لما وقف جمال الدين القاسمي على هذا المختصر في المكتبة العمومية بدمشق، طار به فرحًا؛ لما رأى من نفاسته على إيجازه، فسارع في نسخه والتعليق عليه.
واستعان على تلكم الحاشية بجملة من كتب الأصول، وكان غالب استمداده من مختصر الروضة للطوفي، ونزهة الخاطر لابن بدران.
قال القاسمي في نهاية التحشية مبيِّنًا ذلك: (ومما كان له عندنا اليد الطولى في العون على تصحيحه وتنقيحه من الأمهات الأصولية: كتابَا (مختصر الروضة القدامية للطوفي) و(نزهة الخاطر)؛ لتوافق الكل في معظم المباحث، وترتيب جل المسائل، فصححنا منهما كثيرًا مما غمض من ألفاظه، وأشفعناه بما علَّقنا منهما ما يوضح جملًا من دقائقه، سوى ما راجعناه لأجله من الكتب الشهيرة، كما تراه في العزو في أطراف التعليقات).
وعند النظر في تلكم الحاشية يمكن أن يقال: إن عناية الشيخ جمال الدين القاسمي على كتاب (قواعد الأصول)
[ ٢٨ ]
توجهت إلى أمور:
١ - ضبط بعض الألفاظ المشكلة في المتن.
٢ - الترجمة لبعض الأعلام المذكورين.
٣ - بيان لبعض الفرق المذكورة في المتن؛ كالقدرية.
٤ - التعليق على المشكل من العبارات بما يعين على توضيحها.
٥ - ذكر بعض الفوائد التي يحتاجها المتلقي عند قراءته للمسألة.
وقد كُتب في مجلة المقتبس (لمحمد كرد علي، ١٨/ ٤٢) مقالٌ حول المجموعة الأصولية التي أخرجها الشيخ جمال الدين القاسمي - ومنها هذا المختصر -، وهذا نص المقال:
(لا يوجد فن من الفنون يتسع فيه مجال النظر مثل فن أصول الفقه، ولذلك عُني أهل العلم به، وألفت فيه الكتب الكثيرة، ومن غرائب هذا الفن أنه يتيسر أن تجمع أهم مسائله في ورقة أو ورقات، ويمكن التوسع فيه حتى يكتب فيه في عشرة آلاف ورقة.
وهو كغيره من الفنون قد وقعت فيه كتب في غاية الجودة وكتب دون ذلك، إلا أن أكثر الكتب الجيدة كان يُفقد أثرها،
[ ٢٩ ]
ومنها: "رسالة الإمام الشافعي" وهو أول من جمع مسائل هذا الفن، وأكثر ما عُني به المتأخرون كتب في غاية الإيجاز تعد عبارتها من قبيل الألغاز، فكان المبتدئ يبتدئ بها مع أنها لم توضع له البتة، فحدث من ذلك أنه هجر هذا الفن، حتى إن كثيرًا من الحواضر لا يوجد بها من له إلمام به.
ولقد حاول بعض أفاضل العلماء أن يبحثوا عن كتب جعلت للمبتدئ، حتى إذا قرأها أولًا هان عليه الأمر فيما بعد.
ومن أعظم من قام بهذا الأمر الشيخ جمال الدين القاسمي من علماء دمشق، فقد انتخب أولًا أربع رسائل من أحسن رسائل هذا الفن، وكتب عليها حواشي نافعة، بحيث تكشف الغطاء في كثير من المواضع، ولم يكفه ما فعل أولًا حتى أتبعها ثانيًا برسائل أربع في مذاهب الأئمة الأربعة وحشاها كذلك، وقد وصلنا هذا المجموع، وهو مشتمل على: (مختصر المنار) لزيد الدين الحلبي الحنفي المتوفى سنة ٨٠٨ هـ، و(الورقات) لإمام الحرمين الجويني، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ، و(مختصر تنقيح الفصول) لشهاب الدين القرافي المالكي، المتوفى سنة ٦٨٤ هـ، و(قواعد الأصول) لصفي الدين البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، طبعت هذه الرسائل على نفقة محمد أفندي هاشم الكتبي، وتطلب من مكتبته في دمشق، وهي في زهاء ١٥٠ صفحة منصفة القطع).
[ ٣٠ ]