فَصْلٌ
• وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ وَتَرْجِيحُهَا:
(١) فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالنَّظَرِ فِي الْإِجْمَاعِ:
- فَإِنْ وُجِدَ: لَمْ يُحْتَجْ (^١) إِلَى غَيْرِهِ (^٢).
- فَإِنْ خَالَفَهُ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ: عُلِمَ أَنَّهُ:
١ - مَنْسُوخٌ.
٢ - أَوْ مُتَأَوَّلٌ.
لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ لَا يَقْبَلُ نَسْخًا وَلَا تَأْوِيلًا.
(٢) ثُمَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
- وَلَا تَعَارُضَ:
١ - فِي الْقَوَاطِعِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا.
٢ - وَلَا فِي عِلْمٍ وَظَنٍّ؛ لِأَنَّ مَا عُلِمَ لَا يُظَنُّ خِلَافُهُ.
_________________
(١) في (ق): يجنح.
(٢) قال القاسمي ﵀: (قال في مختصر الروضة: لأنه مقدم على باقي أدلة الشرع؛ لقطعيته، وعصمته، وأمنه من نسخ أو تأويل).
[ ١٧٧ ]
(٣) ثُمَّ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ.
(٤) ثُمَّ قِيَاسِ النُّصُوصِ.
• فَإِنْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ، أَوْ حَدِيثَانِ، أَوْ عُمُومَانِ:
[١] فَالتَّرْجِيحُ (^١).
وَالتَّعَارُضُ: هُوَ التَّنَاقُضُ، فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ:
١ - فِي خَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ كَذِبُ أَحَدِهِمَا.
٢ - وَلَا فِي حُكْمَيْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِيهِمَا:
- فَإِمَّا لِكَذِبِ الرَّاوِي.
- أَوْ نَسْخِ أَحَدِهِمَا.
[٢] فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ: بِأَنْ يُنَزَّلَ عَلَى حَالَيْنِ أَوْ زَمَانَيْنِ: جُمِعَ (^٢).
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (قال الإمام الغزالي في إحيائه في المثار الرابع من كتاب الحلال والحرام: تعارض الأدلة يورث الشك، فيرجع فيه إلى الاستصحاب أو الأصل المعلوم قبله إن لم يكن ترجيح، فإن ظهر ترجيح في جانب الحظر وجب الأخذ به، وإن ظهر في جانب الحل جاز الأخذ به، ولكن الورع تركه، واتقاء مواضع الخلاف مهم في الورع في حق المفتي والمقلد ا. هـ).
(٢) قوله: (جمع) سقطت من (أ). قال القاسمي ﵀: (أي: ولا يسميان حينئذ مختلفين، قال الشافعي في الرسالة: لزم أهل العلم أن يمضوا الخبرين على وجوههما ما وجدوا لإمضائهما وجهًا، ولا يعدونهما مختلفين وهما يحتملان أن يمضيا، ثم قال: ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجه يمضيان فيه معًا، إنما المختلف ما لم يمض أحدهما إلا بسقوط غيره، مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد هذا يحله وهذا يحرمه. ا. هـ).
[ ١٧٨ ]
[٣] فَإِنْ (^١) لَمْ يُمْكِنْ: أُخِذَ بِالْأَقْوَى وَالْأَرْجَحِ (^٢).
• وَالتَّرْجِيحُ:
[١] إِمَّا فِي الْأَخْبَارِ؛ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
١ - السَّنَدُ: فَيُرَجَّحُ:
- بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّهُ (^٣) أَبْعَدُ مِنَ الْغَلَطِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لَا؛ كَالشَّهَادَةِ (^٤).
_________________
(١) في (ق): وإن.
(٢) قال القاسمي ﵀: (أي: بالمرجحات الآتي تفصيلها، وفي مختصر الروضة القدامية: تفاصيل الترجيح كثيرة، فالضابط فيه: أنه متى اقترن بأحد الطرفين أمر نقلي أو اصطلاحي، عام أو خاص، أو قرينة عقلية أو لفظية أو حالية، وأفاد ذلك زيادة ظن؛ رجح به، وقد حصل بهذا بيان الرجحان من جهة القرائن. ا. هـ، وهو ضابط مفيد جدًّا -وأفاد قبلُ أن الترجيح تقديم أحد طريقي الحكم؛ لاختصاصه بقوة في الدلالة؛ ورجحان الدليل عبارة عن كون الظن المستفاد منه أقوى، ثم قال: والرجحان حقيقة في الأعيان الجوهرية، وهو في المعاني مستعار).
(٣) في (أ): (ولأنه).
(٤) ينظر: العدة ٣/ ١٠١٩، شرح مختصر الروضة ٣/ ٦٩٠، شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٢٨، كشف الأسرار ٣/ ١٠٢، التقرير والتحبير ٣/ ٣٤.
[ ١٧٩ ]
- وَبِكَوْنِ (^١) رَاوِيهِ أَضْبَطَ وَأَحْفَظَ.
- وَبِكَوْنِهِ أَوْرَعَ وَأَتْقَى.
- وَبِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْقِصَّةِ، أَوْ مُبَاشِرَهَا دُونَ الْآخَرِ.
٢ - وَالْمَتْنُ: فَيُرَجَّحُ:
- بِكَوْنِهِ نَاقِلًا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ (^٢).
- وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنَ النَّافِي (^٣).
- وَالْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ (^٤) عِنْدَ الْقَاضِي.
- لَا الْمُسْقِطُ لِلْحَدِّ عَلَى الْمُوجِبِ لَهُ (^٥).
- وَلَا الْمُوجِبُ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمُقْتَضِي لِلرِّقِّ.
٣ - وَأَمْرٌ مِنْ خَارِجٍ: مِثْلَ:
- أَنْ يَعْضُدَهُ كِتَابٌ، أَوْ سُنَّةٌ، أَوْ إِجْمَاعٌ، أَوْ قِيَاسٌ.
_________________
(١) في (ق): ويكون.
(٢) قال القاسمي ﵀: (أي: البراءة الأصلية؛ لأن الناقل فيه زيادة على الأصل).
(٣) قال القاسمي ﵀: (لاشتماله على زيادة علم).
(٤) قال القاسمي ﵀: (للاحتياط، وقيل: عكسه؛ لاعتضاد الإباحة بالأصل من نفي الحرج، والمراد بالإباحة: جواز الفعل والترك؛ ليدخل فيه المكروه والمندوب والمباح والمصطلح عليه، كذا في حواشي الجمع).
(٥) قال القاسمي ﵀: (بل يرجح الموجب للحد؛ لإفادته التأسيس، وقيل: يرجح المسقط؛ لما فيه من اليسر وعدم الحرج).
[ ١٨٠ ]
- أَوْ يَعْمَلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ.
- أَوْ صَحَابِيٌّ غَيْرُهُمْ.
- أَوْ يُخْتَلَفَ عَلَى الرَّاوِي: فَيَقِفَهُ قَوْمٌ، وَيَرْفَعَهُ آخَرُونَ.
- أَوْ يَنْقُلَ رَاوٍ خِلَافَهُ، فَتَتَعَارَضَ رِوَايَتَاهُ (^١).
- أَوْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَالْآخَرُ مُرْسَلًا.
[٢] وَإِمَّا فِي (الْمَعَانِي): فَتُرَجَّحُ الْعِلَّةُ:
- بِمُوَافَقَتِهَا لِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ، أَوْ خَبَرٍ مُرْسَلٍ.
- وَبِكَوْنِهَا نَاقِلَةً عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
- وَرَجَّحَهَا قَوْمٌ:
١ - بِخِفَّةِ حُكْمِهَا.
٢ - وَآخَرُونَ بِثِقَلِهَا.
وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
_________________
(١) زاد في (أ) كلمات غير واضحة، وعبارة روضة الناظر (٢/ ٣٩٧): (أن يكون راوي أحدهما قد نُقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى).
[ ١٨١ ]
- فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ حُكْمًا، وَالْأُخْرَى وَصْفًا حِسِّيًّا (^١):
١ - فَرَجَّحَ الْقَاضِي: الثَّانِيَةَ.
٢ - وَأَبُو الْخَطَّابِ: الْأُولَى (^٢).
- وَبِكَثْرَةِ أُصُولِهَا (^٣).
- وَبِاطِّرَادِهَا وَانْعِكَاسِهَا (^٤).
- وَالْمُتَعَدِّيَةُ عَلَى (^٥) الْقَاصِرَةِ؛ لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا.
وَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ (^٦).
_________________
(١) في (أ): حسنًا. قال القاسمي ﵀: (ككونه قويًّا ومسكرًا، فاختار القاضي: ترجيح الحسية؛ لأنها كالعلة العقلية، والعقلية قطعية، فهي أولى مما يوجب الظن، ورجح أبو الخطاب الأولى، وهي الحكمية؛ لأن الحسية كانت موجودة قبل الحكم، فلا يلازمها حكمها، والحكم أشد مطابقة للحكم، كذا في الروضة).
(٢) ينظر: العدة ٥/ ١٥٣١، التمهيد ٤/ ٢٣٠، شرح مختصر الروضة ٣/ ٧٢٤، التحبير شرح التحرير ٨/ ٤٢٣٦.
(٣) قال القاسمي ﵀: (أي: فترجح علة ذات أصلين على ذات أصل، راجع مثالها في حواشي جمع الجوامع).
(٤) قال القاسمي ﵀: (أي: فترجح المطردة المنعكسة على المطردة فقط؛ لضعف الثانية بالخلاف فيها).
(٥) قوله: (على) سقطت من (ق).
(٦) ينظر: العدة ٥/ ١٥٣٣، روضة الناظر ٢/ ٣٩٩، التحبير شرح التحرير ٨/ ٤٢٣٩، شرح الكوكب المنير ٤/ ٧٢٣.
[ ١٨٢ ]
- وَالْإِثْبَاتُ عَلَى النَّفْيِ.
- وَالْمُتَّفَقُ عَلَى أَصْلِهِ (^١) عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
- وَبِقُوَّةِ الْأَصْلِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ عَلَى مُحْتَمِلِهِ.
- وَبِكَوْنِهِ رَدَّهُ الشَّارِعُ إِلَيْهِ (^٢).
- وَالْمُؤَثِّرُ عَلَى الْمُلَائِمِ.
- وَالْمُلَائِمُ عَلَى الْغَرِيبِ.
- وَالْمُنَاسِبَةُ عَلَى [الشَّبَهِيَّةِ] (^٣).
_________________
(١) قال القاسمي ﵀: (أي: دليله، وذلك لضعف مقابِلِه بالخلاف فيه).
(٢) قال القاسمي ﵀: (عبارة الروضة: وترجح العلة المردودة على أصل قاس الشرع عليه؛ كقياس الحج على الدَّين في أنه لا يسقط بالموت أولى من قياسه على الصلاة؛ لتشبيه النبي صلى الله عليه وسلام له بالدَّين في حديث الخثعمية).
(٣) في (أ) و(ق): الشبهة، والمثبت موافق لما في روضة الناظر.
[ ١٨٣ ]