_________________
(١) [كشف الأسرار] لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ أَوْ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَيْهَا كَقَوْلِك مَا رَأَيْت رَجُلًا وَفِي الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْعُمُومُ فِيهَا ضَرُورَةً وَاقْتِضَاءً لَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ إذْ هِيَ لَا يَتَنَاوَلُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إلَّا وَاحِدًا. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى رُؤْيَةَ رَجُلٍ مُنَكَّرٍ فَقَدْ نَفَى رُؤْيَةَ جَمِيعِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى رُؤْيَةَ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ إذْ لَوْ كَانَ رَأَى رَجُلًا وَاحِدًا لَا يَنْتَفِي رُؤْيَةُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَضْرِبْ الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ عُدَّ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَجْمَعَ بِضَرْبِ وَاحِدٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ مَا أَكَلْت الْيَوْمَ شَيْئًا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ بَلْ أَكَلْت شَيْئًا وَلَوْ لَمْ يُفِدْ الْأَوَّلُ الْعُمُومَ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّكْذِيبَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الْجُزْئِيَّ لَا يُنَاقِضُ السَّلْبَ الْجُزْئِيَّ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا قَالَتْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] . وَلَمْ يُفِدْ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ الْعُمُومَ لَمَّا كَانَ هَذَا رَدًّا لَهُ. وَلِأَنَّ النُّصُوصَ وَالْإِجْمَاعَ تَدُلُّ عَلَى كَلِمَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةِ تَوْحِيدٍ وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ نَفْيُ النَّكِرَةِ مُوجِبًا لِلْعُمُومِ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ يَصِحُّ الْإِضْرَابُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَا رَأَيْت رَجُلًا بَلْ رَأَيْت رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالًا كَذَا نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُوجِبًا لِلْعُمُومِ لَمَا صَحَّ كَمَا لَوْ قِيلَ مَا رَأَيْت رَجُلًا بَلْ رَأَيْت رِجَالًا (قُلْنَا) نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ بِقَرِينَةِ الْإِضْرَابِ يُفْهِمُ الْمُرَادُ نَفْيَ صِفَةِ الْوَحْدَةِ لَا نَفْيَ نَفْسِ الْحَقِيقَةِ كَمَا لَوْ قَالَ مَا رَأَيْت رَجُلًا كُوفِيًّا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْمَوْصُوفَةِ لَا مُطْلَقِ الْحَقِيقَةِ كَذَا هَذَا. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّكِرَةَ تَعُمُّ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ كَمَا تَعُمُّ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ يُقَالُ مَنْ يَأْتِنِي بِمَالٍ أُجَازِهِ لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِمَالٍ دُونَ مَالٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا عَمَّتْ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمُعَيَّنٍ فِي قَوْلِك رَأَيْت رَجُلًا وَالنَّفْيُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَقِيضُ الْإِثْبَاتِ فَإِذَا انْضَمَّ النَّفْيُ إلَى التَّنْكِيرِ اقْتَضَى اجْتِمَاعُهُمَا الْعُمُومَ فَكَذَا الشَّرْطُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بَلْ مُقْتَضَاهُ الْعُمُومُ فَالنَّكِرَةُ الْوَاقِعَةُ فِي مَوْضِعِهِ تَعُمُّ أَيْضًا وَلَمَّا كَانَتْ الْمَعْرِفَةُ خِلَافَ النَّكِرَةِ كَانَ الْفَرْقُ فِي عُمُومِهَا لِلْأَجْزَاءِ وَعَدَمُهُ فِي حَالَتَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّكِرَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ فَاشْتَرَاهُ إلَّا جُزْءًا مِنْهُ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْتَرِيَن هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ فَاشْتَرَاهُ إلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَحْنَثُ. ثُمَّ قِيلَ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّمَا تَخُصُّ إذَا كَانَتْ اسْمًا غَيْرَ مَصْدَرٍ فَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرًا فَهِيَ تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ. ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] . وَصَفَ الثُّبُورَ بِالْكَثْرَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا وَنَوَى الثَّلَاثَ يَصِحُّ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُنَكَّرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فِي الْإِثْبَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ رَأَيْت رَجُلًا كَثِيرًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ. [لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ] قَوْلُهُ (وَضَرْبٌ آخَرُ) أَيْ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ لَامُ التَّعْرِيفِ. اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الْجِنْسِ إذَا دَخَلَتْهُ لَامُ التَّعْرِيفِ لَا لِلْعَهْدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُرَادٌ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بَلْ هُوَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَسَوِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ اللَّامُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفَرْدِ أَوْ الْجَمْعِ يَصِيرُ لِلْجِنْسِ إلَّا أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْأَدْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْضًا
[ ٢ / ١٣ ]
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أَيْ هَذَا الْجِنْسُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]
_________________
(١) [كشف الأسرار] لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَاحِدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا قَالُوا هَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ بِحَقِيقَةِ الْأَدْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَكُلُّ فَرْدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كُلًّا كَمَا بَيَّنَّا فَلَمَّا سَاوَى الْبَعْضُ الْكُلَّ فِي الدُّخُولِ تَرَجَّحَ الْبَعْضُ بِالتَّيَقُّنِ وَانْصَرَفَ مُطْلَقُ اللَّفْظِ إلَيْهِ وَاحْتَمَلَ الْكُلَّ بِدَلِيلِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ تَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا تَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِالنِّيَّةِ. قَالُوا وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إذْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ الطَّلَاق تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَقَدْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِدُونِ النِّيَّةِ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّ مُوجِبَهُ تَنَاوَلَ الْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْأَعْلَى. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْعُمُومُ وَالِاسْتِغْرَاقُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إجْرَاءِ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] . عَلَى الْعُمُومِ وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِغْرَاقِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَكَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ بِاللَّامِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالًا شَائِعًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ. وَكَذَا أُرِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] . ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] . ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] . ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] . كُلُّ الْجِنْسِ لَا فَرْدٌ مَخْصُوصٌ. وَنَصَّ الزَّجَّاجُ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] . بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ النَّاسُ. وَكَذَا يُقَالُ الْفَرَسُ أَعْدَى مِنْ الْحِمَارِ وَالْأَسَدُ أَقْوَى مِنْ الذِّئْبِ وَيُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ إلَّا الْفَرْدَ. وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ التَّجْنِيسِ وَبَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ الِاسْتِغْرَاقِ حَتَّى قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ إنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] . لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَقَالُوا مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا يَنْصَرِفُ الْأَعْلَى إلَّا بِدَلِيلٍ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ. وَلِأَنَّ هَذِهِ اللَّامَ لِلتَّعْرِيفِ لُغَةً وَالتَّعْرِيفُ يُحَصِّلُ تَمْيِيزَ الْمُسَمَّى عَنْ أَغْيَارِهِ وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ الشَّخْصِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْخَاصِ الْمُشَارِكَةِ لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ النَّوْعِ وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا التَّعْرِيفُ إلَّا بَعْدَ سَبْقِ عَهْدٍ بِهَذَا الشَّخْصِ ذِكْرًا أَوْ مُشَاهَدَةً. وَتَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ النَّوْعِ عَنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ الْمُسَاوِيَةِ لَهُ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْجِنْسِ كَمَا يُقَالُ مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ غَيْرُ مَخُوفٍ فَهَذَا الْأَسَدُ مَخُوفًا فَإِنَّ اسْمَ الْأَسَدِ وَاقِعٌ عَلَى كَمَالِ نَوْعِهِ لَا عَلَى شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِهِ لِانْعِدَامِ سَبْقِ الْعَهْدِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَبْلَغُ مِنْ التَّعْرِيفِ لِلشَّخْصِ لِبَقَاءِ الِاشْتِرَاكِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي تَعْرِيفِ الشَّخْصِ وَانْقِطَاعِ ذَلِكَ فِي النَّوْعِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالِاسْمِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ. وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ بِأَجْمَعِهِمْ أَوْ الْمُبْرِزُونَ مِنْهُمْ إنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ الْمُمْكِنِ صَرْفُهُ إلَى الْجِنْسِ وَالْمَعْهُودِ إلَى الْجِنْسِ أَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ السَّرَّاجِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَامَةً لِمَا كَمُلَ تَعْرِيفُهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ عَلَامَةً لِمَا ضَعُفَ فِي بَابِهِ وَوَهِيَ فِي نَفْسِهِ. نُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ صَرْفُ اللَّامِ إلَى الْجِنْسِ لِيَحْصُلَ التَّعْرِيفُ وَلَنْ يَحْصُلَ التَّعْرِيفُ إلَّا بِالِاسْتِغْرَاقِ وَجَبَ الصَّرْفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَتَعَرَّفُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ جَاءَنِي حَصَلَ الْعِلْمُ لِلسَّامِعِ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا ذَكَرًا جَاوَزَ حَدَّ الصِّغَرِ وَكَذَا إذَا قِيلَ جَاءَنِي
[ ٢ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [كشف الأسرار] رِجَالٌ عُرِفَ جِنْسُهُمْ وَنَوْعُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَجِيءِ وَبَقِيَتْ الذَّوَاتُ مَجْهُولَةً فَإِذَا دَخَلَتْ فِيهِ اللَّامُ لَا يَحْصُلُ تَعْرِيفُ الذَّاتِ إلَّا وَأَنْ يُصْرَفَ إلَى كُلِّ الْجِنْسِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ مُرَادٌ بِهَذَا اللَّفْظِ فَأَمَّا مَتَى صُرِفَ إلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ فَلَمْ تَصِرْ الذَّوَاتُ مَعْلُومَةً وَمَا وَرَاءَهَا مَعْلُومٌ بِدُونِ اللَّامِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إلْغَاءً لِفَائِدَةِ اللَّامِ وَصَارَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَذَلِكَ إبْطَالُ وَضْعِ اللُّغَةِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَهْدَ إذَا انْعَدَمَ لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْجَمِيعِ لِيَحْصُلَ التَّعْرِيفُ. وَقَوْلُهُمْ الْوَاحِدُ كُلُّ الْجِنْسِ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يُزَاحِمُهُ فَعِنْدَ وُجُودِهِ هُوَ الْبَعْضُ حَقِيقَةً فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ كُلًّا لِلْجِنْسِ الَّذِي هُوَ بَعْضٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضًا جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلًّا. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ فَنَقُولُ إنَّمَا عَدَلْنَا عَنْ الْكُلِّ بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ إنْسَانًا إنَّمَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ عَمَّا يَدْعُوهُ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَيُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَتَزَوَّجَ نِسَاءَ الْعَالَمِ وَشِرَاءُ عَبِيدِ الدُّنْيَا وَشُرْبُ مِيَاهِهَا جَمِيعًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْبَعْضَ هُوَ الْمُرَادُ فَصَرْفَنَا الْيَمِينَ إلَى الْوَاحِدِ لِلتَّيَقُّنِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَشْرَبُ قَطْرَةً مِنْ الْمَاءِ وَلَا أَتَزَوَّجُ وَاحِدَةً مِنْ النِّسَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْجَامِعِ لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْت بَنِي آدَمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَكَلَّمَ رَجُلًا وَاحِدًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ أَنَّمَا يَقَعُ عَلَى هَذَا ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَلِّمَ بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَإِنَّمَا يَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَنْ كَلَّمَ مِنْهُمْ فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْحَمْلِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إيقَاعَ جَمِيعِ جِنْسِ الطَّلَاقِ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَلَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُ جَمِيعِ هَذَا الْجِنْسِ فَصَارَ قَائِلًا أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضًا مِنْ الطَّلَاقِ أَيْ بَعْضًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْفِعْلِ الْمُمْتَازِ عَنْ الْأَفْعَالِ الْأُخَرِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْوَاحِدُ مُتَيَقَّنٌ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْمُعِينِ وَالْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الِاسْمُ الدَّاخِلُ عَلَيْهِ اللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَصَحَّ نَعْتُهُ بِاسْمِ الْجَمْعِ فَيُقَالُ جَاءَنِي الرَّجُلُ الطِّوَالُ كَمَا يُقَالُ جَاءَنِي الرِّجَالُ الطِّوَالُ (قُلْنَا) يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَهْلَكَ النَّاسُ الدِّينَارَ الصُّفْرَ وَالدِّرْهَمَ الْبِيضَ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ إلَّا أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُنْعَتَ بِاللَّفْظِ الْفَرْدِ مُرَاعَاةً لِلصُّورَةِ وَمُحَافَظَةً عَلَى التَّشَاكُلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ إنْ كَانَ عَامًّا عِنْدَ الشَّيْخِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَتْنًا وَلَا لِلْكُلِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُحْتَمِلًا لِمَا دُونَهُ إلَى الْأَدْنَى كَمَا هُوَ مُوجِبُ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَإِنَّهَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَيَحْمِلُ عَلَى الْأَدْنَى التَّعَذُّرُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ عَدُّ لَامِ التَّعْرِيفِ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَلَكِنْ مُوجِبُ الْعَامِّ عِنْدَهُ تَنَاوُلُهُ لِلْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ الْعَامِّ عِنْدَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَدَلَالَةُ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ أَيْضًا لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنَّ الْعَامَّ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْعُمُومِ وَالْجِنْسُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى لِوُجُودِ حَقِيقَةِ مَعْنَى الْجِنْسِ فِيهِ مَعَ رِعَايَةِ الْفَرْدِيَّةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا كَمَا قَرَعَ سَمْعَك غَيْرَ مَرَّةٍ. وَفِي الْجُمْلَةِ
[ ٢ / ١٥ ]
وَمِثَالُهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا - ﵏ - الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْهُودًا قَالَ اللَّهُ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَمِثَالُهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدًا بِصِلَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ كَذَلِكَ أَنَّ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَكِرَةً كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ فَيَصِيرُ دَلَالَةً عَلَى مَعْنَى الْعَهْدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لِدَلَالَةِ الْعَادَةِ عَلَى مَعْنَى الْعَهْدِ
_________________
(١) [كشف الأسرار] لَمْ يَتَّضِحْ لِي حَقِيقَةُ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا غَرْوَ إذْ هُوَ كَانَ - ﵀ - فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ. مُتَغَلْغِلًا فِي مَضَايِقِ مَسَالِكِ التَّدْقِيقِ. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى مَقْصُودِهِ وَمَرَامِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ نُكَتِهِ وَأَسْرَارِ كَلَامِهِ. فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (قَوْلُ عُلَمَائِنَا) أَيْ مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ تَصِيرُ لِلْجِنْسِ بِدُخُولِ اللَّامِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهُ أَنَّهَا تَطْلُقُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ كَمَا تَرَى. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عُلَمَائِنَا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَطْلُقُ عَلَى مَا عُرِفَ. وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي قخوله الْمَرْأَةُ لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَهِيَ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ هِيَ مَجْهُولَةٌ مُنَكَّرَةٌ إذْ اللَّامُ لَيْسَتْ لِتَعْرِيفِهَا وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى مَجْهُولَةٍ إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَتَعَيَّنُ وَيَتَعَرَّفُ بِالْوَصْفِ وَقَدْ وَصَفَ بِالتَّزَوُّجِ فَيَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَكَانَ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعَيُّنُ الَّذِي لَا بُدَّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لِتَوَقُّفِ صَيْرُورَتِهَا مَعْلُومَةً عَلَيْهِ وَهُوَ يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى التَّزَوُّجِ وَهُوَ وَصْفٌ عَامٌّ فَيَتَعَمَّمُ الْحُكْمُ بِهِ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا حَيْثُ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِأَبْلَغِ جِهَاتِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ تَعْرِيفٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ بَلْ يَكُونُ مُجَرَّدُ وَصْفٍ فَبَقِيَ إيقَاعُهَا لِلْحَالِ فَبَطَلَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ الْعَبْدُ الَّذِي أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ يَعْتِقُ وَلَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَعْتِقُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَطْلُقُ وَلَا تَطْلُقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ طَالِقٌ طَلُقَتْ لِلْحَالِ دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ بِدُخُولِ اللَّامِ تَصِيرُ لِلْجِنْسِ. وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ. إذَا أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ كَذَلِكَ أَيْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الصَّكِّ بِأَنْ أَدَارَ صَكًّا عَلَى الشُّهُودِ وَأَقَرَّ بِمَا فِيهِ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَلْفُ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ نَكِرَةً أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ بِأَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ وَالْمَجْلِسُ وَاحِدٌ كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُخْتَلِفًا فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ حَتَّى يَلْزَمَهُ أَلْفَانِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ فِي تَكْرَارِ الْإِقْرَارِ لِتَأْكِيدِ الْحَقِّ بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُودِ فَيَكُونُ الثَّانِي تَكْرَارًا لِلْأَوَّلِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ بِالشَّكِّ وَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ ثَانِيًا بِأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ وَاحِدًا ثُمَّ بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ آخَرَ وَكَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَكْرَارٌ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَالنَّكِرَةُ إذَا كُرِّرَتْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَتَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ صَكًّا عَلَى حِدَةٍ وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ صَكٍّ شَاهِدَيْنِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَشْهَدَ عَلَى كُلِّ إقْرَارٍ شَاهِدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ مُسْتَحْكَمًا فَفَائِدَةُ إعَادَتِهِ اسْتِحْكَامُ الْمَالِ بِإِتْمَامِ الْحُجَّةِ. وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِعَادَةِ إسْقَاطُ مُؤْنَةِ الْإِثْبَاتِ
[ ٢ / ١٦ ]
وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنَ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ أُعِيدَ مَعْرِفَةً وَالْيُسْرُ أُعِيدَ نَكِرَةً إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ
_________________
(١) [كشف الأسرار] بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي مَعَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى ذَلِكَ الْأَلْفَ فَإِعَادَتُهُ تَحْصُلُ مُعَرَّفًا. وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ الصَّكَّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ هُنَاكَ صَارَ مُعَرَّفًا بِالْمَالِ الثَّابِتِ فِي الصَّكِّ وَالْمُنَكَّرِ أَوْ الْمُعَرَّفِ إذَا أُعِيدَ مُعَرَّفًا كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِقْرَارَانِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ مَالَانِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرٌ فِي جَمْعِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَجَعْلِهَا فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ فَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الثَّانِي مُعَرَّفًا مِنْ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَقَارِيرَ بِالزِّنَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جُعِلَ فِي حُكْمِ إقْرَارٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ فِي مَجْلِسٍ وَأَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بِأَلْفَيْنِ وَأَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ أَوْ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ بِأَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يَلْزَمُهُ الْمَالَانِ وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَالَيْنِ فَقَطْ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -) أَنَّ الْمُنَكَّرَ إذَا كُرِّرَ مُنَكَّرًا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ. هُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - وَعَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ خَرَجَ إلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْعُسْرُ فِي جُحْرٍ لَطَلَبَهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ فَكَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْيُسْرَ أُعِيدَ مُنَكَّرًا فَكَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً أَوْ نَكِرَةً أَوْ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُسْتَغْرِقَةٌ لِلْجِنْسِ وَالنَّكِرَةَ مُتَنَاوِلَةٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْكُلِّ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا كَانَ أَوْ مُؤَخَّرًا وَالنَّكِرَةُ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُتَنَاوِلَةٌ لِلْبَعْضِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَوْ انْصَرَفَتْ إلَى الْأُولَى لَتَعَيَّنَتْ ضَرْبَ تَعَيُّنٍ بِأَنْ لَا يُشَارِكَهَا غَيْرُهَا فِيهِ فَلَا يَبْقَى نَكِرَةً وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ الْعُسْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ. وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُ الشَّاعِرِ: صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهَلٍ وَقُلْنَا الْقَوْمُ أَخَوَانِ عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْنَ يَوْمًا كَاَلَّذِي كَانُوا وَمِثَالُ الثَّالِثِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] . وَمِثَالُ الرُّجُوعِ الْيُسْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ كُلَّ جُزْءٍ إلَى تَطْلِيقَةٍ نَكِرَةٍ فَكَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً فَكَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةِ وَسُدُسَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ جَاءَنِي الْيَوْمَ نِسَاءٌ حِسَانٌ أَوْ رَأَيْت الْيَوْمَ نِسَاءً حِسَانًا أَوْ عَبِيدًا حِسَانًا ثُمَّ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً فَكَذَا أَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَكَذَا فَتَزَوَّجَ ثُلُثًا مِنْ غَيْرِهِنَّ أَوْ اشْتَرَى ثُلُثَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ يَحْنَثُ. وَلَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت النِّسَاءَ أَوْ اشْتَرَيْت
[ ٢ / ١٧ ]
وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدَنَا بَلْ هَذَا تَكْرِيرٌ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى - ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]
_________________
(١) [كشف الأسرار] الْعَبِيدَ فَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ أَوْ اشْتَرَطَ غَيْرَهُمْ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ تَحْقِيقِ حُرُوفِ الْمَعَانِي ثُمَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] إنَّمَا أُدْخِلَتْ الْفَاءُ فِي الْأَوَّلِ جَوَابًا لِتَعْيِيرِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ بِالْفَقْرِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُومِنِينَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأُولَى عِدَةً بِأَنَّ الْعُسْرَ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مَرْدُودٌ بِيُسْرٍ لَا مَحَالَةَ وَالثَّانِيَةُ عِدَةٌ بِأَنَّ الْعُسْرَ مَتْبُوعٌ بِيُسْرٍ فَهُمَا يُسْرَانِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنَافِ وَإِنَّمَا كَانَ الْعُسْرُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْعُسْرُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَهُوَ هُوَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ زَيْدٍ فِي قَوْلِك إنَّ مَعَ زَيْدٍ مَالًا إنَّ مَعَ زَيْدٍ مَالًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَعْلَمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ فَهُوَ هُوَ أَيْضًا وَإِمَّا الْيُسْرُ فَمُنَكَّرٌ مُتَنَاوِلٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُكَرَّرٍ فَقَدْ تَنَاوَلَ بَعْضًا غَيْرَ الْبَعْضِ الْأَوَّلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْيُسْرَيْنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنْ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا تَيَسَّرَ لَهُمْ فِي أَيَّامِ الْخُلَفَاءِ. وَأَنْ يُرَادَ يُسْرُ الدُّنْيَا وَيُسْرُ الْآخِرَةِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي " يُسْرًا " لِلتَّفْخِيمِ كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وَأَيُّ يُسْرٍ. وَعَنْ الْعُتْبِيِّ أَوْ الْقُتَبِيِّ قَالَ كُنْت يَوْمًا مَغْمُومًا بِالْبَادِيَةِ فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: أَرَى الْمَوْتَ لِمَنْ أَصْبَحَ مَغْمُومًا لَهُ رُوحٌ فَسَمِعْت بِاللَّيْلِ هَاتِفًا مِنْ السَّمَاءِ يَقُولُ: أَلَا يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ الَّذِي الْهَمُّ بِهِ بَرَّحْ وَقَدْ أَنْشَدْت بَيْتًا لَمْ تَزَلْ فِي فِكْرِهِ تَسْبَحْ إذَا اشْتَدَّتْ بِك الْعُسْرَى فَفَكِّرْ فِي أَلَمْ نَشْرَحْ فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ إذَا فُكِّرْتَهَا فَافْرَحْ قَالَ فَحَفِظْت الْأَبْيَاتَ وَفَرَّجَ اللَّهُ غَمِّي وَقَالَ آخَرُ: تَوَقَّعْ إذَا مَا عَرَتْكَ الْهُمُومُ سُرُورًا يُشَرِّدُهَا عَنْكَ قَسْرَا تَرَى اللَّهَ يُخْلِفُ مِيعَادَهُ وَقَدْ قَالَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا قَوْلُهُ (وَفِيهِ نَظَرٌ) ذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى وَالنَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى نَظَرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] . الْكِتَابُ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ وَإِنْ ذُكِرَا مُعَرَّفَيْنِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] . الضَّعْفُ الثَّانِي عَيْنُ الْأَوَّلِ وَإِنْ ذُكِرَا مُنَكَّرَيْنِ وَكَذَا الْقُوَّةُ الثَّانِيَةُ عَيْنُ الْأُولَى وَإِنْ ذُكِرَتَا مُنَكَّرَتَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ كَذَا ذُكِرَ فِي التَّيْسِيرِ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ يَعْنِي وَثَبَتَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ وَيَكُونُ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ " ح " مَذْكُورَةً عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَنَّهَا مَذْكُورَةٌ عَلَى وَجْهِ التَّكْرِيرِ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى لِتَقْرِيرِ مَعْنَاهَا فِي النُّفُوسِ وَيُمْكِنُهَا فِي الْقُلُوبِ كَمَا كَرَّرَ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] . ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى - ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥] . وَكَمَا يُكَرَّرُ الْمُفْرَدُ فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ زَيْدٌ وَعَلِيٌّ هَذَا التَّقْدِيرُ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى النَّظَرِ. ثُمَّ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ قَدْ يُتْرَكُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ التَّعَذُّرُ هَهُنَا فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ لَمَّا وُصِفَ بِقَوْلِهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ الْكِتَابَ الثَّانِي بَيَانًا. لِمَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ قُوَّةِ الشَّبَابِ قُوَّةٌ أُخْرَى
[ ٢ / ١٨ ]