المبحث الثَّانِي: الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟
وَفِيه ثَلَاثَة مطَالب:
الْمطلب الأول: أصل الْمَسْأَلَة وَمَا تتفرع عَنهُ
قَاعِدَة كَبِيرَة فِي أَن الشَّخْص الْوَاحِد١ أَو الْعَمَل الْوَاحِد يكون مَأْمُورا بِهِ من وَجه مَنْهِيّا عَنهُ من وَجه وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة٢.
_________________
(١) الشَّخْص الْوَاحِد هُوَ المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان، وَقَالُوا الْإِيمَان اسْم معتقده وَإِقْرَاره وَعَمله الصَّالح، وَالْفِسْق اسْم عمله السَّيئ فَهُوَ محسن فِيمَا عمل من صَالح ومسيء فِيمَا عمل من سيئ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون. انْظُر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ٣/٢٧٤ و٢٨٦ وَشرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٤٢ والعقيدة الطحاوية مَعَ شرحها ٢/٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣١٦.
(٢) قَالَ فِي القواطع ١/٢٤٦ - ٢٤٧ “يُقَال لَهُم: هَل تجوزون أَن يكون الْإِنْسَان فِي فعل وَاحِد مَأْمُورا من وَجه مَنْهِيّا من وَجه مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه؟ فَإِن قَالُوا: لَا قُلْنَا: الدَّلِيل على جَوَازه الْمَشْرُوع والمعقول: - أما الْمَشْرُوع فَإِن الْمَرِيض الَّذِي يستضر بِالصَّوْمِ إِذا صَامَ فَإِنَّهُ لم يخْتَلف أحد أَن صَوْمه يَقع وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّوْمِ من وَجه، مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه، وَلَوْلَا أَنه مَأْمُور من وَجه لم يتَصَوَّر وُقُوعه موقع الصَّوْم الْمَفْرُوض عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ من وَجه وَهُوَ لتَضَمّنه إِضْرَارًا بِنَفسِهِ، وَأما الْمَعْقُول فَإِن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ احْمِلْ هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا واسلك بهَا طَرِيق كَذَا، فَحمل الْخَشَبَة وسلك طَرِيقا غير الطَّرِيق الَّذِي قَالَ فَإِنَّهُ يكون مُطيعًا من وَجه عَاصِيا من وَجه، أَلا ترى أَنه يحسن أَن يَقُول العَبْد: - إِن كنت عصيتك فِي سلوك هَذَا الطَّرِيق فقد أطعتك فِي حمل هَذِه الْخَشَبَة إِلَى مَوضِع كَذَا” وَانْظُر شرح الْكَوْكَب ١/٣٨٩ والمستصفى ١/٢٥٤ وَنِهَايَة السول ٢/٣٠٢ والبرهان
(٣) /٢٠٣ وكشف الْأَسْرَار للْبُخَارِيّ ١/٥٦٧.
[ ٣٩٩ ]
خلافًا للخوارج والمعتزلة١، وَقد وافقهم طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات متكلميهم وفقهائهم من أَصْحَابنَا٢ وَغَيرهم٣ فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه.
فَقَالُوا: لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ٤.
وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين٥ وَلَا
_________________
(١) حَيْثُ يَقُول الْخَوَارِج إِن الْمُسلم يخرج من الْإِيمَان بارتكاب الْكَبِيرَة وَيدخل الْكفْر، وَيَقُول الْمُعْتَزلَة يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل الْكفْر وَهَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين، وَأوجب الْخَوَارِج والمعتزلة لَهُ الخلود فِي النَّار. انْظُر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٣٤ و٥٢٤ ومسائل الْإِيمَان لأبي يعلى ٣٢٣ - ٣٢٥ وَشرح الْأُصُول الْخَمْسَة ١٣٩ - ١٤٠ وَالْإِيمَان لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٢٨٣ و٣٠٤.
(٢) قَالَ الكلوذاني فِي التَّمْهِيد ١/٣٧٩: “وَتَحْقِيق هَذَا أَن الصَّلَاة فِي ملك الْغَيْر مَعْصِيّة قطعا، وَالصَّلَاة طَاعَة قطعا، فَكيف يكون الْفِعْل الْوَاحِد طَاعَة مَعْصِيّة؟ ويؤكد هَذَا أَن النَّهْي يَقْتَضِي إعدام الْفِعْل، وَالْأَمر يَقْتَضِي إيجاده فَكيف يتَصَوَّر كَون الْوَاحِد مَعْدُوما مَوْجُودا؟ ”
(٣) قَالَ فِي الْمَحْصُول ١/٣٤٠ - ٣٤١: “الشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ مَعًا، وَالْفُقَهَاء قَالُوا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ للشَّيْء وَجْهَان، لنا أَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الَّذِي طلب تَحْصِيله من الْمُكَلف وَأَقل مراتبه رفع الْحَرج من الْفِعْل، والمنهي عَنهُ هُوَ الَّذِي لم يرفع الْحَرج عَن فعله، فالجمع بَينهمَا مُمْتَنع” وَانْظُر التَّحْصِيل من الْمَحْصُول ١/٣٣٥.
(٤) انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٢ والبرهان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ ١/٢٠٠.
(٥) كَأبي يعلى حَيْثُ ذكر فِي كِتَابه مسَائِل الْإِيمَان ص٣١٦ أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بإيمانه فَاسق بكبيرته وَهَذِه مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد، وَذكر فِي كِتَابه الْعدة ٢/٤٤١ أَن النَّهْي إِذا تعلق بِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ يدل على الْفساد كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، وَهَذِه مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد. وَسبب مخالفتهم لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد أَن قَول الْمُعْتَزلَة والخوارج فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد مَبْنِيّ على أَن الْإِيمَان شَيْء وَاحِد إِذا زَالَ بعضه زَالَ جَمِيعه وَأَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلَا يتفاضل، وَالْعُلَمَاء الَّذين أَشَارَ إِلَيْهِم شيخ الْإِسْلَام ﵀ هُنَا لَا يوافقونهم فِي هَذَا الأَصْل الْفَاسِد بل يرَوْنَ مَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص وَأجْمع عَلَيْهِ السّلف من أَن الْإِيمَان يتفاضل وَقد يذهب بعضه وَيبقى بعضه. وَإِنَّمَا وافقوهم فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد لما ظنوه من تضارب بَين الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فخالفوهم فِي الأَصْل ووافقوهم فِي الْفَرْع.
[ ٤٠٠ ]
ريب أَن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن هَذَا الْعَمَل لَا يَجْزِي١ وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة٢.
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَجْزِي كَقَوْل أَكثر الْفُقَهَاء٣
لَكِن من أَصْحَابنَا من جعلهَا عقلية وَرَأى أَنه٤ يمْتَنع ذَلِك عقلا وَهُوَ قَول
_________________
(١) انْظُر الرِّوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد فِي التَّمْهِيد ١/٣٦٩ وروضة الناضر ١/٢٠٩ وَهِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ، انْظُر شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة ١/٣٦٢ - ٣٦٣ وَقد قَالَ بِهَذَا القَوْل الْمُعْتَزلَة إِلَّا النظام وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأهل الظَّاهِر انْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ - ٢٤١ وَالْبَحْر الْمُحِيط ١/٢٦٣ وَانْظُر مَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.
(٢) انْظُر بَيَان الْمُخْتَصر ١/٣٧٨ وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى سَبَب قَول من قَالَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وَسبب قَول الْمُعْتَزلَة بِعَدَمِ الْإِجْزَاء وشتان بَين السببين.
(٣) انْظُر الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي رَوْضَة النَّاظر ١/٢١٠ وَانْظُر قواطع الْأَدِلَّة ١/٢٤٠ والبرهان
(٤) /١٩٩ وَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَقْوَال.
(٥) فِي المطبوع “لَا يمْتَنع” وَيظْهر أَن “لَا” زَائِدَة كَمَا هُوَ ظَاهر من الْكَلَام على القَوْل الرَّابِع الْآتِي حَيْثُ نسب هُنَاكَ لِابْنِ الباقلاني وَابْن الْخَطِيب أَن الْعقل يمْنَع ذَلِك.
[ ٤٠١ ]
أَكثر الْمُعْتَزلَة، وَكثير من الأشعرية، كَابْن الباقلاني١ وَابْن الْخَطِيب٢“٣.
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، أَبُو بكر، الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الباقلاني ولد بِالْبَصْرَةِ سنة٣٣٨ هـ، انتصر لمَذْهَب الأشاعرة، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْمَذْهَب الْمَالِكِي فِي وقته، لَهُ مصنفات مِنْهَا إعجاز القرءان وهداية المسترشدين فِي علم الْكَلَام توفّي بِبَغْدَاد سنة ٤٠٣هـ. انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ١٧/١٩٠ ومعجم المؤلفين ١٠/١٠٩.
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن عمر بن الْحُسَيْن التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ، الشَّافِعِي، الرَّازِيّ، أَبُو عبد الله، فَخر الدّين وَيُقَال ابْن خطيب الرّيّ، أَصله من طبرستان وَولد بِالريِّ سنة ٥٤٤هـ وَقيل ٥٤٣هـ كَانَ مُفَسرًا متكلمًا أصوليًا ذَا احترام من الْمُلُوك يتوقد ذكاءً قَالَ الذَّهَبِيّ: “توفّي على طَريقَة حميدة” لَهُ مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا التَّفْسِير الْكَبِير والمحصول توفّي بهراة سنة ٦٠٦هـ. انْظُر تَرْجَمته فِي سير أَعْلَام النبلاء ٢١/٥٠٠ والأعلام ٦/٣١٣.
(٣) مَجْمُوع الْفَتَاوَى ١٩/٢٩٥ وَسَيَأْتِي تَوْثِيق ذَلِك عِنْد ذكر الْأَقْوَال.
[ ٤٠٢ ]