ولد الشيخ صفي الدين في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ببغداد.
وسمع بها الحديث من عبد الصمد بن أبي الجيش، وأبي الفضل بن الدَّبَّاب، والكمال البزَّار، وابن الكسَّار، وغيرهم.
وسمع بدمشق: من الشرف أحمد بن هبة الله بن عساكر، وسِتِّ الأهل بنت علوان، وجماعة.
وبمكة: من الفخر التَّوْزَرِيِّ.
وأجاز له ابن البخاري، وأحمد بن شيبان، وزينب بنت مكي، وابن وضاح، وخلق من أهل الشام ومصر والعراق.
وتفقه على أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري الحنبلي، ولازمه حتى برع وأفتى، ومهر في علم الفرائض والحساب، والجبر والمقابلة والهندسة والمِساحة، ونحو ذلك.
واشتغل في أول عمره بعد الفقه: بالكتابة والأعمال الديوانية مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم، ولازمه مدةً؛ مطالعة وكتابة، وتصنيفًا وتدريسًا، واشتغالًا وإفتاءً، إلى حين وفاته.
[ ١٢ ]
وكتب الكثير بخطه الحسن المليح الحلو، وكان ذا ذهن حاد، وذكاء وفطنة، وكان معتنيًا بالعلم من أول عمره، وعني بالحديث، فنسخ واستنسخ كثيرًا من أجزائه، وخرَّج لنفسه معجمًا لشيوخه بالسماع والإجازة عن نحو ثلاثمائة شيخ، وأكثرهم بالإجازة، وتكلم فيه على أحوالهم ووفياتهم، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، وغيرها بالإجازة.
وكان قد رأى شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية بدمشق، واجتمع معه، ولما صنف كتابه في شرح المحرر أرسل إلى الشيخ تقي الدين يسأله عن مسائل فيه، وقد ذكر عنه في شرحه شيئًا من ذلك.
ولما توفي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، رثاه الشيخ عبد المؤمن، فقد نقل المحدث ابن طولوبغا من خط الشيخ صفي الدين: قال العبد الفقير عبد المؤمن بن عبد الحق حين بلغه وفاة الشيخ الإمام العالم بقية العلماء المجتهدين تقي الدين أحمد ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى ورضي عنه:
طِبْتَ مَثْوًى يَا خاتمَ العلماءِ … في مقامِ الزُّلْفَى مع الأتقياءِ
وذكر باقي القصيدة (^١).
_________________
(١) في (٤٨) بيتًا، ذكرها في العقود الدرية ص ٥٠٧.
[ ١٣ ]