• الِاجْتِهَادُ لُغَةً (^١): بَذْلُ الْجُهْدِ فِي فِعْلٍ شَاقٍّ.
• وَعُرْفًا: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي تَعَرُّفِ الْأَحْكَامِ.
وَتَمَامُهُ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الطَّلَبِ إِلَى غَايَتِهِ.
• وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ:
- الْإِحَاطَةُ بِـ:
١ - مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ الْأُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَالْقِيَاسُ.
٢ - وَتَرْتِيبِهَا.
٣ - وَمَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ.
إِلَّا الْعَدَالَةَ (^٢)، فَإِنَّ لَهُ الْأَخْذَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، بَلْ هِيَ شَرْطٌ لَقَبُولِ فَتْوَاهُ.
_________________
(١) قوله: (لغة) سقطت من (أ).
(٢) قال القاسمي ﵀: (أي: فلا يشترط في المجتهد عدالته بالنظر إلى العمل باجتهاده لنفسه، وأما بالنظر للعمل بفتواه والاعتماد عليها فيشترط عدالته، وعبارة جمع الجوامع: ولا يشترط في المجتهد العدالة على الأصح. ا. هـ، وحاول محشوه إرجاع الخلاف إلى التفصيل المذكور هنا، وهو متجه).
[ ١٨٥ ]
- فَيَعْرِفُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ.
- فَمِنَ الْقُرْآنِ: قَدْرَ خَمْسِمائَةِ آيَةٍ (^١)، لَا حِفْظُهَا لَفْظًا، بَلْ مَعَانِيهَا؛ لِيَطْلُبَهَا عِنْدَ حَاجَتِهِ.
- وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا هُوَ مُدَوَّنٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ.
- وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مِنْهُمَا.
- وَالصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لِلتَّرْجِيحِ.
- وَالْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
- وَنَصْبَ الْأَدِلَّةِ وَشُرُوطَهَا.
- وَمِنَ الْعَرَبِيَّةِ: مَا يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَمُجْمَلِهِ، وَحَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، وَنَصِّهِ وَفَحْوَاهُ.
• فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ بِعَيْنِهَا: كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهَا (^٢).
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (في حواشي القرافي بحث في هذا فراجعه).
(٢) قال القاسمي ﵀: (أشار إلى جواز تجزُّؤ الاجتهاد، وهو الصحيح كما في جمع الجوامع، والمراد بالإحاطة فيما سبق: الإحاطة بالكليات لا في التفاريع، وهو ظاهر، فاندفع توهم التناقض المذكور في حواشي جمع الجوامع).
[ ١٨٦ ]
• وَيَجُوزُ:
- التَّعَبُّدُ بِالِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^١): لِلْغَائِبِ (^٢)، وَالْحَاضِرِ بِإِذْنِهِ.
وَقِيلَ: لِلْغَائِبِ (^٣).
- وَأَنْ يَكُونَ هُوَ مُتَعَبِّدًا بِهِ فِيمَا لَا وَحْيَ فِيهِ.
وَقِيلَ: لَا (^٤).
لَكِنْ هَلْ وَقَعَ؟
١ - أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
٢ - وَالصَّحِيحُ: بَلَى؛ لِقِصَّةِ أُسَارَى بَدْرٍ وَغَيْرِهَا (^٥).
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (بمعنى قول الجمع: الأصح أن الاجتهاد جائز في عصره ﵇ ا. هـ).
(٢) في (ق): للغائب عنه.
(٣) ينظر: العدة ٥/ ١٥٩٠، التمهيد ٣/ ٤٢٣، الواضح ٥/ ٣٩١ شرح مختصر الروضة ٣/ ٥٨٩، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٨١.
(٤) ينظر: العدة ٥/ ١٥٧٨، التمهيد ٣/ ٤١٦، روضة الناظر ٢/ ٣٤١، شرح مختصر الروضة ٣/ ٥٩٣، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٧٥.
(٥) أي: حين استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر ﵄ في أسارى بدر، أخرجه مسلم (١٧٦٣)، من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃. وتنظر المسألة في: العدة ٤/ ١٥٧٨، التمهيد ٣/ ٤١٧، روضة الناظر ٢/ ٣٤٣، شرح مختصر الروضة ٣/ ٥٩٤، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٧٦، الإحكام للآمدي ٤/ ١٦٥، الغيث الهامع ٣/ ٨٨٠. قال القاسمي ﵀: (تلخص أن الصحيح جواز الاجتهاد للنبي ﷺ، ووقوعه، كما في الجمع، قال المحشي: وهو مذهب الجمهور).
[ ١٨٧ ]
• وَالْحَقُّ: فِي قَوْلٍ وَاحِدٍ (^١).
وَالْمُخْطِئُ فِي الْفُرُوعِ -وَلَا قَاطِعَ-: مَعْذُورٌ، مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ.
- وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْحَقِّ دَلِيلٌ مَطْلُوبٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاخْتُلِفَ فِيهِ (^٢) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
- وَزَعَمَ الْجَاحِظُ (^٣): أَنَّ مُخَالِفَ الْمِلَّةِ مَتَى عَجَزَ عَنْ دَرَكِ الْحَقِّ؛ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ آثِمٍ.
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (أي: من المجتهدين في فروع الدين وأصوله، ومن عداه مخطئ).
(٢) قال القاسمي ﵀: (أي: في أن كل مجتهد مصيب).
(٣) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري، المعتزلي، صاحب التصانيف، كان من أهل البصرة وقدم بغداد وأقام بها مدة، أخذ عن: النظام وغيره، قال الذهبي: كان ماجنًا، قليل الدين، له نوادر، وكان من بحور العلم، وتصانيفه كثيرة، توفي سنة (٢٥٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد ١٤/ ١٢٤، سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٢٦.
[ ١٨٨ ]
- وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ (^١): كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
فَإِنْ أَرَادَ: أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ: فَكَقَوْلِ الْجَاحِظِ.
وَإِنْ أَرَادَ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لَزِمَ التَّنَاقُضُ (^٢).
• فَإِنْ تَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ، وَاسْتَوَيَا: تَوَقَّفَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
- وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ: يُخَيَّرُ (^٣).
• وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: فِيهِ قَوْلَانِ حِكَايَةً عَنْ نَفْسِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
- وَإِنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ (^٤).
_________________
(١) هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري، قاضي البصرة، قدم بغداد وكان فقيهًا، وله رواية للحديث، روى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وتوفي سنة (١٦٨ هـ) ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٥.
(٢) ينظر: العدة ٥/ ١٥٤١، الواضح ٥/ ٣٥١، روضة الناظر ٢/ ٣٤٧، شرح مختصر الروضة ٣/ ٦٠٢، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٨٩، تيسير التحرير ٤/ ٢٠٢، الإحكام للآمدي ٤/ ١٨٣، شرح اللمع ٢/ ١٠٤٦.
(٣) ينظر: العدة ٥/ ١٥٣٦، التمهيد ٤/ ٣٤٩، شرح مختصر الروضة ٣/ ٦١٧، كشف الأسرار ٤/ ٧٦، التبصرة ص ٥١٠.
(٤) أي: حُكي عن الإمام الشافعي أنه ذكر قولين في وقت واحد من غير ترجيح. ينظر: الإبهاج في شرح المنهاج ٣/ ٢٠٢، البحر المحيط ٨/ ١٣٥. وينظر المسألة في: التحبير شرح التحرير ٨/ ٣٩٥٧، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٩٣.
[ ١٨٩ ]
• وَإِذَا اجْتَهَدَ، فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحُكْمُ: لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ.
• وَإِنَّمَا يُقَلِّدُ الْعَامِّيُّ.
• وَمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: فَعَامِّيٌّ فِيهَا.
• وَالْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ: هُوَ الَّذِي صَارَتْ لَهُ الْعُلُومُ خَالِصَةً بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَبٍ كَثِيرٍ، حَتَّى إِذَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ اسْتَقَلَّ بِهَا، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى غَيْرِهِ.
- فَهَذَا (^١)؛ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُقَلِّدُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَلَا سَعَتِهِ، وَلَا يُفْتِي بِمَا لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إِلَّا حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ.
• فَإِنْ نَصَّ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى حُكْمٍ، وَعَلَّلَهُ: فَمَذْهَبُهُ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ كَذَلِكَ.
- فَإِنْ لَمْ يُعَلِّلْ: لَمْ يُخْرَجْ إِلَى مَا أَشْبَهَهَا.
• وَكَذَلِكَ: لَا يُنْقَلُ حُكْمُهُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ كُلُّ (^٢) وَاحِدَةٍ إِلَى الْأُخْرَى (^٣).
_________________
(١) في (ق): فلهذا.
(٢) في (ق): من كل.
(٣) قال القاسمي ﵀: (عبارة نزهة الخاطر مختصر روضة الناظر: فإن لم يبين العلة لم يجعل ذلك الحكم مذهبه في مسألة أخرى [وإن أشبهتها شبهًا يجوز] خفاء مثله … ولو نص المجتهد على مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين لم ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى ليكون له في المسألتين روايتان؛ لأنه لا يجوز له أن يجمع بين قولين مختلفين. ا. هـ، وهي أوضح مما هنا). تنبيه: نزهة الخاطر هو شرح لروضة الناظر مؤلفه: عبد القادر ابن بدران، وليس مختصرًا له، وما بين المعقوفتين تصحيح من نزهة الخاطر المطبوع.
[ ١٩٠ ]
• فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجُهِلَ التَّارِيخُ:
١ - فَمَذْهَبُهُ أَشْبَهُهُمَا بِأُصُولِهِ وَأَقْوَاهُمَا.
٢ - وَإِلَّا: فَالثَّانِي؛ لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا (^١): والْأَوَّلُ (^٢). (^٣)
_________________
(١) قوله: (بعض) سقطت من (أ).
(٢) ينظر: التمهيد ٤/ ٣٦٦، شرح مختصر الروضة ٣/ ٦٢٥، التحبير شرح التحرير ٨/ ٣٩٦٠، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٩٤.
(٣) قال القاسمي ﵀: (أي: فمذهبه الثاني والأول أيضًا، وحكاه النووي أيضًا في مقدمة شرح التهذيب قولًا لبعض أصحاب الشافعية، وعبارته: وقال بعض أصحابنا: إذا نص المجتهد على خلاف قوله لا يكون رجوعًا عن الأول، بل يكون قولان، قال الجمهور: هذا غلط؛ لأنهما كنصين للشارع تعارضا وتعذر الجمع بينهما، فيعمل بالثاني، ويترك الأول ا. هـ).
[ ١٩١ ]
وَالتَّقْلِيدُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ مُحِيطًا بِهِ، وَمِنْهُ الْقِلَادَةُ.
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى الْغَيْرِ؛ كَأَنَّهُ رَبَطَهُ بِعُنُقِهِ.
• وَاصْطِلَاحًا: قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِلَا حُجَّةٍ.
فَيَخْرُجُ:
- الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ (^١) ﷺ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ.
- وَالْإِجْمَاعُ كَذَلِكَ.
• ثُمَّ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْعُلُومُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: