وَالِاسْتِدْلَالُ (^١): تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا تَسْلِيمُ الْمَطْلُوبِ (^٢).
• وَصُوَرُهُ (^٣) كَثِيرَةٌ:
[١] وَمِنْهَا: الْبُرْهَانُ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ:
(١) … بُرْهَانُ الِاعْتِلَالِ: وَهُوَ قِيَاسٌ بِصُورَةٍ أُخْرَى، تَنْتَظِمُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَنَتِيجَةٍ.
- وَمَعْنَاهُ: [إِدْخَالُ] (^٤) وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ تَحْتَ جُمْلَةٍ
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (أوجز السيد قُدِّس سرُّهُ في تعريف له بقوله: تقرير الدليل لإثبات المدلول، وإنما يكون في محاجة الخصم، وقد دل على جوازها آيات كثيرة، ومن لوازمه: جواز استماع الشبه لردها، قال الراغب الأصفهاني في الباب (٢٤) من الذريعة: فأما الحكيم فلا بأس بمجالسته إياهم، فإنه جارٍ مجرى أمير ذي أجناد وعدة وعتاد لا يُخاف عليه العدو حيثما توجه، ولهذا جُوِّز له الاستماع للشبه، بل أُوجب عليه أن يتتبع بقدر جهده كلامهم ويستمع شبههم ليجادلهم ويجاهدهم ويدافعهم، فالعالم أفضل المجاهدَين، فالجهاد جهادان: جهاد بالبنان وجهاد بالبيان، ولما تقدم سمى الله تعالى الحجة سلطانًا في غير موضع من كتابه العزيز؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾. ا. هـ).
(٢) قوله: (المطلوب) سقطت من (أ).
(٣) في (ق): وله ضروب.
(٤) غير واضحة في (أ)، وهي في (ق): إذ ذاك، والمثبت موافق لمعنى ما في شفاء الغليل ص ٤٣٥.
[ ١٧٣ ]
مَعْلُومَةٍ؛ كَقَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَيَنْتُجُ: النَّبِيذُ حَرَامٌ.
(٢) … وَبُرْهَانُ الِاسْتِدْلَالِ: وَهُوَ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا لَيْسَ مُوجِبًا لَهُ:
١) إِمَّا بِخَاصِّيَّتِهِ؛ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَفْلِيَّةِ الْوِتْرِ بِجَوَازِ فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
٢) أَوْ بِنَتِيجَتِهِ؛ كَقَوْلِهِ: لَوْ صَحَّ الْبَيْعُ لَأَفَادَ الْمِلْكَ.
٣) أَوْ بِنَظِيرِهِ:
١ - إِمَّا بِالنَّفْيِ عَلَى النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: لَوْ صَحَّ التَّعْلِيقُ لَصَحَّ التَّنْجِيزُ.
٢ - أَوْ بِالْإِثْبَاتِ عَلَى الْإِثْبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ لَمَا صَحَّ ظِهَارُهُ.
٣ - أَوْ بِالْإِثْبَاتِ عَلَى النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ الْوِتْرُ فَرْضًا لَمَا صَحَّ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
٤ - أَوْ بِالنَّفْيِ عَلَى الْإِثْبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: لَوْ لَمْ يَجُزْ تَخْلِيلُ الْخَمْرِ لَحَرُمَ نَقْلُهَا مِنَ الظِّلِّ إِلَى الشَّمْسِ، وَمَا حَرُمَ فَيَجُوزُ.
[ ١٧٤ ]
- وَيَلْزَمُهُ بَيَانُ التَّلَازُمِ ظَاهِرًا لَا غَيْرُ.
(٣) وَبُرْهَانُ الْخَلْفِ (^١): وَهُوَ كُلُّ شَكْلٍ تَعَرَّضَ فِيهِ بِإِبْطَالِ (^٢) مَذْهَبِ الْخَصْمِ لِيَلْزَمَ صِحَّةُ مَذْهَبِهِ:
١) إِمَّا بِحَصْرِ الْمَذَاهِبِ وَإِبْطَالِهَا إِلَّا وَاحِدًا.
٢) أَوْ يَذْكُرُ أَقْسَامًا ثُمَّ يُبْطِلُهَا كُلَّهَا.
- وَسُمِّيَ خَلْفًا (^٣):
١ - إِمَّا لِأَنَّهُ لُغَةً: الرَّدِيءُ (^٤)، وَكُلُّ بَاطِلٍ رَدِيءٌ.
٢ - أَوْ لِأَنَّهُ الِاسْتِقَاءُ، وَهُوَ اسْتِمْدَادٌ؛ فَكَأَنَّهُ اسْتَمَدَّ صِحَّةَ مَذْهَبِهِ مِنْ فَسَادِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ.
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (بفتح الخاء، لما ستراه من توجيهه في كلامه).
(٢) في (ق): لإبطال.
(٣) قال القاسمي ﵀: (صنيعه يدل على أنه بفتح الخاء؛ لأن الأوجه المذكورة لمفتوحها، وجوز المنطقيون ضمها أيضًا، بل هو الشائع على ألسنتهم، وقالوا: هو بالضم بمعنى الباطل، قال العلامة الفاسي في شرح القاموس: ولعله فيما فيه لغتان. قال تلميذه السيد مرتضى في تاج العروس يتعقبه: الخلف الذي بمعنى القول الرديء لم ينقلوا فيه إلا الفتح فقط، وأما الذي بالضم فليس إلا الاسم من الإخلاف، أو المخالفة، واللغة لا يدخلها القياس والتخمين. ا. هـ وهو متجه).
(٤) قال القاسمي ﵀: (وفي المثل: سكت أَلْفًا ونطق خَلْفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ. ا. هـ تاج العروس).
[ ١٧٥ ]
٣ - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَلْفِ، وَهُوَ الْوَرَاءُ (^١)؛ لِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا بَطَلَ.
[٢] وَمِنْهَا: ضُرُوبٌ غَيْرُ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِمْ:
- وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، فَيَجِبُ.
- أَوْ فُقِدَ شَرْطُ الصِّحَّةِ، فَلَا يَصِحُّ.
- أَوْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْوُجُوبِ، فَلَا يَجِبُ.
- أَوْ لَا فَارِقَ بَيْنَ (^٢) كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَذَا وَكَذَا، وَلَا (^٣) أَثَرَ لَهُ.
- أَوْ لَا نَصَّ وَلَا إِجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ فِي كَذَا، فَلَا يَثْبُتُ.
- أَوِ الدَّلِيلُ يَنْفِي كَذَا، خَالَفْنَاهُ لِكَذَا، فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى النَّافِي (^٤)، وَهَذَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ النَّافِي.
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (تذكير الضمير مراعاة للخبر، وإلا فالخَلْف مؤنثة، وتكون اسمًا وظرفًا كما في التاج).
(٢) في (أ): من.
(٣) في (ق): أو لا.
(٤) في (أ): الباقي.
[ ١٧٦ ]