بعد أَن استعرضنا كَلَام شيخ الْإِسْلَام وناصر السّنة المؤصل النفيس فِي مبحثي الْإِرَادَة فِي الْأَمر، وَالْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ ألخص هُنَا أهم النقاط فِي هذَيْن المبحثين:
١ - أَن مَبْحَث الْإِرَادَة فِي الْأَمر يرجع إِلَى مَسْأَلَة الْقدر وَمَسْأَلَة إِرَادَة الرب سُبْحَانَهُ المبحوثة فِي أصُول الدّين.
٢ - أَن الْإِرَادَة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على نَوْعَيْنِ:
أ - الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة الخلقية الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث.
ب - الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الأمرية وَهِي بِمَعْنى الْمحبَّة والرضى.
٣ - أَنه لعدم معرفَة الْفرق بَين الإرادتين وَقع الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة فِي الْأَمر فِي أصُول الْفِقْه
٤ - أَن الْأُصُولِيِّينَ يذكرُونَ فِي كتبهمْ أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ: -
القَوْل الأول: الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة مُطلقًا وَهُوَ قَول الْقَدَرِيَّة وَمِنْهُم الْمُعْتَزلَة.
القَوْل الثَّانِي: الْأَمر غير مُسْتَلْزم للإرادة من غير تَفْصِيل وَهُوَ قَول الْجَهْمِية والأشاعرة وينسبه الأصوليون لِلْجُمْهُورِ.
٥ - أَن فِي الْمَسْأَلَة قولا ثَالِثا لَا يذكر فِي كتب الْأُصُول غَالِبا وَهُوَ أَن الْأَمر مُسْتَلْزم للإرادة الشَّرْعِيَّة الدِّينِيَّة الأمرية، وَغير مُسْتَلْزم للإرادة الكونية، وَهَذَا هُوَ قَول السّلف وأئمة الْفِقْه.
٦ - أَن القَوْل الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَة هُوَ القَوْل الثَّالِث قَول السّلف وأئمة الْفِقْه وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ القرءان.
يَقُول الله ﷿ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه الْإِرَادَة
[ ٤٢٢ ]
الشَّرْعِيَّة الأمرية، وَالْأَمر مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.
وَيَقُول الله ﷿ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأجمعت الْأمة على قَول “مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن” وَهَذِه الْإِرَادَة الكونية الْقَدَرِيَّة، وَالْأَمر غير مُسْتَلْزم لهَذِهِ الْإِرَادَة.
٧ - أَن مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مُرْتَبِط بِمَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.
٨ - أَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن المذنب من أهل الْملَّة الإسلامية مُؤمن فَاسق نَاقص الْإِيمَان فَهُوَ مُطِيع عاصٍ، وَأهل الْكَبَائِر من أمة مُحَمَّد ﷺ لَا يخلدُونَ فِي النَّار إِذا مَاتُوا وهم موحدون.
٩ - أَن مَذْهَب الْخَوَارِج أَن مرتكب الْكَبِيرَة يكفر بذلك وَيخرج من الْإِيمَان
١٠ - أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن مرتكب الْكَبِيرَة من أهل مِلَّة الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا يخرج من الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر فَهُوَ فِي منزلَة بَين المنزلتين.
١١ - أَن الْمُعْتَزلَة والخوارج اتَّفقُوا على أَن مرتكب الْكَبِيرَة مخلد فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة.
١٢ - أَن بعض الْأُصُولِيِّينَ وافقوا الْمُعْتَزلَة فِي مَسْأَلَة الْعَمَل الْوَاحِد فِي أصُول الْفِقْه وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فِي مَسْأَلَة الشَّخْص الْوَاحِد فِي أصُول الدّين.
١٣ - أَن من الْأُصُولِيِّينَ من جعل مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد هَل يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ؟ مبحثًا عقليًا وَقَالَ إِن ذَلِك يمْتَنع عقلا.
١٤ - أَن للأصوليين فِي مَبْحَث الْعَمَل الْوَاحِد وَهِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أَرْبَعَة أَقْوَال:
القَوْل الأول: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا وباطل شرعا.
القَوْل الثَّانِي: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وباطل شرعا فالمانع سَمْعِي.
القَوْل الثَّالِث: إِن ذَلِك جَائِز عقلا وسمعًا، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء.
[ ٤٢٣ ]
القَوْل الرَّابِع: إِن ذَلِك مُمْتَنع عقلا ووارد سمعا، وَهَذَا معنى قَوْلهم “حصل الْإِجْزَاء عِنْده لَا بِهِ” وَهَذَا قَول الباقلاني والرازي والآمدي وَهُوَ أفسد الْأَقْوَال عِنْد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية.
١٥ - أَن الصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن ذَلِك جَائِز عقلا.
١٦ - أَن الْفِعْل الْمعِين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمعينَة لَا يُؤمر بِعَينهَا وَينْهى عَن عينهَا لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق.
١٧ - أَن الصَّلَاة قد يُؤمر بهَا مُطلقَة وَينْهى عَن الْكَوْن فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فَيكون مورد الْأَمر غير مورد النَّهْي، وَيكون العَبْد هُوَ الَّذِي جمع بَين الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ إِذا صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة، لَا أَن الشَّارِع أمره بِالْجمعِ بَينهمَا.
١٨ - أَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة: إِنَّه إِنَّمَا نهي عَن جنس الْكَوْن فِيهَا لَا عَن خُصُوص الصَّلَاة فِيهَا فقد أدّى الْوَاجِب بِمَا لم ينْه عَن الِامْتِثَال بِهِ لَكِن نهي عَن جنس فعله فبه اجْتمع فِي الْفِعْل الْمعِين مَا أَمر بِهِ من الصَّلَاة الْمُطلقَة وَمَا نهي عَنهُ من الْكَوْن الْمُطلق فَهُوَ مُطِيع عاصٍ.
١٩ - وَأَنه قد يُقَال فِيمَن صلى فِي أَرض مَغْصُوبَة: إِنَّه مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بهَا كَمَا هُوَ مَنْهِيّ عَن الِامْتِثَال بِالصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ النَّجس لِأَن الْمَكَان شَرط فِي الصَّلَاة وَالنَّهْي عَن الْجِنْس نهي عَن أَنْوَاعه فَيكون مَنْهِيّا عَن بعض هَذِه الصَّلَاة.
٢٠ - أَن فعل الْمَأْمُور بِهِ يُوجب الْبَرَاءَة وَقد تقارنه مَعْصِيّة بقدرة تخل بِالْمَقْصُودِ فتقابل الثَّوَاب.
٢١ - أَن الْعَمَل الْوَاحِد يُمكن أَن يجْتَمع فِيهِ أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ من وَجْهَيْن أما من وَجه وَاحِد فمتعذر.
[ ٤٢٤ ]