبوته لا يجب عليه إقامة المعجز ثانيا بل النبوة على ثباتها بالدليل الذي أقامه من قبل فيستمر الثبوت ولا يلتفت إلى قول المنكر ولا حجة على المنكر في هذه الصورة إلا من جهة استصحاب الحال وعلى هذا إذا عرفنا فراغ ذمة الإنسان يحكم أن الأصل فراغه فلو ادعى عليه إنسان حقا فإن القول قول المنكر لأن الأصل فراغ ذمته فصار استصحاب الأصل الذى عرفناه دليلا في دفع دعوى المدعى عنه وكذلك إذا ثبت الملك لإنسان فنازعه منازع يكون القول قول من في يده وإنما جعلنا القول قوله باستصحاب الحال التي تقدمت فدل أن استصحاب الحال حجة في الأحكام معمول بها وعلى هذا نقول من اشترى أخاه أو عمه لم يعتقه عليه لأن الأصل بقاء ملكه الثابت بالشراء فمن ادعى زواله فعليه الدليل.
فأما الدليل على أن استصحاب الحال ليس بحجة هو أن المستصحب ليس له في موضع الخلاف دليل لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فلا يجوز له إثبات الحكم فيه. دليله: ما إذا لم يتقدم موضع الخلاف إجماع وإنما قلنا لا دليل له لأن دلائل الشرع معلومة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ولم يؤخذ شيء من هذا في هذه الصورة أما الكتاب والسنة فلا شك في انعدامها ها هنا وكذلك القياس وأما الإجماع فقد كان ثابتا لكنه قد زال وإذا انعدمت الدلائل فما قالوه إثبات حكم بلا دليل وقد نذكر صورة حتى يتبين الكلام فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة التيمم إذا رأى الماء في الصلاة لا يخلو إما أن يشترك بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما يدل على وجوب الوضوء فإن قال ذلك فليس هذا بدليل بل ينبغي أن يتبين للخصم اشتراك الموضعين فيما يدل على وجوب الوضوء وإما أن يشترك بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته وهذا قياس وإما أن يشترك بينهما بغير دلالة ولا علة فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى بأن لا يجمع بينهما وهذا لأن عدم الدليل لا يكون حجة فإن قالوا: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة لا يغير حكم وجوب الوضوء قيل له: لا
[ ٢ / ٣٧ ]
يمتنع أن يختلف الشرع بحدوث الحوادث ولهذا يجوز أن يرد نص بإسقاط الوضوء عن الرائى للماء في الصلاة مع وجوبه على من رآه قبل الصلاة واستدل أبو زيد في هذه المسألة وقال: إن ثبوت الشئ أو عدم الشئ غير موجب ثبوته ولا عدمه يعنى في المستقبل ويجوز حال العدم ثبوت حالة موحدة ويجوز في حال ثبوت وجود علة معدمة ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء وكذلك لا يمنع وجود سائر الأسباب وهذا لأن العدم ليس بشئ فيستحيل أن يكون مانعا حدوث شئ وكذلك وجود الشئ ليس بعلة لبقائة بل يبقى لعدم ما يزيله كالملك في باب البيع والحل في باب النكاح وعلى هذا حياة الانسان لا يوجب بقائها ولا يمنع نزيان الموت قال: وإذا ثبت هذا فمن أراد إثبات إدامة الحالة الماضية في المستقبل ثبوته في الماضي وثبوته لا يوجب بقائة كان محتجا بلا دليل يدل عليه أن الثابت لا يزول إلا بدليل بالإجماع فإن كان الاختلاف في الزوال اختلافا في دليله فالذي يدعى الزوال يدعى دليلا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كما أن دعوى هذا لا يكون دليلا عليه فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره الدليل بلا دليل فإن قيل: الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح وثبوت النص حجة لا توجب البقاء أيضا فلا يمنع الانتساخ بنص آخر ومع ذلك بقى الحكم قلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الحكم الانتساخ قطعا وإذا لم يتصور النسخ بعد رسول الله ﷺ فلا يجوز ثبوته دليل بقائه وإن تصور دعوى ناسخ له فلا يكون ثبوته من قبل بلا ناسخ دليلا عليه قالوا: ومستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاؤه انتهى كلام أبو زيد وقال بعض أصحابنا: إن الاحتجاج باستصحاب الحال يؤدى إلى التعارض والتكافؤ في الأدلة لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع موضع الخلاف في صحة فعل أو سقوط فرض إلا ولخصمه أن يستصحب حالة الإجماع في مقابلته وبيان ذلك أنه متى قال في التيمم إذا رأى الماء في صلاته إن صلاته لا تبطل لأنا أجمعنا على صحة صلاته وانعقاد إحرامه ولا يجوز إبطال ما أجمعوا عليه لا بدليل تعارض الخصم فنقول: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الإسلام فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا عليه إلا بدليل فلا يكون التعلق بأحد الإجماعين بأولى من التعلق بالآخر وما أدى إلى مثل هذا يكون باطلا وأما الجواب عن الخبر قلنا نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة بدلالة وإنما نمنع لا بدلالة وقول النبي ﷺ دلالة
[ ٢ / ٣٨ ]
وأما مسألة الطهارة: فهناك يقين الدلالة أو يقين الحدث ما زال وها هنا الإجماع قد زال والأولى أن نقول إنه في موضع يقين الطهارة وشك الحدث إنما أخذنا باليقين لأجل الخبر وأما في موضع يقين الحدث والشك في الطهارة كان الأخذ باليقين قياسا على الصورة الأولى وأما الذي استدل به الصيرفى فليس بشئ لأن نهاية ما في الباب أنه يقابل الاحتمالان على ما ذكر لكن لا دليل على بقاء الصلاة فإن قالوا: إذا ثبت يبقى قلنا: قد ذكرنا أن ثبوته لا يكون دليل بقائه فبقى أنه يقول: انعدام الدليل المبطل للصلاة وعدم الدليل لا يكون دليلا فإن قالوا: إذا لم يقم دليل يوجب بطلان الصلاة فهنا قيل له من ادعى البقاء وهناك منازع يمنع البقاء فلابد له من دليل يقيمه عليه ولا دليل له على ما سبق فأما إذا عدم المنازع بقى على ما كان أما عند وجود المنازع لابد من دليل يكون حجة عليه ولم يوجد فإن رجعوا إلى قولهم أن الأصل ثبات الأحكام ودوامها قلنا بلى ولكن ما لم تحدث هذه الحادثة فإما عند حدوث الحوادث فلم قلت هذا وعلى أن قلنا: إن البقاء الذي وقع التنازع فيه لابد من دليل يقام عليه ولم يوجد فأما قولهم إن دليل العقل في براءة الذمم يجعل دليلا وحجة فكذلك دليل الشرع قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف فوجب الحكم به وأما ها هنا فالإجماع الذي كان دليلا على الحكم قد زال في موضع الخلاف فوجب طلب دليل آخر.
والجواب: المعتمد أنا لا نقول تثبت براءة ذمته باستصحاب الحال ولا يحكم بكون الشئ له باستصحاب الحال لكن يطلب من المدعى حجة يقيمها على ما ادعاه فإذا لم تقم بقى الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شئ والخلاف واقع في ثبوت الحكم باستصحاب الحال وهذا لا نقوله في موضع ما وقد قال أبو زيد: إن استصحاب الحال يصلح دليلا. لتبقيه حكم قد كان ثابتا ولا يصلح دليلا لإثبات حكم لم يكن ثابتا وربما نقول: هو حجة دافعة ولا يكون حجة مثبته وهذه العلة تنقض ما سبق من كلامه من قبل والأصح على مذهبنا أن استصحاب الحال لا يكون حجة في شئ ما وسائر ما ذكروه من الاستشهاد خارج على ما بيناه وأما الذي تعلقوا به من النبى إذا أقام المعجزة قلنا إذا ما أقام المعجزة ثبت كونه نبيا فيجب على كل أحد الإيمان به فكان سقوط إمكان من ينكر ثبوته من هذا الوجه لا من قبل دليل استصحاب الحال والله أعلم.
[ ٢ / ٣٩ ]